Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١
أبواب الوتر/ باب ٣٤٨
قال: وفي الباب عن عليَّ، وأبي أيوب.
قال أبو عيسى: حديثُ عبد الله بن السائبٍ حديثٌ حسنٌ غريبٌ(١).
وقد رُوِيّ عن النبي : ((أنه كان يصلّي أربع ركعاتٍ بعد الزوالِ لا يسلّم إلاَّ في
آخرهن»(٢).
٣٤٨ - باب ما جاء في صلاة الحاجّةٍ
[المعجم ١٧ - التحفة ٢٣١]
٤٧٩ - عقثنا عليّ بن عيسى بن يزيدَ الْبَغْدَادِيُّ حدّثنا عبد الله بن بكرِ السَّهْمِيُّ،
وحدّثنا عبد الله بن مُنِيرٍ عن عبد الله بن بكرٍ عن فَائِدٍ بن عبد الرحمن عن عبد الله بن
أبي أُوْلَى قال: قال رسول الله:﴿: ((من كانت له إلى الله حاجةٌ أو إلى أحدٍ مِن بني آدمَ
فليتوضّأ فليُحسن الوضوء، ثم لِيُصَلِّ ركعتين، ثم لْيُثْنِ على الله، ولْيُصَلُ على النبيّ صلَ﴾،
ثم لْيَقُلْ: لا إله إلاّ اللَّهُ الحليمُ الكريمُ، سُبحان اللَّهِ رَبِّ العرشِ العظيم، الحمدُ لله ربِّ
العالمين، أسْأَلُكَ مُوجِباتٍ رحمتكَ، وعَزَائِمَ مغفرتكٌ، والغنيمةَ مِن كلْ بِرِّ، والسلامةَ مِن
فيه. فغدا عليه رسول الله # فقال: ((أين تحب أصلي من بيتك))؟ قال: فأشرت له إلى المكان
من البيت، فقام رسول الله # فكبر فقمنا وراءه، فصلى ركعتين ثم سلم، وذكر الحديث.
وخرج مسلم حديث عمرو بن عبسة قال: قدم رسول الله 18 المدينة وقدمت المدينة، فدخلت
عليه فقلت: أخبرني عن الصلاة، فقال: ((صل الصبح، ثم اقصر عن الصلاة حين تطلع الشمس
حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني الشيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن
الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح)». وروي عن النبي و أنه قال: ((إذا كانت
الشمس من ههنا كيهئتها من ههنا) يعني وقت العصر وذلك حين ترمض الفصال.
باب صلاة الحاجة والاستخارة
أما حديث صلاة الحاجة فضعيف كما ذكر أبو عيسى، فمن كانت له إلى الله حاجة فليسأله
وليقدم بين يدي سؤاله صدقة وتوبة حديث. وأما صلاة الاستخارة فحديث صحيح متفق عليه،
وفيه تسع منسائل:
(١) هو حديث صحيح متعمل الإسناد، ورواه أيضًا أحمد في المسند (ج ٣ ص ٤١١) عن الطيالسي.
(٢) هذا الحديث في ابن ماجه (١: ١٨٢).
٢٢٢
أبواب الوتر / باب ٣٤٩
كلِّ إِثْم، لا تَدَغْ لي ذنبًا إلاَّ غفرتَه، ولا هَمَّا إلاَّ فَرَّجْتَه، ولا حاجةٌ هيَ لك رِضًا إلاَّ
قَضَيْتَهَا، يا أرحمَ الرَّاحِمينَ)).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ، وفي إسناده مقالٌ.
فَائِدُ بن عبد الرحمن يُضَعَّفُ في الحديثِ، وفائدٌ هو ((أبو الوزقَاء))(١).
٣٤٩ - باب ما جاء في صلاة الاستخارة
[المعجم ١٨ - التحفة ٢٣٢]
٤٨٠ - عقدنا قُتَنْبَةُ حدّثنا عبد الرحمن بن أبي المَوَالِي عن محمد بن المُنْكّدِرِ عن
جابر بن عبد الله قال: ((كان رسول الله * يعلّمنا الإستخارةَ في الأمور كلّها، كما يعلّمنا
السورةً من القرآن، يقولُ: إذا هُمَّ أحدُكم بالأمرِ فليركع ركعتين من غيرِ الفريضةِ، ثم
لْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِن فضلكَ العظيم،
الأولى: قوله: (وليركع ركعتين من غير الفريضة) فيه تسمية ما يتعين فعله من العبادات
فرائض، ولا يسمى به المندوب وإن كان فيه معنى الفرض وهو التقدير، ولكنه أمر خص به
المكتوب حتمًا في لسان الشرع.
المسألة الثانية: قوله: (أستخيرك) أستفعل في لسان العرب على معان: منها سؤال الفعل،
وتقدير الكلام: أطلب منك الخير فيما همت به، والخير هو كل معنى زاد نفعه على ضره كما
بيناه في كتاب الأصول.
المسألة الثالثة: قوله: (وأستقدرك بقدرتك) معناه: أسألك هبة الخير والقدرة، وهذا دليل
على أن العبد لا يكون قادرًا إلا على الفعل، لا قبله كما تقوله القدرية، فإن الباري هو خالق
العلم بالشيء، والهم به، والقدر مع الفعل، مع القدرة، وذلك كله موجود بقدرة الله.
المسألة الرابعة: قوله: (وأسألك من فضلك) كل عطاء الله فضل، فإنه ليس لأحد عليه حق
في نعمة ولا في شيء، فكل ما يهب هو زيادة مبتدأة من عنده، لم يقابلها عوض منا فيما مضى
ولا يقابلها فيما يستقبل، فإن وفق للشكر والحمد فهو نعمة منه وفضل يفتقر أيضًا إلى حمد
وشكر، هكذا إلى غير غاية خلاف ما تعتقده المبتدعة، التي تقول إنه واجب على الله أن يبتدىء
(١) حديثه هذا رواه أيضًا ابن ماجه (١: ٢١٦) والحاكم في المستدرك (١: ٣٢٠)، وتعقبه الذهبي بأنه
متروك.
٢٢٣
أبواب الوتر/ باب ٣٤٩
فإنك تَقْدِرُ ولا أقْدِرُ، وتَعْلَّمُ ولا أَعْلَمُ، وأنتِ عَلاَّمُ الغيوبِ، اللَّهُمَّ إنْ كنتَ تَعْلَمُ أنَّ هذا
الأمرَ خَيْرٌ لِي في دِيني ومَعِيشَتي وعاقبةِ أمرِي، أو قال: في عاجِلِ أمرِي وآجِلِهِ -: فَيَسْرُهُ
لِي، ثم بارك لي فيه، وإنْ كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمرَ شَرٌّ لِي في دِينِي ومعيشتِي وعاقِبَةِ
أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله -: فَاضْرِفْهُ عَنِي، واضْرِفْني عنه، وأقْدُرْ لي الخير
حيثُ كان، ثُمَّ أَرْضِنِي به. قال: ويُسَمِّي حاجَتَهُ».
العبد بالنعمة، وقد خلق له القدرة وهي باقية دائمة له أبدًا، بها يعصي إن أراد ويطيع إن أراد،
وليس له في ذلك فعل بعد ولا عمل.
المسألة الخامسة: قوله: (فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم)، وهذا تصريح يعتقده أهل
السنة، فإن نفي العلم عن العبد والقدرة وهما موجودان، وذلك تناقض في بادىء الرأي، والحق
والحقيقة فيه الاعتراف بأن العلم الله والقدرة له، ليس للعبد من ذلك كله شيء إلا ما خلق له،
يقول: فأنت يا رب تقدر قبل أن تخلق لي القدرة، وتقدر مع خلق القدرة وتقدر بعد ذلك، وأنا
على التحقيقة في الأحوال كلها مصرت لك ومحل لمقدوراتك، وكذلك في العلم.
المسألة السادسة (وأنت علام الغيوب) المعنى أنا أطلب أمرًا مستأنفًا لا يعلمه إلا أنت،
فهب لي ما ترى منه أنه خير لي في ديني ومعيشتي وعاجل أمري وآجله. الخير على أربعة
أقسام: الأول: خير يكون للعبد في دينه ولا يكون له في دنياه، وهذا هو المقصود للأبدال
ولكن ليس للخلق عليه صبر في العموم. الثاني: أن يكون له خير في دنياه خاصة ولا يعترض
عليه في دينه، فذلك حظ حقير. الثالث: أن يكون له خير في العاجل، وذلك يحتمل في الدنيا
ويحتمل في الابتداء، ويكون في الآخرة أو في الانتهاء لغوًا. الرابع: أن يكون له في الانتهاء
خير، وذلك أولاه وأفضله، ولكن إذا جمع الأربعة الأوجه فذلك الذي ينبغي للعبد أن يسأل
ربه. فيه في الصحيح من دعاء النبي 18: ((اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح
لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل
خير، والموت راحة لي من كل شر إنك على كل شيء قدير)).
المسألة السابعة: قوله: (وبارك لي) أي: أده وضاعفه.
المسألة الثامنة: قوله: (واصرفه عني) فلا تخلفه، واصرفني عن تعلق بالي به وطلبه. وكان
بعض شيوخ الفقهاء يأخذ هذا المعنى في دعائه فيقول: اللهم لا تبعث بدني في طلب ما لم
تقدّره لي.
المسألة التاسعة: قوله: (ثم رضني به) أي اجعلني من الراضين بوجوده إن وجد أو بعدمه
إن عدم، والرضاء سكون النفس إلى القدر والقضاء، وقد بيناه في اسم الراضي من كتاب سراج
٢٢٤
أبواب الوتر/ باب ٣٥٠
قال: وفي الباب عن عبد الله بن مسعودٍ، وأبي أيُّوبَ.
قال أبو عیسی: حدیثُ جابر حديث حسن صحيحٌ غريبٌ، لا نعرفُه إلاَّ من حديث
عبد الرحمن بن أبي المَوّالِي.
وهو شيخٌ مدينيٌّ ثقةٌ، رَوّی عنه سفيانُ حديثًا، وقد رَوَى عن عبد الرحمن غيرُ
واحدٍ من الأئمة.
وهو (عبد الرحمن بن زيد بن أبي الموالي)).
٣٥٠ - بلب مَا جاء في صلاة التَّسبيح
[المعجم ١٩ - الشحنة ٢٣٣]
٤٨١ - هتثنا أحمد بن محمد بن موسى أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا
عِكْرِمَةُ بن عَمَّارٍ حدثني إسحقُ بن عبد الله بن أبي طلحةَ عن أنس بن مالك: أنَّ أُمّ
سُلَّيْمِ غَدَتْ على النبيِّ ﴾ فقالت: عَلَّمْني كلماتٍ أقولُهُنَّ في صلاتي، فقال: «كَبِرِي اللَّهُ
عَشْرًا، وسَبَّجِي اللَّهُ عَشْرًا، واحْمَدِيهِ عَشْرًا، ثُم سَلِي مَا شِئْتٍ، يقول: نَعَمْ نَعَمْ).
قال: وفي الباب عن ابن عباسٍ، وعبد الله بن عمرٍو، والفضل بن عباسٍ، وأبي
رافع.
قال أبو عيسى: حديثُ أنس حديثٌ حسنٌ غريبٌ(١).
وقد رُوِيّ عن النبيُّ ◌َّ غيرُ حديثٍ في صلاة التّسبِيحِ، ولا يصحُ منه كبيرُ شيءٍ.
المريدين. قال الإمام القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: الحديث صحيح ثابت، خرجه
البخاري وغيره.
صلاة التسبيح
خرجها أبو عيسى، عن ابن المبارك، عن عكرمة بن عمار، وهو ضعيف. سمعت الشيخ
أبا الحسن بن أيوب يقول: سمعت البرقاني يقول: سمعت الإسماعيلي يقول: عكرمة بن عمار
(١) رواه الحاكم في المستدرك (١: ٣١٧ - ٣١٨) وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. ونسبه
المنذري في الترغيب (١: ٢٤٠ - ٢٤١) لأحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما.
-٠٠٠
٢٢٥
ابواب الوتر/ باب ٣٥٠
وَقَدْ رأى ابنُ المبارك وغيرُ واحدٍ من أهل العلم صلاةَ التَّسبِيحِ، وذكروا الفضل
فيه.
حدّثنا أحمد بن عَبْدَةً حدّثنا أبو وَهْبٍ قال: سألت عبد الله بن المباركِ عن الصلاةِ
التي يُسَبِّحُ فيها؟ فقال: يُكَبِّرُ ثُمَّ يقول: سبحانكَ اللَّهُمَّ وبحمدكَ، وتبارك اسمُك، وتعالَّى
جَدُكَ، ولا إِلهَ غيرُك. ثم يقولُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً: سبحان الله: والحمد لله، ولا إله إلا
اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ. ثم يَتْعَوَّذُ ويقرأُ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ وفاتحة الكتاب وسورةً. ثم
يقولُ عَشْرَ مرَّاتٍ: سبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبر. ثم يركمُ
فيقولها عشرًا. ثم يرفعُ رأسَه من الركوع فيقولها عشرًا. ثم يسجدُ فيقولها عشرًا. ثم يرفع
رأسه فيقولها عشرًا. ثم يسجد الثانية فيقولها عشرًا. يصلّي أربعَ ركعاتٍ على هذا، فذلك
خمسٌ وسبعونَ تسبيحةٌ في كلِّ ركعةٍ، يبدأُ في كلِّ ركعةٍ بخمس عشرةً تسبيحَةً، ثم يقرأ
ثم يسبّحُ عشرًا. فإن صلَّى لَّيْلاً فَأحَبُّ إليّ أن يسلّم في الركعتينٍ، وإن صلَّى نهارًا فإن
شاء سَلّم وإن شاء لم يسلّم.
قال أبو وَهْبٍ، وأخيرني عبد العزيز بن أبي رِزْمّةً عن عبد الله أنه قال: يَبْدَأُ في
الركوعِ بسبحانَ ربِّي العظيم، وفي السجود بسبحانَ ربّي الأعلى: ثلاثًا، ثم يسبِّحُ
التسبيحات.
قال أحمد بن عَبْدَةَ: وحدّثْنَا وَهْبُ بن زّمْعَةً قال: أخبرني عبد العزيز، وهو ابن
أبي رِزْمَةً، قال: قلت لعبد الله بن المبارك: إِن سّهَا فيها يُسَبِّحُ في سجدتي السهوِ عشرًا
عشرًا؟ قال: لا، إنما هي ثلاثمائة تسبيحة.
٤٨٢ ۔۔ عقثنا أبو گُرَیْب محمد بن العلاء حدّثنا زيد بن حُبّابٍ المُلِيّ حدّثنا
موسى بنُ عُبَيْدَةً حدثني سعيدُ بن أبي سعيدٍ مولى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم
عن أبي رافع قال: قال رسول الله﴾ للعباس: (يا عَمِ، ألاَ أَصِلُكَ، أَلاَ أَحْبُوكَ، ألا
أَنْفَعُكَ)؟ قال: بَلَى يا رسولَ الله، قال: ((يا عَمِّ، صلِّ أربعَ ركعات تقرأُ في كلِّ ركعةٍ
بفاتحة الكتاب وسورةٍ، فإذا انْقَضَتِ القراءةُ فقل: الله أكبرُ، والحمدُ لله، وسبحانَ الله،
ضعيف إلا في إياس بن سلمة. قال الإمام رضي الله عنه: أما البخاري فلم يخرج عن عكرمة بن
عمار حرفًا وأما مسلم فخرج عنه ما حدث به عن إياس بن سلمة. وأما تعديل عبد الله بن
٢٢٦
أبواب الوتر/ باب ٣٥١
ولا إله إلاّ اللّه: خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، قبل أن تركعَ، ثم اركعْ فقلها عشرًا، ثم ارفع رأسكَ
فقلها عشرّا، ثم اسجد فقلها عشرًا، ثم ارفع رأسكَ فقلها عشرًا، ثم اسجد الثانية فقلها
عشرًا، ثم ارفع رأسكَ فقلها عشرًا قبلّ أن تقومَ. فتلك خَمْسٌ وسبعونَ في كلِّ ركعةٍ،
وهي ثلاثمائة في أربع ركعاتٍ. فلو كانت ذنوبك مِثْلَ رَمْلٍ عَالِجِ لَغَفَّرَهَا اللَّهُ لك)). قال:
يا رسولَ الله: ومن يستطيعُ أن يقولها في كلَّ يومٍ؟ قال: ((فإن لم تستطع أن تقولها في
كلّ يومٍ فَقُلْها في جمعةٍ، فإن لم تستطع أن تقولَها في جمعةٍ فقلها في شهرٍ)، فلم يَزلْ
يقول له حَتَّى قال: ((فقلها في سَنَّةٍ)).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ من حديث أبي رافعٍ (١).
٣٥١ - باب ما جاء في صفة الصلاة على النبي (105
[المعجم ٢٠ - التحفة ٣٣٤]
٤٨٣ - حقثنا محمود بن غَيْلاَنَ حدّثنا أبو أسامة عن مِسْعَرٍ والأجْلَحِ ومالكِ بن
مغْوّلٍ عن الحَكّمِ بن عُتَيْبَةً عن عبد الرحمن بن أبي ليلَى عن كَعْبٍ بن عُجْرَةَ قال:
(قلنا: يا رسولَ الله، هذا السّلاَمُ عليك قد عَلِمْنَا، فكيف الصلاةُ عليك؟ قال: قولوا:
المبارك لها وتقسيمه وتفسيره من قبل نفسه فليس بحجة، وأما حديث أبي رافع في قصة العباس
فضعيف ليس لها أصل في الصحة ولا في الحسن، وإن كان غريبًا في طريقه غريبًا في صفته،
وما ثبت بالصحیح یغنیك عنه، وإنما ذكر أبو عيسى يثبته لئلا يغتر.
صفة الصلاة على النبي 18 وفضلها
قال الإمام أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: قد روى الصلاة على النبي # أكثر من
خمسة عشر صاحبًا.
(١) الحديث نسبه المنذري في الترغيب (١: ٢٣٩) لابن ماجه والدارقطني والبيهقي. وروى مثله أبو
داود وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه، نقله عنه الحافظ المنذري في الترغيب (١: ٢٣٧ - ٢٣٨)
ورواه الحاكم في المستدرك (١: ٣١٨ - ٣١٩). وتكلم الحاكم على الإسناد طويلاً، ثم قال: ((هذا
إسناد صحيح لا غبار عليه، ووافقه الذهبي. وحديث ابن عباس رواه أيضًا البيهقي في السنن الكبرى
(٣: ٥١ - ٥٢). وقال الحافظ المنذري: ((وقد رُوِيَ هذا الحديث من طرق كثيرة، وعن جماعة من
الصحابة، وأمثلها حديث عكرمة هذا، وقد صححه جماعة، منهم الحافظ أبو بكر الآجري، وشيخنا
أبو محمد عبد الرحيم المصري، وشيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي).
٢٢٧
أبواب الوتر/ باب ٣٥٢
اللّهمّ صلَّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيْتَ على إبراهِيمٌ، إنك حميدٌ مِجيدٌ،
وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيدٌ». قال
محمود: قال أبو أسامة: وزادني زائدةً عن الأعمش عن الحكّم عن عبد الرحمن بن أبي
ليلَى قال: ونحن نقولُ: وعلينا معهم.
قال: وفي الباب عن عليٍّ، وأبي حُمّيْدٍ، وأبي مسعودٍ، وطلحةً، وأبي سعيدٍ،
وَبُرَيْدَةً، وزيدٍ بن خارجةً، ويقال: ((ابن جاريةٌ))، وأبي هريرةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ كعب بن عُجْرَةً حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(١).
وعبد الرحمن بن أبي ليلَى كنيته «أبو عيسى))، وأبو ليلَى اسمه ((يَسَارٌ)).
٣٥٢ - باب ما جاء في فضل الصلاة على النبيّ #
[المعجم ٢١ - التحفة ٣٣٥]
٤٨٤ - حقثنا محمد بن بشّارِ بُتْدارُ حدّثنا محمد بن خالدٍ بنُ عَثْمَةٌ حدّثني
موسى بن يعقوبَ الزَّمْجِيُّ حذّثني عبد الله بن كَيْسَانَ أن عبد الله بن شدَّاد أخبره عن
عبد الله بن مسعودٍ أن رسولَ الله ﴾ قال: ((أُوْلَى النَّاسِ بي يومَ القيامةِ أكثرُهم عليّ
صلاً»(٢) .
العربية والأصول: الصلاة معروفة عربية وشرعًا من الدعاء والعبادة المخصوصة، والكل
واحد. قال علماؤنا: هي من الله رحمة ومن الخلق دعاء. وهذا دعاء وهذا في حق الله تفسير لها
بما ليس في العربية. ووجهه أن فائدة الصلاة الرحمة، فسمى الله الرحمة باسم سببها، كما بيناه
في كتب الأصول في حقيقة المجاز من تسمية الشيء باسم سببه أو فائدته. وقد صلى الله على
محمد قبل خلقه وبعد خلقه إلى يوم بعثه، وهذا الذي شرع من القول لنا إنما ترجع فائدته
ومنفعته إلينا في نصوع العقيدة، وخلوص النية، وإظهار المحبة، والمداومة على الطاعة،
والاحترام للواسطة الكريمة. فإن قيل: فإن كان الله تعالى صلى عليه وكذلك هو منا، فما فائدة
طلب الحاصل وإيجاد الموجود، قلنا: تلك عبادة الخلق، قد قدر الله المقادير، وكتب الكائنات،
وقسم الدرجات، ووهب التوبة، وغفر الحوبة، وتعبد الخلق بطلب ما قدر من ذلك ليظهره لهم
وبهم، ألا ترى أن الملائكة يقولون: ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا فاغفر للذين تابوا
(١) ورواه الجماعة.
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه.
٢٢٨
أبواب الوتر/ باب ٣٥٢
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وَرُوِيّ عن النبيِّ) أنه قال: ((مَن صلّى عليّ صلاةَ صلَّى اللهُ عليهِ بِهَا عَشْرًا،
وگّتب له بها عشر حسناتٍ».
٤٨٥ - عقدنا عليّ بن حُجْرٍ أخبرنا إسماعيلُ بن جعفر عنِ العَلاءِ بن عبد الرحمن
عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴿: ((مَن صلَّى عليّ صلاةً صلَّى اللَّهُ عليه
بها عشرًا).
قال: وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوفٍ، وعامر بن ربيعةَ، وَعَمَّارٍ، وأبي
طلحةً، وأنسٍ، وأَبِيِّ بن كعبٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(١).
ورُوِيَ عن سفيان الثوريَّ وغيرٍ واحدٍ من أهل العلم، قالوا: صلاةُ الرَّبِّ الرحمةُ،
وصلاأُ الملائكة الاستغفار.
٤٨٦ - عقدنا أبو داودّ سليمانُ بن سَلْمِ المَصَاحِفِيُّ الْبَلْخِيُّ أخبرنا النّضْرُ بن شُمَّيْلِ
عن أبي قُرَّةَ الأسَدِيِّ عن سعيد بن المُسَيِّبٍ عن عمرَ بن الخطّابِ قالَ: إِنَّ الدعاء موقوفٌ
بين السماء والأرض، لا يَضْعَدُ منه شيء حتى تصلّيَ على نيّك ال﴾.
واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم﴾ [غافر: ٧] وجعل ذلك من البركات المبثوثة فينا،
والخيرات المنزلة علينا، والحسنات المكتوبة لنا. فإن قيل: فكيف قال: كما صليت على إبراهيم
وهو أكرم على الله من إبراهيم؟ قلنا: قد بينا ذلك في كتاب القبس والعمدة منه أن بعضهم قال:
كان ذلك قبل أن يبين الله حاله ومنزلته، وإذ قال له رجل: يا خير البرية فقال: ((ذلك إبراهيم))،
فلما أنبأنا الله بمنزلته وأوضح لنا عن مرتبته أبقى الدعوة وإن كان قد أظهر المزية. وقيل: ذلك
لنفسه ولا إله(٢)، وقيل: سأل في التسوية مع إبراهيم قيد، وتريد عليه بغيره (٢)، وقيل: سأل
دوامه، وقيل: شرع ذلك للأمة ليكتسبوا بذلك الفضيلة، وقيل: سأله صلاة يتخذه بها خليلاً،
فلم يمت حتى أعطيها، فقال قبل موته بليال: ((لو كنت متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً
ولكن صاحبكم خليل الله))، وفي ذلك الموضع سترون إن شاء الله ما بقي من هذه العارضة.
(١) ورواه أيضًا مسلم وأبو داود والنسائي.
(٢) هكذا بالأصل.
٢٢٩
أبواب الوتر/ باب ٣٥٢
٤٨٧ - حقثنا عباسٌ العَنْبَرِيُّ حدّثنا عبد الرحمن بن مهديٍّ عن مالك بن أنس عن
العلاءِ بن عبد الرحمن بن يعقوبَ عن أبيه عن جدّه قال: قالَ عُمَّرُ بْنُ الخَطَّابِ لا تَبغ
في سُوقنا إلاَّ مّن قد تَقَّقُّهَ في الدِّينِ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
عباسٌ هو ((ابن عبد العظيم).
تكملة: ذكر أبو عيسى أن زائدة زاد في الحديث: ((وعلينا معهم))، وهذا شيء انفرد به فلا
ينبغي أن يعول عليه أ. حهين: أحدهما: أنه لما قال: ((وعلى آل محمد، اختلف الناس في الآل
اختلافًا كثيرًا، بيانه في النيرين والأحكام، ومن جملة الأقوال فيه: أن آل محمد أمته، وقد صغا
إلى ذلك مالك. وإذا كان الآل الأمة فأتيّ الفائدة بالتكرار: ((وعلينا معهم)) ونحن قد دخلنا فيهم؟
الثاني: أن الناس قد اختلفوا في الصلاة على غير الأنبياء، وقالوا: إن الصلاة على الأنبياء،
والرضوان للصحابة، والرحمة مبثوثة في الخلق. وإن كنا نقول نحن إن الصلاة على غير الأنبياء
جائزة، فإنا لا نرى أن نشرك في هذه الخصيصة أحدًا منا مع محمد *، بل نقف بالخبر حيث
وقف، ونقول منه ما عرف، وترتبط بما اتفق عليه فيه دون ما اختلف.
مسألة: لا خلاف بين الأمة في أن الصلاة على محمد فرض في العمر، واختلف الناس في
فرضيتها في الصلاة، فرأى الشافعي ومحمد أنها فرض على العبد في الصلاة، ومحلها التشهد
للحديث الصحيح يا رسول الله قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة؟ فقال: «قولوا: اللهم صل
على محمده الحديث، وقال مالك وأبو حنيفة: عامتهم سوى من تقدم الصلاة عليه مستحبة، لأن
الحديث لم يخص محلاً فلا يخص إلا بدليل، وتبقى الفرضية مطلقة.
مسألة: حذار ثم حذار من أن يلتفت أحد إلى ما ذكره ابن أبي زيد فيزيد في الصلاة على
النبي عليه السلام: وارحم محمدًا، فإنها قريب من بدعة، لأن النبي عليه السلام علم الصلاة
بالوحي، فالزيادة فيها استقصار له واستدراك عليه، ولا يجوز أن يزاد على النبي عليه السلام
حرف، بل أنه يجوز أن يترحم على النبي # في كل وقت.
مسألة: قال أبو هريرة: قال رسول الله ##1: ((من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه عشرًا)).
قال الإمام القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: صححه أبو عيسى، وخرجه مسلم وهذا
حديث سمعته في الكعبة بحمد الله، وقد قال الله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾
[الأنعام: ١٦٠]، فما فائدة هذ الحديث؟ قلنا: أعظم فائدة، وذلك أن القرآن اقتضى أن من جاء
بالحسنة يضاعف له عشرًا، والصلاة على النبي # حسنة فيقتضي القرآن أن يعطى عشر درجات
في الجنة، فأخبر الله سبحانه أنه يصلي على من صلى على رسوله عشرًا، وذكر الله العبد أعظم
من الجنة مضاعفة، وتحقيق ذلك أن الله تعالى لم يجعل جزاء ذكره إلا ذكره، كذلك جعل جزاء
٢٣٠
أبواب الوتر/ باب ٣٥٢
قال أبو عيسى: والعلاء بن عبد الرحمن هو ابن يعقوب، وهو مولى الحُرّقّةِ.
والعلاءُ هو من التابعينّ، سمعَ مِن أنس بن مالكٍ وغيره.
وعبد الرحمن بن يعقوب والد العلاءِ هو أيضًا من التابعينَ، سمعَ مِن أبي هريرةَ
وأبي سعيد الخدريّ وابن عمر.
ويعقوبُ جدُّ العلاءِ هو من كبار التابعينَ أيضًا، قد أدرك عمر بن الخطاب وزَوَى
عنه.
ذكر نبيه ذكره لمن ذكره، وقد خرج أبو داود والنسائي أن النبي 86# قال: ((إن صلاتكم معروضة
عليّ"، قالوا: ((وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرِمْتَ))، يعني: بليت، قال: ((إن الله قد حرّم
على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»، ولم يثبت.
مسألة: كان أصحابه إذا كلموه أو نادوه: يا رسول الله، لا يقول أحد منهم صلى الله
عليك، وصار الناس اليوم لا يذكرونه إلا قالوا : *، والسر فيه أن أولئك كانت صلاتهم عليه
ومحبتهم اتباعهم له وعدم مخالفته، ولما لم يتبعه اليوم أحد من الناس وخالفه جميعهم في
الأقوال والأفعال خدعهم الشيطان بأن يصلوا عليه في كل ذكر وأن يكتبوه في كل كتاب ورسالة،
ولو أنهم يتبعونه ويقتدون به ولا يصلون عليه في ذكره ولا في ريالة (١) إلاّ حال الصلاة لكانوا
على سيرة السلف.
مسألة الذي أعتقده والله أعلم أن قوله: ((من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه عشرً))
ليست لمن قال: كان رسول الله ) وإنما هي لمن صلى عليه كما علم بما نصصناه عنه، والله
أعلم. وقد روى أبو داود، عن نبيح العنزي، عن جابر بن عبد الله أن امرأة قالت للنبي :
صلّ عليّ وعلى زوجي، فقال النبي ﴾ر: ((عليك وعلى زوجك))، وهو حديث حسن. قال أبو
عيسى: قال عمر بن الخطاب: إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى
تصلي على نبيك *. قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: خرّجه عن العلاء بن
عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن جده، عن عمرو. هذه الترجمة صحيحة خرجها مالك
ومسلم ولم يخرجها البخاري، ومثل هذا إذا قاله عمر لا يكون إلا توقيفًا، لأنه لا يدرك بنظر،
ويعضده ما خرج مسلم قال النبي عليه السلام: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم
صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله الوسيلة، فإنها منزلة في
الجنة لا تنبغي إلا دعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، ومن سأل لي الوسيلة حلّت عليه
الشفاعة» .
(١) هكذا بالأصل.
ليسبِ أَه الرحمن الرحيم
أبواب الجمعة
عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم
٣٥٣ - باب ما جاء في فضل يوم الجمعة
[المعجم ١ - التحفة ٢٣٦]
٤٨٨ - عقدنا قُتَيِّبَةُ حدّثنا المغيرةُ بن عبد الرحمن عن أبي الزِّنَّادِ عن الأعرجِ عن
أبي هريرة أن النبيِّ﴾ قال: ((خَيْرُ يوم طَلّعَتْ فيه الشمسُ يومُ الجمعة، فيه خُلِقٌ آدمُ،
وفيه أُدْخِلَ الجنة، وفيه أُخْرِجَ مِنها، ولا تقُومُ الساعةُ إلاَّ في يوم الجمعةِ).
قال: وفي الباب عن أبي لُبَابَةً، وَسَّلْمَانَ، وأبي ذَرَّ، وسعد بن عُبَادَةَ، وأَوْسٍ بن
اوس.
كتاب الجمعة
فضل يوم الجمعة والساعة المستجابة
حديث (قال النبي !: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة) الحديث.
الأصول:
مسألة: يكون الخير المتناهي في الأشخاص والأمكنة والأزمنة، وللباري أن يفعل ما شاء
ويقدمه على غيره، فخير الأشخاص محمد ##، وخير الأمم أمته، وخير البقاع مكة والمدينة
على اختلاف يأتي بيانه إن شاء الله، وخير الأزمنة يوم الجمعة، وخير ساعاتها التي يستجاب فيها
الدعوة.
٢٣٢
أبواب الجمعة / باب ٣٥٤
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرةً حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(١).
٣٥٤ - باب ما جاء في الساعة التي تؤجّى في يوم الجمعة
[المعجم ٢ - الشحنة ٢٣٧]
٤٨٩ - عقدنا عبد الله بن الصَّبَّاح الهاشميُّ البصريُّ العطّار حدثنا عُبَيْدُ الله بن
عبد المجيد الحنفيّ حدّثنا محمد بن أبي حُمَيْد حدثنا موسى بن وَزْدَانَ عن أنس بن مالك
عن النبي ) أنه قال: ((التمسُوا الساعة التي تُرْجَى في يوم الجمعةِ بعد العصرِ إلى غَيْبُونَةِ
الشمس).
مسألة: قوله: (فيه خلق آدم) وخلق الله الخلق يوم السبت أو الأحد على اختلاف
الروايات، إلا أن رواية أبي هريرة أن الله خلق البررة يوم السبت وخلق آدم يوم الجمعة ففيه ختام
الخلقة، وله وهو أشرف المخلوقات.
مسألة: وفيه أدخل الجنة التي يرجو دخولها، وفيه فضل عظيم، وفيه أخرج منها، وفي
رواية: وفيه تيب عليه، فأما توبة الله عليه فيه فهو فضل عظيم، وأما إخراجه منها فلا فضل فيه
ابتداء، إلا أن يكون لما كان بعده من الخيرات والأنبياء والطاعات، وأن خروجه منها لم يكن
طردًا كما كان خروج إبليس، وإنما كان خروجه منها مسافرًا لقضاء، أو طار ويعود إلى تلك
الدار.
مسألة: قوله: (وفيه تقوم الساعة) وذلك أعظم لفضله، لما يظهر الله من رحمته وينجز من
وعده.
مسألة: وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله فيها شيئًا إلا أعطاه إياه، واختلفت
الروايات في تحديدها: فذكر أبو عيسى وغيره عن أنس بن مالك أنها بعد العصر، وروى
الدارقطني عن أبي موسى أنها عند نزول الإمام، وروى مسلم عن أبي موسى أنها من حين
يجلس الإمام على المنبر حتى تفرغ الصلاة، وهو أصحه وبه أقول، لأن ذلك العمل من ذلك
الوقت كله صلاة فينتظم به الحديث لفظًا ومعنى غسله(٢) قال الإمام القاضي أبو بكر بن العربي
رضي الله عنه: ذكر أبو عيسى في حديث ابن عمر ههنا عن الزهري اضطرابًا: تارة يرويه عن
عبد الله بن عبد الله بن عمر، وتارة يرويه عن ابن عبد الله بن عمر، وتارة يرويه عن سالم عن
أبيه. قال البخاري وهو الصحيح، وقد رواه نافع، عن ابن عمر، وأبو سعيد الخدري قال: قال
(١) رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
(٢) هكذا بالأصل.
٢٣٣
أبواب الجمعة / باب ٣٥٤
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه.
وقد رُوِيّ هذا الحديثُ عن أنسٍ عن النبي 18 من غير هذا الوجه.
ومحمد بن أبي حُمّيْدٍ يُضّعَّفُ، ضَعَّفَه بعض أهل العلم من قِبَل حفظِه، ويقال له:
((حَمّد بن أبي حُميْدٍ))، ويقال هو: ((أبو إبراهيم الأنصاريُ)). وهو منكَرُ الحديث.
ورأى بعضُ أهل العلم من أصحاب النبي و# وغيرِهم أنَّ الساعة التي تُرْجَى فيهَا
بعدَ العصر إلى أن تغرُبَ الشمس.
ويه يقولُ أحمد، وإسحق.
وقال أحمد: أكثر الأحاديث في الساعة التي تُرْجَى فيها إجابةُ الدعوة أنها بعد صلاة
العصرِ، وتُرْجَى بعد زوال الشمس.
٤٩٠ - حقجنا زِبَادُ بن أيوبَ البغدادِيَّ حدّثنا أبو عامرِ العَقَدِيُّ حدّثنا كَثِيرُ بن
عبد الله بن عَمْرٍو بن عوفٍ المُزَنِيُّ عن أبيهِ عن جدِّه عن النبيّ ﴾ قال: «إنّ في الجمعةِ
ساعةٌ لا يَسْأَلُ اللَّهَ العبدُ فيها شيئًا إلاَّ أَتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ»، قالوا: يا رسولَ الله، أيَّةُ ساعةٍ هي؟
قال: ((حين تُقامُ الصلاةُ إلى الانصراف منها)).
قال: وفي الباب عن أبي موسى، وأبي ذَرَّ، وسَلْمانَ، وعبد الله بن سَلاَمٍ، وأبي
لُبابَةً، وسعد بن عُبَادَةً، وأبِي أُمَّامَةً.
قال أبو عيسى: حديثُ عَمْرٍو بن عوفٍ حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
٤٩١ - عقدنا إسحقُ بن موسى الأنصاريُّ حدّثنا مَعْنٌ حدّثنا مالك بن أنسٍ عن
يزيد بن عبد الله بن الهادٍ عن محمد بن إبراهيمَ عن أبي سَلّمّةً عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله *: ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم))، وقالت عائشة: كان الناس ينتابون
الجمعة من منازلهم ومن العوالي، وكان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كفاة، يأتون في الغبار
فيصيبهم الغبار فيكون لهم الثقل وتخرج منهم الربح، فأتى رسول الله # رجل منهم وهو عندي
فقال رسول الله 38: ((لو تطهرتم ليومكم هذا"، فبينت عائشة العلة الموجبة للأمر بالغسل، وأنه
لإزالة التفت، كالغسل المشروع لإزالة النجس، فإذا لم يكن تفث فلا غسل يجب، كما لا يجب
إزالة نجس ليس في المحل: أما أن الاستحباب لما فيه من معنى النظافة، ولأنه يوم عيد فشرع
٢٣٤
أبواب الجمعة/ باب ٣٥٥
رسول الله : ((خير يوم طلعت فيه الشمسُ يومُ الجمعة، فيه خُلِقَ آدَمُ، وفيه أُدْخِلّ
الجنةً، وفيه أُهْبِطَ منها، وَفيه ساعةٌ لا يُوَافِقُهَا عبدٌ مسلمٌ يصلّي فَيَسألُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا إِلاَّ
أعْطَاهُ إِيَّاهُ)». قال أبو هريرة: فَلَقِيتُ عبدَ الله بن سَلاَم فذكرتُ له هذا الحديث، فقال: أنا
أعْلمُ بتلك الساعة، فقلتُ: أخبرني بها، ولا تَضْنَنْ بها عَلَيَّ؟ قال: هي بعد العصرِ إلى
أن تغرب الشمسُ، فقلتُ: كيف تكون بعد العصرِ وقد قال رسولُ اللهِ﴾: ((لا يُوَافِقُهَا
عبدٌ مسلمٌ وهو يصلّي، وتلك الساعةُ لا يصلَّى فيها»؟ فقال عبد الله بن سَلاَمِ: أَلَيْسَ قَدْ
قال رسولُ الله#: (مَن جَلَسَ مجلسًا ينتظرُ الصلاةَ فهو في صلاةٍ»؟ قلت: بلى، قال:
(هو ذاكَ)).
قال أبو عيسى: وفي الحديث قصةٌ طويلةٌ.
قال أبو عيسى: وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(١).
قال: ومعنى قوله: ((أخبرني بها ولا تَضْنَنْ بها عليَّ)»: لا تَبْخَلْ بها عليّ.
و((الضّنُّ»: الْبُخْلُ. و((الّنِينُ)): المتْهَمُ.
٣٥٥ - باب ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة
[المعجم ٣ - التحفة ٢٣٨]
٤٩٢ - حقثنا أحمد بن مَنِيع حدّثنا سفيانُ بن عُيَيْنَةً عن الزُّهْرِيّ عن سالمٍ عن أبيه
أنه سمع النبيِّ {# يقول: ((مَنْ أَتَى الجمعةَ فليغتسِلْ)).
قال: وفي الباب عن عُمَرَ، وأبي سعيدٍ، وجابرٍ، والبَرَاءِ، وعائشةَ، وأبي الدَّزْدَاءِ.
له التنظف والتطيب. والحديث الصحيح الذي أدخل أبو عيسى عن أبي هريرة: أن النبي عليه
السلام قال: ((من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فدنا واستمع وأنصت، غفر له ما بينه
وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لنا»، وهذا نص في ترك. ويعضده حديث
عثمان إذا دخل على عمر فقال له: والوضوء أيضًا؟ وقد علمت أن رسول الله # كان يأمر
(١) الحديث رواه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي. وروى مسلم في صحيحه (ج ١ ص ٢٣٤): ((هي ما
بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة)). وليس بعد هذا الحديث الصريح الصحيح المرفوع
حجة، وفيه مقنع لمَن أنصف.
٢٣٥
أبواب الجمعة/ باب ٣٠٠
قال أبو عيسى: حديثُ ابن عمر حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(١).
٤٩٣ - ورُوتٍ عن الزهرِيّ عن عبد الله بن عبد الله بن عمرَ عن أبيه عن النبي 100
هذا الحديثُ أيضًا حدّثنا بذلك قُتَيْبَةُ حدّثنا الليثُ بن سعدٍ عن ابن شهاب عن عبد الله بن
عبد الله بن عمر عن أبيه: أن النبي :: مِثْلَهُ.
وقال محمّدٌ: وحديثُ الزهري عن سالم عن أبيه وحديثُ عبد الله بن عبد الله عن
أبيه -: كلا الحديثين صحيح.
وقال بعضُ أصحاب الزهريُّ عن الزهريَّ قال: حدّثني آلُ عبد الله بن عمر عن
عبد الله بن عمر.
بالغسل، ولم يأمره بالخروج إليه ولا كلفه العمل به، فجمع بين العلمين: أحدهما: تأكید فضله،
والثاني: إجزاء الجمعة دونه، وذلك بمحضر أصحاب محمد8#، فلا إشكال في ترك وجوبه.
حديث: روى أبو عيسى عن أوس قال رسول الله #: ((من اغتسل يوم الجمعة وغسل))، اختلف
في رواية هذا الحرف: غسل، فمنهم من رواء بفتح السين مخففًا، ومنهم من شدده. واختلف
في تأويله، فقال عبد الله بن المبارك: معناه غسل رأسه، لأنهم كانوا ربما يتطهرون من الغبار
والمهنة على أبدانهم، فأكد عليهم غسل رؤوسهم فإنه الأصل في النظافة، وهو الأشبه لحديث
البخاري: قال طاوس قلت لابن عباس: ذكروا أن النبي # قال: ((اغتسلوا واغسلوا رؤوسكم
وإن لم تكونوا جنبًا، وأصيبوا من الطيب»، قال ابن عباس: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا
أدري. وقال غيره: معناه أحوج غيره للغسل على قراءة من شدد السين، وذلك بوطئه لأهله
فيجب عليها الغسل، ومن قال: هو تأكيد لصفة الغسل، ليكون لغاية النظافة كما قال، وبكر
وابتكر فإنه تأكيد محض، ودنا واستمع يعني أنه لم يكن بعيدًا بحيث لا يسمع الخطيب، فإنه
يفوته حظ من العبادة كثير مما يعيه عنه ويتأثر قلبه منه، ثم قال: وأنصت ولم يله عنه بفكرة
نفسه، ولا بفعل بدن ولو بمس الحصا. قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: وفي
رواية: ومشى ولم يركب، قال البخاري: مشى أبو عبس إلى الجمعة وقال: سمعت رسول
الله: ﴿ يقول: ((من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار))، وجعل المشي إلى
الصلاة من سبيل الله وهو أجل من السبيل، وفي رواية عن سلمان خرجه البخاري زاد في هذا
الحديث: ((ولم يفرق بين اثنين»، فقيل: معناه ولم يزاحم رجلين حتى دخل بينهما، فربما ضيق
عليهما، أو كان لهما غرض في الاتصال حال بينهما فيه، وقيل: أراد لم يفرق بين الخطبة
والصلاة بل جمع بينهما، وقيل: لم يتخط على رقاب الناس، والتأويلات عائدات إلى التنبيه
(١) أخرجه الجماعة، وله طرق كثيرة، ورواه غير واحد من الأئمة.
عارضة الأحوذي/ ج ٢/ ٢ ٣٢
٢٣
أبواب الجمعة/ باب ٣٥٥
قال أبو عيسى: وقد رُوِيّ عن ابن عمرَ عن عمرٌ عن النبيّ ## في الغُسْلِ يومَ
الجمعة أیضا، وهو حديث حسن صحيحٌ.
٤٩٤ - هوواه يونسُ ومَعْمَرٌ عن الزهريّ عن سالم عن أبيه: ((بينما عمر بن
الخطاب يخطبَ يومَ الجمعةِ إذ دخلَ رجلٌ من أصحاب النبيِّ # فقال: أيَّةُ ساعةٍ هذه؟!
فقال: ما هُوَّ إِلاَّ أن سمعتُ النِّدَاءِ وَمَا زِدْتُ على أنْ توضأتُ، قال: والوضوءُ(١) أيضًا
وقد علمتَ أن رسول الله ﴿ أمَرَ بالغُسْلِ؟!)). حدّثنا بذلك أبو بكر محمد بن أبان حدّثنا
عبد الرِّزَّاقِ عن مَعْمَرٍ عن الزهريُّ.
٤٩٥ - قال، وحدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن أخبرنا أبو صالح عبد الله بن صالحٍ
حدّثنا اللَّيْث عن يونسَ عن الزهريَّ بهذا الحديثِ.
ورَوَى مالكٌ هذا الحديثَ عن الزهريَّ عن سالم قال: ((بَيْئَما عمر بن الخطاب
يخطبُ يومَ الجمعةِ، فَذَكّرَ هذا الحديث(٢).
قال أبو عيسى: وسألتُ محمدًا عن هذا؟ فقال: الصحيحُ حديثُ الزهريّ عن سالم
عن أبيه.
قال محمد: وقد رُوِيّ عن مالكِ أيضًا عن الزُّهْرِيَّ عن سالمٍ عن أبيه نّخوُ هذا
الحديث(٣).
على التبكير، فإنه إذا بكر لم يزاحم، وأدرك الخطبة فحص على الوعد في سماعها، وأجزأته
الصلاة بإجماع إذ قيل: من فاتته الخطبة لم تجزء الجمعة.
مسألة: قال القاضي أبو بكر محمد بن العربي رضي الله عنه: لما فهم أصحابنا أن
المقصود من الغسل يوم الجمعة النظافة قالوا: إنه يجوز بماء الورد، وهذا نظر من جرده إلى
المعنى المعقول، أو نسي حظ التعبد في التعيين، وهو بمنزلة من قال: الغرض من رمي الجمار
(١) قال الحافظ في الفتح (ج ٢ ص ٢٩٨): ((في روايتنا بالنصب، وعليه اقتصر النووي في شرح
مسلم، أي والوضوء أيضًا اقتصرت عليه)). وجوّز القرطبي الرفع على أنه مبتدأ وخبره محذوف،
أي: والوضوء أیضا يقتصر عليه.
(٢) هو في الموطأ هكذا مرسل (ج ١ ص ١٢٣ - ١٢٤) ورواه الشافعي في الرسالة (رقم ٨٤٢) عن
مالك.
(٣) رواه البخاري موصولاً في صحيحه عن مالك (ج ٢ ص ٢٩٥ - ٢٩٨).
٢٣٧
أبواب الجمعة/ باب ٣٥٦
٣٥٦ - باب ما جاء في فضل الغسل يوم الجمعة
[المعجم ٤ - التحفة ٢٣٩]
٤٩٦ - حقثنا محمود بن غيلان حدّثنا و کیٹ حدثنا سفيانُ وأبو جئابٍ يحيى بن أبي
حَيَّةً عن عبد الله بن عيسى عن يحيى بن الحارثِ عن أبي الأشعَتِ الصَّنْعانِيّ عن
أوْسٍ بن أوْسٍ قال: قال رسول الله #: ((مَنِ اغتسلَ يومَ الجمعةِ وغَسَّلَ، ويَكْرَ وابْتَكْرَ،
وقّئًا واستمعَ وأَنْصّتَ، كان له بكُلٌ خَطوةٍ يخطوها أجْرُ سَنَّةٍ، صيامُها وقيامُها). قال
محمود: قال وكيعّ: اغتسل هو وغَسِّل امرأته.
قال: ويُرْوَى عن عبد الله بن المبارك أنه قال في هذا الحديث: ((مَنْ غَسّلٌ
واغتسلّ)): يعني غَسَّلَ رأسهُ واغتسلَ.
قال: وفي الباب عن أبي بكرٍ، وعِمْرَان بن حُصَيْنٍ، وسَلْمَانَ، وأبي ذَرَّ، وأبي
سعيدٍ، وابن عمرَ، وأبي أيُّوبَ.
قال أبو عيسى: حديثٌ أوس بن أوسٍٍ حديثٌ حسنٌّ(١).
وأبو الأشْعَثِ الصنعانيَّ اسمه ((شَرَاحِيلُ بن آدَةً».
غيظ الشيطان فيكون بالمطارد والمناصل، ونسي حظ التعبد بتعيين المحدود في المعنى وإن كان
معقولاً. وحديث سمرة الذي ذكر أبو عيسى: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل
فالغسل أفضل»، حديث حسن قوي في الباب.
حديث: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح)) فيه ست مسائل:
المسألة الأولى: غسل الجنابة إشارة إلى كيفية الغسل لا إلى وجوب الغسل. وبين تأويل
قوله: (من غسل)) و((اغتسل)) أنه غسل الرأس للاستيفاء له في جميع البدن، والدليل على أنه لم
يرد الوجوب ما تقدم من الأحاديث.
المسألة الثانية: قوله: (ثم راح) قال مالك: الرواح يوم الجمعة إنما يكون بعد الزوال،
وهو أفضل التبكير الذي يترتب عليه التجزية المذكورة في الحديث من البقرة إلى العصفور، وهي
(١) قال المنذري في الترغيب (ج ١ ص ٢٤٧): ((رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن،
والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وصححه، ورواه الطبراني في
الأوسط من حديث ابن عباس).
٢٣٨
أبواب الجمعة/ باب ٣٥٧
وأبو جَّابٍ ((يحيى بن حَبِيبٍ القصّابُ)) الكوفيّ.
٣٥٧ - باب ما جاء في الوضوء يومَ الجمعة
[المعجم ٥ - التحفة ٢٤٠]
٤٩٧ - عقدنا أبو موسى محمد بن المُثَنّى حدثنا سعيد بن سفيان الجخدرِيُّ حدّثنا
شعبةُ عن قتادة عن الحسن عن سَمُرَّةً بن جُنْدُبٍ قال: قال رسول الله وَله: ((مَن توضأ
يومَ الجمعة فَبِّهَا ونِعْمَتْ، ومَنِ اغتسلَ فالغسلُ أفضلُ)).
قال: وفي الباب عن أبي هريرة، وعائشة، وأنس.
قال أبو عيسى: حديثُ سّمُرّةَ حديثٌ حسنٌّ.
وقد رواه بعض أصحاب قتادة عن قتادة عن الحسنِ عن سمرةً بن جُنْذُب.
ورواه بعضُهم عن قتادة عن الحسن عن النبيِّ مُرْسَلٌ(١).
كلها ساعات في ساعة، إذ الساعة في العربية جزء من الزمان غير مقدر. وقال غيره: إنما هي
ساعات النهار لقول النبي عليه السلام: ((يوم الجمعة اثنا عشر ساعة))، وذكر الحديث فأنهانا أن
المراد ساعات الزمان التي قسمها عليها أهل الحساب، وهي تكون مستوية معوجة على حكم
تداخل الليل والنهار، ولو صح هذا الحديث لكان أصلاً يرجع إليه، وإنما اعتضد مالك بقوله:
(راح))، والرواح عند العرب لا يكون إلا بالعشي، وذلك من زوال الشمس إلى آخر النهار، كما
يكون الغدو من طلوع الشمس إلى الزوال، وذلك عند الآخرين محمول على المجاز، كما قالوا:
القافلة، وهو لا تكون كذلك في ابتداء سيرها حتى ترجع، فأطلقوا عليه في الابتداء اسم
الانتهاء، وقالوا: حاج، وغاز، ولا يكون إلا بعد الرجوع من البلوغ. قال القاضي أبو بكر رضي
الله عنه: وهذا إنما يكون على مقتضى السنة، لا على عادة الخليقة اليوم في أن جعلوا الأذان
بعد جلوس الإمام وليس ذلك بشيء.
المسألة الثالثة: قوله: (من اغتسل ثم راح). كلمة (ثم) تقتضي المهلة، ولا يلزم عنها أن
يكون الرواح متصلاً بالغسل وإنما يعطي المعنى أن المقصود بالنظافة لليوم بالغسل والطيب، حتى
يذهب التفث والتعب، فلفظة (ثم) تقتضيه، فكان تقديمه جائزًا في الأقوى من وجوه النظر، والله
أعلم.
(١) وقد نقله الشافعي في الرسالة معلقًا بدون إسناد (رقم ٨٤٥).
٢٣٩
أبواب الجمعة/ باب ٣٥٧
والعملُ على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيِّ ﴿ ومَن بعدهم، اخْتَارُوا
الغسلَ يوم الجمعة، ورأوا أن يجزىءَ الوضوءُ من الغسل يوم الجمعة.
قال الشافعيّ: وممَّا يدلُّ على أن أمرَ النبيّ ﴾ بالغسل يوم الجمعة أنه على
الاختيارِ لا على الوجوبٍ -: حديثُ عمرَ، حيث قال لعثمانَ ((وَالوضوءَ أيضًا وقد علمت
أن رسول الله وَله أمر بالغسل يوم الجمعة)). فلو عَلِمًا أن أمرَهُ على الوجوب لا على
الاختيارِ لم يَتْرُكُ عمرُ عثمانٌ حتى يَرُدَّهُ ويقولَ له: ارْجِعْ فاغتسلْ، ولَمَا خَفِيَ على عثمانَ
ذلك مع عِلْمِهِ، ولكِنْ دلِّ في هذا الحديثِ أنَّ الغسل يوم الجمعة فيه فَضْلٌ من غير
وجوبٍ يَجِبُ على المرء في ذلك.
المسألة الرابعة: قوله: (فكأنما قرب بدنة) إنباء عن استيفاء الأجر في الشكر، ثم ينقص
الأجر من الاستيفاء نقصانًا مقدرًا بالبقرة مع البدنة، وكذلك على منازله إلى البيضة والعصفور.
المسألة الخامسة: أما البدنة والبقرة والشاة فهي قربان، وأما البيضة والعصفور على ما ورد
في بعض الأحاديث فلا يكون قربانًا بحال، ولكن تصح الصدقة بها، فسمى الصدقة قربانًا لأنه
قرنها بالقربان على معنى تسمية الشيء باسم صاحبه وقريته، أو ملازمة في القرينة.
المسألة السادسة: قوله: (فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة). ثبت عن الزهري، عن أبي
عبد الله الأغر، عن أبي هريرة أن النبي # قال: ((إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على
أبواب المسجد وكتبوا من جاء إلى الجمعة، فإذا خرج الإمام طوت الملائكة الصحف)). والهجر
إلى الجمعة، فالمهدي بدنة، ثم بقرة، ثم شاة، ثم بطة، ثم دجاجة، ثم عصفور، ثم بيضة،
فقوله: (طوت الملائكة الصحف) يعني صحف السابقين المسارعين، وذلك أن الباري تعالى
جعل لهم صحفًا لا يشاركهم فيها أحد ولا يكتب معها عمل، فتطوى عند انقضاء منزلة السبق،
ويكتب من جاء في صحف الأعمال الصالحة والعبادات. وجعل مراتب الرواح في هذا الحديث
سبعة: بدنة، ثم بقرة، ثم شاة، ثم بطة، ثم دجاجة، ثم عصفورًا ثم بيضة، وفائدة ذكر البطة في
هذا الحديث أنه حيوان متوحش لا يوصل إليه إلا بصيد وهو كلفة، فكان أفضل من الدجاجة في
التقرب به.
مسألة: في هذا دليل على أن القربان بالبدنة أفضل منها بالشاة، ولا خلاف فيه في الحج.
واختلفوا في الأضحية، ومذهب مالك أن الأضحية بالغنم أفضل وأقوى، لأن النبي # بها كان
يضحي ويهدي البدن، فاتبعنا السنة.
مسألة: قوله في الحديث (فيها ونعمت) قال أبو حاتم: معناه الخصلة هي، أي الطهارة
للصلاة (والغسل أفضل) ومن الغفلة من يرفع التاء وهو لحن محض، فلا تلفتوا إلى ذلك.
=
٢٤٠
أبواب الجمعة/ باب ٣٥٨
٤٩٨ - عقدنا مَنَّادٌ قال: حدّثنا أبو معاويةً عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله : ((مَن توضأ فَأَحْسَنَ الوضوءَ، ثُمَّ أَتَى الجمعةَ فَدَنَا
واستمعَ وأَنْصَّتَ غُفِرَ له ما بَيْئَهُ وبَيْنَ الجمعةِ وزيادةُ ثلاثة أيامٍ، ومَنْ مَسَّ الحصَى فقد
آنا)».
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(١).
٣٥٨ - باب ما جاء في التّبكير إلى الجمعة
[المعجم ٦ - التحفة ٢٤١]
٤٩٩ - عقثنا إسحاقُ بن موسى الأنصاريَّ حدّثنا معْنَ حدّثنا مالكٌ عن سُمّيٍّ عن
أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله ## قال: (مَنٍ اغتسلَ يوم الجمعة غُسْلَ الجنابة
ثُمَّ راحَ فكأنما قرَّبَ بَدّئَةً، ومن راح في الساعة الثانية فكأنّما قَرَّبَ بقرةً، ومن راح في
الساعة الثالثة فكأنما قرّب كَبْشًا أَقْرَنَّ، ومَن راح في الساعة الرابعةِ فكأنّما قرَّب دَجَاجَةٌ،
ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرَّب بَيْضَةٌ، فإذا خرجَ الإمامُ حَضَرَتِ الملائكةُ
يستمعونَ الذِّكر)).
قال: وفي الباب عن عبد الله بن عَمْرٍو، وسَمْرَةً.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(٢).
مسألة: قال علماؤنا: فاضل بين الغسل للجمعة والوضوء لها، وقال: إن الغسل للجمعة
أفضل من الوضوء لها أجزأ عنه الوضوء، إذ لا يكون بين الشيئين مفاضلة حتى يستويا في
الأصل، وهو الإجزاء ههنا.
مسألة: قال علماؤنا: لم يخرج عمر عثمان من المسجد إلى الغسل لضيق الوقت، وإنما
أقول إنما ذلك لأنه قد تلبس بالعبادة بشرطها فلا يتركها لأفضل من ذلك، كما لو تيمم لعدم
الماء ثم رآه في أثناء الصلاة، ولو لم يكن كذلك لخرج واغتسل، قال ابن القاسم، وابن كنانة
(١) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
(٢) رواه الشافعي في الأم عن مالك (ج ١ ص ١٧٣). ورواه أيضًا البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي
وابن ماجه .