Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١
أبواب الصلاة / باب ١٢٢
قال: وفي الباب عن جابر، والصُّنَابِحِيِّ، وزيد بن خالد، وأنس، ورافع بن
( خَدِيجِ، وأبي أيوب، وأُمْ حَيِيبَةَ، وعباس بن عبد المطْلِبِ، وابنِ عباسٍ.
وحديثُ العباسِ قد رُوِيّ موقوفًا عنه، وهو أصحُ(١).
والصُّنَابِحِيُّ لم يَسْمَّعْ من النبيِّ وَ ﴿. وهو صاحبُ أبي بكرٍ رضي الله عنه.
قال أبو عيسى: حديثُ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
الإسناد: هذا حديث صحيح، اتفق عليه الإمامان أبو عبد الله وأبو الحسن، فأما أبو
عبد الله فخرجه عن المكّ بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة مثلثًا ناقصًا، قال: كنا
مع رسول الله ﴿ فصلّى المغرب إذا توارت بالحجاب. وأما أبو الحسن فرواه عن قتيبة، عن
حاتم بن إسماعيل، عن يزيد كما ذكره أبو عيسى عن يزيد، قال فيه: كان النبي # يصلّي
المغرب ساعة تغرب الشمس إذا غاب حاجبها. وقد روى أبو داود عن أنس، ومسلم عن
وافع بن خديج: کنا نصلّي المغرب مع النبي پ# ثم نرمي، فیری أحدنا مواقع نبله. وروى أبو
داود عن عقبة، قال رسول الله (98: ((لا تزال أمتي بخير)) أو قال: ((على الفطرة ما لم يؤخروا
المغرب إلى أن تشتبك النجوم».
غريبه: قوله المغرب هو المفعل من غرب، وهو عبارة عن زمان، وقولنا للمغرب: صلاة
المغرب هو إضافة لها إلى الزمان، ثم تحذف فيقال: المغرب. وفي صحيح البخاري: ((لا
تغلبتكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب، وهم يسمّونها العشاء)). وقوله توارت، يعني:
استترت، وهو تفاعلت من الوراء. وفي رواية البخاري: توارت بالحجاب، ولم يجرٍ للشمس
ذكر كما جاء في القرآن. والوجه فيه: أنه اكتفى بفهم السائل، كما قال الله تعالى: ﴿ولو يؤاخذٌ
الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابّة﴾ [النحل: ٦١] ولم يجرِ للأرض ذكر، وكقوله: ﴿إنّا
أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] ولم يجرِ للقرآن ذكر. قال الخطابي: وقد قيل إن الصحابة لمّا
جمعوا القرآن وضعوا سورة القدر عقيب التعلق ليدلّوا بذلك على أن المراد به الكتاب في قوله:
﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ إشارة إلى قوله: اقرأه.
الفقه: لا خلاف بين الأمة أن وقت المغرب يدخل بسقوط القرص، واختلف العلماء في
آخر وقتها على أربعة أقوال: الأول: آخر وقتها مقدّر بفعل، الطهارة ولبس الثياب والأذان
والإقامة وفعل ثلاث ركعات، قاله مالك والشافعي في أحد قولهما. الثاني: أن آخر وقتها مقدار
الوقت الأول من سائر الصلوات، قاله بعض أصحاب الشافعي، وأشار إليه في المدوّنة حين
قال: لا بأس للمسافر أن يمدّ الميل ونحوه. الثالث: آخر وقتها إذا غاب الشفق، قاله مالك في
(١) حديث العباس رواه ابن ماجه (١: ١٢١).
۔
٢٢٢
أبواب الصلاة/ باب ١٢٢ ٠
وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلم من أصحابِ النبيِّ ◌ِلَُّ ومَن بعدَهم مِنَ التابعينَ: اخْتَارُوا
تعجيلَ صلاةِ المغربِ، وكرهوا تأخيرَها، حتَّى قال بعضُ أهلِ العلم: ليس لصلاة
المغرب إلاَّ وَقتْ واحدٌ، وَذَهَبُوا إلى حديث النبيِّ وََّ حَيْثُ صلّى به جبريلُ(١).
وهو قولُ ابنِ المباركٍ، والشافعيِّ.
الموطأ. الرابع: آخر وقتها مقدار ثلاث ركعات بعد غروب الشمس، قاله أشهب. والصحيح قول
مَن يقول: إن آخر وقتها غروب الشفق، بدليل حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم،
ووقت المغرب ما لم يغب الشفق، فإن قيل: فقد صلّها جبريل في وقت واحد في اليومين،
قلنا: عنه جوابان، أحدهما: أن ذلك معلوم بالفعل وهذا معلوم بالقول، فهي زيادة فائدة. جواب
ثانٍ: أن معناه صلّى بي المغرب في اليوم الثاني حين غربب الشمس، أي بدأها عند غروب
الشمس ولم يذكر وقت الفراغ، فيحتمل أن يكون الفراغ في اليوم الثاني عند مغيب الشفق،
ويكون قوله: ((الوقت ما بين هذين الوقتين إشارة إلى ابتداء الفعل في اليومين وإلى آخر الفعل في .
اليوم الثاني، وبين هذا الاحتمال كله وقطع النزاع حديث عبد الله بن عمرو المتقدم، فإنه قال
الشعباني: إنما سَمَّت الأعراب صلاة الشاهد، لأنها لا تقصر في السفر يعني: أنها تصلى في
السفر صلاة الشاهد في أهله، وقدّمنا حديث أبي بصرة الغفاري: ((لا صلاة بعد العصر حتى
يطلع الشاهد»، والشاهد النجم، فيحتمل أن تسمّى به لأنها يطلع بعدها عقبها، وفي الحديث:
((بادروا بالأعمال بصلاة المغرب طلوع النجم».
عارضة: فإن قيل: يتم آخر وقت المغرب على غروب الشفق في أحد أقوالكم، .
وكذلك ورد في الخبر: فما الشفق؟ قيل له: اختلف العلماء في الشفق على قولين، فمنهم
مَن قال إنه الحمرة، قاله عمر، وعلي، ومعاذ، وابن عمر، وابن عباس، وعبادة بن
الصامت، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، والزهري، وابن أبي ليلى، والثوري،
وإسحق، وأحمد، ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف، ومالك في أظهر جواباته، وقد صرّح
به في موطأه. وقال أبو هريرة والأوزاعي وأبو حنيفة والمزني. ورُوِيّ أنه البياض. قال مالك
في الشعباني: إذا ذهبت الحمرة وبقي البياض فأرجو أن تجزي المصلّي صلاته، وما ذلك
عندي بالبيّن، ذهاب البياض هو الذي لا ينكر منه، رئيس للمخالف دليل يُعوّل عليه إلا أنه
قال: إن الشفق ينبغي أن يكون البياض، لأنه مأخوذ من الرقّة. يقال: فلان شفيق القلب إذا
كان رقيقه. والشفق أيضًا البقية، ولذلك يقال: فلان في شفق من حمرة، أي في بقية من).
عمره، وإنما تتحقق البقية في البياض لأنها بقية الضوء. قلنا: ما ذكرتم كله غير صحيح ولا
مسلم ولا منقول، وإنما الصحيح ما ذكرناه لغة ونقلاً عن الصحابة، واستدلالاً من حديث
(١) كما مضى في حديث ابن عباس (رقم ١٤٩).
٢٢٣
أبواب الصلاة/ باب ١٢٣
١٢٣ - باب ما جاء في وقت صلاة العشاء الآخِرَة
[المعجم ٩ - التحفة ٩]
١٦٥ - هذّثنا محمدُ بن عَبْدِ الملكِ بنِ أبي الشّوَارِبِ حدّثنا أبو عَوَانَةَ عن أبي بِشْرٍ
عن بَشِيرِ بنِ ثَابِتٍ عن حَبِيبٍ بِنِ سالمٍ عِن الثُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ قال: ((أَنَا أعْلَمُ الناسِ بِوَقْتٍ
هذِهِ الصَّلاَةِ: كانَ رسول اللهِوَ﴿ يُصَلِّيَهَا لِسُقُوطِ القَمَرِ لِثَالِثَةٍ».
١٦٦ - حقثنا أبو بكر محمدُ بنُ أبَانَ حدّثنا عبدُ الرحمن بنُ مَهْدِيٍّ عن أبي
غَوَّانَةً، بهذا الإسناد نَحْوَهُ.
٧٨ قال أبو عيسى: رَوَى هذا الحديث هُشَيْمٌ عن أبي بِشْرٍ عن حبيبٍ بن سالمٍ عن
الثَّعْمَانِ بن بَشِيرٍ. ولم يَذْكُرْ فيه هشيمٌ ((عن بَشِيرٍ بن ثَابِتٍ)).
وحديثُ أبي عوانةً أُصَحُّ عندنا، لأنَّ يزيد بن هارون رَوَى عن شُعبةً عن أبي
النبي 9، أما اللغة فإن ابن الأعرابي حكى أن العرب تسمي الثوب الأحمر شفقًا. وحكى
الفرّاء أن أعرابيًّا رأى ثوبًا أحمر فقال: كأنه شفق. وأما النقل عن الصحابة فقدّمناه ورويناه
مسندًا إليهم والحمد لله. وأما الاستدلال من الحديث فرُوِيّ أن النبي ◌ّ صلّى العشاء في
اليوم الأول حين غاب الشفق، وصلأها في اليوم الثاني حتى ثلث الليل، فلو كان الشفق
البياض لما صحّ هذا الحديث، لأن البياض يقيم إلى ثلث الليل. وقد حُكِيَ عن الخليل أنه
حارسه فوجده في ليال الصيف إلى نصف الليل. وفي شرح الرسالة أن ابن أبي أُويس
والخليل رقيا الشفق فلم يغب إلا بعد طلوع الفجر. وفي الحديث دلالة على أن إمامة جبريل
بالنبي * كانت في الصيف، قاله الشعباني. وقال بعض أهل العلم: الشفق شفقان كما أن
الفجر فجران، فأول الشفق الحمرة فإذا ذهبت الحمرة حلّت صلاة العشاء، الثاني البياض
فالصلاة جائزة عند غروبه، وهو يغرب نصف الليل آخر الصلاة، والذي عندي أن الحمرة
إذا ذهبت بقي بياض ساطع بعدها قليلاً يبقى إلى نحو خمس الليل أو ثلثه، وذلك بمقدار
مغيب القمر في الليلة الثالثة من الشهر، وذلك البياض يذهب حينئذ ولا يبقى له أثر. وقد
اختبرت ذلك في ظعني وإقامتي في شرقي وغربي والله أعلم.
باب وقت صلاة العشاء الآخرة وتأخيرها
، (حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال: أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة:
كان رسول الله(* يصليها لسقوط القمر الثالثة). سعيد المقبري عن أبي هريرة
٢٢٤
أبواب الصلاة/ باب ١٢٤
بِشْرِ نحو رواية أبي عوانةً(١).
١٢٤ - باب ما جاء في تأخير صلاة العشاء الآخِرَةِ
[المعجم ١٠ - التحفة ١٠]
١٦٧ - هذثنا هَنَّدٌ حدّثنا عَبْدَةُ عن عُبَيْدِ اللَّهِ بن عُمّرَ عن سعيدِ المَقْبُرِيِّ عن أبي
هُرَيْرَةَ قال: قال النبيُّ ◌َهِ: ((لَوْلاً أَنْ أَشُقْ عَلَى أُمَّتِي لِأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا العِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ
اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ))(٢) .
قال: وفي الباب عن جابر بن سَمُرَةَ، وجابر بن عبد اللَّهِ، وأبي بَرْزَةَ، وابنٍ
عباسٍ، وأبي سعيدِ الخُذْرِيِّ، وزيدِ بنِ خالدٍ، وابنِ عُمَرَ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرة حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وهو الذي اختارهُ أكثرُ أهلِ العلمِ من أصحاب النبيِّ وَّرِ والتابعينَ وغيرِهم: رأوا
تأخيرَ صلاةٍ العشاءِ الآخرةِ.
(قال: قال النبي ◌َّه: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخّروا العشاء إلى ثلث الليل أو
نصفه). حديث أبي هريرة حسن صحيح.
الإسناد: حديث النعمان حديث صحيح وإن لم يخرجه الإمامان، فإن أبا داود خرّجه عن
مسدد، والترمذي عن ابن أبي الشوارب، كلاهما عن أبي عوانة، عن أبي بشر جعفي بن أبي
وحشية، عن بشر بن ثابت، عن حبيب بن سالم. فأما حديث حبيب بن سالم مولى النعمان بن
بشير، فقال أبو حاتم. هو ثقة، وأما بشر بن ثابت فقال يحيى بن معين: إنه ثقة، فلا كلام فيمن
دونهما، وإن كان هشيم قد رواه عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم بإسقاط أبي بشير، ومًا
ذكرناه أصح. وكذلك رواه شعبة وغيره، وخطأ مَن أخطأ في الحديث لا يخرجه عن الصحة.
وأما حديث أبي هريرة فقد روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري حديثًا آخره، ولولا ضعف
الضعيف وتشيخ الشيخ لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل من طريق صحيحة.
(١) الحديث رواه أحمد (٤: ٢٧٠ - ٢٧٤)، ورواه الدارمي (١: ٢٧٥)، ورواه أبو داود (١: ١٦١)،
ورواه النسائي (١: ٩٢)، ورواه الحاكم (١: ١٩٤ - ١٩٥)، ورواه البيهقي (١: ٤٤٨ - ٤٤٩):
ورواه أبو داود الطيالسي (رقم ٧٩٧).
(٢) الحديث رواه أحمد في المسند (رقم ٧٤٠٦ و٩٥٨٩ و٩٥٩٠ ج ٢ ص ٢٥٠ و٤٣٣). ورواه أيضًا
ابن ماجه (١: ١٢١). ورواه الحاكم (١: ١٤٦). ورواه أحمد أيضًا بإسناد آخر (رقم ١٠٦٢٦ ج٢
ص ٥٠٩).
٢٢٥
أبواب الصلاة/ باب ١٢٥
وبه يقولُ أحمدُ، وإسحقُ.
١٢٥ - باب ما جاء في كراهِيَةِ النوم قبل العِشاءِ والسَّمَرِ بَعْدَها
[المعجم ١١ - التحفة ١١]
١٦٨ - عقثنا أحمدُ بنُ مَنِيع حدّثنا مُشَيْمٌ أخبرنا عَوْفٌ. قال أحمدُ: وحدثنا
عَبَّدُ بنُ عَبَّادِ هو المُهَلَّبِيُّ وإسماعيلُ بنُ عُلَيَّةً: جَمِيعًا عن عَوْفٍ عن سَيَّرِ بن سَلاَمَةً هو
أبو المِنْهَالِ الرِّيَاحِيُّ عن أبي بَرْزَةَ قال: ((كان النبيُّ وَّهِ: يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ والحَدِيثَ
بَعْدَهَا))(١).
قال وفي الباب عن عائشة، وعبد الله بن مسعود، وأنس.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي بَرْزَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد كُرِهَ أكثرُ أهل العلم النومَ قبلَ صلاة العشاء والحديثَ بعدَها ورَخَّصَ في ذلك
بعضهم.
غريبه: العِشاء بكسر العين هو ظلام الليل، وذلك من المغرب إلى العتمة، والعشاء بفتحها
طعام ذلك الوقت. والعشاءان: المغرب والعتمة.
الفقه: لا خلاف بين الأمة أن أول وقت صلاة العشاء غروب الشفق، واختلفوا في آخرها،
فمنهم من قال: إلى ثلث الليل، قال به مالك والشافعي، ومنهم مَن قال: إنه إلى شطر الليل،
قاله ابن حبيب وأبو حنيفة. وقد ثبت عن النبي # فعلاً أنه أخرها إلى شطر الليل، وقولاً له.
قال: ((وقت العشاء إلى شطر الليل)) في صحيح مسلم، فلا قول بعد هذا والله أعلم.
باب كراهية النوم قبل العشاء والسَّمَر بعدها وما جاء من الرخصة
(أبو المنهال سيار بن سلامة الرياحي عن أبي برزة قال: كان النبي *: يكره النوم قبل
(١) الحديث رواه أحمد (٤: ٤٢٣ - ٤٢٥). ورواه أحمد أيضًا (٤: ٤٢٠ و٤٢٤) مطوّلاً، و(٤٢١
و٤٢٣) مختصرًا، ورواه الطيالسي عن شعبة (رقم ٩٢٠) مطوّلاً، ورواه البخاري (٢: ٥٩ - ٦٠
و٢٠٩) ومسلم (١: ١٧٨ - ١٧٩) والدارمي (١: ٢٩٧ - ٢٩٨) وأبو داود (١: ١٥٥) والنسائي
(١: ٩١ و٩٢) مطوّلاً، ورواه أيضًا البخاري ٢: ٤١) وابن ماجه (١: ١٢٣) ومحمد بن نصر
المروزي في قيام الليل (ص ٤٥) مختصرًا، وروى النسائي (١: ١٥١) قطعة منه، وابن ماجه
(١: ١١٩ و١٤١) قطعتين منه.
عارضة الأحوذي/ ج ١ / م ١٥
٢٢٦
أبواب الصلاة/ باب ١٢٦
وقال عبدُ اللَّهِ بنُ المبارك: أكْثَرُ الأحاديث على الكراهِيَّةِ.
ورَخّصَ بعضهم في النوم قبلَ صلاة العشاء في رمضانٌ.
وسَيَّارُ بنُ سلامةَ: هو أبو المِنْهَالِ الرّيَاحِيُّ.
١٢٦ - باب ما جاء من الرخصة في السَّمَرِ بعدَ العشاء
[المعجم ١٢ - التحفة ١٢]
١٦٩ - عنثنا أحمدُ بن مَنِيع حدّثنا أبو معاويةَ عن الأعْمَشِ عن إِبراهِيمَ عن عَلْقَمَةً
عن عمر بن الخطاب قال: ((كان رسولُ اللهِ وَ﴿ يَسْمُرُ مَعَ أَبِي بَكرٍ فِي الأَمْرِ منْ أَمْرٍ
المُسْلِمِينَ وَأَنَا مَعَهُمّا)).
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وأوْسٍ بن حُذَيْفَةَ، وعِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ عُمَرَ حديثٌ حسنٌ.
وقد رَوَى هذا الحديثَ الحسنُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عن إبراهِيمَ عن علقمةً عن رَجُلٍ مِنْ
جُغْفِيٍّ يقال له ((قَيْسٌ)) أو (ابنُ قَيْسٍ)) عن عمر عن النبيِّ ◌َّ: هذا الحديث في قصَّةٍ
طويلَةٍ (١).
العشاء والحديث بعدها). وروى علقمة عن عمر (قال: كان رسول الله { *ٌ يَسْمُرُ مع أبي بكر في
الأمر من أمر المسلمين وأنا معهما).
الإسناد: أما حديث أبي برزة نضلة بن عبيد فصحيح، خرّجه الإمامان الجعفي والقشيري،
وفيه زيادة: كان يصلّي الظهر حين تزول الشمس، والعصر حين يذهب الرجل إلى أقصى المدينة
والشمس حيّة، والمغرب لا أدري أيّ حين ذكره، ثم قال: وكان يصلّي الصبح فينصرف الرجل
ينظر إلى وجه جليسه. وفي رواية: كان يؤخر العشاء إلى ثلث الليل، وأخرى: إلى نصفه، وكان
يكره النوم قبلها والحديث بعدها. وفي أخرى: ويقرأ فيها بالستين إلى المائة. وأما حديث علقمة
عن عمر فمقطوع، لأن علقمة لم يدركه، وإنما يرويه علقمة عن رجل من جعفى يقال له قيس
أو ابن قيس عن عمر، ونص القصة ما في الحديث.
(١) الحديث نسبه الشوكاني (١: ٤١٧) للنسائي ورواه محمد بن نصر المروزي، في قيام الليل
(ص ٤٦). ورواه أحمد في المسند مطوّلاً (رقم ١٧٥ ج ١ ص ١٥). ورواه أيضًا ابن أبي داود في
كتاب المصاحف (ص١٣٧)، ورواه البيهقي (١: ٤٥٢). وروى البيهقي قطعة من أوله (١: ٤٥٣).
وقد روى الحاكم قطعة من هذا الحديث (٣: ٣١٨) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
٢٢٧
أبواب الصلاة/ باب ١٢٧
وقد اختلف أهلُ العلم من أصحاب النبي وَّرِ والتابعين ومن بعدهم في السَّمّرِ بعد
صلاة العشاء الآخرة: فكره قومٌ منهم السمرَ بعد صلاة العشاء، ورَخَّصَ بعضُهم إذا كان
في مَعْنَى العلم وما لا بُدَّ منه من الحوائج. وأكثرُ الحديث على الرَّخْصَّةِ.
وقد رُوِيَ عن النبيِنَ ﴿ قال: ((لاَ سَمَرَ إلاَّ لِمُصَلُ أوْ مُسَافِرٍ))(١).
١٢٧ - باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل
[المعجم ١٣ - التحفة ١٣]
١٧٠ - حدثنا أبو عَمَّارِ الحسينُ بنُ حُرَيْثٍ حدّثنا الفضلُ بنُ موسى عن عبد الله بْنِ
عمر العُمَرِيّ عن القاسم بن غَنَّامِ عن عَمَّته أُمْ فَزْوَةً، وكانت مِمَّنْ بايعتِ النبيَّ ◌َّ قالت:
سُئِلَ النبيُّ وَّهِ: أَيُّ الأعمالِ أفْضَّلُ؟ قال: ((الصلاةُ لأَوَّلِ وَقْتِهَا».
الفقه: إنما كره النوم قبل العشاء مخافة غلبته إلى خروج الوقت، فإن غلب أحدًا النوم، أو
علم من نفسه اليقظة قبل خروج الوقت بعادة، بأن يكون معه مَن يوقظه جاز، لحديث
عبد الله بن عمر. وفي الصحيح: شغل رسول الله 18 حتى رقدنا في المسجد واستيقظنا. وأما
كراهية السَّمّر فإنها في غير الفقه والخير والحاجة، فأما إن كان في علم أو حاجة فجائز، والدليل
عليه أن النبي ◌َّ أخر صلاة العشاء إلى شطر الليل ثم خرج فصلّى، ثم قال: ((أرأيتكم ليلتكم
هذه، فإنه لا يبقى على ظهر الأرض ممّن هو اليوم عليها))، يعني أحدًا. وإن كان في حاجة مع
أهل أو ضيف جاز أيضًا، والدليل عليه أن أبا بكر الصديق صلّى مع النبي وله العشاء، ثم تعشّى
مع النبي (988، ثم انصرف بعد ما مضى من الليل ما شاء، فقالت له امرأته: ما حبسك عن
أضيافك؟ فجرى بينه وبين ولده من الكلام والمراجعة ما جاء في الحديث. خرّجه البخاري في
كتاب الصلاة .
باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل
(القاسم بن غنّام عن عمته أم فروة، وكانت ممّن بابعت النبي* قالت: سُئِل
النبي *: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لأول وقتها) ضعيف مضطرب. عليّ بن أبي طالب
(١) رواه أحمد في المسند (رقم ٣٦٠٣ ج ١ ص ٣٧٩). ورواه أيضًا مختصرًا (رقم ٤٢٤٤ ج ١
ص ٤٤٤). ورواه مرفوعًا (رقم ٣٩١٧ و٤٤١٩ ج ١ ص ٤١٢ و٤٦٣) ورواه الطيالسي (رقم
٣٦٥). ورواه البيهقي (١: ٤٥٢). وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (١: ٣١٤ - ٣١٥):
((رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط)). وذكر الشوكاني في نيل الأوطار هذا الحديث
(١: ٤١٦) ونسبه للترمذي، وهو سهو منه، فإن الترمذي لم يخرجه، وإنما ذكره معلقًا كما يرى.
٢٢٨
أبواب الصلاة/ باب ١٢٧
١٧١ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قال حدثنا عبدُ الله بنُ وَهْبِ عن سَعيد بن عبد اللَّهِ الجُهنِيِّ عن
محمد بن عُمَرَ بن عليّ بن أبي طالب عن أبيه عن عليّ بن أبي طالب أن النبيَّ ◌َِلّ قال
له: ((يا عليٌّ، ثلاثٌ لاَ تُؤَخّزْهَا: الصَّلاةُ إِذَا أَنَتْ، وَالجَنَازَةُ إذَا حَضَرَتْ، وَالأَيِّمُ إذَا
وَجَدْتَ لَهَا كُفْوًا))(١).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ حسنٌ.
١٧٢ - عقثنا أحمد بن مَّنِيع حدّثنا يعقوبُ بنُ الوليد المَدَنِيُّ عن عبد الله بن عمرَ
عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول اللهِ وَ﴿: ((الوَقْتُ الأَوَّلُ مِنَ الصَّلاَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ،
وَالوَقْتُ الآخِرُ عَفْرُ اللَّهِ))(٢).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ.
وقد رَوَى ابنُ عباسٍ عن النبيِّ ◌ِلََّ نحوّه(٣).
قال: وفي الباب عن عليَّ، وابنٍ عُمَّرَ، وعائشةً، وابنٍ مسعودٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ أُمْ فَرْوَةَ لا يُرْوَى إلاَّ من حديث عبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ العُمَرِيِّ
وليس هو بالقويِّ عند أهل الحديث. واضطرَبوا عنه في هذا الحديثِ وهو صدوقٌ، وقد
تكلم فيه يحيى بنُ سعيدٍ من قِبَلٍ حفظه.
١٧٣ - حقثنا قتيبةُ حدّثنا مروانُ بنُ معاويةً الفزاريُّ عن أبي يَعْفُورٍ عن
الوليدِ بنِ العَيْزَارِ عن أبي عَمْرٍو الشَّيْبَانيّ: أنَّ رَجُلاً قال لاينِ مسعودٍ: أيُّ العَمَلِ
(أن النبي * قال له: يا عليّ، ثلاثٌ لا تؤخّرها: الصلاة إذا آنَتْ، والجنازة إذا حضرت، والأيُم
إذا وجدت لها كُفْؤًا) نافع عن ابن عمر (قال: قال رسول الله له: الوقت الأول من الصلاة
رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله). عن أبي عمرو الشيباني (أن رجلاً قال لابن مسعود: أيُّ
(١) الحديث رواه أحمد في المسند (رقم ٨٢٨ ج ١ ص ١٠٥). ونسبه ابن حجر في التلخيص
(ص ٦٩) والسيوطي في الجامع الصغير لمستدرك الحاكم. وروى ابن ماجه منه النهي عن تأخير
الجنازة فقط (١: ٢٣٣).
(٢) الحديث رواه الحاكم (١: ١٨٩). ورواه الدارقطني (ص ٩٢). ورواه البيهقي (١: ٤٣٥). وانظر
الزيلعي في نصب الراية (١: ١٢٧). والشافعي في كتاب اختلاف الحديث (ص ٢٠٩ من هامش
الجزء السابع من الأم). وانظر أيضًا الأم (ج ١ ص ٦٨).
(٣) حديث ابن عباس هذا الذي أشار إليه الترمذي: نسبه ابن حجر في التلخيص (ص ٦٧) إلى البيهقي
في الخلافيات.
٢٢٩
أبواب الصلاة/ باب ١٢٧
أفْضَّلُ؟ قال: سَألْتُ عنه رسولَ اللهِ وَّهِ؟ فقال: ((الصَّلاَةٌ عَلَى مَوَاقِيتِهَا)). قُلْتُ: وماذا
يا رسولَ الله؟ قال: ((وبرَّ الوَالِدَيْنِ)». قلتُ: وماذا يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: «والجِهَادُ في
سَبِيلِ اللَّهِهِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقد رَوَى المسعوديّ وشعبةُ وسليمانُ هو أبو إسحقَ الشَّيْبَانِيُّ وغيرُ واحدٍ عن
الوليدِ بنِ العَيْزَارِ هذا الحديثَ(١).
١٧٤ - عقدنا قتيبةُ حدّثنا اللَّيْثُ عن خالد بن يزيد عن سعيدِ بنِ أبي هِلاَلٍ عن
إسحقّ بن عُمَرَ عن عائشةَ قالت: ((ما صَلَّى رسولُ اللهِوَّهِ صَّلاَةَ لِوَقْتِهَا الْآخِرِ مَرَّتَيْنِ(٢)
حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ» .
العمل أفضل؟ قال: سألت عنه رسول الله*؟ فقال: الصلاة على مواقيتها. قلت: وماذا يا
رسول الله؟ قال: وبِزّ الوالدين. قلت: وماذا يا رسول الله؟ قال: والجهاد في سبيل الله).
إسحق بن عمر عن عائشة (قالت: ما صلّى رسول الله # صلاة لوقتها الآخر مرتين حتى قبضه
الله).
الإسناد: أما حديث أم فروة هذا فرواه القاسم بن غنام البياضي الأنصاري: سيىء الحفظ
ضعيف النقل، وهو مع ذلك منقطع السند، والقاسم بن غنام لم يدرك أم فروة وهي بنت أبي
قحافة أُخت أبي بكر الصديق لأبيه، زوجها أبو بكر الأشعث بن قيس فولدت له محمد بن
الأشعث وغيره، وقد قال فيها بعضهم إنها أنصارية وهو غلط، ومدار هذا الحديث على
القاسم بن غنام، رواه عنه عبد الله بن عمر العمري. وبعضهم يقول: عبيد الله، والضحاك بن
عثمان رواه عن عبد الله الوليد بن مسلم، وإسحاق بن سليمان ووكيع والليث. ورواه عبد الله بن
معمر بن سليمان ومحمد بن بشر العبدي، وقزعة بن سويد رواه عن الضحاك بن عثمان بن أبي
فديك، فأما الوليد بن مسلم وإسحق بن سليمان فقالوا: عن القاسم، عن جدّته أُم فروة. وأما
الليث فقال: عن القاسم، عن جذّته الدنيا، عن جدته أُم فروة. ومن هنا غلط مَن قال إنها
أنصارية، وأما وكيع فقال: عن القاسم بن غنام، عن بعض أمهاته، عن أُم فروة. وأما معتمر
فقال: عن القاسم بن غنام، عن جدّته، عن أم فروة. وأما محمد بن بشر وقزعة فقالا: عن
١
(١) الحديث رواه الطيالسي والدارمي والبخاري ومسلم والنسائي، ورواه أيضًا الترمذي فيما سيأتي في .
أبواب البرّ والصلة (١: ٣٤٦ من طبعة بولاق و٣: ١١٦ من شرح المباركفوري). ورواه الحاكم :أ
(١: ١٨٨ - ١٨٩). وانظر أيضًا نصب الراية (١: ١٢٦) والدارقطني (ص ٩١).
(٢) انظر الزيلعي في نصب الراية (١: ١٢٧) وصاحب جمع الفوائد (١: ٦٠).
٢٣٠
أبواب الصلاة/ باب ١٢٧
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وليس إسنادُهُ بِمُتَّصِلٍ (١).
قال الشافعيُّ: والوقتُ الأولُ من الصلاةِ أفضلُ. ومَّما يَدُلُّ على فضلٍ أولِ الوقتِ
على آخرِهٍ: اختيارُ النبيِّ ◌َ ﴿ وأبي بكرٍ وعمرَ، فلم يكونوا يَخْتَارُونَ إلاَّ ما هو أفضلُ،
ولم يكونوا يَدَعُونَ الفضل، وكانوا يُصَلُونَ في أول الوقت.
القاسم بن غنام، عن بعض أهله، عن أُم فروة. وأما الضحاك بن عثمان فقال: عن القاسم، عن
امرأة من المبايعات، لكنه قال: الصلاة لوقتها، وهذا اضطراب كثير عن ضعف، فهما علّتان
يمنعان الصحة. وأما حديث عليّ بن أبي طالب فيرويه عبد الله بن معبد الجهني، قال أبو حاتم:
هو مجهول غريب. وأما حديث ابن عمر فيرويه يعقوب بن الوليد، وهو ضعيف، عن العمري
وهو مثله، وذلك اللفظ محفوظ عن أبي بكر الصديق حتى إنه قال فيه: رضوان الله أحبّ إلينا
من عفوه. قال علماؤنا: لأن رضوانه للمحسنين وعفوه للمقصرين، وإنما المروي عن ابن عمر
من طريق عبيد الله بن عمر العمري: ((خير الأعمال الصلاة لوقتها))، ومن طريق عبد الله أخيه:
((الصلاة لأول وقتها))، وأما حديث ابن مسعود فصحيح من السُّنن المحمودة، قال الحاكم: وقد
رواه الحسن بن مكرم وبندار محمد بن يسار، عن عثمان، عن مالك بن مغول، عن الوليد بن
العيزار، عن أبي عمرو الشيباني فقالا: ((لأول وقتها))، ولم يذكره غيرهما، وهما ثقتان. قال
القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: لا تخفى منزلة محمد بن يسار هذا في الثقة والحفظ،
وقد رواه فقال: ((لأول وقتها))، وتابعه عليه ثقة آخر وهو الحسن بن مكرم فوجب الانقياد إليه.
غريبه: قوله: (الصلاة إذا أتت) كذا رويته بتائين كل واحدة منهما معجمة بالثنتين من
فوقها. ورُوِيَ: ((إذا آنت)) بنون وتاء معجمة باثنتين من فوقها بمعنى: حانت، يقول: آن الشيء
يئين أينًا أي: حان يحين حينًا.
الفقه: اتفق أكثر الفقهاء على أن الصلاة في أول الوقت أفضل، ولم يختلف أبو حنيفة
وأصحابه في أن تأخيرها أفضل، وهذا يُبنى على خلاف في مسألة أخرى وهو أن الصلاة هل
تجب في أول الوقت أم لا؟ ولو شاء ربك لم يختلف أحد في مثل هذا مع ظهوره، ولكن
القلوب والخواطر بيد مالك النواصي، يصرف الكل كيف يشاء. وصورة المذهب أن الشمس إذا
زالت توجه الخطاب على المكلّف بالأمر، وضرب له في امتثاله حدًّا موسّعًا يربى على صورة
الفعل، وأبو حنيفة قد وافقنا على الواجب الواسع الوقت، كالكفّارات وقضاء رمضان، ولا
(١) الحديث رواه الحاكم (١: ١٩٠)، ورواه البيهقي (١: ٤٣٥) عن الحاكم، ورواه الدارقطني
(ص ٩٢). وانظر الزيلعي (١: ١٢٧). والحاكم (١: ١٩٠). قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح
على شرط الشيخين)» ووافقه الذهبي. ورواه البيهقي (١: ٤٣٥) عن الحاكم. وكذلك رواه الدارقطني
(ص ٩٢).
٦
٩
٢٣١
أبواب الصلاة/ باب ١٢٨
قال: حدّثنا بذلك أبو الوليدِ المكّيُّ عن الشافعيِّ.
١٢٨ - باب ما جاء في السّهْوِ عن وقتٍ صلاةِ العصرِ
[المعجم ١٤ - التحفة ١٤]
١٧٥ - عقدنا قُتَيْبَةُ حدّثنا اللَّيْثُ بنُ سعدٍ عن نافع عن ابن عُمَرّ عن النبيِّ وَّ قال:
(الَّذِي تَقُوتُهُ صَلاَةُ العَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُبِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ))(١).
وفي البابٍ عن بُرَيدَةَ، وَنَوْفَلٍ بِنِ مُعَاوِيَةٌ.
قال أبو عيسى: حدیثُ ابنِ عمر حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد رواهُ الزهريُّ أيضًا عن سالمٍ عن أبيه ابنِ عمرَ عن النبي
خلاف بين الأمة فيه، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨]،
وأيًّا ما كان الدلوك: الزوال أو الغروب فهو حجة لنا، فإن الخطاب بالأمر يتوجه فيه، فالفاعل
يكون ممتثلاً له، والمسألة أصولية وقد بيّنّاها في كتاب المحصول، وإذا ثبت هذا فالمبادرة، أي:
امتثال الأمر والمسارعة إلى قضاء الواجب المتفق عليه من الأئمة، وإنما يخالف أبو حنيفة
وأصحابه في فضل تقديم الصلاة، واعتقادهم أن الصلاة تجب في آخر الوقت، فقالوا: إن وقت
الوجوب أفضل وقد بيّنًا فساده والله أعلم.
باب ما جاء في السهو عن وقت العصر
نافع عن ابن عمر (عن النبي ) قال: الذي تفوئه صلاة العصر فكأنما وُبِرَ أهله وماله).
الإسناد: الحديث أصح من أن يتكلم عليه، وقد رُوِيّ معناه عن بريدة: ((مَن ترك صلاة
العصر حبط عمله)). وقد اختلف عن ابن عمر فيه، فروى الوليد، عن الأوزاعي، عن نافع، عن
ابن عمر: ((مَن فاته صلاة العصر»، وفواتها أن يدخل الشمس صفرة. وابن جريج يروي عنه أن
فواتها غروب الشمس.
غريبه: وتر معناه سلب فبقي وترًا أي: فردًا، أو قد رُوِيّ: «فكأنما سلب أهله وماله»،
وقد رُوِيّ: ((أهله)) بنصب اللام ورفعه، وهما لغتان. فإن رفعت فعلى البدل من الضمير في وتر،
وإن نصبت فعلى المفعول به.
(١) الحديث رواه مالك في الموطأ (١: ٢٩ - ٣١)، ورواه البخاري (٢: ٢٤) ومسلم (١ : ١٧٤) وأبو
داود (١: ١٦٠) والنسائي (١: ٩٠). ورواه أيضًا الدارمي (١: ٢٨٠) ومسلم والنسائي وابن ماجه
(١ : ١٢٠).
1
٢٣٢
أبواب الصلاة/ باب ١٢٩
١٢٩ - باب ما جاء في تعجيل الصلاةِ إذا أخّرهَا الإمامُ
[المعجم ١٥ - التحفة ١٥]
١٧٦ - هقثنا محمد بن موسى البصريّ حدّثنا جعفر بن سليمانَ الضُّبَعيُّ عن أبي
عِمْرَانَ الجَوْنِيِّ عن عبد الله بنِ الصَّامِتِ عن أبي ذَرِّ قال: قال النبيّ وَّ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ،
أُمَرّاءُ يَكُونُونَ بَعْدِي يُمِيتُونَ الصَّلاَةَ، فَصَلَّ الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا، فإِنْ صُلْيَتْ لِوَقْتِها كَانَتْ لَكَّ
نَافِلَةٌ، وَإِلاَّ كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلاَتَكَ)).
وفي الباب عن عبد اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ، وعُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي ذَرِّ حديثٌ حسنٌ(١).
الفقه: اختلف علماؤنا رحمهم الله في الوقت الذي تفوت الصلاة بفواته، فقيل: هو الوقت
المختار، وهو أن يصير ظل كل شيء مثليه في العصر، أو يدخلها صُفرة على اختلاف القولين،
قاله ابن وهبٍ. ورُوِيّ عن سحنون أنه غروب الشمس، وهذا في الذاكر. وقد قال جماعة من
العلماء: هذا في السامي، وهو الذي اختار أبو عيسى، وبه بوّب. والذي عندي فيه أنه أراد على
الذاكر لا على الناسي، والدليل عليه أن الشافعي وأتباعه غير مؤاخذ ولا مفتون، بل يتبين له أمر
الذاكر متى فعل عند الذكر، بدليل قوله#: ((ليس في السهو تفريط، وإنما التفريط في الذكر)،
وإنما هذا في العامد، فإن تركها عامذًا حتى يخرج الوقت المختار فقد نزلت به مصيبة، يقول:
ذهاب المال والأهل في الدنيا وهي إحدى مصيبتي الدنيا، فإن الدنيا مصائب يجمعها شيئان:
مصيبة في النفس بذهاب الصحة، ومصيبة في الأهل والمال. والدليل عليه قول مالك: ((صلاة
المنافقين، يجلس أحدهم حتى إذا اصفرّت)). ومَن صار في درجة المنافقين أثِمَ بعظم المصيبة
إلى هذا القدر، بل وربما أكثر، فإن تركها حتى غربت الشمس حبط عمله كما جاء في حديث
بريدة، ولا يخلو أن يتركها الدهر كله فيحبط الدهر كله، أو يتركها في اليوم فيحبط عمله في
اليوم، فيكون قوله: ((حبط)) جواب قوله: ((ترك))، فكيف ما كان الترك كان الحبط. وقوله:
(صلاة العصر) اسم يصلح بجنس هذه الصلاة ونوعها. وقوله: ((حافظوا على الصلوات، والصلاة
الوسطى، وصلاة العصر)، إنما أراد به الجنس، فإن قيل فكيف يكون تركها مُحيِطًا للعمل وأنتم
لا تقولون بهذا، فإن السيئات عندكم معشر أهل السّنّة لا تُذهِب الحسنات، قلنا: الحبط على
قسمين: حبط موازنة وحبط إسقاط، فأما الكفر فيحبط إسقاطًا حتى لا يبقى للحسنات، وأما
المعاصي فتحبط حبط الموازنة. وحبط ذلك عندي جعل الحسنات والسيئات في كفّتي الميزان،
(١) بل هو حديث صحيح. رواه مسلم (١: ١٧٩ - ١٨٠) وأبو داود (١: ١٦٤) والدارمي (١: ٢٧٩).
ونسبه المنذري أيضًا للنسائي وابن ماجه.
٢٣٣
أبواب الصلاة/ باب ١٣٠
وهو قولُ غيرٍ واحدٍ من أهل العلم: يَسْتَحِبُونَ أن يُصَلِّيَ الرجلُ الصلاةَ لِمِيقَاتِهَا إذا
أخّرَهَا الإمامُ، ثم يُصَلِّي مع الإمام، والصلاةُ الأولى هي المكتوبة عند كثر أهل العلم.
وأبو عِمْرَانَ الجَوْنِيُّ اسمه «عبدُ الملك بنُ حَبيبٍ)).
١٣٠ - باب ما جاء في النّوم عن الصَّلاةِ
[المعجم ١٦ - التحفة ١٦]
١٧٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حدّثنا حمادُ بن زيْدٍ عن ثَابِتِ البُنَانِيِّ عن عبد الله بن رَبَاحِ
الأنصاريّ عن أبي قَتَادَةً قال: ذَكّرُوا للنبِيِّ ◌َ﴿ نَوْمَهُمْ عَنِ الصَّلاَةِ؟ فقال: ((إِنَّهُ لَيْسَ فِي
النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، فَإِذَا نَسِيَ أحَدُكمْ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلَّهَا إِذَا
ذَكَرَهَا)»(١) .
فترجح السيئات فيذهب به مثلاً إلى النار، فيسقط حكم الحسنات الآن، فإذا أُخرج من النار أو
غُفر له أخذ جزاء حسناته، وهذا هو المعنى بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم
بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] مع قوله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤] وسترى
ذلك مبيّنًا في كتاب المشكلين وغيره إن شاء الله تعالى.
تعجيل الصلاة إذا أخرها الإمام: عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول
الله : ((يا أبا ذر، أمراء يكونون بعدي يميتون الصلاة، فصلُ الصلاة لوقتها، فإن صُلْيت لوقتها
کانت نافلة والا كنت قد أحرزت صلاتك) !.
الإسناد: ذكر القشيري هذا الحديث عن يحيى بن يحيى عن جعفر بسنده ولفظه، وذكره
من طرق عدّة، فقال فيه: ((يُميتون الصلاة»، وقال: ((يؤخّرون الصلاة عن وقتها))، وقال: ((صلّ
الصلاة لوقتها واذهب لحاجتك، فإن أُقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصلُ)).
باب ما جاء في النوم عن الصلاة ونسيانها
عبد الله بن رباح عن أبي قتادة (قال: ذكروا للنبي 188 نومهم عن الصلاة فقال: إنه ليس
في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة فصلُ الصلاة لوقتها فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها
فليصلّها إذا ذكرها).
(١) الحديث فيه قصة طويلة رواها أحمد في المسند (٥: ٢٩٨ و٣٠٢ و٣٠٧) مسلم (١: ١٨٩ - ١٩٠)
وأبو داود (١: ١٦٧ - ١٦٩) بروايات بعضها مطوّل وبعضها مختصر، ورواه النسائي مختصرًا
(١: ١٠٠ - ١٠١) وابن ماجه (١: ١٢٢).
٢٣٤
أبواب الصلاة/ باب ١٣١
وفي الباب عن ابن مسعود، وأبي مَرْيَمَ، وعَمْرَانَ بن حُصَيْنٍ، وجُبَيْرِ بِن مُطْعِمٍ،
وأبي جُحَيْفَةً، وأبي سعيد، وعَمْرٍو بن أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، وذي مِخْبَرٍ ويقال: ذي مِخْمَرٍ وهو
ابنُّ أخي النَّجَاشِيِّ.
قال أبو عیسی: وحديث أبي قتادةً حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد اختلف أهلُ العلم في الرجل يَنَامُ عن الصلاة أو ينْسَاها فيستيقظُ أو يَذْكُرُ وهو
في غير وقت صَلاَةٍ، عند طلوع الشمس أو عند غروبها.
فقال بعضهم: يُصلّيها إذا استيقظ أو ذكر، وإن كان عند طلوع الشمس أو عند
غروبها. وهو قولُ أحمد، وإسحقَ، والشافعيِّ، ومالك.
وقال بعضهم: لا يُصَلِّي حتى تطلُعَ الشمسُ أو تغرُبَ.
١٣١ - باب ما جاء في الرجل يَنسَى الصلاةَ
[المعجم ١٧ - التحفة ١٧]
١٧٨ - حدّثنا قُتَيْبَةُ وبِشْرُ بنُ مُعَاذٍ قالا: حدّثنا أبو عَوَانَةً عن قتادةَ عن أنس بن
مالكٍ قال: قال رسولُ اللهِوَالَ: (مَنْ نَسِيّ صَلاَةَ فَلْيُصَلْهَا إذَا ذَكَرَهَا))(١).
الإسناد: هذا الحديث عن أبي قتادة صحيح. قتادة عن أنس قال: قال رسول الله خير:
(مَن نسي صلاة فليصلُها إذا ذكرها))، مشهور طويل خرّجه القشيري بطوله، وخرّجه أبو داود
ببعضه، واختصره ههنا أبو عيسى عن حماد، وهذه الكلمة التي تتعلق بالصلاة نفسها في الحديث
الطويل في كتاب القشيري أنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على مَن لم يصلُ الصلاة حتى
يجيء وفت الصلاة الأخرى، ومَن فعل ذلك فليصلْها حين يتنبه لها، فإذا كان الغد فليصلّها عند
وقتها، ونضها في كتاب أبي داود. وثبت في الصحيح عن النبي وقر، النوم عن الصلاة ثلاث
مرات: إحداها: هذا الحديث الذي رواه أبو قتادة ولم يحضر مع النبي # أبو بكر وعمر.
الثانية: رواه عمران بن حصين حضرها أبو بكر وعمر، واستيقظ أبو بكر أولهم وكبّر عمر.
الثالثة: رواه أبو هريرة: كان رسول الله ول أولهم استيقاظًا، وحضرها بلال وأبو بكر، رواه
مالك وغيره، ويحتمل أن تكون قصة أبي قتادة فتكون اثنتين. فإن قيل: كيف يحتمل هذا وقد
(١) ((رواه الجماعة)) يعني أحمد وأصحاب الكتب الستة. ورواه أيضًا الدارمي (١: ٢٨٠) وابن الجارود
(ص ١٢٥).
٢٣٥
أبواب الصلاة/ باب ١٣٢
وفي الباب عن سَمُرَةَ، وأبي قُتَادَةً.
قال أبو عیسی: حدیثُ أنس حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ويُزْوَى عن عليّ بن أبي طالب: أنه قال في الرجل يَنْسَى الصلاة قال: يُصَلِيهَا مَتّى
مَا ذَكّرَهَا فِي وَقْتٍ أو في غير وقتٍ. وهو قولُ الشافعي، وأحمد بن حنبلٍ، وإسحقَ.
ويُرْوَى عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: أنه نام عن صلاة العصر، فاستيقظَ عند غروب الشمس، فلم
يُصَلِّ حتى غَرَبَتِ الشمسُ.
وقد ذهب قومٌ من أهل الكوفة إلى هذا.
وأما أصحابُنا فذهبوا إلى قول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
١٣٢ - باب ما جاء في الرجل تَقُوتُهُ الصلواتُ بِأَيْتِهِنَّ يَبْدَأَ
[المعجم ١٨ - التحفة ١٨]
١٧٩ - حدثنا هَنَّادٌ حدّثنا مُشَيْمٌ عن أبي الزبير عن نافع بن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ عن أبي
عُبَيْدَةَ بنِ عبد الله بن مسعودٍ قال: قال عبد الله بنُ مسعودٍ: ((إنَّ المُشْرِكِينَ شَغَلُوا
رسولَ اللهِ وَلِّ عن أرْبَعِ صَلَوَاتٍ يومَ الخَنْدَقِ حَتَّى ذَهَبَ من اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأَمْرَ بِلاَلاً
فَأَذِّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلّى المغربَ، ثم أقام
فصلّى العشاء».
دعا رسول الله ◌َ﴾ أبا بكر فأخبره بصفة تهدية الشيطان لبلال، كما أخبر بلال فقال: أشهد أنك
رسول الله. وأما حديث أنس فما رويته إلا مختصرًا في كل موضع، بيد أن قيدناه في الصحيح:
(مَن نسي صلاة فليصلُها إذا ذكرها، لا كفّارة لها إلا ذلك)).
باب ما جاء في الرجل تفوته الصلوات بأيهنّ يبدأ
(أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: قال عبد الله بن مسعود: إن المشركين شغلوا
رسول الله عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً فأنّنَ،
ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلّى المغرب، ثم أقام فصلّى العشاء)
مضطرب .
إسناده: أبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، فهو حديث منقطع إلا أن
رواته وإسناده لا بأس به. والصحيح ما يأتي بعد هذا إن شاء الله أن الصلاة التي شغل عنها
رسول الله ◌َر وأصحابه يوم الخندق صلاة واحدة، وهي العصر.
٢٣٦
أبواب الصلاة/ باب ١٣٢
قال: وفي الباب عن أبي سعيدٍ، وجابرٍ (١).
قال أبو عيسى: حديثُ عبدِ اللَّهِ ليس بإسناده بَأْسٌ، إلاَّ أنَّ أبا عبيدةَ لم يسمعُ منْ
عبد اللَّهِ(٢).
وهو الذي اختارهُ بعضُ أهل العلم في الفوائتِ: أن يُقِيمَ الرجلُ لكلِّ صلاة إذا
قضاها. وإن لم يُقِمْ أجزأه. وهو قولُ الشافعيّ.
فقهه: اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، وهو إذا اجتمع على المكلّف صلوات
فاتت، هل يرتبها فيقضيها حسب ما كانت وجبت عليه أم لا، قد يسقط الترتيب فيها فيصلِيها
كيف شاء؟ فقال الإمام مالك وأبو حنيفة ومعنى قول أحمد وإسحاق: إن الترتيب فيها واجب مع
الذكر، ساقط مع النسيان ما لم يتكرر ويكثر، وقال الشافعي وأبو ثور: لا ترتيب فيها. ويُروى
عن الحسن البصري وطاوس وشريح: فإن ذكرها وهو في صلاة حاضرة فلا يخلو أن يكون
وحده أو وراء إمام، فإن كان وحده بطلت وصلّى الفائتة وأعاد التي كان فيها، وإن كان وراء إمام
أتم معه، ثم صلّى التي نسي ثم أعاد التي صلّى مع الإمام، هذا هو مذهبنا، وبه قال أبو حنيفة
وأحمد وإسحلق. وقال الشافعي: يعيد التي فيها نسي خاصة. وتعلق في ذلك بما رواه الدار قطني
عن ابن عباس أن النبي إر قال: ((إذا نسي أحدكم صلاة فذكرها وهو في صلاة مكتوبة فليبدأ
بالتي هو فيها، فإذا فرغ منها صلّى التي نسي)). وتعلق أحمد وإسحق بما رُوِيّ عن النبي ◌َّ أنه
قال: ((وصلاة لمَن عليه صلاة))، وبما روى عبد الله العمري عن نافع عن ابن عمر أن النبي ◌َّ
قال: (مَن نسي صلاة فذكرها وهو مع الإمام فإذا فرغ منها قضى التي فاتته، ثم أعاد التي مع
الإمام)). وهذه الآثار كلها لا يصح منها شيء. أما حديث ابن عباس فضعيف مقطوع، يرويه
بقية، عن عمر، عن أبي عمر، عن مكحول، عن ابن عباس، وأما حديث ابن عمر فالصحيح أنه
موقوف من علية من قوله، وأما قوله: ((لا صلاة لمَن عليه صلاة)) فباطل. على أن جماعة من
العلماء تأوّلوه على معنى النافلة لمَن عليه فريضة، فإذا لم يصح في الباب كله شيء ففيه متعلقان
من الأثر والنظر، أما الأثر فقول عبد الله بن عمر الموقوف عليه وهو أحق أن يتبع، وأما النظر
فقد كان المكلف خوطب بالصلوات في أوقاتها وألزم أداءها، فلما نسي أداءها بقيت في ذمته،
(١) أما حديث جابر فسيأتي إن شاء الله. وأما حديث أبي سعيد فرواه الشافعي في الأم (١: ٧٥). ورواه
أيضًا الطيالسي في مسنده مختصرًا، برقم (٢٢٣١). ورواه أيضًا أحمد في المسند (رقم ١١٢١٦
و١١٢١٧ و١١٤٨٥ و١١٦٦٧ ج ٣ ص ٢٥ و٤٩ و٦٧ - ٦٨). ورواه النسائي (١: ١٠٧) والبيهقي
(١: ٤٠٢) ونسبه ابن حجر في التلخيص أيضًا (ص ٧٣) لابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما،
وقال: ((وصححه ابن السكن)).
(٢) حديث ابن مسعود رواه أيضًا أحمد في المسند (رقم ٣٥٥٥ و٤٠١٣ ج ١ ص ٣٧٥ و٤٢٣)
والنسائي (١: ١٠٧).
٢٣٧
أبواب الصلاة/باب ١٣٣
١٨٠ - وحقثنا محمدُ بنُ بَشّارِ بُنْدَارُ حدّثنا مُعَاذُ بنُ هشام حدثني أبي عن
يحيى بن أبي كثيرٍ حدّثنا أبو سَلَمّةً بنُ عبد الرحمن عن جابر بن عبدالله: أنَّ عمر بن
الخطابِ قال يومَ الخنْدَقِ، وجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْش، قال: يا رسولَ الله! ما ◌ِذْتُ أُصَلِّي
العصر حتى تَغْرُبَّ الشمسُ، فقال رسولُ اللهِ وَ﴾: ((وَاللَّهِ إِنْ صَلَّيْتُهَا)). قال: فنَزَلْنَا
بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ رسول الله ﴿ وتوضّأْنَا، فصلَّى رسول اللهِ ﴿ العصرَ بعدَما غَرَبَتِ
الشمسُ، ثم صلَّى بعدها المغربّ(١).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
١٣٣ - باب ما جاء في صلاةِ الوُسْطَى أَنَّهَا العصرُ
وقد قيلَ: إنها الظهرُ
[المعجم ١٩ - التحفة ١٩]
١٨١ - حدثنا محمود بن غَيْلاَنَ حدّثنا أبو داود الطيّالِسِيُّ وأبو النّضْرِ عن محمد بن
طلحةً بن مُصَرِّفٍ عن زُبَيْدٍ عن مُرَّةَ الهَمْدَانِيِّ عن عبد الله بن مسعودٍ قال: قال رسول
اللهِ ﴿: (((صَلاَةُ الْوُسْطَى صَلاَةُ العَصْر))(٢).
فقضاؤها على الوجه الذي كانت ترتبت عليه إذا حضر بصفة القضاء، وأقرب إلى التقضي عند
عهدتها، وإذا تكررت كثرت وعسر ضبط الترتيب فيها وشقّ، فيسقط المشقة حسب ما قدّرناه في
كتاب الإنصاف والله أعلم.
باب ما جاء في الصلاة الوسطى
(عمر بن الخطاب قال يوم الخندق وجعل يسبّ كفّار قريش قال: يا رسول الله ما
كدت أُصلّي العصر حتى تغرب الشمس فقال رسول الله 1: والله إن صلّيتها. قال: فنزلنا
بطحان فتوضاً رسول الله ﴾ فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلّى بعدها المغرب).
عبد الله بن مسعود وسمرة بن جندب (قال رسول الله (9: صلاة الوسطى صلاة العصر).
صحاح كلها.
(١) الحديث رواه أيضًا أحمد والبخاري ومسلم والنسائي. وانظر الفتح (٢: ٥٥ - ٥٧).
(٢) الحديث رواه أبو داود الطيالسي. في مسنده (رقم ٣٦٦) بهذا الإسناد مطوّلاً. ورواه أحمد في
المسند (٣٧١٦ ج ١ ص ٣٩٢). ورواه مسلم (١: ١٧٤). وسيأتي الحديث إن شاء الله بهذا
الإسناد في الترمذي في كتاب ((التفسير)).
٢٣٨
أبواب الصلاة/ باب ١٣٣
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
١٨٢ - حقثنا هَنَّادٌ حدّثنا عَبْدَةُ عنْ سعيدٍ عن قتادةَ عن الحسن عن سَمُرَةَ بنِ
جُنْدَب عن النبيِّ وَ﴿ أنه قال: ((صلاةُ الوُسْطَى صلاةُ العصرِ))(١).
قال: وفي الباب عن عليّ، وعبد الله بن مسعودٍ، وزيد بن ثابتٍ، وعائشةً،
وحفصةَ، وأبي هريرةً، وأبي هاشمٍ بنِ عُثْبَةً.
قال أبو عيسى: قال محمد: قال عليَّ بنُ عبد الله: حديثُ الحسنِ عن سَمُرَة بنٍ
جُندب حدیثٌ صحيحٌ، وقد سَمِعَ منه.
وقال أبو عيسى: حديثُ سَمُرَةً في صلاة الوسطَى حديثٌ حسنٌ.
وهو قولُ أكثر العلماء من أصحاب النبيِّ وَّر وغيرهم.
وقال زيدُ بنُ ثابتٍ وعائشةُ: صلاةُ الوسطَى صلاةُ الظهرِ .
وقال ابنُ عباسٍ وابنُ عمرَ: صلاةُ الوسطَى صلاةُ الصبحِ.
إستاده: صحح أبو عيسى هذه الأحاديث، وفيها أيضًا حديث الموطأ في عائشة أنها كتبت
في مصحفها: ((حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر)).
لغته: يحتمل أن يراد بالوسطى الفضلى، من قوله وسط أي: خيار، ويحتمل أن يراد به
من الوسط، وهو المساوي في البُعد لكل واحد من الطرفين.
فقهه: اختلف الناس في الصلاة الوسطى على سبعة أقوال. أحدها: أنها كل واحدة من
الصلوات. والسادس(٢): أنه الجمعة. والسابع: أنها لا تعلم. واختار مالك أنها الصبح (٣)، وأبو
حنيفة أنها العصر (٣)، وحجة مّن قال إنها الصبح: فإنها فاتحة العمل، وإن صلاتها تعدل قيام
ليلة. واحتجّ مَن قال إنها الظهر (٣): أنها إذا صلّها طهرت ووقع الابتداء بها، فكان لها فضل
التقدم. واحتج مَن قال إنها العصر بما تقدم من الحديث، ولم يصححه البخاري ولا أدخله في
كتاب الصلاة. واحتجّ مَن قال إنها المغرب(٤): بأنها ذات وقت واحد لا تأخير لها. واحتجْ مَن
قال إنها العتمة أنها خاتمة العمل. واحتجْ مَن قال إنها الجمعة: بأن شروطها أكثر، فدلّ على أنها
(١) الحديث رواه أحمد في المسند (ج ٥ ص ٧ و١٢ و١٣). ورواه أيضًا الترمذي فيما سيأتي في
كتاب التفسير.
(٢) هنا كما هو ملاحظ سقطت الأقوال: الثاني والثالث والرابع والخامس.
(٤) أحد الأقوال.
(٣) أحد الأقوال في الصلاة الوسطى.
٢٣٩
أبواب الصلاة / باب ١٣٤
عقثنا أبو موسى محمد بن المُثَنَّى حدّثنا قُرَيْشُ بنُ أنَسٍ عن حَبِيبٍ بن الشهيدِ
قال: قال لي محمدُ بنُ سِيرِينَ: سَلِ الحسنَ: مِمَّنْ سَمِعَ حديثَ العَقِيقَةِ؟ فسألْتُهُ، فقال:
سمعته من سَمْرَةَ بنِ جُنْدَبٍ.
قال أبو عيسى: وأخبرني محمد بن إسماعيلَ حدّثنا عليَّ بنُ عبد الله بن المَديني
عن قُرَيْشٍ بن أنَسٍ بهذا الحديث.
قال محمدٌ: قال عليٍّ: وسماعُ الحسن من سَمُرَةً صحيحٌ. واخْتَجَّ بهذا الحديثِ.
١٣٤ - باب ما جاء في كراهيةِ الصلاةِ بعدَ العصرِ وبعدَ الفجرِ
[المعجم ٢٠ - التحفة ٢٠]
١٨٣ - عقدنا أحمدُ بنُ مَنِيع حدّثنا هُشَيْمٌ أخبرنا منصورٌ، وهو ابنُ زَاذَانَ عِن قَتَادَةً
قال: أخبرنا أبو العالِيَةِ عن ابنٍ عَبَّاس قال: سمعتُ غيرَ واحد من أصحاب النبيِّ وَّه:
منهم عمرُ بنُ الخطّابِ، وكان مِنْ أَحَبِّهِمْ إِلَيَّ: ((أنَّ رسولَ اللهِوَِّ نَهى عن الصَّلاَةِ بعدَ
الفجرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشّمْسُ، وعن الصَّلاَةِ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ)) (١).
قال: وفي الباب عن عليّ، وابن مسعودٍ، وعُقْبَةَ بن عامرٍ، وأبي هريرة، وابن
عمَّرَ، وَسَمْرَةَ بْنِ جُنْذَبٍ، وعبد الله بن عَمْرٍو، ومُعَاذِ بنِ عَفْرَاءَ، وَالصُّنَابِجِيِّ ولم يَسْمَعْ
من النبيِّ ◌َرَ، وَسَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، وزيد بنٍ ثَابِتٍ، وعائشةَ، وَكَعْبٍ بِنِ مُرَّةً، وأبي
أُمَامَةَ، وعَمْرو بنِ عَبَسَةَ، وَيَعْلَى بِنِ أُمَيَّةً، ومعاويةً.
أفضل. واحتج مَن قا إنها أُخفيت في الصلوات كما أُخفيت ليلة القدر في الشهر. والصحيح أنها
مخفية، لأن الأحاديث التي ساقها أبو عيسى لم يصححها أبو عبد الله، ويعارضها حديث عائشة.
وسائر الأدلة ضعيفة فلا يبقى فيها إلا الإخفاء لها زيادة في فضلها.
باب ما جاء في كراهية الصلاة بعد الصبح وبعد العصر
(عمر بن الخطاب، أن رسول الله ﴾ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وعن
الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس) قال الإمام القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: قد
أومىء أبو عيسى إلى اختلاف الناس في المسألة، وهو مشهور ينظم نظره في خمسة أقوال:
(١) الحديث رواه أيضًا أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٢٤٠
أبواب الصلاة/ باب ١٣٥
قال أبو عيسى: حديثُ ابن عباسٍ عن عُمَرَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وهو قولُ أكثر الفقهاءِ من أصحاب النبيِّ ◌َ﴿ ومَنْ بَعْدَهُمْ: أنهم كرهوا الصلاةَ بعد
صلاة الصبح حتى تطلُعَ الشمسُ، وبعد صلاة العصر حتى تغْرُبَ الشمسُ. وأما الصّوَاتُ
الفوائتُ فلا بأسَ أن تُقْضَى بعد العصر وبعد الصبح.
قال عليُّ بن المديني: قال يحيى بنُ سعيدٍ: قال شعبة: لم يسمع قتادةُ من أبي
العالِيَّةِ إلَّ ثلاثة أشياءَ: حديثَ عُمَرَ: ((أن النبي ◌َُّ نّهَى عن الصلاةِ بعدَ العصر حتى
تغرُبَ الشمسُ، وبعد الصبح حتى تطلُعَ الشمسُ، وحديثَ ابن عباسٍ عن النبيِّ ◌َِله
قال: ((لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى))(١) وحديثَ عليَّ: «القُضَاءُ
ثَلاثَةٌ))(٢) .
١٣٥ - باب ما جاء في الصلاةِ بعد العصر
[المعجم ٢١ - التحفة ٢١]
1.
١٨٤ - حدثنا قُتَيْبَةُ حدّثنا جَرِيرٌ عن عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنٍ
عباسٍ قال: ((إِنَّمَا صَلَى النبيُّ :﴿ الركْعَتَيْنِ بعد العصرِ لأنه أتّاهُ مَالٌ فَشَغَلَهُ عن الرَّكْعَتَيْنِ
بعدّ الظهرِ، فَصَلاَّهُمّا بعدَ العصر، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ لَهُمَا.
وفي البابِ عن عائشةَ، وأُمّ سَلّمَةَ، ومَيْمُونَةً، وأبي موسَى.
الأول: لا صلاة في هذين الوقتين بحال، قاله أبو حنيفة. الثاني: أن تُصلّى الفريضة دون النافلة.
الثالث: أن تُصلّى الفريضة والأفله التي لها سبب، كدخول المسجد، وسجود التلاوة، وركعتي
الطواف، قاله الشافعي. الرابع: لا يُصلّى في هذين الوقتين بحال، لا فريضة ولا نافلة ولا عند
زوال الشمس، حتى تنحطّ عن كبد السماء. الخامس: أن ذلك يجوز بمكة خاصة. فأما منع
جميع الصلاة في هذين الوقتين، فإنه قول قوي تشهد له آثار الصحائح بأن النبي و# صلّى
الصبح حين ابيضت الشمس وارتفعت، وأخّرها عند وقت الطلوع. وأما وجه مَن قال: إن
الفريضة تصلى خاصة فقوله: ((مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها»، فهذا خاص في .
وقت الذكر. وهذا وإن كان قويًّا، فإن تأخير النبي # الصلاة التي قال هذا القول في ذلك
يدفعه، ولولا أنه قاله بعد تأخيرها، لكانت المسألة قوية جدًّا لأهل العراق، فيحتمل أن يكون
(١) رواه البخاري (٦: ٣٢٤ و١٣؛ ٤٢٩).
?
(٢) سيأتي في الترمذي إن شاء الله.