Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ أبواب الطهارة / باب ٩٣ ٩٣ - باب ما جاء في المُسْتَحَاضَةِ [المعجم ٩٣ - التحفة ٩٣] ١٢٥ - حدثنا هَنَّدٌ حدّثنا وكيعٌ وعَبْدَةُ وأبو معاويةً عن هِشَامِ بنِ عُرْوةً عن أبيه عن عائشةً قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أبي حُبَيْشٍ إلى النبيِلَ فقالت: يا رسولَ الله، إنّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلاَ أْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاَةَ؟ قال: ((لا، إنَّمَا ذَلِكِ عِزْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالحِيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الخَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَإِذَا أَذْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِي). قال أبو معاوية في حديثه: وقال: ((تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاَةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذلِكِ الوَقْتُ)»(١). قال: وفي الباب عن أُمّ سَلْمَةً. قال أبو عيسى: حديثُ عائشةَ: ((جاءت فاطمةُ)) حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهو قولُ غير واحدٍ من أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّر والتابعين. وبه يقولُ سفيانُ الثوريَّ، ومالكٌ، وابنُ المبارك، والشافعيَّ: أنَّ المستحاضة إذا جاوزتْ أيام أقْرَائِهَا اغْتَسَلَتْ وَتَوَضَّأَتْ لكلِّ صلاةٍ. باب في المستحاضة عروة عن عائشة (جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﴿ فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أُستحاض فلا أطهر، أنأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عِرْقٌ، وليست بالحيضة، فإذا أقبلتِ الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلّي) صحيح حسن. عدي بن ثابت عن (١) الحديث رواه مالك في الموطأ (١: ٧٩ - ٨٠) والبخاري من طريق مالك (١: ٣٤٨). ورواه ابن سعد (٨: ١٧٨)، والدارمي (١: ١٩٨). ورواه البخاري أيضًا (١: ٣٥٧: و٣٦٠ و٣٦٣). ورواه مسلم (١: ١٠٣). ورواه أبو داود (١: ١١٣ - ١١٤). ورواه النسائي (١: ٤٥ و٦٥). ورواه ابن ماجه (١: ١١١). والدارمي (١: ١٩٩). وابن الجارود (ص ٥٩ - ٦٠). ورواه أحمد في المسند (٦: ١٩٤). والزيادة التي زادها أبو معاوية في روايته رواها البخاري أيضًا (١: ٢٨٦). ورواه النسائي (١: ٤٥). ورواه الدارمي (١: ١٩٩). وانظر الزيلعي في نصب الراية (١: ١٠٦). وتلخيص الحبير (ص ٦٢). عارضة الأحوذي/ ج ١/ م ١١ ١٦٢ أبواب الطهارة/ باب ٩٤ و٩٥ ٩٤ - باب ما جاء أن المستحاضة تتوضَّأُ لكل صلاةٍ [المعجم ٩٤ - التحفة ٩٤] ١٢٦ - حدثنا قُتَيْبَةُ حدّثنا شَرِيكٌ عن أبِي الْيَقْظَانِ عن عَدِيٍّ بنِ ثَابِتٍ عن أبِيهِ عن جدِّهِ عن النبيِّ وَ﴿ أنه قال في المستحاضة: «تَدَعُ الصَّلاَةَ أَيَامَ أَقْرَائِهَا الْتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ، وَتَصُومُ وَتُصَلَّي)). ١٢٧ - حقثنا عليَّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا شريكٌ: نَحْوَهُ بمعناهُ(١). قال أبو عيسى: هذا حديثٌ قد تَفَرَّدَ به شرِيكٌ عن أبِي الْيَقْطَانِ. قال: وسألتُ محمدًا عن هذا الحديث، فقلت: عَديُّ بنُ ثابت عن أبيه عن جده، جَدُّ عديٍّ ما اسمه؟ فلم يَعْرفُ محمدٌ اسْمّهُ. وذكرتُ لمحمدٍ قولَ يحيى بن مَعِينٍ: أن اسمه ((دینَارٌ)) فلم يَغْبأ به. وقال أحمدُ وإسحقُ في المستحاضةِ: إن اغْتَسَلَتْ لكلِّ صلاة هو أحوطُ لها، وإنْ تَوَضَّأَتْ لكلِّ صلاة أجْزَأَهَا، وإنْ جَمّعَتْ بَيْنَ الصَّلاتين بِغُسْلٍ واحدٍ أجْزَأَهَا. ٩٥ - باب ما جاء في المستحاضة: أَنَّهَا تَجْمَعُ بين الصلاتين بِغُسْلٍ واحِدٍ [المعجم ٩٥ - التحفة ٩٥] ١٢٨ - عقثنا محمدُ بنُّ بَشَّارٍ حدّثنا أبو عامر العَقَدِيُّ حدّثنا زُهَيْرُ بنُ محمدٍ عن عبد الله بن محمد بن عَقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عَمِّهِ عِمْرَانَ بنِ طَلْحَةَ عن أَمْهِ حَمْنَةَ بِئْتِ جَحْشٍ قالت: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَتَيْتُ النبيَّ ◌َُِّ أبيه عن جدّه عن النبي وَليزر (أنه قال في المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلّي) عمران بن طلحة عن أُمه حمنة بنت جحش (قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي # (١) الحديث رواه الدارمي (١: ٢٠٢). وأبو داود (١: ١١٩ - ١٢٠). وابن ماجه (١: ١١١)، كلهم عن شريك بن عبد الله النخعي قاضي الكوفة. ١٦٣ أبواب الطهارة / باب ٩٥ أُسْتَفْتيه وأُخْبِرُهُ. فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتٍ أُخْتِي زَيْئَبَ بِئْتِ جَحْشٍ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةٌ كَثِيرَةً شَديدَةً، فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا، قَدْ مَنَعَثْنِي الصِّيَامَ وَالصَّلاَةَ؟ قال: «أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ)). قالت: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذُلِكَ؟ قال: ((فَتَلَجَّمِي)). قالت: هُوَّ أَكْثَرُ مِنْ ذُلِكَ؟ قال: ((فَاتَّخِذِي ثَوْبًا)). قالت: هُوَ أكْثَرُ مِنْ ذُلِكَ، إِنَّمَا أَتُجُّ ثَجًّا؟ فقال النبي ◌َه: ((سآمُرُكِ بِأمْرَيْنٍ: أَيَّهُمَا صَنَعْتِ أجْزَأَ عَنْكِ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أعْلَمُ. فقال: إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِنَّةَ أيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، في عِلْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا رَأيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُزْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أزْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةُ، أَوْ ثَلاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةٌ وَأَيَّامَهَا، وَصُومِي وَصَلّي، فَإِنَّ ذلِكِ يُجْزِئُكِ، وَكَذلِكِ فَافْعَلِي، كما تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَظْهُرْنَ، لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنّ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي العَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ حِينَ تَظْهُرِينَ، وَتُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤْخّرِينَ المَغْرِبَ، وَتُعَجِّلِينَ العِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ، وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ -: فَافِعَلِي، وَتَغْتِسِلِينَ مَعَ الصُبْحِ وَتُصَلِّينَ، وَكَذلِكٍ فَافْعَلِي، وَصُومِي إِنْ قَوِيتٍ عَلَى ذُلِكَ. فَقَالَ رسول اللهِ وَ﴿: وَهُوَ أعْجَبُ الأمْرَيْنِ إِلَيَّ)(١). أستفتيه وأُخبره. فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش فقلت: يا رسول الله، إني أُستَخَاض حيضة كثيرة شديدة، فما تأمرني فيها، قد منعتني الصيام والصلاة؟ قال: أنعت لكِ الكُرسُفَ، فإنه يُذهِب الدم. قالت: هو أكثر من ذلك؟ قال: فتلجمي، قالت: هو أكثر من ذلك؟ قال: فاتخذي ثوبًا، قالت: هو أكثر من ذلك، إنما أُتُجُ ثجًا؟ فقال النبي ◌ّه سآمرك بأمرين: أيهما صنعتِ أجزا عنك، فإن قَوِيتِ عليهما فأنت أعلم. فقال: إنما هي ركضة من الشيطان، فتحيَّضي سنة أيام أو سبعة أيام، في علم الله، ثم اغتسلي، فإذا رأيت أنك قد طَهُرتِ واستنقأْتِ فصلّي أربعًا وعشرين ليلة، أو ثلاثًا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي وصلّي، فإن ذلك يُجزئك، وكذلك فافعلي، كما يحيض النساء وكما يَطْهُرنَ، لميقات حيضهنّ وطُهرهنّ، فإن قويتٍ على أن تؤخري الظهر وتعخلي العصر، ثم تغتسلين حتى تطهرين، وتصلين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخّرين المغرب، وتعجّلين العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين -: فافعلي، وتغتسلين مع الصبح وتصلين، وكذلك فافعلي، وصومي إن قويت على ذلك. فقال رسول الله سر: وهو أعجب الأمرين إليّ) (١) الحديث رواه الشافعي في الأم (١: ٥١ - ٥٢). ورواه أحمد في المسند (٦: ٣٨١ - ٣٨٢ و ٤٣٩ - ٤٤٠)، و(٦: ٤٣٩)، وأبو داود (١: ١١٦ - ١١٧)، وابن ماجه (١: ١١١)، والدارقطني (ص ٧٩)، والحاكم (١: ١٧٢ - ١٧٣)، ورواه البيهقي (١: ٣٣٨ - ٣٣٩) من طريق الحاكم ومن طريق أبي داود، وبعض هذه الروايات مطوّل وبعضها مختصر. ١٦٤ أبواب الطهارة / باب ٩٥ قالَ ابُو عِیسی: هذا حديث حسن صحيحٌ. ورواه عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو والرَّقْيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وشَرِيكٌ: عن عبد الله بنِ محمدِ بنِ عَقِيل عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بن طلحةً عن عَمَّهِ عِمرانَ عن أُمَّهِ حَمْنَةَ، إلاَّ أنّ ابنّ ◌ُرَيْجٍ يقول: ((عُمَرُ بنُ طَلْحَةً))، والصحيح ((عِمْرَانُ بنُ طَلْحَةً)). قال: وسَأَلْتُ محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهكذا قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: هو حديث حسن صحيحٌ. وقال أحمدُ وإِسحلق في المستحاضة: إذا كانتْ تَعْرِفُ حَيْضَهَا بإِقْبالِ الدَّمِ وإِدبَارِهِ، وإقبالُهُ أنْ يكونَ أسْوَدَ، وإدبارُهُ أَن يَتَغَيِّرَ إلى الصُّفْرَةِ -: فَالحُكْمُ لَهَا على حديث فاطِمةَ بنتِ أبي حُبَيْشٍ، وإنْ كانتِ المستحاضةُ لها أيام معروفةٌ قَبْلَ أنْ تُسْتَحَاضَ: فإنها تَدَعُ الصلاةَ أيامَ أَقْرَائِهَا ثم تغتسلُ وتتوضأُ لِكُلّ صلاةٍ وتصلِّي، وإذا اسْتَمَرَّ بِها الدمُ ولم يكن لها أيام معروفة ولم تَعْرِفِ الحَيْضَ بِإِقْبالِ الدَّمِ وإذبارِهِ: فَالحُكْمُ لها على حدِيثٍ حَمْنَةً بِنتِ جخشٍ. وكذلك قال أبو عُبّيْدٍ. وقال الشافعيّ: المستحاضةُ إذا استمرَّ بها الدمُ في أوَّلِ ما رأتْ فَدَامَتْ على ذلكَ: فإنها تَدَعُ الصلاةَ ما بَيْنَها وَبَيْنَ خمسةَ عشرَ يومًا، فإذا طَهُرَتْ في خمسةَ عشرَ يومًا أو قَبْلَ ذلك: فإنها أيَّامُ خَيْضٍ، فإذا رأت الدمَ أكثر من خمسة عشر يومًا: فإنها تَقْضِي صلاةً أربعة عشر يومًا، ثم تَدَعُ الصلاة بَعْدَ ذلك أقَلَّ ما تحيض النساءُ، وهو يوم وليلةٌ. قال أبُو عِيسى: واختلف أهلُ العلم في أقَّلْ الحيضِ وَأكْثَرِهِ. فقال بعضُ أهل العلم: أَقَلُّ الحيضِ ثلاثةٌ، وَأكثرُهُ عِشَرةٌ. وهو قولُ سفيان الثوريَّ وأهلِ الكوفةِ، وبه يأْخُذُ ابنُ المباركِ. وَرُوِيَ عنه خلافُ هذا. وقال بعضُ أهلِ العلم، منهم عَطَاءُ بنُ أبي رَبَاحِ: أَقَلُ الحيض يومٌ وليلةٌ، وأكثره خمسةً عَشَرَ يومًا. ١٦٥ أبواب الطهارة / باب ٩٦ ـمبـ وهو قولُ مالكِ، والأوزاعيِّ، والشافعيِّ، وأحمد، وإسحق، وأبي عُبَيْدٍ. ٩٦ - باب ما جاء في المستحاضةِ: أنَّهَا تَغْتَسِلُ عند كُلُّ صلاةٍ [المعجم ٩٦ - التحفة ٩٦] ١٢٩ - حدثنا قُتَيْبَةُ حدّثنا اللَّيْثُ عن ابْنِ شِهَابٍ عن عروةَ عن عائشةَ أنها قالتٍ: اسْتَفْتَتْ أُمْ حَبِيبَةَ ابنةُ جَخْشِ رسولَ الله ◌ِ﴿، فقالت: إنِّي أُسْتَحَاضُ فلا أطْهُرُ، أَفَأْدَعُ الصَّلاَةَ؟ فقال: ((لاَ، إِنَّمَا ذَلِكِ عِزْقٌ، فَاغْتَسِلِي ثُمَّ صَلِّي)). فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لُكُلُّ صَلاَةٍ. قال قُتَيْبَةُ: قال اللَّيْثُ: لم يَذْكُرِ ابنُ شهابٍ أنَّ رسولَ اللهِوَ﴿ أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةٌ أن تغتسِلَ عند كل صلاةٍ، وَلكنه شيءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ. صحيح حسن. عروة عن عائشة (قالت: استفتت أم حبيبة ابنة جحش رسول الله ويظهر، فقالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفادع الصلاة؟ فقال: لا، إنما ذلك عِرقٌ، فاغتسلي ثم صلّي. فكانت تغتسل لكل صلاة. قال قتيبة: قال الليث: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله * أمر أم حبيبة أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيءٌ فعلته هي). إسناده: أحاديث الحديث ومسائله من معضلات الدين ومشكلات الفقه، وما أبصر بصري وبصيرتي في إقامتي ورحلتي مَن يقوم على مسائل الحيض إلا واحدًا من علمائنا، وهو أبو محمد إبراهيم بن أمدية المقدسي، فإنه كان قد جعلها سمير عينه ولديم فكره، حتى استقل بأعبائها وفتح مقفلاتها، وحصل فروعها، غير أن أحاديثها والقول عليها ربما قصر فيها، وقد قيّدت من شواردها بدائع، وسألقي إليكم منها جملاً عسى أن لا يكون عندكم حملاً، فنقول: المستحاضة على عهد رسول الله 98 خمس: الأولى: حمنة بنت جحش بن زباب، من بني أسد من خزيمة، أُخت زينب بنت جحش زوج رسول الله (189، كانت تحت مصعب بن عمير، فلما قتل يوم أُحُد تزوجها طلحة بن عبيد الله فولدت له محمدًا وعمران ابني طلحة، فروى عنها ابنها محمد بن طلحة حديثًا في الحيض. الثانية: أم حبيبة، ويقال: أُم حبيب ابنة جحش بن زباب الأسدي، أُخت حمنة زوج عبد الرحمن بن عوف. الثالثة: فاطمة بنت أبي حبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزّى بن قصي، القرشية الأسدية، هي التي استحيضت فشكت ذلك إلى رسول الله وَ ل# كما رُوِيّ من وجوه. الرابعة: سهلة بنت سهيل بن عمر، القرشية العامرية، ذكر حديثها أبو داود وهو معلول، وكانت زوج أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، ثم خلف عليها بعده عبد الرحمن بن عوف، ولدت له سالم بن عبد الرحمن بن عوف. الخامسة: سودة بنت زمعة زوج النبي ◌َّة، رواه العلاء بن المسيب، عن الحكم بن جعفر: أن سودة استحيضت، وعضده ما رواه في ء الحيض ١٦٦ أبواب الطهارة / باب ٩٦ قَالَ أَبُو عِيسَى: ويُزْوَى هذا الحديثُ عن الزُّهْرِيِّ عن عَمْرَة عن عائِشَةً قالت: (اسْتَفْتَتْ أُمُّ حَيِبةَ بنْتُ جَحْشٍ رسولَ اللهِ﴾﴾. صحيح البخاري خالد، عن عكرمة، عن عائشة: أن امرأة من أزواج النبي يلر، أو: أن بعض أمهات المؤمنين، وأن رسول الله# اعتكف معه بعض نسائه فربما وضعت الطست تحتها من الدم، وأن عائشة رأت ماء العصفر فقالت: إن هذا شيء كانت فلانة تجده. وفي الموطأ أن زينب بنت جحش استحيضت، وأنها كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وهذا وَهُم من وجهين: أحدهما: أنها لم تستحِض قطّ، إنما المستحاضة أختها. الثاني: أنها لم تكن قطّ تحت عبد الرحمن بن عوف، إنما كانت تحت زيد، ثم زوّجها الله سبحانه رسوله ◌َله بأكرم الوجوه، وأصحّ الطرق، وأسلم الأسباب عن النقائص والهوى والمخزيات. وأحاديث المستحاضة كثيرة، لكن الصحيح منها ثلاثة: الأول: حديث فاطمة، وقد تقدم الثاني: حديث أُم حبيبة بنت جحش، ونصه ما تقدم. وفي كتاب مسلم زيادة عليه أيضًا: أنها كانت تغتسل في حُجرة أختها زينب في مركن، حتى تعلو حُمرة الدم الماء. الثالث: حديث سودة والله أعلم، لما رواه البخاري عن عائشة أن امرأة من أزواج النبي ول# استحيضت. الرابع: حديث النبي : أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله ◌َ، فاستفتت لها م سلمة زوج أم سلمة رسول الله ** تنتظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهنّ من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلنترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا بلغت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب أو تستذفر بثوب، ثم لتصلّي، رواه مالك. وتركه مسلم والبخاري لعله معلومة عندنا قد أدخلوا مثلها، والحمد لله. وأما حديث عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جدّه فإنه لا يصحّ لأنه بمجهول، ولا يعلم مّن جدّه، ومُخْتَلَف فيه قد رواه أبو اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن علي وعمار مولى بني هاشم، عن ابن عباس. وقد قال أحمد بن حنبل في كتاب العلل: كان عبد الرحمن بن مهدي يترك حديث أبي اليقظان عثمان بن عمير، ويقال: اسمه عثمان بن قيس، والله أعلم. وكان يحيى بن معين لا يحدّث عنه، وكان شعبة لا يرضاه، رُوِيّ عن أنس، وزيد بن وهب، وأبي وائل، وعديّ فامتنعت صحته لهذا. ولنا حديث عمران بن طلحة عن حمنة، ففي الطريق عبد الله بن عقيل، وقد تقدّم القول فيه في أول باب من الكتاب. ولكن معناه صحيح في بعض الوجوه ومن بعض الطرق. روى أبو داود قال: حدّثنا ابن معاذ، حدّثنا أبي، حدثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: استحيضت امرأة على عهد رسول الله ﴿﴿، فأُمِرت أن تؤخر الظهر، وتعجّل العصر، وتغتسل لهما غسلاً، وأن تؤخر المغرب وتعجّل العشاء، وتغتسل لهما غسلاً، وتغتسل لصلاة الصبح غسلاً، فقلت لعبد الرحمن: عن النبي ◌َّر، فقال: ألا أُحدّثك عن النبيِ وَّر، فهؤلاء كلهم عدول. وقول عائشة: على عهد رسول الله8* فأمرت، نص في أنه عن النبي ◌َِّ، لكن عبد الرحمن بن القاسم أراد أن ينقل الحديث على أصله. ١٦٧ أبواب الطهارة/ باب ٩٦ وقد قال بعضُ أهل العلم: المستحاضةُ تغتسلُ عند كل صلاةٍ . غريبه: فيه اثنا عشرة لفظة: الأولى: حائض، هي فاعل من حاض، أي: سال. يقال حاض السيل إذا فاض، وأنشد المبرّد لعمارة بن عقيل: عليهنّ حيضات السول الطوائم أحالت حصاهنّ الداودي وحيضت يقال: حاضت المرأة، وتحيضت، ودرست، وعركت، وطمئت، تحيض حيضًا ومحاضًا ومحيضًا: إذا سال منها الدم في أوقات معلومة، فإذا سال في غير أوقات معلومة، ومن غير عرق الحيض قيل: استحيضت، قلت: تحقيقه أنه فعل بها الحيض، وكلاهما مفعول بها الحيض والاستحاضة، إلا أن الأول لمّا كان معتادًا نسب إليها، وهذا الثاني لمّا كان نادرًا وكان منسوبًا إلى الشيطان حسب ما رُوِيّ عن النبي : أنه قال: ((إنها ركضة من الشيطان)) قيل منه: استحيضت، وقيل: مستحاضة. وهم وتنبيه: قال ابن غرفة: المحيض والحيض اجتماع الدم إلى ذلك المكان، وبه سُمِّي الحوض لاجتماع الماء فيه، وليس كما زعم. إنما هو سيلان الدم، وإنما سُمّي الحوض حوضًا لسيلان الماء فيه، وقد قلب القوس ركوة فافهم. الثانية: مستحاضة، وقد بيّناه. وللحائض ثمانية أسماء هي: الأول: (١)، الثاني: عارك، الثالث: فارك، الرابع: طامس، الخامس: دارس، السادس: كائر، السابع: ضاحك، الثامن: طامث. وقد بيّا ذلك في كتاب الأحكام. الثالثة: الأقراء. قال أبو عبيد: الأصل في التصريح الوقت، فقيل للحيض: قروء، وللطهر: قروء، لأنهما يرجعان إلى وقت معلوم. وليس كما زعم، بل القرء: اجتماع الدم، فإنه من: قرءات، أي: اجتمعت، فالقرء اجتماع الدم، والحيض سيلانه، بيد أنه سُمِّي الحيض قرءًا مجازًا، لأنه يظهر فيه القرء الذي هو اجتماع الدم، فالقرء في القرء حقيقة، وهو في الحيض مجاز. وقد قال أبو بكر بن الأنباري: جمع الحقيقة قروء، كقوله تعالى: ﴿والمطلّقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] وكقول الأعشى: لما ضاع فيه من قروء نسائكًا، يعني أطهارهنّ، وجميع المجاز أقراء، كقوله ولاير: ((دعي الصلاة أيام أقرائك)). الرابعة: الكرسف، وهو القطن. وله ستة أسماء: الأول القطن، الثاني الكرسف، الثالث البرس، الرابع العطب، الخامس العلوط، السادس الخرفع. وصفاته أيضًا كثيرة، وإنما وصف لها الكرسف مع قّته عندهنّ، وترك الصوف مع كثرته لحكمة لسنا لها. الخامسة: قوله: (تلجمي) كلمة غريبة لم يقع إلى تفسيرها في كتاب، وإنما أخذتها استقراء. قال الخليل: اللجام معروف، أخذناه من هذا، كان معناه افعلي فعلاً يمنع سيلانه (١) بياض بالأصل. ١٦٨ أبواب الطهارة/ باب ٩٦ ورَوَى الأوزاعيَّ عن الزهرِيِّ عن عُرْوَةً وَعَمْرَةً عن عائشةً))(١). واسترساله، كما يمنع اللجام استرسال الدابّة، وأعجب من هذا أن شيخنا أبا بكر محمد بن طرخان التريحي أخبرنا قال: واللجمة كما يقال: فوهة النهر، وفيه نظر. فإن صح هذا فهو مأخوذ منه ويكون معناه شدّي اللجمة، وهي الفوهة التي ينتهر منها الدم، وهو غريب بديع. السادسة: قوله: (وإنما أثج ثجًّا)، والتج: السيلان، ومنه قوله: ﴿ماءٌ ثجاجًا﴾ [النبأ: ١٤] أي: سيّالاً. وفي الأثر: ((أفضل الحج العج والثج))، فالعج رفع الصوت بالتلبية، والثج إسالة دماء الهدي. وقال الحسن في صفة ابن عباس: مثجًّا، يعني: أنه كان يصبّ القول صبًّا بالعلم، فمعنى قولها: إنما أسيل سيلانًا، ووجهه أن يقول: إنما ينج ثجًّا، لأن ذلك من صفات الدم، فنقله إلى صاحب الدم كما تقدم في باب التيمم، من نقل الفعل من الشيء إلى ما يجاوره من محل أو قرین. السابعة: الطست. قال الأصمعي: هي مؤنثة تصغيرها طسيست، وجمعها طساوس وطسوس، ومنه جاء بالأثر: ((املؤوا الطسوس وخالفوا المجوس»، وفيها ثلاث لغات: طست وطس وطسة، عُنِيَ بالطسة، ويقال للإجانة طسة تشبّهًا بالطست، والأصل في الطست الطسس، إلا أنهم قلبوا إحدى السينين تاءً، استثقالاً للجمع بين السينين، وكذلك حين صغروا قالوا: طسيسة، وكذلك قالوا: طساس وطسوس، ولو جمعوا على الواحد لقالوا: طات. الثامنة: العصفر، وهو نبت أحمر معروف شبه الدم. التاسعة: قوله مركن، قال الخليل: هو شبه ثور من أدم يستعمل للماء. العاشرة: تستثفر، قال الهروي: هو أن تشد فرجها بخرقة عريضة، توثق طرفيها في جعب تشدّه في وسطها، بعد أن تحتشي كرسفًا فيمنع ذلك الدم. قلت: مأخوذ من ثفر الدابّة، تشذه كما تشدّ الثفر تحت الذنب، ويحتمل أن يكون مأخوذ من الثفر وهو الفرج، وإن كان أصله للسباع، فإنه يستعار والله أعلم. الحادية عشر: الرواية الأخرى: تستذفر بالذال المعجمة، مأخوذ من الذفر. قال ابن فارس: وهو حدّة الرائحة الطيبة والخبيثة. يقال: مسك أذفر، وروضة ذفرة. هذا وهم، إنما صوابه مأخوذ من الذفر وهو حذّة الرائحة الطيبة، وأما الخبيثة فإنها الدفر بالدال المهملة. كذلك حكاه الخليل رأس الصناعة واللغة، وإن كان حكاه غيره كما قال ابن فارس، أو هو حدة الرائحة (١) الحديث رواه مسلم (١: ١٠٣) والنسائي (١: ٤٤ و٦٥). ورواه البخاري (١: ٣٦١ - ٣٦٢) وأحمد (٦: ٨٢ - ١٤١ - ١٨٧)، وأبو داود (١: ١١٤)، والدارمي (١: ١٩٦ - ١٩٨ - ١٩٩ - ٢٠٠) وابن ماجه (١: ١١١). ورواه الشافعي في الأم (١: ٥٣). ١٦٩ أبواب الطهارة/ باب ٩٦ الطيبة والخبيثة. وصخ نقله فيكون من الأضداد، وإلا فالأصل الفرقان بينهما كما تقدم، فإن صحّت هذه الرواية كان معناه: فلتستعمل طيبًا تزيل به هذا الشيء عنها، وسُمِّ الثوب طيّا، لأنه يقوم مقام الطيب في إزالة الرائحة، وإن كان قد رُوِيّ: ((فلتستدفر)» بالدال المهملة، كان معناه: فلتدفع عن نفسها الدفر، وهو الرائحة الكريهة، وأما الاستدفار بالحقيقة في استعمال نفس دون المجاز في الثوب الذي قدّمنا فإنما هو في حق الحائض، على ما رُوِيَ في الصحيح: ((خذي فرصة من مسك فتطهّري بها»، أي: تتبعي بها أثر الدم. الثاني عشر: قوله: (إنما هي ركضة من ركضات الشيطان)، أصل الركض: الضرب بالرجل، واختلف في تأويله على وجهين: منهم مَن جعله حقيقة وأن الشيطان ضربها حتى فتق عرقها، وكذلك رُوِيّ عن عائشة أنها سمعت من يقول إن رسول الله# كان به ذات الجنب، فقال: ((إنها نخسة من الشيطان، وما كان الله ليسلّط الشيطان على رسوله)). ومنهم مَن جعله مجازًا، معناه: أن الشيطان لمّا دخل عليها هذه العلة، جعلنا الشيطان سببًا إلى وسوسته وتشكّكه، وكلاهما جائز، وبالأول أقول، فإن الحقيقة أصل حتى يمنع منها دليل العقل، وقد بيّنًا أحوال الشياطين وأفعالهم في كتب الأصول، وهذا باب أصلي ولكن أدخلناها في الغريب لأجل تفسير قوله: (ركضة). أحكامه: النساء على ضربين طاهر وحائض، والحيض شيء كتبه الله سبحانه على بنات آدم، والتقصير في علومه ومسائله أمر لم يزل يتقادم، وقد كنّا جمعنا فيه نحوّا من خمس مائة ورقة، أحاديثه نحو من مائة، وطرقها نحو من مائة وخمسين، ومسائله بتفريعها ودليلها مثلها، إلا أنه أمر يأكل الكبد ويميض الكتد ولا ينهض به منكم أحد، فنشير إلى الأصح نحو مقصد أبي عيسى، إذ لم يذكر منه إلا رموزًا، فتقول إذا كان الحيض شيئًا كتبه الله على بنات آدم ولزمهنّ ذلك بقضاء الله سبحانه، صار عادة مستمرة وقضية مستقرة، لكن النساء لسن فيه على باب واحد ولا في صفة مفردة، بل تختلف فيه أحوالهنّ باختلاف البلدان والأسنان والأهوية والأزمان. وترخي الرحم والدم إرخاء مختلفًا بحسب ذلك، فيكثر تارة ويقل أخرى، فلذلك اختلف فيه فتوى العلماء بحسب عادة ما رأوا وسمعوا، أو علموا أن ذلك أمر مبناه على العادة، فكان مالك يقول: أقله دفعة، وكان الشافعي يقول: أقله يوم وليلة، وكان أبو حنيفة يقول: أقله ثلاثة أيام، ، لوح وكان ابن الماجشون يقول: أقله خمسة أيام، وكلُّ يحيل على الوجوه، وربما تعلق بالظاهر من ألفاظ النبي ◌َّير الأصل لبعضها، ولا حجة فيما صحّ منها، وكذلك منهم من يقول: أكثر الحيض عشرة أيام وهو أبو حنيفة، ومنهم مَن يقول: خمسة عشر يومًا، قاله الشافعي، ومنهم مَن يقول: سبعة عشر يومًا، قاله مالك في كتاب محمد، وقد كنّ نساء ابن الماجشون يحضن سبعة عشر يومًا، ومنهم مَن يقول ثمانية عشر يومًا، قاله ابن نافع، وكلُّ منهم إنما أحال على عادة رآها أو سمعها، فإذا ثبت أن ذلك يختلف باختلاف المعانى كما قدّمنا، رُكبت المسائل على ذلك ورُدَّت ١٧٠ أبواب الطهارة / باب ٩٦ معاني الآثار المختلفة إليه، فنقول: الحائض على ضربين: مبتدأة ومعتادة، فأما المبتدأة فإن حاضت حيض إنزالها، يعني: أهل سنّها، وقيل: أقرانها، حكم لها بحكم الحيض، وإن زادت عليه، فقيل: تستظهر بثلاث، وهو ضعيف، فإن الاستظهار في الحديث إنما جاء في المعتادة وليست المبتدأة في معناه، وقيل: أكثر الحيض، وقيل: أيام لذاتها خاصة، والأوسط من الأقوال أوسط، فأما المعتادة ففيها خمسة أقوال. الأول: تقيم خمسة عشر يومًا ثم هي مستحاضة. الثاني: عادتها خاصة. الثالث: تستظهر بثلاثة أيام، وعليه ظاهر الحديث وإن كان ضعيفًا، ولكنه حسن، وعليه ثبت مالك. الرابع: تغتسل عند الزيادة على العادة، ثم تصوم وتصلي ولا يأتيها زوجها، ثم تنظر إلى حالها، فإن كان انتقالاً لم يضرّها امتناع الوطء، وإن كانت استحاضة كانت قد احتاطت، قاله المغيرة وأبو مصعب، فإن حق الزوج أولى أن يثبت من حق الله سبحانه، لحاجة الزوج وافتقاره وغناء الله سبحانه عن ذلك كله. الخامس: مثله، ويصيبها زوجها. قاله ابن القاسم في كتاب محمد، بناء إذا ثبت هذا فإذا تحادى بها الدم وحكمنا أنها مستحاضة، على أيّ هذه الأقوال حملت وجَرَت أحكامها، قلنا: المستحاضة على قسمين: مبتدأة ومعتادة، وهما على قسمين: مميزة وغير مميزة، فهي إذًا على أربعة أقسام: الأولى: مبتدأة مميزة. الثانية: مبتدأة غير مميزة. الثالثة: معتادة من غير تمييز. الرابعة: معتادة بتمييز. وأما الأولى فحيضها مدة تمييزها بشرط أن لا يزيد على أكثر الحيض، فإن زاد على أكثره لم يكن حيضًا، والأصل في اعتبار التمييز حديث لا بأس به، يرويه العلماء عن فاطمة بنت أبي حبيش: أن دم الحيض أسود يعرف، وقد خرجناه من طريق حسنة لها مدخل في الصحة، يعضده قوله في الصحيح حسب ما قدّمناه لها: ((إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة))، وفي هذا الحديث عندي نظر عظيم، والأول أقرب إلى الحجة وأسلم، واضح المحجّة. وأما الثانية وهي مبتدأة من غير تمييز، وقد تقدم المذهب فيه. والصحيح جلوسها خمسة عشر يومًا ثم يحكم لها بالاستحاضة. وأما الثالثة وهي المعتادة من غير تمييز فإنها على أربعة أقوال: أحدها: تقعد عادتها، قاله المغيرة وأبو مصعب بن القاسم على تفصيل متقدم، وهو الصحيح، وعليه يدلّ حديث أم سلمة المتقدم. الثاني: تبلغ خمسة عشر يومًا. الثالث: سبعة عشر يومًا. الرابع: ثمانية عشر يومًا وهو أصحها عندي، اعتبارًا بالوجود الذي عليه معوّل القول في الحيض. وأما الرابعة وهي المعتادة بتمييز فالرد إلى العادة، يدل عليه حديث أم سلمة، والرد إلى التمييز، يدلّ عليه حديث فاطمة: ((إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة»، وقد اختلف العلماء في ذلك على قولين، ومذهب مالك اعتبار التمييز، لأنه جمع بين الحديثين، ولأن التمييز أولى لأن العادة قد تختلف والتمييز لا يختلف، ولأن النظر إلى اللون اجتهاد والنظر إلى العادة تقليد، والاجتهاد أولى من التقليد. خاتمة: إذا ثبت هذا القول في التأصيل والبناء، فإن القول في التفريع على هذه الأصول، والفعل لتعارضها ودخول بعضها على بعض ما لا تحتلمه هذه العارضة، وفي هذا القدر كفاية، ١٧١ أبواب الطهارة / باب ٩٧ ٩٧ - باب ما جاء في الحائض: أنَّهَا لا تَقْضِي الصلاةَ [المعجم ٩٧ - التحفة ٩٧] ١٣٠ - هذَلنا قُتَيْبَةُ حدّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ عن أيُّوبَ عن أبي قِلاَبَة عن مُعَاذَةَ: ((أنَّ امْرَأَةٌ سَأَلَتْ عائشةَ، قالت: أَتَقْضِي إِحْدَانَا صَلاَتَهَا أَيَّامَ مَحِيضِهَا؟ فقالت أحَرُورِيَّةٌ أنْتِ؟! قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ فَلاَ تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ))(١). قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. لكن لا بدّ من التعرض لتراجم قصدها أبو عيسى، لئلا يكون ممّن تكلم لسبب ثم أغفل ذلك. السبب، وهي أربعة مسائل: الأولى: حقيقة المستحاضة، وقد تقدم بيانها. الثانية: هل تتوضأ المستحاضة لكل صلاة؟ وعندنا لا تتوضأ إلا استحبابًا، وقال الشافعي وأحمد: تتوضأ، لأن قوله: ((تتوضأ لكل صلاة))، إنما هو من قول عروة لا من قول النبي (953، ولأن حكم حدث الحيض قد سقط فلا يوجب طهارة. الثالثة: متى تغتسل المستحاضة؟ فعندنا إن كانت مميزة من طهر إلى طهر، وإن لم تكن مميزة، فغسلها عند الحكم بالاستحاضة يجزيها. وقال أحمد: يُستحب لها أن تغتسل لكل صلاة، وقال ابن المسيب: تغتسل المستحاضة من طهر إلى طهر، واختلف في روايته، فمنهم مَن رواه بالطاء المهملة، ومنهم مَن رواه بالظاء المعجمة، وكلا الروايتين عن مالك. واستبعد الخطابي أن يكون من طهر إلى طهر بالطاء المهملة، وقال: وأيُّ معنى له؟ وإنما علّق الغسل على الطهر بالتمييز أو العادة، والذي استبعد صحيح، لأنه إذا سقط لأجل المشقّة عنها الاغتسال لكل صلاة، فلا أقل من الاغتسال مرة في كل يوم عند الظهر في دفء النهار، وذلك للتنظيف. والصحيح سقوط الاغتسال بسقوط الحكم بأنه حدث. الرابعة: هل تجمع المستحاضة بغسل واحد بين صلاتين؟ رُوِيّ ذلك كما تقدم في حديث عمران عن حمنة، وذلك صحيح كما بيّنّاه، فينبغي أن يكون مستحبًّا، وذلك أولى من قول ابن المسیب من رأيه. باب ما جاء في الحائض أنها لا تقضي الصلاة (معاذة: أن امرأة سألت عائشة، قالت: أتقضي إحدانا صلاتها أيام محيضها؟ فقالت: أحرورية أنتِ؟ قد كانت إحدانا تحيض فلا تؤمر بقضاء). (١) الحديث رواه أصحاب الكتب الستة، ورواه أيضًا الدارمي (١: ٢٣٣) وابن الجارود (ص ٥٦). ١٧٢ أبواب الطهارة/ باب ٩٨ وقد رُوِيَ عن عائشةً مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ: أنَّ الحائضَ لا تَقْضِي الصَّلاةَ. وهو قولُ عَامَّةِ الفقهاءِ، لا اختلافَ بينهم في أن الحائِضَ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ. ٩٨ - باب ما جاء في الجُنُب والحائض: أنهما لا يَقْرَآن القُرْآنَ [المعجم ٩٨ - التحفة ٩٨] ١٣١ - حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ والحسنُ بنُ عَرَفَةَ قالا: حدّثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشِ عن موسى بن عُقْبَةً عن نافع عن ابن عُمَرَ عن النبيِّ وَ﴿ قال: ((لاَ تَقْرَإِ الحَائِضُ، وَلاَ الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» . قال: وفي البابٍ عن عليّ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حديثُ ابنِ عمَرَ حديثٌ لا نعرفُهُ إلاَّ من حديث إسْماعيل بْنِ عَيَّاشٍ عن موسى بنٍ عُقْبَةً عن نافع عن ابْنِ عمرَ عن النبيّ ◌َ قال: لاَ يَقْرَإِ الجنبُ ولا الحائِضُ». إسناده: حديث معاذة صحيح، خرّجه مسلم. قالت عائشة: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. غريبه: القضاء والأداء هو فعل المأمور به. أحكامه: الحائض غير مخاطبة بالصوم ولا بالصلاة في حال حيضها، فإذا ارتفع الحيض خوطبت بهما، فإن قيل هي مخاطبة حال الحيض بالصوم خاصة، قلنا: وأيّ فائدة في مخاطبتها حال الحيض بفعل الصوم بعد الحيض، حتى يقال به، أو أيّ دليل قام عليه من نص أو معنى، هذه دعوى. فإن قيل: فلِمَ يقال: قضاء الصوم؟ وهذا دليل على لزومه حال الحيض، قلنا: القضاء والأداء واحد، ومَن فرّق بينهما فهو مُدَّع على اللغة، وقد استقصينا ذلك في غير موضع. باب في الحائض والجُنُب لا يقرآن القرآن نافع عن ابن عمر عن النبي ◌َّير (لا تقرأ الحائض، ولا الجُنُب شيئًا من القرآن) ضعيف. عبد الله بن سلمة عن علي (قال: كان رسول الله وَ ل﴿ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن ◌ُنّبًا) صحیح حسن. أحكامه: لا يقرأ الجُنُب القرآن. وقال بعض المبتدعة: يقرأ، وحديث علي دليل على ما قلناه. وأما الحائض ففي قراءتها القرآن ومسّها المصحف عن مالك روايتان: إحداهما المنع، ١٧٣ أبواب الطهارة / باب ٩٩ وهو قولُ أكثرٍ أهلِ العِلمِ من أصحابِ النبيِ وَ ﴿ وَالتَّابِعِين ومَنْ بَعْدَهُمْ، مِثْلِ: سفيان الثوريِّ، وابْنِ المباركِ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، قالوا: لا تقرإِ الحائِضُ ولا الجنبُ من القرآنِ شيئًا، إلاَّ طَرَفَ الآيَةِ وَالحَرْفَ ونحوَ ذلِكَ، وَرَخْصُوا للجنبِ والحائض في التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ. قال: وسمعتُ محمدٌ بنَ إِسْماعيلَ يقولُ: إِنَّ إسماعيلَ بنَ عَيَّاشٍ يَزْوِي عن أهل الحجازِ وأهل العِرَاقِ أحاديثَ مَنَاكِيرَ. كَأَنَّهُ ضَعَّفَ روايتَهُ عنهم فِيمَا يَنْفَرِدُ بِهِ. وقال: إنَّمَا حديثُ إسْماعيلَ بنِ عَيَّاشٍ عن أهْلِ الشأمِ. وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ: إسماعيلُ بنُ عَيَّاشِ أَصْلَحُ من بَقِيَّةً، ولِيَقِيَّةً أحاديثُ مَنَّاكِيرُ عن الثِّقَاتِ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حدّثني أحمدُ بنُ الحسنِ قال: سمعتُ أحمدَ بنَ حَتْبَلٍ يقول ذلِكَ))(١). ٩٩ - باب ما جاء في مُبَاشَرَةِ الحائِضِ [المعجم ٩٩ _ التحفة ٩٩] ١٣٢ - حقثنا بُنْدَارٌ حذثنا عبدُ الرَّحمْنِ بنُ مَهْدِيٍّ عن سفيانَ عن منصورٍ عن إبراهيمَ عن الأسْوَدِ عن عائشةَ قالت: ((كَانَ رسولُ اللهِوَ إذَا حِضْتُ يَأْمُرُنِي أَنْ أَنَّزِرَ، ثم (٢) يُبَاشِرُنِي))(٢). ٠٠ حملاً على الجُنُب، لعلّة أنه شخص لا يصوم، ولا يصلّي، ولا يقرأ القرآن، ولا يمسّ مصحفًا كالجُنُب، ووجه الآخر من أن الحيض ضرورة يأتي بغير الاختيار ويطول أمرها، فلو منعت من ذلك لنسيت ما تعلّمت بخلاف الجُنُب، فإنه تأتي إليه الجنابة باختياره، ويمكن إزالتها في الحال وهو أصح، لأن هذين دليلان تعارضا وبقينا على أصل جواز الفعل. باب مباشرة الحائض ومخالطتها الأسود عن عائشة (كان رسول الله # إذا حضت بأمرني أن أتّزر، ثم يباشرني) صحيح (١) الحديث رواه ابن ماجه (١: ١٠٧) والدارقطني (ص ٤٣) والبيهقي (١: ٨٩). (٢) الحديث رواه الشيخان وغيرهما. ١٧٤ أبواب الطهارة/ باب ١٠٠ و١٠١ قالَ: وفي البابِ عن أُمّ سَلَمَةً، ومَيْمُونَةً. قَالَ أَبُو عِيسَى: حديثُ عائشةً حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهو قولُ غير واحدٍ من أهل العلم من أصحاب النبيّ ◌َّ والتابعينَ، وبه يقولُ الشافعيُّ، وأحمدُ، وإِسْحُقُ. ١٠٠ - باب ما جاء في مُؤَاكَلَةِ الحائض وسُؤْرِهَا [المعجم ١٠٠ - التحفة ١٠٠] ١٣٣ - حقّثنا عباس العَنْبَرِيُّ ومحمدُ بنُ عبد الأغْلَى قالا: حدّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ حدّثنا معاويةُ بنُ صالح عن العَلاَءِ بنِ الحُرِثِ عن حَرَامِ بْنِ مُعَاوِيَةً عن عَمِّهِ عبدِ الله بن سَعْد قال: ((سَأَلْتُ النّبِيِّ ◌َ﴿ عَنْ مُواكّلَةِ الحائِضِ؟ فقال: وَاكِلْهَا)). قال: وفي الباب عن عائشةَ، وأنّسٍ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حديثُ عبد الله بنِ سَعدٍ حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وهو قولُ أهل العلم: لم يَرَوْا بِمُواكلة الحائضِ بأسًا. واختلفوا في فضْلٍ وَضُوئِهَا: فَرَخْصَ في ذلك بعضهم، وَكَرِهَ بعضهم فَضْلَ طَهُورِهَا. ١٠١ - باب ما جاء في الحائض تتناولُ الشيء من المسجد [المعجم ١٠١ - التحفة ١٠١] ١٣٤ - حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عَبِيدةُ بنُ حُميْدٍ عن الأعمشِ عن ثابِتِ بنِ عُبَيْدٍ عن القاسم بن محمد قال: قالت [لي] عائشةُ: ((قال لي رسولُ اللهِ وَ *: نَاوِلِينِي الخُمْرَةَ مِنَ المسْجِدِ. قالت: قُلتُ: إنّي حَائْضٌ. قال: إنَّ خَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يَدِكُ)). حسن. حرام بن معاوية عن عبد الله بن سعد (قال: سألت رسول الله وحلول عن مؤاكلة الحائض؟ فقال: واكلها، حسن غريب. القاسم بن محمد (قال: قالت لي عائشة: قال لي رسول الله چ: ناوليني الخمرة من المسجد. قالت: قلت: إني حائض. قال: إن حيضتك ليست في يدك) حسن . ١٧٥ أبواب الطهارة / باب ١٠١ قال: وفي الباب عن ابن عُمَّرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةً. قال أبو عيسى: حديثُ عائشةً حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(١). وهو قولُ عامَّةٍ أهل العلم، لا نَعْلَمُ بينهم اخْتِلافًا في ذلك: بِأنْ لاَ بَأْسَ أن تتناول الحائضُ شيئًا من المسجدِ. إسناده: حديث الأسود والقاسم عن عائشة صحيح متفق علي صحته، وأوعب حديث في هذا الباب حديث أنس في الصحيح للقشيري، ونصه: قال أنس: إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يواكلوها ولم يجامعوهنّ في البيوت، فسأل أصحاب النبي # فأنزل الله عزّ وجل ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] إلى آخر الآية، فقال رسول الله وَله: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح))، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أَسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهنّ؟ فتغيّر وجه رسول الله * حتى أن قد ظننا أنه وجد عليهما، فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبي *، فأرسل في آثارهما فسقاهما، فعرفنا أنه لم يجد عليهما. وأما حديث حرام بن معاوية، عن عبد الله بن سعد فقد بغيته مفسّرًا جهدي، فلم يتفق وجدانه، والذي يقتضيه الأشهر أن عبد الله بن سعد هذا أنصاري، ولا أعلم له نسبًا غير هذا، لأن هذه المسألة مخصوصة بالأنصار، فإنهم القوم الذين أفاضوا في شأن الحوائض، وسألوا عنهنّ، وابتلوا بهنّ، وأفتوا فيهن، وأن حرام بن معاوية هذا صاحب أسيل، ذكره الدارقطني وغيره، والمعروف بالرواية عن عبد الله بن سعد هذا رجلان، أحدهما خالد بن معدان، والآخر حكيم بن حزام الدمشقي ابن أخيه، قد زعم الخطيب الحافظ البغدادي أن حرام بن معاوية هو حزام بن حكيم الدمشقي المذكور، وقد بيّنًا ذلك كله في كتاب أوهام الصحابة . غريبه: قولها: (أمرني أن أتّزر)، أي: ألبس الإزار والمئزر، وهو كل ثوب كان في الوسط، وما كان على المنكبين فهو رداء، وما كان على الرأس فهو عمامة وخمار. وقولها: (ناوليني الخمرة) وهو: حصير منسوج من السعف. قال بعضهم: على قدر الواجبة، وليس بصحيح لأمر بيّنته في مسائل الفقه. وقوله في حديث أنس: (ولم يواكلوها) يعني: الحائض (ولم يجامعوهن) يعني الحُيْض. وجائز الانتقال في الخبر الواحد إلى الجمع وعكسه، وعن مخاطبة الغائب إلى الحاضر وبعكسه، وهذا معروف في اللغة والصناعة. وقوله: (فوجد عليهما) يعني: غضب عليهما، يقال وجدت على الرجل أجد موجدة. أحكامه: لا خطأ بما فيه من الأحكام، وترتيبها، ودليلها، وذكر الخلاف والأحاديث فيها قرّرناه في كتاب أحكام القرآن. (١) الحديث صحيح، رواه مسلم (١: ٩٦) وأصحاب السنن وغيرهم. ١٧٦ أبواب الطهارة/ باب ١٠٢ و١٠٣ ١٠٢ - باب ما جاء في كراهِيَةِ إثْيَانِ الحائِض [المعجم ١٠٢ - التحفة ١٠٢] ١٣٥ - هقثنا بُنْدارُ حدّثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمن بنُ مَهدِيٍّ ويَهْزُ بنُ أَسَدٍ قالوا: حدّثنا حمادُ بنُ سَلَمَة عن حَكِيم الأثْرَمِ عن أبي تمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عن أبي هريرةً عن النبي قال: ((مَنْ أَتَى حَائِضًا أوِ امْرَأَةً في دُبْرِهَا أوْ كَاهِنًا: فَقَدْ كَفَرَ بِمّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ، ﴾. قال أبو عيسى: لا نَعْرفُ هذا الحديثَ إلاَّ من حديثٍ حكيمِ الأثرمِ عن أبي ثَميمةَ الهُجَيْمِيِّ عن أبي هريرة. وإنما معنّى هذا عند أهل العلم على التّغليظ. وقد رُوِيّ عن النبيّ ﴿ قال: ((مَنْ أَتَى حائضًا فَلْيَتَصَدِّقْ بدينارٍ)). فلو كان إتيانُ الحائض كُفْرًا لم يُؤْمَرْ فيه بالكفارَةِ. وضَعَّفَ محمدٌ هذا الحديثَ من قِبَل إسنادِهِ. وأبو تَمِيمَةَ الهُجَيْمي اسمُه ((طَرِيفُ بنُ مُجَالِدٍ))(١). ١٠٣ - باب ما جاء في الكَفَّارَةِ في ذلك [المعجم ١٠٣ - التحفة ١٠٣] ١٣٦ - حدثنا عليّ بنُ حُجْرِ أخبرنا شَرِيكُ عن خُصَيْفٍ عن مِقْسَمٍ عن ابن عباسٍ عن النبي ﴿﴿: ((في الرَّجُلِ يَقَعُ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهْيَ خَائِضٌ، قال: يَتَصَّذَّقُ بنصف دینار)). باب إتيان الحائض (أبو تميمة طريف بن مجالد الهجيمي عن أبي هريرة عن النبي وسلم قال: مَن أتى حائضًا أو امرأة فى دُبْرها أو كاهنًا: فقد كفر بما أنزل على محمد (18) ضعيف. خصيف عن مقسم عن ابن عباس عن النبي # (في الرجل يقع على امرأته وهي حائض، قال: يتصدق بنصف دينار) (١) الحديث رواه أحمد في المسند (رقم ٩٢٧٩ و١٠١٧٠ ج ٢ ص ٤٠٨ و٤٧٦) ورواه أيضًا الدارمي (١: ٢٥٩) وأبو داود (٤: ٢١ - ٢٢) وابن ماجه (١: ١١٤) وابن الجارود (ص ٥٨). وقد روى أحمد في المسند بعض هذا الحديث بإسناد آخر (رقم ٩٥٣٢ ج ٢ ص ٤٢٩). ١٧٧ أبواب الطهارة/ باب ١٠٣ ١٣٧ - حدثنا الحُسين بن حُرَيْثٍ أخبرنا الفَضْلُ بن موسى عن أبي حَمْزَةَ السُّكِّرِي عن عبد الكريم عن مِقْسَم عن ابن عباس عن النبيّ ◌َّ قال: ((إذَا كانَ دَمَا أَحْمَرَ فَدِينَارٌ، وَإِذَا كَانَ دَمَا أَصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ)). قال أبو عيسى: حديثُ الكَفّارةِ في إثْيانِ الحائِضِ قد رُوِيّ عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا(١). وهو قولُ بعضِ أهلِ العلم. وبه يقول أحمدُ، وإسحقُ. وقال ابنُ المباركِ: يستغفرُ ربَّه، ولا كفارةً عليه. وقد رُوِيّ نحوُ قولِ ابنِ المبارك عن بعض التابعين، منهم: سعيدُ بن جُبَيرٍ، وإبراهيمُ النَّخَعِي. وهو قولُ عامَّةِ علماءِ الأمْصّارِ. عبد الكريم عن مقسم عن ابن عباس عن النبي # (قال: إذا كان دمًا أحمر فدينار، وإذا كان دمًا أُصفر فنصف دينار). إسناده: لا خفاء بضعف هذا الحديث، لأنه تارة يوقف على ابن عباس، وتارة يُسنّد، وتارة يُرسَل عن مقسم عن النبي ◌َ﴿، وتارة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن النبي قدَّره وتارة يُروى على الشك: دينار أو نصف دينار، وتارة يُروَى على التفرقة في أن المرئي أول الدم أو آخره، مع رواة مجهولين، وأخر غير معدلين حسب ما تقرر في موضعه. أحكامه: مَن وطىء حائضًا فلا شيء عليه، قاله مالك وأبو حنيفة والثوري والشافعي في الجديد. وقال الشافعي في القديم: يتصدّق في أول الدم بدينار، وفي آخره بنصف دينار، وقال أحمد بن حنبل: هو مُخيّر بين الدينار ونصف دينار. وحُكِيَ عن الحسن البصري وعطاء الخراساني أن فيه كفّارة المفطر في رمضان. قالا: لأنه وطء لا يحلّ، فوجب فيه كفّارة العتق (١) رواه بنحوه الدارمي (١: ٢٥٤ - ٢٥٥ - ٢٥٦) وأبو داود (١: ١٠٨ - ١٠٩، ٢: ٢١٧) وأحمد في المسند (رقم ٢٤٠٨ ج ١ ص ٢٧٢) والبيهقي (١: ٣١٥ - ٣١٦ - ٣١٧ - ٣١٨). ورواه أحمد في المسند (رقم ٢٩٩٧ ج ١ ص ٣٢٥). والدارقطني (ص ٤١٠ - ٤١١). ورواه ابن ماجه (١: ١١٤ - ١١٦). ورواه أحمد (رقم ٣٤٧٣ ج ١ ص ٣٦٧). ورواه أحمد (٢١٢١ و٢١٢٢ و٢٨٤٤ و٣١٤٥ ج ١ ص ٢٣٧ و٣١٢ و٢٣٦). والحاكم (١: ١٧١ - ١٧٢). ورواه النسائي (١: ٥٥ و٦٦). ورواه أحمد (رقم ٢٠٣٢ ج ١ ص ٢٢٩ - ٢٣٠). ورواه ابن الجارود (ص ٥٨ - ٥٩). ورواه أحمد (٢٢٠١ ج ١ ص ٢٤٥)، و(٢٧٨٩ ج ١ ص ٣٠٦)، و(٣٤٢٨ ج ١ ص ٣٦٣). عارضة الأحوذي/ ج ١ / م ١٢ ١٧٨ أبواب الطهارة/ باب ١٠٤ ١٠٤ - باب ما جاء في غَسْلِ دم الخَيْض من الثوب [المعجم ١٠٤ - التحفة ١٠٤] ١٣٨ - هذثنا ابنُ أبي عُمَر حدّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن هشام بن عُزوةَ عن فاطمةً بنتِ المُنْذِرِ عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ: ((أَنْ امْرَأَةٌ سَأَلَتِ النبيِّ ◌َ ﴿ عَنِ الثَّوْبِ يُصِيبُهُ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ؟ فقال رسولُ اللهِوَّرَ: حُتِيهِ، ثُمَّ اقْرُصِيهِ بالماءِ، ثم رُشِيهِ، وَصَلِّي فِيهِ)). مثل وطء رمضان، وهذا ينتقض بالوطء في الحج وبالزنا. وأما الحديث الذي تعلق به الشافعي في القديم وأحمد، فضعيف كما قدّمناه، والصحيح وجوب الاستغفار خاصة، لأنه مرتكب نهيًا، ولم ترد في ذلك كفّارة ولا هو في معنى ما ورد فيه الكفّارة. باب دم الحيض يصيب الثوب (فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر: أن امرأة سألت النبي ◌َّر عن الثوب يصيبه الدم من الحيضة؟ فقال رسول الله ﴿ه: خُتِيه، ثم اقرصيه بالماء، ثم رُشّيهِ، وصلّ فيه). صحيح حسن . إسناده: الحديث أشهر وأصح من الكلام عليه. غريبه: تحثّه: تحكّه، وقد تقدم. وتقرصه: تفركه، وقال مالك: التقريص بالإبهام مثل القرص. فقهه: قد تكلمنا في النجاسة ببعض ما حضر في باب البول، ولما أحسسنا الآن بخاتمة القول فيها أردنا أن نعطف عليها عنان البيان، فنقول: القول في النجاسة يُبنى على أربعة أصول: أحدها: تعيينها، والثاني: تحقيقها، والثالث: حكم إزالتها، والرابع: كيفية إزالتها. فأما تعيينها فهو نوعان: أحدهما: كل حيوان بعد موته إلا الآدمي، والأصل فيه قوله: ﴿حُرّمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣]. وفي استثناء الآدميين قوله: ((إن المؤمن لا ينجس)). والثاني: أجزاء الحيوان المنفصلة عنه حال حياته، وهي على ثلاثة أقسام: الأول أجزاء الآدمي، وكلها نجسة إلا الدمع والعرق والبصاق والمخاط. ويُروَى عن النخعي استثناء الريق، وحكم بنجاسته، ولا شك في طهارة ذلك كله في الشريعة لظهور الأحاديث فيه والآثار عليه. وأما الثاني فهو أجزاء ما لا يؤكل لحمه، وهي كأجزاء الآدمي إذا قلنا به. والثالث: ما يؤكل لحمه، وهي كلها طاهرة إلا الأعضاء، يعني إذا قطعت منها وهي حية، وأما تحقيقها: فليست بعين مشاهدة وإنما هي حكم شرعي يعبر له بامتناع الصلاة بها، والتبع لها، وغير ذلك من أحكامها. وذلك متفق عليه، بدليل أن ثوبًا لو سقطت عليه نقطة بول، ثم جفّفته الريح والشمس الحارة لعلمنا زوال العين، والحكم بالتنجيس باقٍ يدلّ على أنها ليست بعين. وأما كيفية إزالتها فإن النبي و * قال: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يدها، ١٧٩ أبواب الطهارة/ باب ١٠٤ قال: وفي الباب عن أبي هريرةَ، وأُمَّ قَيْسٍ بنت مِخْصَنٍ. وقال في بول الأعرابي: ((صبّوا عليه ذنوبًا من ماء))، فتبين للعلماء أن الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورود النجاسة على الماء ظاهر، وذلك إلى إيراد الماء على النجاسة للتطهير، ووجوب الاحتراز من ورود النجاسة على الماء، فإذا ثبت هذا، فلا يخلو إما أن تكون النجاسة عينية أو حكمية، فإن كانت حكمية كفى ورود الماء على المحل، وإن كانت عينية لم يكن بدٌ من إزالة عينها. وأما الذي تُزال به فهو كل ما يتوضأ به، كذلك قال جمهور الفقهاء إلا أبو حنيفة وأبو يوسف، فإنهما قالا: يجوز إزالتها بكل مائع، طاهر، مُتَقٌّ، وبناء المسألة على أن النجاسة عين أو حكم، وقد تقدم بيانه، فنقول: مائع لا يرفع حكم الحدث فلا يرفع حكم النجس، كاللبن والماء النجس، وهذا بيِّن. والمسألة طولية لها موضعها من مسائل الخلاف. وقد قال قوم لا غيرة لهم ينتمون إلى الظاهر: يجوز إزالة النجاسة بالتراب، الحديث رواه الأوزاعي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ◌ّ ير قال: ((إذا وطىء أحدكم الأذى بنعليه فإن التراب لها طهور)». وقد رُوِيّ عن عائشة مثل هذا، وهذا في النعل خاصة لضرورة، وعلى صفة لا يحتجّ بها. وقد كنّا نرتب فروع هذه الأصول ترتيبًا بديعًا، إلا أنّا بحكم العارضة وقصد الاستعجال ننثر فروعها نثرًا، فنقول: جملة المسائل التي حصرت الآن خمسة عشر مسألة. الأولى: لا اعتبار في إزالة النجاسات بالعدد في الغسل، وإنما الاعتبار في غسله إزالة العين، وفي حكمها إصابة الماء المحل. وقال الشافعي: يستحب ثلاث غسلات، لحديث القائم من النوم المتقدم، فإذا كان الشك في النجاسة يجب الثلاث، والتحقيق أولى ولنا عنه أجوبة، منها الآن جواب، أحدهما: أن هذا غسل نجاسة لا عبادة، والثاني: أن الثلاث لم يذكرها، إلا أنها الغاسلة في العادة، لأن الأولى ترطب النجاسة والثانية تزيلها والثالثة تحقق الإزالة وترفع الشكوك، وقد يحصل الغسل بأقل منها، فأيّ فائدة في الزيادة عليه وقد لا يحصل بالثلث، فلا بد من يقين الغسل بما كان من الأعداد. وقال أحمد: يجب غسل سائر النجاسات سبعًا، لحديث الكلب وأنه نجس، إلا الأرض فيغسل واحدة، لحديث النبي ول# في بول الأعرابي: ((صبّوا عليه ذنوبًا من ماء)». فأما حديث الكلب فقد تقدم الكلام عليه بحول الله. الثانية: إذا كانت النجاسة عينية فلا بدّ من إزالة عينها بزوال الجرم. الثالثة: فإن زال العين وبقي الطعم، فذلك نجس لبقاء العين، فإن بقاء الطعم دليل على بقاء العين. الرابعة: إن بقي لون النجاسة، فلا يخلو إما أن يتيسر فعله بالماء أو يعسر، فإن تيسّر فعله فبقاؤه دليل على بقاء العين، والمحل نجس، فإن تعذّر قلعه بالماء عفي عنه، وكان المحل طاهرًا، واستحب تغييره بشيء من صُفرة. روته خولة بنت يسار في كتاب أبي داود من قول عائشة، بخلاف لا العفو عن أثر الاستنجاء، فإن المحل يبقى بعده نجس، وحديث خولة بنت ١٨٠ أبواب الطهارة / باب ١٠٤ قال أبو عيسى: حديثُ أسماءَ في غَسْل الدم حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(١). وقد اختلفَ أهلُ العلم في الدمٍ يكون على الثوب فيُصَلِي فيه قبل أن يغسله. يسار حديث مشهور، وقال لها النبي ◌َ لقد في دم الحيض «الماء يكفيك ولا يضرّك أثره))، وعليه تتركب هذه الحقائق. الخامسة: إن بقيت رائحة النجاسة فذلك كاللون، إن سهلت إزالتها فالمحل نجس، لأن ذلك دليل على بقاء العين، وإن عسرت إزالتها بقوة الرائحة، فالمحل طاهر والماء طاهر. السادسة: إذا غسل النجاسة فانفصل الماء عن المحل متغيرًا فالمحل نجس، فإن انفصل غير متغير، فالمحل طاهر والماء طاهر. السابعة: إذا قلنا إن الماء طاهر فهل تُزال به نجاسة أخرى، أو يُؤدى به فرض طهارة؟ فإن قلنا: إن الماء القليل ينجس بقليل النجاسة وإن لم تغيّره، فهذا الماء لا تُزال به نجاسة ولا يؤدّي فرض طهارة، وعلى القول الثاني تكرر في طهارة الحدث والنجس. الثامنة: إذا أدخل المحل النجس في إجانة، وهي القصعة فغسلها فيها، فإن تغير الماء لم يطهر إجماعًا، وإن لم يتغيّر الماء فاختلف العلماء في طهارته، فمنهم من قال: لا يطهر، لأن النجاسة وردت على الماء، قاله أبو علي الصيدلاني من كبار أصحاب الشافعي، وقال علماؤنا: يطهر، وعليه يدل حديث الكساء المتقدم، لأنها نجاسة كوثرت بالماء فأزالها عينًا وحكمًا، وبه قال ابن شريح منهم، هذا إن كان الماء يسيرًا، فإن كان كثيرًا طهر المحل إجماعًا، وحكم الماء في إزالة النجاسة به والوضوء قد تقدم. التاسعة: قال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي: لا يطهر الثوب حتى يعصر، ولا الإناء حتى تستقصى إزالة الرطوبة عنه، وقال علماؤنا: يطهر، وهو الأصح، لأنه نجاسة كأثرها بالماء فحكم بطهارتها، ولأن المنفصل من الماء عن المحل جزء من المتصل، والمنفصل طاهر فالمتصل مثله، فأيّ فرق بين أن ينفصل كله أو بعضه؟ قال بعض أشياخي المتأخرين: إنما تبنى هذه المسألة على طهارة الغسالة، وأبو حنيفة يرى أن الغسالة نجسة، انفصلت متغيرة أو غير متغيرة، والمحل طاهر، ولا بدّ عنده من العصر وهذا باطل، لما قدّمناه من أن المنفصل جزء من المتصل، والمسألة كبراء في الخلاف، ولأبي حنيفة فيها تناقض عظيم. العاشرة: إذا ترك الثوب حتى جفّ ولم يعصر، يجب على القولين المتقدمين للعلماء أن يطهر، لأن زوال الرطوبة بالجفوف كزوالها بالعصر. قال لي بعض الأشياخ: بل لا يطهر على رأي أبي حنيفة، لأنه ترك العصر الواجب. (١) الحديث رواه الشيخان وغيرهما.