Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١
أبواب الطهارة/ باب ٧٢
قال أبو عيسى: وهو قولُ أكثر العلماء من أصحاب النبيِّ وَ﴿ والتابعين وَمَنْ بعدَهُمْ
من الفقهاء، مثل: سُفْيَانَ الثّوْرِيِّ، وابن المباركِ، والشافعي، وأحمد، وإسحق: قالوا:
يمسحُ المقيمُ يومًا وليلةٌ، والمسافرُ ثلاثةَ أيامٍ ولياليَهُنَّ.
قال أبو عيسى: وقد رُوِيّ عن بعضِ أهلِ العلمِ: أنَّهم لم يُوَقَّتُوا في المسح على
الخُفْيْنِ، وهو قولُ مالك بن أنسٍ.
قال أبو عيسى: والتّوْقِيتُ أُصَحُ.
وقد رُوِيّ هذا الحديثُ عن صَفْوانَ بنِ عَسّالٍ أيْضًا من غير حديث عاصم(١).
٧٢ - باب ما جاء في المسح على الخُفَّين: أعْلاَهُ وَأَسْفَلِهِ
[المعجم ٧٢ - التحفة ٧٢]
٩٧ - حدثنا أبو الوّلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ حدّثنا الوَلِيدُ بن مُسْلِمٍ أخبرني ثَوْرُ بنُ يَزِيدَ عن
رَجَاءٍ بِن حَيْوَةً عن كَائِبِ المُغِيرَةِ عن المُغِيرةِ بْنِ شُعْبَةَ: ((أنَّ النَّبِيِّ لَ ◌ّ مَسَحَ أَعْلَى الخُفِّ
وَأَسْفَلَهُ».
تقدم بيانه. وأما التوقيت في الحضر والسفر، فهو الصحيح المستقر لصحة الأحاديث فيه ووقوف
الرخصة عنده، ورحم الله المطهرة عائشة لما سُئِلَت عن هذه المسألة قالت متورعة مُنصِفة: إيت
علي بن أبي طالب، فإنه أعلم بذلك مني، فقال علي: قال رسول الله وياته: ((يمسح المسافر ثلاثة
أيام والمقيم يومًا وليلة)). وأما نفي التوقيت، فأقوى ما يعتمد فيه حديث عقبة بن عامر وعمر
المتقدم.
الثالثة: في الترجيح الصحيح التوقيت، لأن الأصل غسل الرجلين، والتوقيت ثابت عن
النبي * من طرق في الحضر والسفر، وحديث عمر ليس بنص عن رسول الله ﴿﴿، فالنص عن
النبي * أولى من قول عمر المطلق، والمسح على الخُفّين رخصة، والثابت منها التوقيت،
والزيادة عليه لم تثبت فوجب أن يرجع إلى الأصل: وهو غسل الرجلين.
باب المسح على الخُف أعلاه وأسفله وظاهره
(كاتب المغيرة عن المغيرة بن شعبة: أن النبي 18 مسح أعلى الخُفِّ وأسفله) حديث
(١) الحديث بطوله سيأتي إن شاء الله في (أبواب الدعوات) في ((باب فضل التوبة والاستغفار)) وقد رواه
الخطابي مطوّلاً أيضًا.
١٢٢
أبواب الطهارة / باب ٧٣
قال أبو عيسى: وهذا قول غير واحد من أصحاب النبيِّ ◌َ﴿ والتابعين ومَنْ بعدَهم
من الفقهاءِ وبه يقولُ مالكٌ، والشافعيُّ، وإِسحْقُ.
وهذا حديثٌ مَعْلُولٌ، لم يُسْنِدْهُ عن ثَوْر بن يزيدَ غيرُ الوَلِيد بْنِ مُسْلِمٍ.
قال أبو عيسى: وسألتُ أبا زُرْعَةً ومحمدَ بنَ إسماعيلَ عن هذا الحديث؟ فقالا:
لَيْسَ بصحيحٍ، لأن ابن المبارك رَوَى هذا عن ثَوْرٍ عن رجاءِ بن حَيْوَةَ قال: حُدِّثت عن
كاتب المغيرة: مُرْسَلٌ عن النبيِ وَّه، ولم يُذْكّرْ فيه المغيرَةُ(١).
٧٣ - باب ما جاء في المسح على الخُفَّين: ظاهرِهما
[المعجم ٧٣ _ التحفة ٧٣]
٩٨ - هذثنا علي بن حُجْرِ قال: حدّثنا عبدُ الرحمن بنُ أبي الزّنّادِ عن أبيه عن
عُزْوةً بن الزُّبَيْرِ عن المغيرة بن شُعْبَةً قال: ((رَأيْتُ النَّبِيِّ ◌َ﴿ يَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ: عَلَى
ظَاهِرٍمِمَا».
قال أبو عيسى: حديثُ المغيرة حديثٌ حسنٌ. وهو حديثُ عبد الرحمن بن أبي
الزِّنَادِ عن أبيه عن عُزْوَةً عن المغيرة. ولا نَعْلَمُ أحدًا يَذْكُرُ عن عروةَ عن المغيرة ((عَلَى
ظَاهِرٍ مِمَا)»: غَيْرَهُ(٢).
معلول صحيح. أنه مقطوع: قال ثور عن رجاء: حدثت عن كاتب المغيرة بن شعبة مرسلاً عن
النبي 1 عروة ابن الزبير عن المغيرة بن شعبة قال: رأيت النبي وَل﴿ يمسح على الخُفّين على
ظاهرمما، حديث حسن.
الإسناد: أما حديث كاتب المغيرة، فاسمه وراد. قال أبو داود: ولم يسمع هذا الحديث
ثور من رجاء، وقد جمع البخاري بين الحديثين معًا في كتاب التاريخ، فقال: وراد كاتب المغيرة
سمع المغيرة، قال إبراهيم بن موسى: عن الوليد، عن ثور، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب
المغيرة، عن المغيرة أن النبي # مسح ظاهر خُفّيه وباطنهما. وقال ابن حنبل: حدّثنا ابن
مهدي، حدّثنا ابن المبارك، عن ثور بن يزيد، قال: حدّثت عن رجاء كاتب المغيرة، ليس فيه
(١) الحديث رواه الشافعي (في مختصر المزني ١: ٥٠) ورواه أبو داود (١: ٦٤) وابن ماجه
(١: ١٠١) وابن الجارود (ص ٤٨) والدارقطني (ص ٧١) والبيهقي (١: ٢٩٠).
(٢) الحديث رواه البخاري في التاريخ الأوسط فيما نقله عنه ابن حجر في التلخيص (ص ٥٩) ورواه أبو
داود (١: ٦٣). ورواه الطيالسي (رقم ٦٩٢)، ورواه البيهقي (١: ٢٩١).
١٢٣
أبواب الطهارة / باب ٧٤
وهو قولُ غير واحد من أهل العلم، وبه يقولُ سفيانُ الثوريُّ، وأحمدُ.
قال محمدٌ: وكان مالكُ بنُ أنسٍ يُشِيرُ بعبد الرحمن بن أبي الزناد . .
٧٤ - باب ما جاء في المسح على الجَوْرَبَيْنِ والثَّعْلَيْنِ
[المعجم ٧٤ _ التحفة ٧٤]
٩٩ - حدثنا هَنَادٌ ومحمودُ بنُ غَيْلاَنَّ قالا: حدّثنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن أبي قَيْسٍ
عن هُزَيْلِ بْنِ شُرَخْبِيلَ عن المغيرة بن شُعْبَةَ قال: ((تَوَضَّأَ النبيُّ ◌َّه وَمَسَحَ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ
وَالنَّعْلَيْنِ))(١).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
المغيرة. وقال محمد بن الصباح: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة ابن
الزبير، عن المغيرة بن شعبة: رأيت النبي و # مسح على خُفيه على ظاهرهما. وكذلك رواه أبو
عيسى، عن علي بن حجر، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، وقال: سألت أبا زرعة ومحمدًا
- يعني البخاري - عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح، والصحيح من حديث المغيرة أن
النبي ◌َ﴾ مسح على خُفيه.
باب المسح على الجوربين والنعلين
هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة قال: (توضأ النبي ### ومسح على الجوربين
والنعلين) صحيح.
إسناده: صحّح أبو عيسى هذا الحديث، ورواه أبو داود، وقال أبو داود: كان
عبد الرحمن بن مهدي لا يحدّث به. قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: وكذلك
كان يحيى لا يحدّث به، وذلك لأن المعروف عن المغيرة أن النبي ◌َ لّ مسح على الخُفّين. وأبو
قيس هذا هو: الأودي، واسمه عبد الرحمن بن ثروان، وهو المنفرد بهذا الحديث لا يعرف إلاّ
منه، وخالفه الأئمة فيه كما قلناه، رووه على المعروف. وقد روى أبو داود عن أوس بن أوس
الثقفي، أنه رأى النبي * يمسح نعليه وقدميه، قال أبو داود: ومسح على الجوربين علي بن
أبي طالب، وأبو مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد،
(١) الحديث رواه أبو داود (١: ٦١ - ٦٢) والنسائي (١: ٣٢) وابن ماجه (١: ١٠٢). ورواه البيهقي
(١: ٢٨٣ - ٢٨٤). ونسبه الزيلعي في نصب الراية (١: ٩٦) إلى صحيح ابن حبان.
١٢٤
أبواب الطهارة/ باب ٧٤
وهو قولُ غير واحد من أهل العلم. وبه يقولُ سفيانُ الثَّوْرِيُّ، وابنُ المبارك،
والشافعيّ، وأحمدُ، وإسحقُ، قالوا: يَمسحُ على الجوربين وإن لم تَكُنْ نعلین، إذا كانا
ثخِيئَيْنِ.
قال: وفي الباب عن أبي موسى.
قال أبو عيسى: سمعتُ صالح بن محمد الترمذيَّ قال: سمعتُ أبا مُقاتلٍ
السمر قنديّ يقولُ: دخلتُ على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه، فدعا بماء فتوضأ،
وعليه جَوْرَبَانِ، فمسح عليهما، ثم قال: فعلتُ اليومَ شيئًا لم أكنْ أَفْعَلُهُ: مسحتُ على
الجوربين وهما غيرُ مُتَعَلَيْن.
وعمرو بن حريث، ورُوِيَ ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس. قال القاضي أبو بكر بن
العربي رضي الله عنه: وروى أبو عبيد أن النبي # مسح على المشاوذ والتساخين.
الغريب: الجورب غشاء للقدم من صوف، يتخذ للدفاء، وهو: التسخان أو أحد معانيه.
والنعل معلومة. والمشاوذ العمائم.
الأحكام: في خمس مسائل:
الأولى: اختلف العلماء في المسح على الجوربين على ثلاثة أقوال: الأول: أنه يمسح
عليهما إذا كانا مجلدين إلى الكعبين. قال به الشافعي وبعض أصحابنا. الثاني: إن كان ضعيفًا،
جاز المسح عليه، وإن لم يكن مجلدًا، إذا كان له نعل. وبه فسّر بعض أصحاب الشافعي
مذهبه، وبه قال أبو حنيفة، وحكاه أصحاب الشافعي عن مالك. الثالث: أنه يجوز المسح عليه
وإن لم يكن له نعل ولا تجليد، قاله أحمد بن حنبل.
الثانية: في التوجيه. وجه الأول: أن الحدیث ضعیف کله، فإن كانا مجلدین رجعا ◌ُفّین،
ودخلا تحت أحاديث الخُفْ. ووجه الثاني: أنه ملبوس في الرجل يسترها إلى الكعب، يمكن
متابعة المشي عليه، فجاز المسح عليه، أصله إذا كان مجلدًا كله. ووجه الثالث: ظاهر الحديث.
ولو كان صحيحًا لكان أصلاً.
الثالثة: المسح على المشاوذ وهي العمائم صحيح ثابت عن النبي وَ ل*، رواه البخاري
وغيره، وذكره أبو عيسى عن المغيرة بن شعبة، ويأتي بيانه إن شاء الله بالباب بعده.
الرابعة: في تحقيق القول في الباب. لما وردت الأحاديث في المسح على الخُفِّين،
اختلف في الخُفّ: ما هو؟ كما تقدم بيانه. فكلّ مَن حمل لفظ الخُفّ على معنى، قال:
يمسح عليه كما فسّره وشرحه ورواه، والذي عندي أن الخُفّ، والجرموق، والجلد
المخروز، والجورب المخروز عليه بجلد يجوز المسح على ذلك كله، لأنه خف أو في
١٢٥
أبواب الطهارة/ باب ٧٥
٧٥ - باب ما جاء في المسح على العمامة
[المعجم ٧٥ - التحفة ٧٥]
١٠٠ - حدثنا محمد بنُ بَشَارِ حدّثنا يحيى بنُ سعيد القَطّانُ عن سليمانَ التَّيْمِيِّ عن
بَكْرٍ بن عبد الله المُزَنِيِّ عن الحسن عن ابن المغيرة بن شُعْبَةً (١) عن أبِيهِ قال: ((تَوَضْأَ
النَّبِيَّ ﴿ وَمَسَحَ عَلَى الخُقْيْنِ وَالعِمَامَةِ)) قال بكرٌ: وقد سمعتُ من ابن المغيرة.
قال: وذكر محمدُ بنُ بَشَارٍ في هذا الحديث في موضع آخرَ: ((أنهُ مَسَحَ عَلَى
نَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ» .
وقد رُوِيّ هذا الحديثُ من غير وجه عن المغيرة بن شعبة: ذكرَ بعضهم ((المسحَ
على الناصية والعمامة))، ولم يذكر بعضهم ((الناصيةً)).
. وسمعتُ أحمدَ بنّ الحسن يقولُ: سمعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقولُ: ما رأيتُ بعيني
مثلَ يحيى بن سعيد القَطَّانِ.
معنى الخف، من كونه جلدًا مخروزًا يوضع على القدم يسترها إلى الكعبين، وأما المسح
على النعلين وهي:
الخامسة: فإنما المعنى فيه أن الجوربين إذا كانا مخروزين إلى الكعبين كانا شبيهين
بالنعلين، فهو جورب بأصله كالنعل، بما انضاف إليه من الجلد المخروز.
باب المسح على العمامة
ابن المغيرة بن شعبة عنه (توضأ النبي وَل# ومسح على الخُفّين والعمامة) صحيح حسن.
عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال (أن النبي ﴿ مسح على الخُفْبن
والخمار).
الإسناد: حديث المسح على العمامة صحيح لا غبار عليه ببيان الروايات، اختلف فيه
كثير .
الغريب: الخمار لفظة غريبة عن الذي تستر به المرأة رأسها، وهو لها كالعمامة للرجل،
ولم أجده مستعملاً للرجل إلا في هذا الحديث وإن اقتضاه الاشتقاق، لأنه من التخمّر وهو
(١) رواه مسلم (١: ٩٠ - ٩١)، والنسائي (١: ٣٠)، والبيهقي (١: ٥٨ و٦٠).
١٢٦
أبواب الطهارة/ باب ٧٥
قال: وفي الباب عن عَمْرٍو بن أُمَيَّةَ، وسَلمانَ، وَثَوْبَانَ، وأبي أُمَامَةً.
قال أبو عيسى: حديثُ المغيرة بن شعبة حديث حسن صحيح.
وهو قولُ غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبيِ وَ *، منهم: أبو بكر،
وعمرُ، وأنسٌ. وبه يقولُ الأوزاعيّ، وأحمدُ، وإسحق، قالوا: يمسحُ على العمامة.
وقال غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبيِّ ◌َ ﴿ والتابعين: لا يمسحُ على
العمامة إلاَّ أنْ يمسح برأسه مع العمامة. وهو قولُ سفيان الثوريّ، ومالك بن أنسٍ، وابن
المبارك، والشافعيِّ.
قال أبو عيسى: وسمعتُ الجارُودَ بن مُعَاذٍ يقول: سمعتُ وكِيعَ بنَ الجرّاحِ يقول:
إنْ مَسَحَ على العمامة يجزئُهُ للأثَرِ.
١٠١ - حقئنا منادٌ حذّثنا عليّ بنُ مُشْهِرٍ عن الأعمش عن الحكم عن
عبد الرحمن بن أبي لَّيْلَى عن كَغْبٍ بن عُجْرَةَ عن بِلاَلٍ: ((أَنَّ النَّبِيِّ وَّرُ مَسَحَ عَلَى
الخُفْيْنِ وَالخِمَارِ))(١).
الستر، ومنه: ((خَمِّروا آنيتكم))، وذلك كثيرة المتعلقات العصائب وهي العمائم، واحدها عصابة،
وهي التي تشدّ الرأس أو تشدّ عليه.
الأحكام: في مسائل:
الأولى: اختلف الناس في المسح على العمامة على خمسة أقوال: الأول: لا يمسح على
العمامة بحال، قاله مالك. الثاني: يمسح المفروض من الرأس، وهو بعضه باختلاف، ويمسح
على العمامة عن باقي الرأس المسنون. الثالث: قال الثوري والأوزاعي: يجوز المسح على
العمامة مطلقًا. الرابع: يجوز المسح عليها إذا لبسها على طهارة. الخامس: يجوز المسح عليها
إذا كانت بحنك، قاله بعض أصحاب أحمد.
الثانية: في التوجيه. وجه الأول: أن الله أمر بمسح الرأس، وما رُوِيّ في الحديث من
المسح على العمامة فمحمول على أحد وجهين: أحدهما أن المسح على العمامة لم يكن عن
نص، وإنما اختصر على مسح بعض الرأس ومرّ اليد عليها، تبعًا لمسح البعض، كما نشاهد ذلك
(١) هذا حديث صحيح. رواه مسلم (١: ٩١)، ورواه النسائي (١: ٢٩)، ورواه ابن ماجه (١: ١٠٢)،
ورواه البيهقي (١ : ٦١).
١٢٧
أبواب الطهارة / باب ٧٦
١٠٢ - حدثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ حدّثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّل عن عبد الرحمن بن إسحق
هو القرشي عن أبي عُبَيْدَةً بن محمد بن عَمَّارِ بن يَاسِرٍ قال: ((سألتُ جابر بن عبد الله
عن المسح على الخُفَّيْن؟ فقال: السُّنَّةُ يَا ابْنَ أخِي. قال: وسألته عن المسح على
العمامة؟ فقال: أمِسَّ الشّعَرَ المَاء))(١).
٧٦ - باب ما جاء في الغُسل من الجنابة
[المعجم ٧٦ _ التحفة ٧٦]
١٠٣ - حدثنا هنادٌ حدّثنا وكيعٌ عن الأعمش عن سالم بن أبي الجَعْدِ عن كُرَیْبٍ
عن ابن عبَّاسٍ عن خَالَتِهِ مَيْمُونَةً قالت: ((وَضَعْتُ لِلنَّبِّوََّ غُسْلاً، فَاغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ:
فَأَكْفَأَ الإِنَاءَ بِشِمَالِهِ على يَمِينِهِ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ في الإِنَاءِ فَأَفَاضَ عَلَى فَرْجِهِ،
ثُمَّ دَلّكَ بِيَدِهِ الْحَائِطَ، أوِ الأرْضَ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ
أَفَاضَ على رَأْسِهِ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَفَاضَ على سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ))(٢).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي الباب عن أُمِّ سَلَّمَةَ، وجابرٍ، وأبي سَعِيدٍ وجُبَيْرٍ بن مُطْعِمٍ، وأبي هُرَيْرَةً.
١٠٤ - هقثنا ابنُ أبي عمرَ حدّثنا سفيانُ بن عُيَيْنَةَ عن هشام بن عُرْوَةً عن أبيه عن
فيه إذا مسح على البعض، وكان على الرأس عمامة. الثاني أنه يحتمل أن يكون به زكام أو ألم
فيمسح على العمامة، وربما قلنا ذلك فيكون القول السادس. ووجه الشافعي وأبي حنيفة حديث
المغيرة بن شعبة على ناصيته وعلى عمامته، وجه قول أحمد: أنه يدل في الطهارة، فافتقر إلى
وضعه على طهارة كالخُفّين، ووجه زيادة الحنك: أن به تتحقق المشقّة، فتكون الرخصة في
موضعها .
باب الغسل من الجنابة
(كريب عن ابن عباس عن خالته ميمونة قالت: وضعت للنبي # غسلاً، فاغتسل من
الجنابة: فأكفأ الإناء بشماله على يمينه، فغسل كفّيه، ثم أدخل يده في الإناء فأفاض على فرجه،
ثم ذلَك بيده الحائط، أو الأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على
رأسه ثلاثًا، ثم أفاض على سائر جسده، ثم تنخى فغسل رجليه) صحيح حسن. (عروة عن أبيه
(١) روى مالك في الموطأ (١: ٥٦) مثله.
(٢) الحديث رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة.
١٢٨
أبواب الطهارة / باب ٧٦
عائشةَ قالت: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﴿ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنَ الجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ قَبْلَ أنْ
يُدْخِلَهُمَا الإِنَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، وَيَتَوضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، ثُمّ يُشَرِّبُ شعْرَهُ المَاءَ، ثُمَّ
يَخِي عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ))(١).
عن عائشة قالت: كان رسول الله* إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه قبل أن
يدخلهما الإناء، ثم غسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يُشَرّب شعره الماء، ثم يَحثِي على
رأسه ثلاث حثیات) صحیح حسن.
الإسناد: روى عن النبي # غسل الجنابة وفي غسل الجنابة جماعة، أخصّهم عائشة،
وميمونة. ولهما في هذا الباب حديثان مختصران. أما حديث ميمونة فاختصره وكيع وسفيان عن
الأعمش، وأكمله حفص بن غياث وغيره عنه، قال فيه حفص: ثم تنخى فغسل يديه، ثم أتيته
بمنديل فلم ينفض بها. وقال غيره عنه: فغسل رجليه، فناولته المنديل فلم يأخذه، فجعل ينفض
الماء عن جسده. وأما حديث عائشة فأكمله مالك وغيره، عن عروة وسواه أكثر إكمالاً منه،
قالوا فيه: ثم يصبّ على رأسه ثلاث غَرَفات، أو غرف، ثم يفيض الماء على جلده كله.
الغريب: قوله أكفأ الإناء يعني: قَلَبَه وأماله، وهو أول القلب. ومنها الإكفاء في الشعر،
وهو: قلب القافية الثانية إلى غير صفة الأولى، مثل أن تكون الأولى لامّا والثانية نونًا، أو الأولى
ياء والثانية جيمًا على أحد القولين. قوله: (يُشرِّب شعره الماء) يعني: يسقيه، كقوله تعالى:
﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ [البقرة: ٩٣] أي: سُقِيَ في قلوبهم حبه، مجاز بديع كأنه حلّ
محل الشراب، لأنه غراض يسري إلى المداخل الباطنة والمنافذ الخفيّة، وهلهنا نكتة بديعة من
الأصول في باب المجاز، وهي: أن قوله: (يُشرِّب شعره الماء) مجاز من جهة، لأن معناه:
يصب عليه الماء، فيسري إلى مداخله كسريانه إلى بواطن البدن، شبّهه به وسمّاه شرابًا لأجله،
وقوله: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ مجاز على وجهين: الأول: أنه أراد حبّ العجل فحذف.
الثاني: أنه استعمل لفظ الشرب في سريان المحبة، وليست ما تشرب. وقوله: (ثلاث غرفات)
أو (غرف)، فدخلت في القرآن غرفة، وغرفة بفتح العين وضمّها، فإذا فتحتها جمعتها غرفات،
وإذا ضممتها جمعتها غرف، ومعنى الغرفة بفتح الغين المرة الواحدة، وبضم الغين ملء اليد من
الماء. وقولها: (ثم يفيض) يعني: يصب، ويحتمل أن يكون يفيض، وفي حديث عروة: أن
رجلاً جاء بنطفة في إداوة فافتضّها أي صبها، يقال: فضّ الماء وافتضه، أي: صبّه. والفضيض:
الماء السائل.
الأحكام الأولى: قولها: (وضعت للنبي {8# غسلاً) دليل على استخدام الزوج بزوجه، وقد
بيّا ذلك في كتاب المسائل، ويأتي في كتاب النكاح إن شاء الله.
(١) الحديث رواه أيضًا البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
١٢٩
أبواب الطهارة/ باب ٧٦
قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ.
وهو الذي اخْتَارَهُ أهلُ العلم في الغُسْلِ من الجنابة: أنَّهُ يَتَوَضَّأُ وضوءَهُ لِلصَّلاَةِ، ثم
يُفْرِغُ على رأسه ثلاثَ مراتٍ، ثم يُقِيضُ الماءَ على سائر جَسَدِهِ، ثم يغسلُ قَدَمَيْهِ.
الثانية: بدأ بغسل اليد، إما لتحقيق نجاسة حلّت فيها فأراد تطهيرها فيكون واجبًا، الثاني
ظن نجاستها لقيام من نوم، أو بعيد العهد بالغسل فتعلق بها الأوضار المستخبثة، فيكون مستحبًا.
وقد تقدم ذكرها حين قال علماؤنا: إنها من السُّنن، لأجل أن النبي : * لم يتوضأ إلا بدأ بغسل
غسل يديه كما يفعل في صفة وضوئه.
الثالثة: قوله: (بدأ بغسل فرجه) دليل على جواز ذكر الفرج عند دعاء الحاجة إلى ذلك،
كما يجوز النظر إليه عند الحاجة إلى ذلك، ويكون ذلك مستثنى من الرفث.
الرابعة: بدأ بغسل الفرج بيان أن تطهير البدن من النجاسة يتقدم، ليرة الغسل على محل
طاهر، فلا يتنجس الماء بملامسة النجاسة، فلا يطهر حينئذ من الجنابة.
الرابعة: هذا ردّ على الشافعي في قوله إن المني طاهر، وإن رطوبة فرج المرأة طاهرة،
لأنهما لو كانا طاهرين لما بدأ بغسلهما، ولا احتاج إلى ذلك، أو لأدخلهما في جملة تطهير سائر
البدن.
الخامسة: في نيّة غسل الفرج. ويأتي في باب الوضوء بعد الغسل إن شاء الله. قوله: (ثم
دلك بيده الحائط) قد تقدمت في باب الاستنجاء.
السادسة: جاء في حديث عائشة (يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يشرب شعره الماء) فذكرت
مسح الرأس قبل غسله، وفي حديث ميمونة أنه (تمضمض واستنشق وغسل وجهه، ثم أفاض
الماء على رأسه ثلاثًا: فجعلت غسل الرأس دون مسحه مذكورًا كما رأته مفعولاً، فجاء من هذا
في حديث عائشة وميمونة أن تقديم الوضوء على الغسل مشروع، وتطهير أعضاء الوضوء في أثناء
الغسل إنما هو على أنها من جملة الغسل، وليس يمتنع الجمع بين الحديثين: فيكون قول
عائشة: (توضأ وضوءه للصلاة) إشارة إلى المضمضة، والاستنشاق، وغسل الوجه، ومسح
الرأس، وغسل الرجلين آخر الأمر. وجعل الغسل بدلاً من المسح.
السابعة: قيل إن ظاهر حديث عائشة يقتضي غسل الرجلين قبل تمام الغسل، لقولها:
(يتوضأ وضوءه للصلاة)، وحديث ميمونة يقتضي تأخيرها إلى تمام الغسل. وتحقيقه: أن غسل
أعضاء الوضوء، إن كان من جملة الغسل فإنها تؤخر بتأخيره، وبدأ بالوجه لأنه الأصل والأكرم،
وإن كان من سنن الوضوء، مستفتحًا به غسل الجنابة، قدمت الرجلان مع قرابتها في الطهارة، ثم
عطف على غسل الجنابة.
عارضة الأحوذي/ ج ١ / م ٩
١٣٠
أبواب الطهارة/ باب ٧٦
والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ. وقالوا: إِنِ انْغَمَسَ الجنبُ في الماء. ولم يتوضأُ
أجْزَأَهُ. وهو قولُ الشافعيّ، وأحمدٌ وإسحقَ.
الثامنة: إذا قلنا بمعنى حديث عائشة، فقد روى ابن زياد عن مالك: ليس العمل على
تأخير غسل الرجلين، يعني ما ورد في حديث ميمونة. وروى ابن وهب عنه في المبسوط:
ذلك واسع. ورُوِيَ عنه: أنه إن أخرهما إلى آخر الغسل استأنف الوضوء. والصحيح في
النظر تأخيرهما إن غسل الأعضاء بنيّة غسل الجنابة، وتقديمهما إن توضأ سُنّة، فهي حالتان
لا روایتان.
التاسعة: قال أبو ثور: يلزم الجمع بين الوضوء والغسل، كما رُوِيَ عن النبي ◌َّر. وعنه
ثلاثة أجوبة: الأول: أن ذلك ليس بجمع كما بيّنّاه، وإنما هو غسل كله. الثاني: أنه إن كان
جمع بينهما، فإنما ذلك استحباب، بدليل قوله تعالى: ﴿حتى تغتسلوا﴾ [النساء: ٤٣] وقوله:
﴿وإن كنتم جُنُبًا فاطْهروا﴾ [المائدة: ٦] فهذا هو الغرض الملزم والبيان المكمل، وما جاء من
هيأته لم يكن بيانًا لمحمل واجب فيكون واجبه، وإنما كان إيضاحًا لسُنّة. الثالث: أن سائر
الأحاديث ليس فيها ذكر الوضوء، ومنها: ما قال النبي ﴿ لأم سلمة إذ قالت له: إني امرأة أشد
ضفر رأسي، فأنقضه للغسل من الجنابة؟ فقال لها: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث
حثيات من ماء، ثم تضغثيه، ثم تفيضين على جسدك الماء، فإذا أنت قد تطهرت».
العاشرة: قوله: (ثم يُشرِّب شعره الماء) وذلك معنى صحيح ومقصد بيِّن، وهو سنّ سبيل
الماء، فإن من شأنه أن يتبرأ عن الشعر والبدن، لما عليهما من دهنية البدن التي تعلو على ذلك،
فإذا سبق الرش بالماء والبلل، كان ذلك تسهيلاً لمرّ الماء وسبيلاً لجريانه، فيعمّ البشرة بيسير ولم
يحتج إلى ماء كثير، فيخالف السُّنّة في تقليل الماء.
الحادية عشر: قوله: (يُشرِّب شعره الماء) عامّ في كل شعر، فظاهر لفظه كان رأسًا أو
لحية، لأنه لو أراد شعر الرأس لقال: ثم يُشرِّب شعره(١) بالماء، ثم يحثي عليه ثلاث حثيات،
فلما ذكر في الإشراب اللفظ العام، ثم عدل في ذكر الحثي إلى الخاص وهو الرأس، دلّ على
أنه أراد كل شعر، فعلى هذا يُشرِّب شعره كله بالماء، ثم خلل الرأس خاصة. وقد اختلفت
الرواية في ذلك عن إمامنا، فتارة أخذ بظاهر الحديث فرأى تخليل اللحية في غسل الجنابة،
ووجهه عند بعضهم أن الفرض قد انتقل إلى الشعر، فيسقط حكم إيصال الماء إلى البشرة. قال
القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: يحسن هذا التوجيه في الوضوء، وأما في غسل
الجنابة: فلا يسلم أحد في غسل الجنابة أن الفرض انتقل إلى الشعر فيجب له، أو بعقلية نقله في
غسل الجنابة إليه، وهذه الرواية ضعيفة، والقول قول أشهب.
(١) الأرجح أنها: شعر رأسه.
١٣١
أبواب الطهارة/ باب ٧٧
٧٧ - باب هَلْ تَنْقُضُ المرأةُ شَعْرَهَا عِنْدَ الغُسْلِ؟
[المعجم ٧٧ _ التحفة ٧٧]
١٠٥ - حدثنا ابن أبي عُمَرَ حدّثنا سفيان عن أيُّوبَ بن موسى عن سعيد المقبريِّ
عن عبد الله بن رافع عن أُمَّ سَلَمَةَ قالت: قُلْتُ: يا رسولَ الله، إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدْ ضَفْرَ
رَأْسِي، أَفَأَتْقُضُهُ لِغُسّلِ الجنَّابَةِ؟ قال: ((لا، إنَّمَا يَكْفِيكِ أنْ تَحْثِينَ عَلَى رَأْسِكِ ثَلاَثَ
حَتَيَاتٍ مِنْ ماءٍ، ثُمَّ تُفِيضين عَلَى سَائِرِ جَسَدِكِ الماءَ فَتَطْهُرِينَ)). أوْ قال: ((فَإِذَا أَنْتِ قَدْ
تَطَهَّرْتٍ)»(١) .
الثانية عشر: قوله: (ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات) خصّ ثلاثًا لأحد معنيين، قال
بعضهم: لأنها سُنّة الطهارة، وهذا ضعيف، لأن العدد مسنون في الوضوء دون الجنابة، على
الوجه الذي بيّنّه من قبل، والصحيح أن ذلك القصد إلى تفهم تعميم الغسل، فإن الأولى تصيب
ما اتفق من الموضع، والثانية تعميمه إلا اليسير، والثالثة تستوفيه بيقين.
الثالثة عشر: المرأة تصبّ ثلاثًا وربما تصب أكثر، قالت عائشة: كان رسول الله {18 يفيض
على رأسه ثلاثًا، ونحن نفيض على رأسنا خمسًا من أجل الضفر. وهذا يختلف بحسب اختلاف
أحوال النساء والرجال، من شعر كثير وقليل، ومضمود وغير مضمود، فكلّ ما يستوعب ما يقدر
عليه ويتيسر له، فقد يكتفي بالواحدة ويكتفي بالخمس، والتوسّط ثلاث على الوجه الذي أشرنا
إلى بيانه من قبل.
باب هل تنقض المرأة شعرها عند الغسل
(عبد الله بن رافع عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله، إني امرأة أشدُ ضَفْرَ
رأسي، أفأنقضه لغُسْل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات
من ماء، ثم تُفِيضين على سائر جسدك الماء فتطهرين. أو قال: فإذا أنت قد تطهرت)
صحيح حسن.
الإسناد: هذا حديث رواه جماعة عن أم سلمة، منهم: عبد الله بن رافع، رواه عنه
سعيد بن المقبري، رواه عنه أيوب بن موسى، رواه عنه سفيان، رواه عنه محمد بن عمر كما
سمعناه. ورواه زهير بن حرب وغيره عن سفيان، فأما زهير فكما تقدم، لكنه قال: ثم تحثي
ثلاث حثيات، وأما غيره فقد قال: عن أم سلمة أن امرأة من المسلمين قالت: فجعلت السائل
امرأة سواها، وكذلك من طريق أخرى. وروته صفية بنت شيبة أيضًا فقالت: كانت إحدانا إذا
(١) الحديث رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
١٣٢
أبواب الطهارة/ باب ٧٧
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.
والعمل على هذا عند أهل العلم: أنَّ المرأةَ إذا اغتسلتْ من الجنابة فلم تَنْقُضْ
شَعْرَهَا أن ذلك يُجْزِئُهَا بَعْدَ أنْ تُفِيضَ الماءَ على رأسها.
أصابتها جنابة أخذت ثلاث حثيات هكذا، تعني بكفّيها جميعًا، فتصبّ على رأسها، وأخذت بيد
واحدة فصبّتها على هذا الشقّ، والأخرى على الشقّ الآخر. ورَوّت عائشة بنت طلحة، عن
عائشة قالت: كنا نغتسل وعلينا الضماد، ونحن مع رسول الله ﴿ مُجلاّت ومحرمات. خرج
ذلك کله أبو داود في سُنته.
- الغريب: قوله: (أشدّ ضفر) يقرأه الناس بإسكان الفاء، وإنما هو بفتحها، لأنه مُسَكَّن
مصدر ضغر رأسه يضفره ضفرًا، وبالفتح هو الشيء المضفور كالشعر وغيره، كما تقول في
الحبط والنقض والضفر: هو نسج بخصل الشعر وإدخال بعضها في بعض معرضة، ومنه: قيل
للخال المفتولة العراض: ضفائر والحفنة قد فسرت. وقوله: (واغمري قرونك الغمر هو
التحريك بشدة، والقرون واحدها قرن، وهو شيء مجموع من الشعر، من قولك: قرنت الشيء
بغيره أي: جمعته معه على معنى التنظير والتمثيل، والقرن الأمة بمثله، ويحتمل أن يكون ذلك
الخمل من الشعر إذا جمعت وفتلت، جاءت على هيأة القرون فسُمِّيت بها، وأما الضماد فهو
لطخ الشعر بالطيب وما يلبده ويسكنه، يقال ضمد الجرح بالدواء، أي: جعله عليه، وضمد رأسه
بالزعفران، أي: لطخه به على الوصف المتقدم.
الأحكام: في مسألتين:
الأولى: اختلف العلماء في نقض المرأة رأسها في غسل الجنابة والحيض. فقال
جمهورهم: لا تنقضه، إلا أن يكون ملبّدًا، ملتفًّا، لا يصل الماء إلى أصوله إلا بنقضه، فيجب
نقضه حينئذ. وقال النخعي: تنقضه بكل حال. وقال أحمد: تنقضه في الحيض دون الجنابة.
الثانية: في التوجيه. وجه قول أحمد: أن الأصل نقضه، لأن عموم الغسل يجب في جميع
الأجزاء، من شعر وظفر، كان في أيّ موضع كان، أو على أيّ صفة كان يوجب غسلها، سقط
اعتبار ذلك في الشعر المضفور في غسل الجنابة، لترداده وكثرة الحاجة إليه، وبقي في غسل
الحيض على أصل الوجوب، قصد العموم. ووجه قول النخعي: ما أشرنا إليه من وجوب عموم
الغسل، ولم يرّ ما ورد من النبي وقر في الرخصة، ولو رآه ما تعذّاه إن شاء الله. ووجه قول
العلماء وهو الصحيح أن النبي # لمّا أسقطه في الجنابة دلّ على عدم اعتباره في التعميم،
فترك التعميم في كل طهارة، لا سيما ولم يكن أزواج النبي # ولا نساء الصحابة يفرقون بين
الغسلين، مع أنهنّ كنّ يفعلن ذلك كله ولا يفرقن بين الغسلين، لكن الذي يعبّر عنه في الشريعة
إصابة البشرة بالماء، كما يأتي بيانه إن شاء الله .
١٣٣
أبواب الطهارة/ باب ٧٨
٧٨ - باب ما جاء أنَّ تحتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ
[المعجم ٧٨ - التحفة ٧٨]
١٠٦ - حدثنا نَصْرُ بن عَليَّ حدّثنا الحَرِثُ بنُ وَجِيهِ قال: حدّثنا مالكُ بنُ دينار
عن محمد بنِ سِيرِينَ عن أبي هريرة عن النبي ﴿ قال: «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَاغْسِلُوا
الشَّعَرَ وَأَنْقُوا الْبَشْرَ)(١) .
قال: وفي الباب عن عليّ، وأنّسٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ الحرث بنِ وَجِيهِ حديثٌ غريبٌ، لا نعرفهُ إِلاَّ مِنْ
حديثه .
باب ما جاء أن تحت كل شعرة جنابة
محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ول# قال: (تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا
الشعر وأنقوا البشرة) حديث غريب، يرويه الحارث بن وجيه، بالجيم والياء المعجمة باثنتين
من تحتها، ويقال معجمة بواحدة، وهو شيخ ليس بذاك. قال القاضي أبو بكر بن العربي
رضي الله عنه: يقال إنه منكر الحديث، وقد روى زاذان عن علي أن النبي ◌َ ﴾ قال: ((مَن
ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها، فعل به كذا وكذا من النار))، قال علي: فمن ثم
عاديت رأسي، فمن ثم عاديت رأسي، فمن ثم عاديت رأسي، ثلاثًا، وكان يجزّ شعره. رواه
أبو داود عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن عطاء بن السائب، خلط بآخره، إلا فيما
روى عن شعبة وسفيان وزاذان، محطوط عندهم عن المرتبة. وصح عن عائشة رضي الله
عنها أنها قالت: كان رسول الله﴿ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، يصبّ الإناء على يده
اليمنى فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يدخل يده في الإناء فيخلّل شعره، حتى
إذا رأى أنه قد أصاب البشرة وأنقى البشرة، أفرغ على رأسه ثلاثًا، فإذا بقيت فضلة صبها
عليه .
الغريب: اختلف الناس في الغسل، فقيل: هو صب الماء على المغسول، وقيل: هو إمرار
اليد مع الماء على المحل، أو عرك المحل بعضه ببعض مع الماء. وقيل: هو صبّ الماء
خاصة. والصحيح أن الغسل هو صبّ الماء لإزالة شيء، فإذا زال كان غسلاً وكان المحل
مغسولاً، ألا ترى أن غسل الإناء من ولوغ الكلب صبّ الماء عليه، لأنه ليس هنالك شيء يُزال.
وقد جاء في الحديث كما تقدم في البول: فأتبعه ماءً ولم يغسله، يعني: لم يعركه، فتبين أن
(١) الحديث رواه ابن ماجه (١: ١٠٧)، وأبو داود (١: ١٠٢)، والبيهقي (١: ١٧٥).
١٣٤
أبواب الطهارة / باب ٧٩
وهو شيخٌ لَيْسَ بِذَاكَ. وقد رَوَى عنه غيرُ واحد من الأئمة. وقد تَفَرَّدَ بهذا الحديث
عن مالك بن دينارٍ. ويقالُ: ((الْحَرِثُ بنُ وَجيه)) ويقالُ: ((ابْنُ وَجْبَةً)).
٧٩ - باب ما جاء في الوضوء بعد الغُسل
[المعجم ٧٩ _ التحفة ٧٩]
١٠٧ - حقثنا إسماعيلُ بنُ موسى حدّثنا شَرِيكٌ عن أبي إسحقَ عن الأسْوَدِ عن
عائشةَ: ((أَنَّ النَّبِّ ◌ِ ﴿ كَانَ لاَ يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ)»(١).
الغسل نوعان: أحدهما: صبْ الماء لإزالة، الثاني: صبّ الماء مع العرك. وقد قال أبو الفرج
المالكي: إنه إذا انغمس الجُنُب في الماء، حتى تحقق بلوغ الماء إلى جميع أجزاء بدنه أن ذلك
يجزيه، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، واللفظ يحتمل الوجهين، فرأى مالك في أصح أقواله
الاحتياط للعبادة، بأن يدلك البدن بالماء ليستوفي وجهي الغسل، فتحصل العبادة بيقين والله
أعلم.
باب الوضوء بعد الغسل
(روى الأسود عن عائشة أن النبي * كان لا يتوضأ بعد الغسل) حسن صحيح.
العارضة: في مسألتين:
إحداهما: لم يختلف أحد من العلماء في أن الوضوء داخل في الغسل، وأن نيّة طهارة
الجنابة يأتي على طهارة الحدث ويقضي عليها، ويطهر البدن بالغسل من الجنابة طهارة عامّة،
وذلك لأن موانع الجنابة أكثر من موانع البول، فدخل الأقل في نيّة الأكثر، وأجزأت نيّة الأكثر.
عنه. ولذلك قال سحنون: إن نيّة الجنابة لا تُغني عن نيّة الحيض في طهارة الحائض الجُنُب،
لأن موانع الحيض أكثر، ولو نَوَت الحيض لطهرت من الجنابة لأنها الأقل، والصحيح أن ذلك
يجزيها. كما قال عامّة العلماء، لأن المعنى في الحدث والجنابة أن محل الحدث محل
الجنابة، ومحل الجنابة أكثر فلذلك تضمنه، ليس لأن موانعه أكثر، بخلاف محل الجنابة
والحيض، فإنه واحد فيه، طهارة إحداهما يجزي عن الآخر، حتى بالغ بعض علمائنا فقالوا:
إن نيّة غسل الجمعة تجزي عن الوضوء، وقالوا أيضًا عن الجنابة على ما يأتي بيانه في موضعه
إن شاء الله.
(١) الحديث رواه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
١٣٥
أبواب الطهارة/ باب ٧٩
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قال أبو عيسى: وهذا قولُ غير واحدٍ من أهل العلم: أصحاب النبي ◌َّ والتابعين:
أنْ لاَ يَتَوَضَّأَ بعد الغُسْلِ.
الثانية: في نازلة عرضت: وهو أنه إذا مسَ ذَكَرَه في أثناء الوضوء، فلا يخلو من ثلاثة
أوجه: إما أن يمسّه قبل أن يغسل أعضاء الوضوء، أو يمسّه بعد غسل بعض أعضاء الوضوء
أو جملتها، أو يمسّه بعد تمام الغسل. فأما إن مسّه بعد تمام الغسل فعليه الوضوء، ولا بدّ
من نيّة، ولا يحسن أن يختلف في هذا، وأما إن مسّ ذَكَرَه بعد غسل بعض أعضاء الوضوء
أو كلها قبل تمام الغسل، فقال أبو محمد: لا بد عند إمرار يديه على أعضاء الوضوء من
نيّة، وخالفه غيره. ووجه قول أبي محمد أن مس الذَّكَر لا يؤثر في الغسل، إنما يؤثر في
الوضوء، فلما وجب عليه غسل تلك الأعضاء للوضوء وجبت نيّته، ألا ترى أنه لو ترك
إعادة الماء إلى تلك الأعضاء وإمرار اليد عليها، حتى تطاول لم يكن ابتداء غسله وإنما عليه
إعادة الوضوء. وقال غيره: ما اختلف فيه أبو محمد وغيره من تجديد النيّة مبني على أصل،
وهو أن المتطهر إذا غسل عضوًا من أعضاء طهارته هل يطهر بغسله؟ أم لا يطهر إلا بعد
تمام غسل جميع الأعضاء؟ فإن قلنا إن الحدث لم يُزّل عنه بغسله، كان ذلك بمنزلة أن
يمسّ ذَكَرَه قبل غسلها، فحكم نيّة الغسل باقي عليها، فلا يحتاج إلى تجديد نيّة. وإن قلنا
إن الحدث قد ارتفع عن أعضاء الوضوء وإن لم يتم الغسل، فعليه أن يستأنف الوضوء بنيّة
مستأنفة، وكلاهما وَهْم، إلا أن الأولى أقرب إلى الثانية.
تنبيه: أما قول هذا الثاني، إن هذا مبني على أصل، وهو أن كل عضو هل يطهر
بنفسه أم لا، فما كان هذا قطّ فرعًا ولا أصلاً، ولا هذا شيء علم في المذهب، ولا خطر
على بال شيخ منّا، وإنما هذا كلام يقوله أصحاب الشافعي ويفرعون عليه، وهو باطل قطعًا،
فإن الحدث لا يرتفع عن الوجه بحال حتى يغسل الرجلين، بدليل إجماع الأمة على أن
الرجل لو غسل وجهه ويديه في الوضوء، لم يجز له أن يمسّ به المصحف، لا عندنا ولا
عندهم، وإنما غسل الوجه موقوف مراعًا، فإن كمل الوضوء ثبت له الحكم، وإن لم يكمل
بطل، كركعة من الصلاة لا يقال إنها أخّرت ولا يسقط بها فرض حتى يكمل الصلاة،
وكذلك زعموا أن مَن غسل إحدى رجليه ولبس الخف، ثم غسل الأخرى ولبس الخف
الآخر: فأحد القولين أن المسح يجوز، لأن الرّجل الأولى ليست على طهارة، وليس كما
زعموا، ما قال ذلك قطّ منّا شيخ، وإنما يبني ذلك على أصل: وهو أن استدامة اللبس هل
هو بمنزلة ابتدائه أم لا؟ وهذا أصل يبنى عليه في الشريعة أحكام في الطهارة والأيمان
والإباحة، واختلف فيه قول مالك وأصحابه، فمن عذيري ممن يترك بناء فروع المذهب على
أصوله، ويطلب لها أصول الشافعية ليغرب بها.
١٣٦
أبواب الطهارة/ باب ٨٠
٨٠ - باب ما جاء: إذا الْتَّقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ
[المعجم ٨٠ - التحفة ٨٠]
١٠٨ - حقثنا أبو موسى محمدُ بنُ المُثَنِى حدّثنا الوَلِيدُ بن مُسْلِم عن الأوْزَاعِيِّ عن
عبد الرحمنِ بنِ القاسم عن أبيه عن عائشةَ قالت: ((إِذَا جَاوَزّ الخِتَانُ الخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ
الْغُسْلُ، فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ فَاغْتَسَلْنَا))(١).
قال: وفي البابِ عن أبي هريرة، وعبد اللّهِ بنِ عَمْرٍو، ورافع بْنِ خَدِيجٍ.
١٠٩ - هقتنا هَنَّدٌ حدّثنا وكيعٌ عن سفيانَ عن عليٍّ بن زَيْدٍ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ
عن عائشةَ قالت: قال النبي وَه: ((إِذَا جَاوَزَ الخِتَانُ الخِتَانَ وَجَبَ الغُسْلُ)»(٢).
قال أبو عيسى: حديثُ عائشةً حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قال: وقد رُوِيّ هذا الحديثُ عن عائشة عن النبي ◌َ﴿ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ: ((إذَا جَاوَزَ
الخِتَانُ الخِتَانَ فقد وَجَبّ الغُسْلُ)).
وهو قولُ أكثَرِ أهلِ العلم من أصحاب النّبِيِّ ◌َِّر، منهم: أبو بكر، وعمرُ،
وعثمانُ، وعليّ، وعائشةُ -: والفقهاءِ من التابعين وَمَنْ بَعْدَهُمْ، مثلٍ: سفيان الثوريّ،
والشافعيِّ، وأحمدُ، وإسحقَ. قالوا: إذَا التَّقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ.
باب إذا التقى الختانان أنزل أو لم ينزل
القاسم عن عائشة (إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله وله
فاغتسلنا). (سعيد بن المسيب عن عائشة قالت: قال النبي # إذا جاوز الختان الختان وجب
الغسل). حديث عائشة وحديث أبيّ بن كعب: ((إنما الماء من الماء)» كان رخصة في أول
(١) الحديث من طريق الأوزاعي رواه الشافعي في اختلاف الحديث (المطبوع بهامش الأم ج ٧
ص ٩٠ - ٩١). ورواه المزني في مختصره (المطبوع بهامش الأم ج ١ ص ٢٠ - ٢١) عن
الشافعي، ورواه أيضًا أحمد في المسند (٦: ١٦١)، ورواه ابن ماجه (١: ١٠٩).
(٢) الحديث رواه الشافعي في اختلاف الحديث (٧: ٩٠) ورواه أيضًا فيه وفي الأم (١: ٣١). ورواه
أحمد في المسند (٦: ٤٧ و٩٧ و١١٢ و١٣٥). ورواه أيضًا أحمد (٦: ١٢٣ و٢٢٧ و٢٠٩).
وانظر مسند أحمد (٦: ٢٦٥). وأما سؤال أبي موسى لعائشة فإنه ثابت في صحيح مسلم (١:
١٠٦ - ١٠٧).
١٣٧
أبواب الطهارة / باب ٨١
٨١ - باب ما جاء: أنَّ الماءَ من الماء
[المعجم ٨١ _ التحفة ٨١]
١١٠ - هقثنا أحمدُ بنُ مَنِيعَ حدّثنا عبدُ الله بنُ المبارِك أخبرنا يونسُ بنُ يزيد عن
الزُّهْرِيِّ عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ عن أَبَيِّ بنٍ كَعْبٍ قال: «إنَّمَا كان الماءُ مِنَ الماءِ رُخْصَةٌ في
أوّل الإسلامِ، ثُمِّ نُھِيَ عَنْهَا)).
الإسلام، ثم نهي عنها. أبو الحجاف عن عكرمة عن ابن عباس (إنما الماء من الماء) في
الاحتلام. وأبو الجحاف داود بن أبي عوف، وقال سفيان: كان مرضيًا.
إسناده: هذا باب ثبتت فيه أحاديث من الجهتين، فأما جهة سقوط الغسل مع عدم إنزال
الماء فنص صحيح. روى أبو سعيد الخدري أن النبي * قال: ((إنما الماء من الماء»، وأنه لو
قال أيضًا: ((إذا قحطت فلا غسل عليك، وعليك الوضوء))، وقال أبيّ بن كعب إنه ﴿ قال في
الرجل يصيب من المرأة ثم يكسل قال: ((يغسل ما أصابه من المرأة، ثم يتوضأ ويصلّي))، أخرجه
مسلم. وروى عثمان بن عفان عن النبي ﴿﴿ وأفتى به: ((إذا جامع الرجل امرأته ولم يمنٍ)) قال
عثمان: ((يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذَكّره)). وروى أبو أيوب عن النبي ◌َّ مثله، خرج
ذلك الجعفي والقشيري. وأما جهة إيجاب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم يكن إنزال، فرواه أبو
هريرة عن النبي # قال: ((إذا جلس بين شِعَبِها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل))، خرّجه
الجعفي والقشيري. زاد مسلم من طريق مطر، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: ((وإن
لم ينزل)». وخرج القشيري أيضًا من طريق أبي بردة، عن أبي موسى قال: اختلف في ذلك رهط
من المهاجرين والأنصار، هكذا الغسل من الماء، وقال المهاجرون: إذا خالط وجب الغسل،
قال أبو موسى: أنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة فأذِنَت لي، فقلت: يا أماه،
أو: يا أُم المؤمنين، إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أستحييك، فقالت: لا تستحيي أن
تسألني عمّا كنت عنه سائلاً أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت:
على الخبير سقطتّ، قال رسول: ((إذا جلس بين شِعَبِها الأربع، ومسّ الختانَ، فقد وجب
الغسلُ)). وروى القشيري أيضًا من طريق جابر بن عبد الله، عن أم كلثوم، عن عائشة أن رجلاً
سأل رسول الله يل عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل، هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال
رسول الله *: ((إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم تغتسل)). وروى الدارقطني أن النبي و لو قال:
((إذا التقت المواسي فقد وجب الغسل))، خرّجه في باب الغسل من المجتبى.
غريبه: في هذه الأحاديث من الغريب عشرة ألفاظ: الأول: الختان. الثاني: الالتقاء.
الثالث: قوله: قحطت. الرابع: قوله: يكسل. الخامس: يمني. السادس: قوله: شِعَبها.
السابع: قوله: جهدها. الثامن: قوله: على الخبير سقطت. التاسع: قوله: مس الختان الختان.
العاشر: قوله: يا أماه. أما الأول وهو الختان، فيقال: ختن الغلام ختنًا، إذا قطعت جلدة
١٣٨
أبواب الطهارة/ باب ٨١
١١١ - هذثنا أحمدُ بنُ مَنِيع حدّثنا عبدُ الله بنُ المباركِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِيِّ،
بهذا الإسنادٍ مِثْلَهُ(١).
كمرته، والختان موضع الختن، وهو من المرأة الخفاض. فالخفاض للمرأة كالختان للرجل،
وهو قطع جلدة في أعلى الفرج، على ثقب البول، كعُرف الديك. فكان نظام الكلام في المعتاد
أن يقول: إذا التقى الختان والخفاض فقد وجب الغسل، ولكنه لمّا بناهما رد أحدهما إلى
الآخر، كما يقال: العمران والعمران وذلك كثير، وله وجه بديع: وذلك أن حكمه أن يرد الثقيل
في اللفظ إلى الخفيف كالقمرين، أو يردّ الأدنى إلى الأعلى كقوله: الختانان، فإنهما مستويان في
الخفّة، ولكنه رةّ ماء المرأة لأنه أدنى إلى ماء الرجل لأنه أعلى. وأما الثاني وهو الالتقاء، فقال
في الحديث: ((إذا التقى الختان الختان))، أي حاذاه، وهذا معنى قوله: ((مس الختان الختان))،
أي: قاربه وداناه، وإلا فلا يتصور أن يمسّه إذا غابت الحشفة، ولو مسّه من غير إيلاج ما وجب
الغسل إجماعًا، فدلّ على أن معنى مسّه قاربه، وذلك كثير في اللغة. وأما الثالث وهو قوله:
قحطت، فيُروى على لفظين: قحطت بفتح القاف وكسر الحاء وبضم القاف وكسر الحاء ما لم
يُسَمَّ فاعله، ويحتمل قحطت بفتح القاف والحاء: احتباس المطر، يقال قحط القوم بفتح القاف
وكسر الحاء: إذا لم يمطروا وأقحطوا، وقحطت الأرض: إذا لم تسق بضم القاف وكسر الحاء،
وقحط المطر: احتبس بفتحهما. ورُوِيّ في بعض الحديث: ((من جامع فأقحط»، أي: لم ينزل،
مأخوذ من الأول. وقد رأيته قحط بفتح القاف وكسر الحاء، وقحطت الأرض بفتحهما، وأقحط
الناس. فعلى هذا يجوز أقحطت من قولهم: أقحط الناس، أو يجوز قحطت بفتح القاف وكسر
الحاء من قوله: قحط القوم، ويجوز قحط بفتحهما من قوله: قحطت الأرض بفتحهما، ويجوز
قحطت بضم القاف وكسر الحاء من قولهم: قحطت الأرض على مثاله، ويجوز أقحط من قوله:
أقحط الناس. وأما الرابع وهو قوله: يكسل، يقال: أكسل الرجل، إذا جامع ثم أدركه فتور فلم
بترك. ويجوز كَسِلَ. وأما الخامس وهو قوله: يمني أيضًا، فيقال أمنى الرجل يمني إذا أنزل
المني، ومنه قوله تعالى: ﴿ رأيتم ما تمنون﴾ [الواقعة: ٥٨]. وأما السادس وهو قوله: شِعَبها
الأربع، فقيل: هي اليدان والرجلان، وقيل: بين رجليها وشفريها. وأما السابع وهو قوله:
جهدها، من الجهد بفتح الجيم وهي: المبالغة، وهو بناء فيه نظر. والمروي: اجتهد، وهو
مثله. وأما الثامن وهو قوله: على الخبير سقطت، فهو مَثَلٌ يذكر في وجود المتعطش المشتاق
إلى سماع الخبر لمَن يكمله على حقيقته، ويشفيه من جهده. قال أبو عبيد: يقال إن هذا المثل
(١) الحديث رواه أيضًا أحمد (٥: ١١٥ - ١١٦)، ورواه ابن ماجه (١: ١٠٩)، وأبو داود (١: ٨٦).
وقد جاء الحديث من طريق أخرى صحيحة عن سهل بن سعد، فرواه أبو داود (١: ٨٦). ورواه
الدارمي (١: ١٩٤)، والبيهقي (١: ١٦٥ - ١٦٦)، ونسبه الزيلعي في نصب الراية (١: ٤٣) إلى
ابن حبان في صحيحه.
١٣٩
أبواب الطهارة/ باب ٨١
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وإِنَّمَا كان الماءُ من الماءِ في أوَّلِ الإسلامِ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذلك.
وهكذا رَوَى غيرُ واحد من أصحاب النبي ◌َِّ، مِنْهُمْ: أَبَيُّ بنُ كَعْبٍ، ورَافِعُ بنُ
خلیج
والعملُ على هذا عند أكثر أهل العلم: عَلَى أنه إذا جامَعَ الرجل امرأتَهُ في الفرج
وجبَ عليهما الغُسْل، وإنْ لم يُنْزِلاً.
لملك بن جبير العامري، وكان من حكماء العرب، وبه تمثل الفرزدق للحسين بن علي بن أبي
طالب، أي لما قال له: ما وراءك؟ فقال: على الخبير سقطت، قلوب الناس معك، وسيوفهم
مع بني أمية، والأمر ينزل من السماء، فقال له الحسين: صدقتني. وخفي على أبي عبيد تمثل
عائشة به فلم يذكره، وإلا فهو كان أولى من ذكر هذا المثل، الذي لا يعلم هل كان أم لا،
والله الموفّق. وقد تقدم تفسير التاسع. وأما العاشر وهو قوله: يا أماه، ففيه ثلاث لغات: يا
أماه بضم الهاء، والثانية: بكسرها، والثالثة: يا مياه، وهذه الهاء هي هاء الوقف، ألحقوها في
الندبة لأنه موضع تصور، فأرادوا أن يمدّوا، فألزموا الهاء في الوقف لذلك، وتركوها في
الوصل، لأنه يجيء ما يقوم مقامها، وذلك قولك: يا غلاماه ويا زيداه ويا غلامهوه ويا
غلاميه .
الأحكام: هذه المسألة عظيمة الموقع في الدين، مهمة في مسائل المسلمين، وقد رُوِيّ عن
جماعة من الصحابة ومن الأنصار أنهم لم يروا غسلاً إلا من إنزال الماء، ثم رُوِيَ أنهم رجعوا
عن ذلك، ثم رُوِيّ عن عمر أنه قال: مَن خالف في ذلك جعلته نكالاً. وانعقد الإجماع على
وجوب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم ينزل، وما خالف في ذلك إلا داود ولا يعبأ به، فإنه لولا
الخلاف ما عرف، وإنما الأمر الصعب خلاف البخاري في ذلك، وحكمه أن الغسل مستحب،
وهو أحد أئمة الدين وأجلّ علماء المسلمين معرفة وعدلاً، وما بهذه المسألة خفاء، فإن الصحابة
اختلفوا فيها، ثم رجعوا عنها، واتفقوا على وجوب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم يكن إنزال.
هذا ملك قد روى عن عثمان رجوعه، وعن أبيّ بن كعب. وقد روى أبو موسى أن الصحابة
اختلفوا وأسندوا أمرهم إلى عائشة، وقد ثبت أن رسول الله وم # سأل عن ذلك فأحال على فعله
مع عائشة، وهذا يدل على أن فعله في الدين متبع، وهي مسألة بديعة من أصول الفقه، والعجب
من البخاري أن يساوي بين حديث عائشة في إيجاب الغسل بالتقاء الختانين، وبين حديث عثمان
وأبيّ في نفي الغسل إلا بالإنزال. وحديث عثمان ضعيف، لأن مرجعه إلى الحسين بن ذكوان
المعلم، يرويه عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن الحسين
ولم يسمعه من يحيى، وإنما نقله له. قال يحيى بن أبي كثير: وكذلك أدخله البخاري عنه بصفة
١٤٠
أبواب الطهارة/ باب ٨١
١١٢ - حدثنا عَليُّ بنُ حُجْر أخبرنا شَرِيكٌ عن أبي الْجَحَّافِ عن عِكْرمَةً عن ابنِ
عَبَّاسٍ قال: ((إِنَّمَا الماءُ من الماءِ في الاخْتِلاَمِ».
قال أبو عيسى: سمعتُ الجارُودَ يقول: سمعتُ وكيعًا يقول: لم نَجِذ هذا الحديث
إلاَّ عِنْدَ شَرِيكٍ.
المقطوع، وهذه علة. وقد خولف حسين فيه عن يحيى، فرواه غيره موقوفًا على عثمان.
ولم يذكر فيه النبي عليه السلام، وهذه علة ثانية. وقد خولف أيضًا فيه أبو سلمة، فرواه
زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد أنه سأل خمسة أو أربعة من أصحاب
رسول الله #، فأمروه بذلك، ولم يرفعه وهذه علة ثالثة. وكم من حديث ترك البخاري
إدخاله بواحدة من هذه العلل الثلاث، فكيف بحديث اجتمعت فيه؟ وحديث أُبيّ أيضًا
يضعف التعلّق به، لأنه قد صحّ رجوعه عما روى، لما سمع وعلم مما كان أقوى منه.
ويحتمل قول البخاري: الغسل أحوط، يعني في الدين من باب حديثين تعارضا، فقدّم الذي
يقتضي الاحتياط في الدين. وهو باب مشهور في أصول الفقه، وهو الأشبه في إمامة الرجل
وعلمه. إذا ثبت هذا فمسائل هذا الباب كثيرة، لكنه حضرنا منها في هذه العجالة أربع عشرة
مسألة منثورة:
الأولى: إذا غاب الذِّكّر في فرج امرأة غير متلذذ. الثانية: إذا أدخله بيده فيها مرغومًا.
الثالثة: إذا أسند خلفه وهو نائم. وهذه المسائل مسألة واحدة ترجع إلى إدخاله مع عدم لذّة،
ويجب عليه الغسل لظاهر قوله: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل)). الرابعة: إذا أدخله في دبر
وجب عليه الغسل، لأنه فرج مُشتَهى طبعًا، فوجب الغسل بمغيب الحشفة فيه، أصله القُبُل.
الخامسة: إذا أولجه في فرج بهيمة فهو مثله. السادسة: إذا غيّبه في ميت وجب عليه الغسل
لعموم الحديث. وقال أبو حنيفة: لا يجب في المسألتين جميعًا، لأنه معنى غير مقصود، فكان
بمنزلة إيلاج الأصبع. وما قل: أصح لما قدّمناه. السابعة: لا يُعاد غسل الميتة إن كانت غُسِلَت
قبل ذلك، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: يُعاد، والأول أصح، لأن التكليف
ساقط عنها فلا يعتبر حكم فيها لها، وما تعبد به الحيّ من غسله قد انقضى على وجهه. الثامنة:
إذا استدخلت المرأة ذكّر بهيمة، فهو مثل وطء الرجل البهيمة. التاسعة: إذا كان مقطوع الكمرة
فانظر، فإن غيّب مثل الكمرة وجب الغسل، وإن غيّب أقل من مقدارها لم يجب الغسل، لأنه لو
غيّب بعض الحشفة لم يجب عليه الغسل، وهي: المسألة العاشرة، لأن الحكم إنما تعلق بمغيب
الحشفة فلا يقوم في ذلك البعض مقام الكل. الحادية عشر: إذا أولجه في دبر خنثى مشكل
وجب الغسل، لأنك إن قدّرت رجلاً أو امرأة بالوطء في الدبر يوجب الغسل. الثانية عشر: أولج
في قُبُل خنثى مشكل، فيحتمل أن يكون رجلاً، فيكون ذلك عضوًا زائدًا فلا يجب عليه الغسل،
ويحتمل أن يكون امرأة، فيجب الغسل، فإن ألغيت الشك أسقطت الغسل، وإن اعتبرته أوجبت