Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ أبواب الطهارة / باب ٥٥ قال: وفي البابِ عن عليّ، وعائشة، وزينبَ، وَلُبَابَةَ بِئْتِ الْحُرثِ، وهي أُمُّ الفضل بن عباس بن عبد المُطْلِبٍ، وأبي السَّمْحِ وعبد الله بن عَمْرٍو، وأبي لَيْلَى، وابن عباس. قال أبو عيسى: وهو قولُ غير واحد من أهل العلم مِنْ أصحاب النبي ﴿ والتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، مِثْلٍ أحمد وإسحق، قالوا: يُنْضَحُ بولُ الغلامِ، ويُغْسَلُ بولُ الجارية، وهذا ما لم يَطْعَمَا، فإِذا طَعِمًا غُسِلاً جَمِيعًا. ٥٥ _ باب ما جاء في بول ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ [المعجم ٥٥ - التحفة ٥٥] ٧٢ - هذثنا الحسن بن محمد الزَّعْفَرَانيُّ حدثنا عَفَّانُ بن مُسْلم حدّثنا حمادُ بْنُ سَلّمّةٌ حدّثنا حُمَّيْدٌ وقتادةُ وثابت عن أنس: ((أنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا المَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا، الغريب: قوله: (فنضحه). النضح في كلام العرب ينقسم إلى قسمين: أحدهما الرشّ، والثاني صبْ الماء الكثير. الأحكام: في مسألتين: الأولى: قوله: (فنضحه) يريد فصبّه عليه، بدليل قوله: فأتبعه إياه، وقوله: لم يغسله، إشارة إلى أنه لم يعركه بيده، والغسل في كلام العرب هو: عرك المغسول بالغاسول، وقد يسمى زوال القذر غسلاً وإن لم يتصل به عرك، وذلك مجاز بدليل قول الراوي: ولم يغسله، وسنبين ذلك إن شاء الله. وقوله في رواية الترمذي: فرشّه، يعني: أتبعه بالماء، وهي نهاية الرش، وأوله التنفيض يعبّر عنه بآخره. الثانية: إذا كان الصبي يأكل الطعام فبوله ورجيعه نجس، وإن كان يرضع ولا يأكل فرجيعه مُخْتَلَف فيه، قال مالك وأبو حنيفة: ذلك في الذكر والأنثى يُغسَل، وقال الشافعي: لا يُغْسَّلان، وقال ابن وهب والطبري وابن شهاب: يُغْسَل بول الأنثى، وهو اختيار الحسن البصري. ونص حديث علي قد ذكره الترمذي وهو ضعيف، والصحيح أنه لا يفرق بين بول الغلام والجارية، وأنه يُغسّل لأنه نجس داخل تحت عموم إيجاب غسل البول. وما ورد في هذه الأحاديث لا يمنع غسله، وإنما هو موضوع لبيان الغسل، وإنما سقط العرك لأنه لا يحتاج إليه، فإن الرجل الكبير لو بالَ على ثوب وأتبعه ماء، لكان ذلك تطهيرًا للمحلّ كاملاً. باب بول ما يؤكل لحمه قتادة وثابت عن أنس (أن ناسًا من عُرَينة قَدِموا المدينة فاجتوَوْها، فبعثهم رسول عارضة الأحوذي/ ج ١/ م ٦ ٨٢ أبواب الطهارة/ باب ٥٥ فَبَعَثَّهُمْ رَسُولُ اللهِ ﴿ فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَقَالَ: ((اشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا)). فَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللهِ ﴿، وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ، وَارْتَدُّوا عَنِ الإسْلاَمِ، فَأَتِيَ بِهِمُ النَّبِيِّ وََّ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلاَفٍ، وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ، وَأَلْقَاهُمْ بِالْحَرَّةِ. قَالَ أَنَسٌ: فَكُنْتُ أَرَى أَحَدَهُمْ يَكُدُّ الأَرْضَ بِفِيهِ، حَتَّى مَاتُو)). ورُبَّمَا قال حمادٌ: ((يَكْدُمُ الأرْضَ بِفِيهِ، حَتَّى مَاتُوا)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقد رُوِيّ من غَيْرِ وَجْهٍ عن أَنَسٍ(١). وهو قولُ أكثر أهل العلم، قالوا: لا بأس بيول ما يؤكل لحمه. ٧٣ - حدثنا الفَضْلُ بن سَهْلِ الأعْرَجُ البغدادِي حدّثنا يحيى بن غَيْلاَنَ قال: حدّثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حدّثنا سليمانُ التَّيْمِيُّ عن أنس بن مالك قال: (إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيِّ وَّرَ أَعْيُنَهُمْ لأَنَّهُمْ سَمِلُوا أَعْيُنَ الرُّعَاءِ». قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريب، لا نعلم أحدًا ذَكّرَهُ غير هذا الشيخ عن يزيد بن زُرَيْعٍ(٣). الله* في إيل الصدقة، وقال: اشربوا من ألبانها وأبوالها. فقتلوا راعي رسول الله وَله، واستاقوا الإبل، وارتدوا عن الإسلام، فأتى بهم النبي #، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ، وسَمَلَ أعينهم، وألقاهم بالحَرَّة. قال أنس: فكنت أرى أحدهم يكْدُّ الأرض بفِيهِ، حتى ماتوا. وربما قال حماد: يكدم) بدل يكد (قال سليمان التيمي، عن أنس، عن سليمان التيمي قال: وإنما سَمْلَ أعينهم لأنهم سَمَلوا أعين الرعاة). الإسناد: هذا حديث صحيح متفق عليه، في ألفاظه اختلاف، وفي طرقه الثقات، وهو في الجملة صحيح قد بيّنّاه في النيرين، وذكرنا شرح القصة وسببها وأسماء الخارجين إليهم الآتين بهم، وغير ذلك من فوائد إسناد هذا الحديث. الغريب: الجوى هو داء يأخذ من الوباء. وفي رواية: استوخموا المدينة، وهو مثله. سَمّلَ أعينهم هو إخراج العين من محلها بالشركة. وقوله سَمَّرَ يُروَى بتخفيف الميم وتشديدها، فقيل: إنها مخففة بمعنى سَمّل، وقيل: إنها بلفظ التشديد، معناه: حمّى المسامير فأدماها من العين حتى ذابت. يكدّ: بعضّ، ونحوه يكدم. (١) الحديث رواه الطيالسي (رقم ٢٠٠٢)، وأحمد في المسند (رقم ١٤١٠٦ و١٤١٠٧ و١٤١٣١ ج ٣ ص ٢٨٧ و٢٩٠). ورواه أيضًا البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم. وقد رواه الترمذي فيما سيأتي مرتين: في كتاب الأطعمة (١: ٣٣٩) وفي كتاب الطب (٢: ٣). (٢) الحديث رواه أيضًا مسلم (٢: ٢٦) والنسائي (٢: ١٦٩)، والخطابي في المعالم (٣: ٢٩٩). ٨٣ أبواب الطهارة/ باب ٥٥ وهو معنى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] وقد رُوِيّ عن محمد بن سِيرِينَ قال: إِنَّمَا فَعَلَ بِهِمُ النِبِيِّ نَِّ هذا قبل أن تَنْزِلَ الحدودُ. الأصول: اختلف الناس في فعل النبي # بالرعاء ذلك، فقال ابن شهاب: كان ذلك قبل أن تنزل الحدود، وقال أنس في رواية سليمان عنه كما تقدم: إن ذلك كان قصاصًا، وهو الصحيح، فإن ذلك ظنٍّ وقع من ابن شهاب، وأنس أعرف بالقصة وبما جرى فيها لأنه شاهدها، لأنه يرجع إلى النسخ إلا بشروطه الأربعة المذكورة في كتاب الأصول. الأحكام: في ثلاث مسائل: الأولى: أن الأخباث والأنجاس والأقذار إذا وردت على البدن والثوب كانت الأمم تجتنبه في أبدانها وأثوابها، وتستخبثه في جميع أحوالها، وخاصة عند لقاء المعظم من الناس، فمناجاة الربّ بذلك أولى وأكرم، وقد كانت العرب تنسب مَن خبثت طريقته وحَسُنت خلقته إلى نجاسة الثياب، وعكسه إلى طهارة الثياب، فقال أبو كبشة: وأوجههم عند المشاهد عرانٍ ثياب بني عوف طهارى نقيةٌ وقال الآخر: أو دم حجا في ثياب دسمٍ لا همّ أن عامر بن جهم الثانية: اتفقت الأمة على نجاسة البول في الجملة، واختلفوا فيما يؤكل لحمه: فذهب مالك إلى أنه طاهر مع رجيعه، في جملة من السّلف والعلماء. وقال أبو حنيفة والشافعي في آخرين أكثر منهم: إن ذلك إنجاز، وتعلقوا بعموم القول الوارد في البول والرجيع على الإطلاق، وتعلق علماؤنا بأدلة من الآثار والنظر قد بيتاها في مسائل الخلاف، ومن جملتها هذا الأثر في إباحة النبي عليه السلام للعرنيين شرب الأبوال، فإن قيل: إنما كان ذلك على وجه التداوي، والتداوي ضرورة، والضرورة تبيح المحظور، قلنا: ليس التداوي حال ضرورة، وإنما الضرورة ما يخاف معه الموت من الجوع، فأما التطبّب في أصله فلا يجب، فكيف يُباح فيه الحرام؟ الثالثة: هؤلاء القوم الذين قتلوا الرعاة، وقطعوا أيديهم وأرجلهم، وسَمَّروا أعينهم، وتركوهم عطاشًا في الحزّ حتى ماتوا، فامتثل النبي # ذلك فيهم، من فعله مثل ما فعلوا،. مماثلة القصاص، وهي مسألة طولية من الخلاف، وقد بيتّاها في التلخيص وغيره، ويأتي بيانها في موضعه إن شاء الله تعالى. وقد قال مالك: إذا فعل به ذلك قصد التعذيب حينئذ يماثل بفعله، وهو نص الحديث. ٨٤ أبواب الطهارة / باب ٥٦ ٥٦ - باب ما جاء في الوضوء من الرِّيح [المعجم ٥٦ _ التحفة ٥٦] ٧٤ - حدّثنا قُتَيْبَةُ وَهنَادٌ قالا: حدّثنا وَكِيعٌ عن شُعْبَةً عن سُهَيْلٍ بن أبي صَالِحٍ عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةً أن رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((لاَ وُضُوءَ إلاَّ مِنْ صَوْتٍ أوْ رِيحٍ)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح(١). ٧٥ - حدثنا قُتَنِيَةُ حدّثنا عبدُ العزِيزِ بنُ محمد عن سُهَيْلٍ بن أبي صالِحِ عن أبِيهِ عن أبي هريرة أن رسول الله ﴿﴿ قال: ((إذَا كَانَ أحَدُكُمْ في المَسْجِدِ فَوَجَدَ رِيحًا بَيْنَ الْيَتَيْهِ فَلاَ يَخْرُجُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًّا أَوْ يَجِدَ رِيحًا)(٢). قال: وفي الباب عن عبد الله بن زيد، وعلي بن طَلْقٍ، وعائشة، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي سعيد. قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهو قولُ العلماء: أن لا يجِبّ عليهِ الوضوءُ إلاَّ من حَدَثٍ: يَسْمَعُ صوتًا أَوْ يَجِدُ ریجًا. وقال عبدُ اللَّهِ بِنَّ المُبَارَكِ: إذا شَكَّ في الحدَثِ فإنه لا يجِبُ عليه الوضوءُ حتَّى يَسْتَيْقِنَ اسْتِيقَانًا يَقْدِرُ أن يَخْلِفَ عليه. وقال: إذَا خَرَجَ مِنْ قُبُلِ المرأةِ الرِّيحُ وَجَبَ عليها الوضوءُ. وهو قولُ الشَّافِعِيِّ وَإِسحقٌ. ٧٦ - حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن هَمَّامٍ بن مُثَبِّهِ باب في الوضوء من الريح أبو صالح عن أبي هريرة أن رسول الله 8* قال: (لا وضوء إلا من صوت أو ربح) وعنه (إذا كان أحدكم في المسجد فوجد ريحًا بين ألْنفيه فلا يخرج حتى يسمع صوتًا أو يجد ربحًا) (١) الحديث رواه أحمد وابن ماجه. (٢) الحديث رواه مسلم (١: ١٠٨) وأبو داود (١: ٦٩). ٨٥ أبواب الطهارة / باب ٥٦ عن أبي هريرة عن النبيّ ﴿ قال: ((إنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبَلُ صَلاَةَ أحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ». وعن همام عن أبي هريرة عنه أيضًا ◌َ﴾ (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدَثَ حتى يتوضأ) حسان صحاح. أحكامه: في ثمانٍ مسائل: الأولى: قال العلماء: إن الطهارة والنظافة للقاء الله مشروعة، والتوجّه بين يديه واستقباله موضوعة، وهي على الإطلاق محبوبة، ولكن كما قدّمنا إيفاء حق الأحوال بها مناجاة الله سبحانه، وكذلك كانت في موضع الشريعة مطلقة، ثم ربطت بالأحداث، عبادة لا يعقل معناها، وقد أشار بعض من حكم على حكمة الشريعة، إلى أن يتبين تعلّقها بالأحداث معنى معقولاً، فلم يتفق له صحیحًا. الثانية: ثم اختلفوا في صفة الأسباب التي يتعلق وجوبها بها على ثلاثة أقوال: الأول: أنها تتعلق يعل خارج من المخرج المعتاد، نجس، من البدن، قاله أبو حنيفة وجماعة. الثاني: أنها تتعلق بكل خارج من المخرج المعتاد، قاله الشافعي. الثالث: أنها تتعلق بكل خارج معتاد، من المخرج المعتاد، قاله مالك. وهي من طوليات مسائل الطهارة، تبتني على أصل من أصول الفقه، وهو: خروج الخطاب على المعتاد في اللفظ، دون النادر منه، الداخل في عمومه، على ما نشير إليه إن شاء الله. أما أبو حنيفة فيتعلق بآثار كلها لا صحة لها، تؤثر عن عائشة وتميم الداري وغيرهما، عن النبي # فلا تعويل عليها، وتعلق من المعنى بأن قال: إن الدم خارج نجس، فأوجب الوضوء كالغائط، وعلّل هذا لكل نجس خارج، وهذا فاسد من ثلاثة أوجه: الأول: أنه منقوض على أصله، فإنه لو نقض الوضوء كثيره لنقضه قليله، أو نقضه سيلانه لنقضه طهوره، أو نقضه خروجه بنفسه لنقضه إخراج غيره له، كالغائط والبول. الثاني: أنه لا يسلم وجود الوضوء بالغائط لنجاسته، وإنما ذلك عبادة لا يعقل معناها. الثالث: أن هذا ينتقض بالملامسة الفاحشة، وبالتقاء الختانين، فإنهما يوجبان الطهارة، وليست هنالك نجاسة. وأما الشافعي فيتعلق بعموم قوله: ﴿أو جاء أحدٌ منكم من الغائط﴾ [النساء: ٤٣]. وعوّل مالك على أن هذا الخطاب خارج على المعتاد، فكلّ ما خرج عنه لم يتناوله، وذلك محقّق في الأصول والخلاف. الثالثة: قوله: ((لا وضوء إلا من صوت أو ربح)) لا ينفي وجوب الوضوء من غائط وبول من خمسة أوجه: أحدها: أن الشريعة لم تأتِ جملة، وإنما جاءت آحادًا وفصولاً، تتوالى واحدة بعد أخرى حتى أكمل الله الدين بإتمامها، وذلك أن النبي و # قال: ((لا يحلّ دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر أو زنى أو ردة)»، ثم قتل العلماء بعشرة أسباب أو نحوها، بزيادات أوله كذلك ملهنا. ثالثها: أن قوله: ((لا وضوء إلا من صوت أو ريح))، فيحمل على البول والغائط ٨٦ أبواب الطهارة/ باب ٥٦ قال أبو عيسى: هذا حدِيثٌ غَرِيبٌ حسنٌ صحيحٌ(١). بأنه خارج معتاد، فينقض الوضوء كالصوت والريح. رابعها: أن المراد بذلك حال كونه في المسجد، ولا يتأتّى فيه إلا الصوت والريح. خامسها: أن المراد بذلك الصلوات، وعليه يدل الحديث الصحيح أيضًا، ونصبه عباد بن تميم عن عمّه: شكا إلى النبي * الرجل يخيّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: ((لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا»، وأنه قد جاء وجوب الوضوء من البول والغائط في حديث صفوان بن عسال الآتي إن شاء الله تعالى. الرابعة: حديث عباد هذا نص صريح في أن الشك في الطهارة لا يوجب الوضوء، وتحقق القول في ذلك قد بيتاه في غير موضع، لبابه أن الخواطر في النفوس يخلقها الله ابتداءً، ومرتبة على أسباب، ولا تخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يتعارض على أصل الاستواء، وإما أن يترجح أحد المتعارضين على الآخر، وإما أن ينتفي أحدهما ويتعيّن الثاني حتى لا يبقى للآخر أثر، فلما كانت هذه ثلاثة أحوال وضع لها ثلاثة أسماء، ليقع العلم بها والتعليم بها موافقًا لمعناها، فوضع الأول: الشك، ووضع للثاني: الظن، ووضع الثالث: العلم واليقين، فخصّ الأول باسمه، واستعمل الثاني في موضع الأول استعمال الواحد، فإذا فهمتم معنى الشك، فلا يصلح القضاء بأحدهما دون الآخر حتى ينظر في غيرهما فيقضى بموجبه عليهما، إذ لا يصلح ترجيح أحدهما على الآخر من غير مِزية، وهذا أصل مالك رحمه الله في مسائله، حيث ما بيناه في أصول الفقه، ويعضده حديث الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد تقائما الخامسة: إذا ثبت هذا، فإن تيقن الحدث وشك في الطهارة، أو تيقن الطهارة وشك في إتمامها، فلا خلاف بين الأمة أنه يجب عليه الوضوء إجماعًا، فإن تيقن الطهارة وشك في وجود الحدث بعد تيقن الطهارة، ففيه خمسة أقوال: الأول: أنه واجب، وعليه يدل ظاهر قول ابن القاسم في المدوّنة. الثاني: أنه إن كان في الصلاة ألغى الشك، وإن كان في غير صلاة أخذ بالشك. الرابع: أنه يقطع الصلاة. الخامس: قال ابن حبيب: إن خُيِّل إليه أن ريحًا خرجت منه فلا يتوضأ، إلا أن يتيقن ذلك، فمن أوجب الوضوء تعلق بأن العبد مأمور باليقين، ومَن استحبّ تعلق بأن يقين الطهارة معه والشك حادث ضعيف، فلا أقل من أن يؤثر في الاستحباب. وجه الثالث أنه إذا قرن بالشك وجود الصلاة لم يعتبر، لأنه قد دخل في الصلاة بيقين صحيح. والقول الرابع يرجع إلى الأول، لأنه ما يشترط في ابتداء الصلاة اشترط في أثنائها، كستر العورة ونحوها. ووجه قول ابن حبيب أن الحديث أخرج الريح من الأصل، وبقي القول على ظاهره، وتحقيقه أن الريح يتفق منه التخييل، فأما البول فإنه لا يتصور فيه تخييل، وذلك من تصوره في (١) الحديث رواه أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم. ٨٧ أبواب الطهارة/ باب ٥٦ الصلاة يكون كما يتصوّره في غير الصلاة، والأمر فيها واحد، بدليل قوله: إذا كان أحدكم في المسجد فوجد بين أليتيه ريحًا فلا يخرج»، فراعى إلغاء التخييل دون اقتران الصلاة، ولا يبقى إلا مَن شك في نقض طهارته باليقين، لا يرتفع بالشك أبدًا عند أحد، وإنما يمتزج الأمر على الضعفاء بغيره فيشكل عليهم الفرق بين الظن والشك، فاليقين يؤثر فيه الظن، والشك لا يؤثر في اليقين بحال، والظن هو الخاطر الذي يعتضد بأسباب ومقدمات، والشك هو الخاطر المفرد الذي لا يعضده شيء، وهذا أمر يعسر ضبطه إلا على الإخبار وعلى معارضة الظن باليقين، لا نعرفه من رواية ابن وهب وأخبار إلا هي. ورُوِيّ عن أصحابنا في الاحتياط بالوضوء أولى، ما أحمل عليه الاحتياط للعبادة. السادسة: قوله: ((إذا وجد أحدكم ريحًا بين أليتيه فلا يخرج حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا»، فسوى بين الأول والثاني وهما مختلفان في المعنى، فالمراد بالأول وجود توهم وتخييل، والمراد بالثاني وجود تحقيق وتيقّن، وبهذا يستقيم الكلام ويستلب القول، ولو كان المعنى واحدًا كان تناقضًا بيِّنًا. السابعة: إذا تيقن أنه أحدث وتيقن أنه تطهر، فشك بالسابق منهما، فهذه مسألة لم أرها لعلمائنا. وذكر أبو المعالي في كتاب (نهاية المطلب في دراية المذهب) قال: يبني على الحالة التي كانت قبلها، فهو الآن على ضدّها، وهذا على مذهبه في إلغاء الشك، وهو الصحيح من أقوالنا كما بيّنّاه أيضًا. إيضاحه بالمثال: إن امرؤٌ مثلاً علم أنه كان قبل الفجر محدثًا، ثم طلع الفجر فاجتمع له بعد الفجر أن توضأ وأحدث، ولم يتحقق أيّهما أسبق، وأراد صلاة الصبح، قيل له على إلغاء الشك: أنت الآن متطهّر، وذلك لأن الحدث اليقين قبل الفجر قد رفعه الطّهر اليقين بعد الفجر، والحدث الذي كان معه بعد الفجر لا يعلم هل هو قبل الطهارة المتقنة أو بعدها، فيلغي الشك ويبني على اليقين من الطهارة. ولو علم أنه كان قبل الفجر متطهرًا قيل له: أنت الآن على حدث، لأن ذلك الطهر المتيقن قبل الفجر قد ارتفع بالحدث المُتَيَقَّن بعده، والطهارة المتيقنة التي كانت بعده أيضًا يمكن أن تكون بعد الحدث فترفعه، أو قبله فلا تؤثر فيه، فبقي يقين الحدث على حاله، فهذه الدقيقة قيل له. ابْنِ على الحالة المخالفة للسابقة أولاً. الثامنة: إذا خرجت ريح من القُبُل، قال أبو حنيفة: لا وضوء فيها، وقال الشافعي: فيها وضوء، لقول النبي 98: ((لا وضوء إلا من حدث أو ريح)؛ وهذا عامّ، ودليلنا أن ذلك من القول خارج على المعتاد، بدليل أنه لو وجد الصوت من غير المخرج لم يوجب وضوء، كالجشاء، كذلك الريح مثله. وقد بيّنّاها في مسائل الخلاف، وذكرنا قول بعض الأطباء فيه، وأوضحناها. قوله: ((حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا)) معناه: حتى يتحقق ذلك ويتيقئه إذا كان من أهل السمع، فإن كان أصمًا، تعلق الحکم في الوجود بكل صوت یخرج من الدبر ربح، ولیس کل ربح صوتًا. ٨٨ أبواب الطهارة/ باب ٥٧ ٥٧ - باب ما جاء في الوضوء من النَّوْم [المعجم ٥٧ - التحفة ٥٧] ٧٧ - حدثنا إسماعِيلُ بنُ مُوسَى كُوفِيٍّ وهَنَّادٌ ومحمد بنُ عُبَيْد المُحَارِبِيُّ، المُعْنَى وَاحِدٌ، قالوا: حدّثنا عبد السَّلاَمِ بنُ حَرْبِ المُلاَئِيُّ عن أبي خالِدِ الدِّالاَنِيّ عن قتادة عن أبي العَالِيَةِ عن ابن عَبَّاسِ: (أَنَّهُ رَأَى النَِّيَّ ◌َِهْ نَامَ وَهُوَ سَاجِدٌ، حَتَّى غَطُّ أَوْ نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنّكَ قَدْ نِمْتَ؟ قَالَ: إِنَّ الْوُضُوءَ لاَ يَجِبُ إلاَّ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَّجِعًا، فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجْعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ))(١). قال أبو عيسى: وأبو خالِدٍ اسمه ((يزيدُ بنُ عبدِ الرَّحْمْنِ)). قال: وفي الباب عن عائشةً، وابن مسعودٍ، وأبي هريرة. ٧٨ - هذثنا محمد بنُ بَشّارٍ حدّثنا يحيى بنُ سعيد عن شُغْبَةً عن قتادة عن أنس بن مالك قال: ((كَانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﴾: يَنَامُونَ ثُمَّ يَقُومُونَ فَيُصَلُونَ، وَلاَ يَتّوَضؤُون))(٢) باب الوضوء من النوم (أبو العالية عن ابن عباس: أنه رأى النبي * نام وهو ساجد، حتى غطً أو نفخ، ثم قام يصلّي، فقلت: يا رسول الله، إنك قد نمت؟ قال: إن الوضوء لا يجب إلا على مَن نام مضطجعًا، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله) قتادة عن أنس بن مالك قال: (كان أصحاب رسول الله ﴿ يتامون ثم يقومون فيصلّون، ولا يتوضُون). الإسناد: زاد أبو داود في حديث أنس: كان أصحاب رسول الله # ينامون حتى تخفق رؤوسهم، ثم يقومون ولا يتوضؤون. وأما حديث ابن عباس فضعيف، مركب على نوم ابن عباس عند النبي 18، وأبو خالد يزيد الدالاني ضعيف، والصحيح ما رواه سعيد بن أبي عروبة عن ابن عباس. قوله: وروى أبو داود عن علي قال: قال النبي مر9: ((وكاء السه العينان»، وفي رواية: ((فإذا نامت العينان استطلق الوكاء))، ولم يثبت في سنده بقية، وعنده مناكير، وفيه غيره. وقد روى أبو عيسى حديث صفوان بن عسال المتقدم: ((أمرنا أن لا ننزع خِفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم)). صحيح. (١) الحديث رواه أحمد في المسند (رقم ٢٣١٥ ج ١ ص ٢٥٦)، وأبو داود (١: ٨٠) والبيهقي (١: ١٢١). ولم يحكم الترمذي هنا على هذا الحديث بشيء من صحة أو ضعف. (٢) الحديث رواه مسلم وأبو داود. ٠ ٨٩ أبواب الطهارة/ باب ٥٧ قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. قال: وسمعتُ صالحَ بنَ عبد اللَّهِ يقولُ: سألتُ عبدَ الله بن المبارك عَمِّنْ نام قاعدًا مُعْتَمِدًا؟ فَقَالَ: لا وُضُوءَ عليه. الغريب: قوله: (غط) هو ترديد النّفَسِ في الحَلْقِ، حتى يكون له صوت. وقوله: (حتى تخفق رؤوسهم) يعني تضطرب، تستقل قليلاً ثم تعلو قامة. والوكاء: هو الرباط الذي يشدّ به الشيء. والسه لغة في الأست، وهو أصله. الأحكام: في خمس مسائل: الأولى: اختلف الناس في النوم على ثلاثة أقوال: الأول: أن قليل النوم وكثيره ينقض الوضوء، قاله إسحاق وأبو عبيدة، ويُروَى عن المزني. الثاني: أن النوم لا ينقض الوضوء بحال، ويؤثر ذلك عن أبي موسى الأشعري وأبي مجلز بن حميد من التابعين. وتعلق إسحلق وصحبه بقوله: ((مَن نام فليتوضأ لكن من غائط وبول ونوم))، هذا عامّ في قليله وكثيره. وتعلق لأبي موسى بأن النوم إنما يكون حدثًا، لما يكون عنه من الاسترسال في الريح والصوت، فإذا ضبط ذلك من نفسه، أو ضبط عليه لم ينقض وضوءه، ولأنه شك والشك لا يوجب حكمًا. القول الثالث: الفرق بين قليل النوم وكثيره، وهو قول فقهاء الأمصار والصحابة الكبار والتابعين، فأما قولهم إن النوم لا ينقض الوضوء فساقط، الأحاديث الواردة في وجوب الوضوء من النوم، وما نزلت آية الوضوء إلا في النائمين. وأما قول من قال إن قليل النوم وكثيره يوجب الوضوء فضعيف أيضًا، فإن حديث أنس صحيح في نوم القاعد حتى يخفق، وينزل ولا يتوضأ، وكذلك الحديث الصحيح: ((أخّر رسول الله وفر العشاء ليلة حتى ناداه عمر: يا رسول الله نام الناس والنساء والصبيان، فخرج رسول الله ويهلل فصلّى ولم يتوضأ أحد)). الثانية: قال بعضهم: النوم قاعدًا ليس نوم، وإنما هو نعاس، والنوم في العربية إنما هو ما لا يتماسك معه، وهو يسمى نعاسًا. وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن الله تعالى يقول: ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً منه﴾ [الأنفال: ١١]، فسمى النوم كله نعاسًا، وإنما ذلك الذي يشيرون إليه يسمى سِنَّةً. الثاني: أن عمر قال: نام النساء والصبيان، وقال أنس: كان أصحاب رسول الله (190 ينامون ولا يتوضؤون، فسموا ذلك نومّا، وهذه نصوص في الغرض. الثالثة: قال ابن المبارك، والشافعي في القديم، وأبو حنيفة: مَن نام على هيأة من هيآت الصلاة لم ينتقض وضوؤه، بحديث ابن المبارك والشافعي المتقدم، وقد بيّنًا ضعفه. وقال أحمد بن حنبل: لم يلق قتادة أبا العالية، فالحديث مقطوع. وقال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أحاديث: حديث يونس بن متّى، وحديث الدعاء، وحديث القضاة. وقال إبراهيم الحربي: هذا حديث منكر. ٩٠ أبواب الطهارة/ باب ٥٧ قال أبو عيسى: وقد رَوّى حديثَ ابْنِ عباس سَعِيدُ بنُ أَبِي عَرُوبَةً عن قتادةً عن ابن عباس قَوْلَهُ، ولم يَذْكُرْ فيهِ أبًا العالية، ولم يَرْفَعْهُ. الرابعة: قال الشافعي: ينتقض الوضوء في كل حال بالنوم، إلا أن يكون جالسًا متهيئًا في الأرض، وهذا قوله في الجديد، لأن هذه حالة يرى معها خروج باستغراق النوم لا يؤمن مع غيرها،. وهذا ينتقض بالقائم والراكع، فإنها أحوال يؤمن معها خروج الحدث عادة، وقال: ينتقض الوضوء بالنوم فيها. الخامسة: سمع علماؤنا مسائل النوم المتعلقة بالأحاديث الجامعة لتعارضها، فوجدوها إحدى عشر حالاً: الأول: أن ينام ماشيًا. الثاني: أن ينام قائمًا. الثالث: أن ينام مستندًا. الرابع: أن ينام راكعًا. الخامس: أن ينام قاعدًا متربعًا. السادس: أن ينام محتبيًا. السابع: أن يكون متكئًا. الثامن: أن يكون راكبًا. التاسع: أن يكون ساجدًا. العاشر: أن يكون مضطجعًا. الحادي عشر: أن يكون مستقرًا. فأما الماشي والقائم فقال أبو عبد الله الأيلي البصري المالكي وغيره: لا وضوء عليهما، لأن الوكاء لم ينحل، لبقاء الاستشعار، وإليه أشار ابن حبيب. وقد يمكن أن ينكر بعض الناس نوم الماشي والقائم، ولكن من طال سفره، وتوالى سراه وسيره يرى نوم الماشي عيانًا، أو يجده في نفسه يقينًا، وأما المستند فإنه مثله، لأنه ينام بزيادة اعتماد لا يمكن معه الثبوت عند غلبة النوم، وأما الراكع فرُوِيَ عن مالك أنه يجب عليه الوضوء، لأن مخرج الحدث منفرج، فيسرع خروج الريح أو الصوت من غير حسّ، فكان كالساجد، وقال ابن حبيب: لا وضوء عليه، لأن معه ضربًا من التماسك بخلاف الساجد. وأما الجالس فلا وضوء عليه إلا أن يطول، قاله مالك في المختصر، وابن حبيب، وقال عنه ابن القاسم وعلي وابن نافع: إن استثقل نومًا أحبّ إليّ أن يتوضأ، والقولان متقاربان. ولعل الحديث محمول في نوم الصحابة قعودًا على عدم الطول والاستثقال. وقيل: أن يطول نوم القاعد فيستغرق فيثبت قاعدًا. وقد قال عنه ابن القاسم في العنية: مَن نام ساجدًا وطال ذلك، فأحبّ إليّ أن يتوضأ، قيل له: فقاعدًا؟ قال: لا يتوضأ، ومن الناس من ينام في المسجد قاعدًا، وأما يوم الجمعة فلا شيء فيه، قيل له: ربما رأى الرؤيا، قال: تلك أحلام، يعني إنما حديث نفس وليست برؤيا، وحديث النفس يكون مع السّنّة كما يكون مع اليقظة ويحتمل أن يكون عذره في يوم الجمعة خاصة لأجل ما شرع فيها من التبكير، فيطول الانتظار، وأما المحتبي فهو أخفّ حالاً من الحالتين، قاله مالك في المختصر، وقال عليّ عنه في المجموعة: قد كان شيوخنا ينامون جلوسًا ولا يتوضؤون، وأكثر ذلك يوم الجمعة. قال عنه ابن نافع: إلا أن يطول ذلك، قال عنه ابن القاسم: إلا المحتبي، معناه: فإنه لا يطول نومه، ولو طال لانحلّت الحبوة في مجرى العادة. وأما المتكىء فأجراه مالك مجرى الجالس، وأجراه أشهب وابن حبيب مجرى المضطجع، لاسترخاء مفاصله، فإن كان اتكاؤه بحيث ينفرج موضع الحدث كان كالمضطجع، قاله أبو عبد الله الأيلي، أخبرني بذلك كله شيخنا أبو بكر محمد بن الوليد ٩١ أبواب الطهارة / باب ٥٧ واختلَفَ العلماءُ في الوضوء من النوم: فَرَأَى أكثرُهم أن لا يجبّ عليه الوضوء إذا نام قاعِدًا أو قائمًا حتّى ينامَ مُضْطَجِعًا. وبه يقولُ الثَّوْرِيُّ وابنُ المبارك وأحمدُ. قال: وقال بعضُهم: إذا نام حتَّى غُلِبَ على عقله وجبَ عليه الوضوء، وبِهِ يقولُ إسحقُ. وقال الشافعيُّ: مَنْ نام قاعدًا فرأى رُؤْيًا أو زَالَتْ مَفْعَدَتُهُ لِوَسَنِ النومِ: فعليهِ الوضوء. الفهري الزاهد، وأملاه عليّ. وأما الراكب فحكمه حكم الجالس المستند اللاصق بالأرض بموضع الحدث. قال ابن حبيب: وليس في نوم القائم والراكع والراكب والجالس غير مستند وضوء. وأما الساجد، فروى ابن أبي أويس وابن عبد الحكم أنه كالمضطجع مطلقًا، من غير شرط يقارنه، وكذلك قال ابن حبيب: إنهما سواء، قال: وذلك إذا خالط النوم قلبه، وقد سمعت في الدرس عن النبي ﴿﴿ وطلبته من سمعته مستندًا بطريقه فلم أجده: ((إذا نام العبد في سجوده يباهي الله به ملائكته، يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي، وروحه عندي وبدنه في طاعتي، ولولا بقاء طهارته مع نومه في سجوده ما كان البدن في طاعته)). وسمعت بعض علماء الشافعية والحنفية يقولون على هذا الحديث في أن نوم الساجد لا ينقض الوضوء، وهذا لا حجة فيه من وجهين: أحدهما: أنه لم يصح سنده، والثاني: أنه يباهي به، لأن النوم أدركه متعبّدًا، كما يقال: قتل فلان صائمًا، ومات ساجدًا، وقال الشاعر: ومضى فلم أرَ مثله مخذولاً قتل ابن عفان الخليفة محرمًا فسماه محرمًا بما كان عليه قبل القتل. فأما المضطجع فيتوضأ، إلا أن ابن أبي زيد قال في النوادر: مَن نام مضطجعًا فلم يستقبل، ولا ذهب عقله فلا وضوء عليه. وفعله مكحول حتى غطّ ولم يتوضأ، وقال: أنا أعلم ببطني، ولعله كان قد قلّل الغذاء حتى ظن أنه لا ريح فيه، فإن خروجه أمر موقوف في العادة على الغذاء، أو على برد يعدو البطن فيهيجه. وقد قيل إنه إذا نام مضطجعًا لم يدرِ مقدار ما كان منه، لأنه لا دليل معه على ذلك، ويحتمل أن يكون معه دليل من قصر المدة وطولها، فأما المستقر فذكره أبو المعالي بن الجويني وقال: لا وضوء عليه، وهو صحيح خارج على المذهب، لأن النوم ليس بحدث لعينه، وإنما هو معنى يظهر معه خروج الحدث، فإذا سدّ في وجه ذلك المعنى، وتوقّق من الوكاء للمخرج بعد أن يكون منه، قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: إلا أن يكون دائمًا كثيرًا، فربما زهقت ريح خفيفة لا يشعر بها. ريستقف ٩٢ أبواب الطهارة/ باب ٥٨ و٥٩ ٥٨ - باب ما جاء في الوضوءِ ممَّا غَيَّرَتِ النارُ [المعجم ٥٨ _ التحفة ٥٨] ٧٩ - حدثنا ابنُ أبي عمر قال: حدّثنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةً عن محمد بن عَمْرو عن أبي سَلَمّةً عن أبي هريرةَ قال: قال رسول الله وَهَ: ((الوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَلَوْ مِنْ ثَوْرٍ أقِطِ. قال: فقال لَهُ ابنُ عَبَّاسٍ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَنَتَوَضَّأُ مِنَ الدُّهْنِ؟ أَنَتَوَضْأُ مِنَ الْحَمِيم؟ قال: فقال أَبُو هُرَيْرَةً: يَا ابْنَّ أَخِي، إذَا سَمِعْتَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِوَ ﴿ فَلاَ تَضْرِبْ لَهُ مَثَلاً»(١). قال: وفي البابِ عن أُمْ حَبِيبةَ، وأُمّ سَلَمَة، وزيد بن ثَابِتٍ، وأبي طلحةَ، وأبي ایُوب، وأپي موسی. قال أبو عيسى: وقد رَأى بعضُ أهل العلم الوضوءَ مما غَيَّرَتِ النَّارُ. وأكثر أهل العلم من أصحاب النبيّ ﴿ والتابعينَ ومَنْ بَعْدَهُمْ: على تَرْكِ الوضوءِ مما غَيَّرَتِ النارُ. ٥٩ - باب ما جاء في تَرْكِ الوضوء مما غَيَّرَتِ النارُ [المعجم ٥٩ _ التحفة ٥٩] ٨٠ - هقثنا ابن أبي عُمّرَ حدّثنا سفيانُ بن عُيَيْنَةً قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عَقِيلِ سَمِعَ جَابِرًا، قال سفيان: وحدّثنا محمد بن المنكّدِرِ عن جابرٍ قال: (خَرَجْ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ وَأَنَا مَعَهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَذَبَحَتْ لَهُ شَاةً باب الوضوء مما غيّرت النار أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: (الوضوء مما مسَّت النار، ولو من ثور أقط. قال: فقال له ابن عباس: يا أبا هريرة، أتوضأ من الدهن؟ أتوضأ من الحميم؟ قال: فقال أبو هريرة: يا ابن أخي، إذا سمعت حديثًا عن رسول الله (وَلفر فلا تضرب له مثلاً). محمد بن المنكدر عن جابر (خرج رسول الله 9 وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاة (١) الحديث لدى ابن ماجه (١: ٩٢) مع شيء من الاختصار. وفي مسند أحمد، وفي مسند ابن عباس (رقم ٣٤٦٤ ج ١ ص ٣٣٦). وفي المسند أيضًا (رقم ١٠٨٦٠ ج ٢ ص ٥٢٩) والنسائي (١: ٣٩). وانظر البيهقي في السنن الكبرى (١: ١٥٣). وهذا حديث صحيح، رواه مسلم (١ : ١٠٨). ٩٣ أبواب الطهارة / باب ٥٩ فى أَكَّلَ، وَأَتَتْهُ بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ فَأْكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ تَوَضْأَ للظُهْرِ وَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتَتْهُ بِعُلَاَلَةٍ مِنْ عُلَاَلَةِ الشّاةِ، فَأَكَلَ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يَتَوَضْأ)(١). قال: وفي الباب عن أبي بكر الصديق، وابن عباسٍ، وأبي هُريرةً، وابن مسعودٍ، وأبي رافعٍ، وأَمّ الحَكّمِ، وعَمرو بن أُمَيَّةً، وأُمّ عامٍِ، وسَوَيْد بن الثُّعمانِ، وأُمّ سلمة. قال أبو عيسى: ولا يصحّ حديث أبي بكر في هذا الباب مِنْ قِبَلٍ إسناده، إنّما رواه حُسَامُ بنُ مِصّكُّ عن ابن سيرينَ عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق عن النبيّ 8 9. والصحِيحُ إنما هو عن ابن عباس عن النبي ﴾. هكذا رَوَى الحفّاظُ(٢)، وَرُوِيّ من غير وجهٍ عن ابن سِيرين عن ابن عباس عن النبيّ #. ورواه عطاءُ بن يَسَارٍ، وعكرمةُ ومحمدُ بن عَمْرٍو بن عطاء، وعليّ بن عبد الله بن عباس وغيرُ واحدٍ عن ابن عباس عن النبيّ ◌َ﴾، ولم يذكُرُوا فيه: ((عن أبي بكر الصديق))، وهذا أصحُ. فأكل، وأتته بقناع من رُطَب فأكل منه، ثم توضأ للظهر وصلّى، ثم انصرف، فأتته بعُلالة من عُلالة الشّاة، فأكل، ثم صلّى العصر ولم يتوضأ). إسناده: هذا الحديث فيه اضطراب كثير، رُوِيّ عن النبي * فيه أخبار مختلفة صحيحة، وذكر أبو عيسى حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة: ((تَوَضَّؤُوا من لحوم الإبل ولا توضؤوا من لحوم الغنم))، واعتنى مالك في موطئه بهذه المسألة، واستظهر فيها بباب من الأصول، وهو فعل الخلفاء رضي الله عنهم بتركهم الوضوء مما مست النار. وإذا اختلف الحديثان عن رسول الله، وعمل الخلفاء بأحد الحديثين قضينا بعمل الخلفاء، وكل ذلك يدل على أن الحديث منسوخ به. وقد رُوِيّ عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أنه قال: كان آخر الأمرين (١) انظر مسند أحمد (رقم ١٤٥٠٥ ج ٣ ص ٣٢٢) وأبي داود (١: ٧٥). ولدى أحمد أيضًا (رقم ١٤٣٤٩ ج ٣ ص ٣٠٧). ومن روايات الحديث المفصلة رواية الطيالسي (رقم ١٦٧٠)، ورواه أحمد مطوّلاً (رقم ١٥٢٢٣ ج ٣ ص ٣٨٧)، ومنها رواية البيهقي (١: ١٥٦). ومن الروايات المختصرة رواية أحمد (رقم ٦٤٣١٢ ج ٣ ص ٣٠٤) (رقم ١٥١٤١ ج ٣ ص ٣٨١) ورواية ابن ماجه (١: ٩٢)، ومن أوضح الروايات عن جابر ما رواه أحمد (برقم ١٥٠٨٠ ج ٣ ص ٧٤). (٢) الروايات التي أشار إليها الترمذي من حديث ابن عباس كلها من مسند أحمد، وأرقامها (١٩٨٨ و٢٠٠٢ و٢١٨٨ و٢٢٨٦ و٢٢٨٩ و٢٣٣٩ و٢٣٤١ و٢٤٠٦ و٢٤٦٧ و٢٥٤٥ و٢٩٤١ و٣٠١٤ و٣١٠٨ و٣٢٨٧ و٣٢٩٥ و٣٣١٢ و٣٣٥٢ و٣٤٣٣ و٣٤٥٣) وفيه أيضًا روايات عن أبي جعفر محمد بن علي، وعن يحيى بن يعمر، وعن عمر بن عطاء بن أبي الخوار، كلهم عن ابن عباس، وأرقامها (١٩٩٤ و٢٥٢٤ و٣٤٠٣ و٣٤٦٣) وأما رواية حسام بن مصك التي ضعفها الترمذي فهي في مجمع الزوائد (١: ٢٥١) ونسبها لأبي يعلى والبزار. ٩٤ أبواب الطهارة/ باب ٦٠ قال أبو عيسى: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﴿ ﴿. والتابعين وَمَنْ بَعْدَهُمْ، مِثْلِ: سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وابن المبارك، والشافعي، وأحمدٌ، وَإسحقَ: رَأَوْا تَرْكَ الوضوء مما مسَّتِ النارُ(١). وَهْذَا آخِرُ الأمْرَيْنِ من رسول اللهِ وَ﴿َ. وَكأنَّ هذا الحديثَ نَاسِخٌ للحَديثِ الأوَّل: حديثٍ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ. ٦٠ - باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل [المعجم ٦٠ - التحفة ٦٠] ٨١ - هقثنا هنادٌ حدّثنا أبو معاوية عن الأَعْمَشِ عن عبد الله بن عبد الله الرَّازيّ عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى عن الْبَرَاءِ بن عَازِبٍ قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ﴿ عَنِ الوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ فقال: (تَوَضَّؤُوا مِنْها)». وَسُئِلَ عَنِ الوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الغَنَمِ؟ فقال: ((لاَ تَتَوَضَؤُوا مِنْهَا)»(٢). من رسول الله * ترك الوضوء مما غيّرته النار. وذلك إسناده إلى الحديث المتقدم من النبي ◌ِ ﴾ أَتِيَ بعلالة الشاة التي توضأ منها للظهر، فأكلها بعد الصلاة ولم يتوضأ للعصر. وهذه حكاية حال وقضية عين، ولا يجوز لأحد أن يحكم بأن النبي توضأ للظهر لأجل ما مسّت النار، ولعله إنما توضأ لأجل حاجته إلى الوضوء، ولم يتوضأ من العلالة، لأنه لم يحتج إلى الوضوء. ونأتي بحقيقته إن شاء الله . الغريب الثور جملة: مجموعة من الطعام، وقد أُضيف إلى الأقط، والقناع: الطبق، والعلالة: البقية، ويقال في كل شيء. الأحكام: العارضة فيه أن الأحاديث في هذا الباب كما قدمنا كثيرة، والعمل مستقر بترك الوضوء منه، إلا أن الوضوء من لحوم الإبل صحيح، وبه قال أحمد، وإسحق، ومحمد بن إسحلق، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وقد قال علماؤنا: معنى ههنا النظافة، ورووا أن قومًا سمعوا ولم يعوا، أن الوضوء غسل اليد، وذلك أن لحم الجزور له زفر عظيم، ولحم الغنم (١) اختلف العلماء في وجوب الوضوء مما مست النار. وللاستئناس بالمذهب القائل بالنسخ انظر: مسند أحمد (ج ٣ ص ٣٧٤)، المسند أيضًا (رقم ٢٣٧٧ ج ١ ص ٢٦٤)، البيهقي (١: ١٥٥). (٢) حديث البراء رواه أحمد عن أبي معاوية (٤: ٢٨٨) وعن عبد الرزاق عن سفيان (٤: ٣٠٣) كلاهما عن الأعمش. ورواه الطيالسي عن شعبة عن الأعمش (رقم ٧٣٤ و٧٣٥). ورواه أبو داود (١: ٧٢ - ٧٣) وابن ماجه (١: ٩٢) كلاهما من طريق أبي معاوية عن الأعمش. ٩٥ أبواب الطهارة / باب ٦٠ قال: وفي الباب عن جابر بن سَمُرَةَ، وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْر. قال أبو عيسى: وقد رَوَى الحجّاجُ بن أرطَاةَ هذا الحديثَ عن عبدِ الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلَى عن أُسَيْدِ بن حُضَيْر(١). والصحيحُ حديثُ عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البَرَاءِ بن عَازِبٍ. وهو قول أحمدَ وإسحقَ. وَرَوَى عُبَيْدَةُ الضَّبِيُّ عن عبد الله بن عبد الله الرازِيّ عن عبد الرحمن بن أبي لَّيْلَى عن ذي الْغُرَّةِ الْجُهَنِيِّ(٢). وَرَوَى حمادُ بن سلَمَةَ هذا الحديثَ عن الحجّاجِ بن أرْطَاةَ، فأخطأَ فيه، وقال فيه: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن أُسَيْدٍ بن حُضَيْرٍ (٣). والصحيحُ عن عبد الله بن عبد الله الرازيّ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الْبَرَاءِ بن عازب. .قال إسحاق: صَحِّ في هذا الباب حديثان عن رسول الله ◌َ﴾: حَديثُ البَراءِ، وحديثُ جابر بن سَمُرَةَ(٤). ٠ .= (٤) بالحجاز لا زفر عليه، وهي غريبة. قد جمعت الحسنين لذّة اللحم وعدم الزفر، ولو أراد وضوء العبادة لقال كما قال في الماء: ((مَن جامع ولم يُنزِل فليتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره)). وتحقيق القول في ذلك: أنه قد صحّ عن النبي ولي الأمران، وصحّ نسخ الوضوء، ولمالك في ذلك نكتة بعيدة، وذلك: أنه أدخل حديث سويد بن النعمان: أن النبي ◌َلقر في غزاة خيبر لم يتوضأ مما مته النار، وهذا حديث مؤرخ، وحديث الوضوء منه غير مؤرخ، ومتى تعارض حديثان، أحدهما مؤرّخ والآخر غير مؤرخ قضي بالمؤرخ على المجهول التاريخ، فهذا يدلّك على غوص مالك في العلم، وبعد غوره في أصوله، وعظيم ترتيبه في كتابه، وأدخل حديث أنس أنه لما سافر إلى العراق ورجع توضأ مما مسّت النار، فأنكر عليه أبيّ وأبو طلحة، فرجع. (١) رواية الحجاج بن أرطاة هذه رواها أحمد في المسند (٤: ٣٥٢). (٢) رواية عبيدة هذه رواها عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (٤: ٦٧ و٥: ١١٢)، فإن الحديث معروف أنه من زيادات عبد الله على المسند، كما ذكره ابن حجر في الإصابة (٢: ١٧٦ - ١٧٧) ونسبه أيضًا للبغوي وابن السكن. (٣) رواية حماد بن سلمة رواها أحمد في المسند (٤: ٣٥٢). (٤) حديث جابر بن سمرة رواه مسلم في صحيحه (١: ١٠٨). ورواه الطيالسي (رقم (٧٦٦) وأحمد في المسند (٥: ٨٦ و٨٨ و٩٢ و٩٣ و٩٦ و٩٨ و١٠٠ و١٠٢ و١٠٥ و١٠٦ و١٠٨). ٩٦ أبواب الطهارة / باب ٦١ وهو قولُ أحمدَ وإسحقٌ. وقد رُوِيّ عن بعضِ أهلِ العلم من التابعين وغيرهم: أنهم لم يَرَوُا الوضوءَ من لحوم الإبل. وهو قولُ سفيان الثوريّ وأهل الكوفة. ٦١ - باب الوضوء من مَسٌ الذَّكَرِ [المعجم ٦١ - التحفة ٦١] ٨٢ - هقشنا إسحقُ بن منصور قال حدثنا يحيى بن سعيد القطّانُ عن هشام بن عُرْوَةً قال أخبرني أبي عن بُسْرَةَ بنْتِ صَفْوَانَ أن النبيَِّ ﴿ قال: ((مَنْ مَسٌ ذَكَرَهُ فَلاَ يُصَلْ حَتَّى يَتَوَضْأَ)(١). قال: وفي الباب عن أُمّ حَبِيبَةَ، وَأبي أيُّوبَ وأبي هريرةَ، وأَزْوَى ابْنَةٍ أُنَّيْسٍ، وعائشةَ، وجابِرٍ، وَزَيْدِ بنِ خَالِدِ، وعبد اللهِ بنِ عَمْرو. قال أبو عیسی: هذا حديث حسن صحيح. قال: هكذا رواه غيرُ واحدٍ مثلَ هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن بُسْرَةً. ٨٣ - وَرَوَى أبو أُسامةَ وغيرُ واحدٍ هذا الحديثَ عن هشام بن عروة عن أبيه عن مَرْوَانَ عن بُسْرَةَ عن النبيِ وَ﴿ نحوه. حدّثنا بذلك إسحقُ بن منصورٍ حدّثنا أبو أسامة بهذا (٢). ٨٤ - وَرَوَى هذا الحديثَ أَبُو الزِّنّادِ عن عروة عن بُسْرَةَ عن النبيِّ وَّرِ. حدثنا بِذْلِكَ وقد جرت مناظرة بين ابن عباس وأبي هريرة في المسألة، فكان من حجة ابن عباس عليه في ترك الوضوء مما مسّت النار: ألسنا نتوضأً بالحميم؟ فلو كانت ما مسّت النار توجب الوضوء لما جاز بالماء الحار. قال القاضي أبو بكر ابن العربي رضي الله عنه: وحديث لحم الإبل صحيح ظاهر مشهور، وليس يقوى عندي ترك الوضوء منه والله أعلم. باب الوضوء من مس الذكر وتركه عروة عن بسرة عن النبي ﴿ قال: (مَنْ مسْ ذَكَرَ، فلا يُصَلْ حتى يتوضأ) قيس بن طلق (١) أصل الحديث رواية مالك في الموطأ (١: ٦٤). ورواه الشافعي في الأم (١: ١٥) عن مالك. ورواه أبو داود (١: ٧١) والنسائي (١ : ٣٧) من طريق مالك، وأحمد (٦: ٤٠٦ و٤٠٧) والنسائي (١: ٣٨). وانْظُرْ مستدرك الحاكم (١: ١٣٦ - ١٣٧)، والبيهقي (١: ١٢٩ - ١٣٠). (٢) رواية أبي أسامة هذه رواها ابن الجارود أيضًا (ص ١٩) كرواية الترمذي. ٩٧ أبواب الطهارة / باب ٦٢ عليّ بن حُجْرٍ قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي الزّنّاد عن أبيه عن عروة عن بُسْرَةً عن النبيّ ◌َ﴿ نَحْوَهُ. وَهُوّ قولُ غَيْرٍ وَاحِدٍ من أصحاب النبي ◌َّه والتابعين. وبه يقول الأَوْزَاعِيّ والشافعيَّ وأحمد وإسحقٌ. قال محمدٌ: وأصحُّ شيءٍ في هذا الباب حديثُ بُسْرَةً. وقال أبو زُرْعَةَ: حديثُ أُمّ حَبِيبَةَ في هذا البَابِ صحيحٌ، وهو حديثُ العَلاَءِ بنِ الْحَرِثِ عن مَكْحُولٍ عن عَنْبَسَةَ بنِ أبي سُفْيَانَ عن أُمْ خَبِيبَةً. وقال محمدٌ: لم يسمع مكحولٌ من عَنْيَسَةَ بنِ أبي سُفْيَانَ، وَرَوَى مكحولٌ عن رَجُلٍ عن عَنْبَسَةَ غَيْرَ هذا الحديثِ. وَكَأَنَّهُ لم يَرَ هذا الحديثَ صحيحًا(١). ٦٢ - باب ما جاء في تَزْكِ الوضوء من مَسٌ الذَّكَّر [المعجم ٦٢ - التحفة ٦٢] ٨٥ - حدثنا هَنَّادٌ حدّثنا مُلاَزِمُ بن عَمْرٍو عن عبد الله بن بَدْرٍ عن قَيْسٍ بن طَلْقٍ بن عَلِيُّ هُوَ الحَنَّفِيُّ عن أبيه عن النبيِ وَ قال: ((وَهَلْ هُوَ إلاَّ مُضْغَةٌ مِنْهُ؟ أوْ بَضْعَةٌ مِنْهُ))(٢)؟ عن أبيه قال: (وهل هو إلا بُضعّةٌ منه). إسناده: هذا الباب عظيم القدر في الدين، اختلف فيه الصحابة والتابعون والفقهاء إلى الآن، ورواه مالك فأتقنه وصححه، ثم ضعّفه في الفتوى، أو أسقطه. ومذهب أهل الكوفة فيه: أن لا وضوء منه، وقد جرت فيه مناظرة بين العلماء، أخبرنا ابن الطيوري، أخبرنا القاضي الطبري، أخبرنا الدارقطني، حدثنا محمد بن الحسن النقاش، حدّثنا عبد الله بن يحيى القاضي (١) حديث أم حبيبة رواه ابن ماجه (١: ٩١) والبيهقي (١: ١٣٠)، ونسبه مجد الدين بن تيمية في المنتقى أيضًا للأثرم، ونقل تصحيحه عن أحمد وأبي زرعة، ونقل ابن حجر في التلخيص (ص ٤٥) أن الحاكم صححه، وأن الخلال نقل في العلل تصحيحه عن أحمد. وانظر ابن الجارود (ص ٢٠)، وأحمد (رقم ٧٠٧٦ ج ٢ ص ٢٢٣). (٢) الحديث رواه النسائي (١: ٣٨). ورواه أبو داود (١: ٧٢) وابن الجارود (ص ٢٠) والبيهقي (١: ١٣٤) من طريق ملازم بن عمرو بنحوه. عارضة الأحوذي/ ج ١/ م ٧ ٩٨ أبواب الطهارة / باب ٦٢ قال: وفي الباب عن أبي أُمَامَةً. السرخسي، حدّثنا رجاء بن مرجا الحائك، قال: اجتمعنا في مسجد الخيف، أنا وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين فتناظرنا في مسّ الذكر، فقال: يتوضأ، وقال علي ابن المديني: بقول الكوفيين نقول ونقلد قولهم، واحتج يحيى بن معين بحديث بسرة بنت صفوان، واحتج علي بن المديني بحديث قيس بن طلق، وقال ليحيى: كيف تتقلد إسناد بسرة ومروان أرسل شرطيًا حتى ردّ جوابها إليه، فقال: وقد أكثر الناس في قيس بن طلق، ولا يحتجّ بحديثه، فقال أحمد بن حنبل: كلا الأمرين على ما قلتما، فقال يحيى: مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه توضأ من مس الذكر، فقال عليّ: كان ابن مسعود يقول: لا يتوضأ منه، وإنما هو بضعة من جسدك، وقال يحيى بن معين: مَن قال سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل، عن عبد الله، وإذا اجتمع ابن مسعود وابن عمر واختلفا، فابن مسعود أولى أن يتبع، فقال له أحمد: نعم، ولكن أبو قيس لا يحتجّ بحديثه، فقال: حدثني أبو نعيم، حدّثنا مسعر، عن عمير بن سعد، عن عمار بن ياسر قال: ما أبالي، مسسته أو أنفي، قال أحمد: عمار وابن عمر استويا، فمن شاء أخذ بهذا ومن شاء أخذ بهذا، قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: هذا منتهى الكلام، وسيأتي تمامه في الأحكام إن شاء الله، وقد رُوِيّ عن الصحابة من طرق الرجال شيء، ذكرهم أبو عيسى، وأقواهم حديث أم حبيبة: قال النبي صل﴾: ((مَن مسّ ذكره فليتوضأ)»، وقال يحيى بن معين: والبخاري، حديث بسرة صحيح، ولم يصحح البخاري حديث أُم حبيبة، قال أبو عيسى: قال محمد: لم يسمع مكحول بن عنبسة بن أبي سفيان، فجاء الحديث مقطوعًا. الغريب: البضعة والمضغة: القطعة من الشيء، إلا أن المضغة هو بتقدير اللقمة الممضوغة، والبضعة القطعة على أيّ قدر كانت. الأصول: قال أصحاب أبي حنيفة: لا يقبل خبر بسرة ونظراؤها في هذا الباب لوجهين: أحدهما: أن هذا حديث يُروَى عن امرأة، والحكم معلق بالرجال، فكيف يختصّ برواية النساء؟ وهذه تهمة توجب التوقف، وريبة ربما أثّرت في التحصيل. وثانيهما: أن هذه مسألة يعمّ بها البلوى، وما تعمّ به البلوى يكثر السؤال عنه، ويكثر الجواب فيه، ويكثر نقله، فضعف نقل هذا مع عموم البلوى فيه دليل على ضعفه. الجواب: أن هذا الحكم متعلق بالرجال فلا يقبل فيه النساء، فنقول ساقط، فإن كان حكم يقبل فيه النساء كان مختصًّا بهنّ، أو عامًا، قال الله تعالى: ﴿واذكرن ما يُتلى في بيوتكنّ من آيات الله﴾ [الأحزاب: ٣٤]، وقد كان الله قادرًا على أن يأمر رسول الشريعة في الرجال الخارجين عن بيته، ولكنه أمر أهل بيته من أزواجه، إذا وقعت عندهنْ مسألة من الشريعة أن يأثر بها عنه، ويبلغها مَن لم يحضرها، وقد قبلت الصحابة حديث عائشة في التقاء الختانين، ونسخ به: ((الماء من الماء))، وهو حديث امرأة، وهذا أعظم، فإنه نسخ بحكم مستقر، وحديث مس الذِّكّر لم ينسخ شيئًا. جواب ثالث: وهو أن الوضوء إنما هو من مس الفرج، وهو عامّ في الرجال والنساء، وأما قولهم: إن ما يعمّ به البلوى يكثر السؤال عنه، ٩٩ أبواب الطهارة/ باب ٦٢ قال أبو عيسى: وقد رُوِيّ عن غير واحدٍ من أصحاب النبيّ وَ﴿ وبعضِ التابعينَ: أَنْهُمْ لَمْ يَرَوُا الوضوءَ من مَسَّ الذكر. وهو قول أهل الكوفة وابنِ المبارك. فممكن، وأما قولهم: إنه يكثر الجواب فيه، فممكن أقل من الأول، وأما قولهم: يكثر نقله، فلا يلزم ذلك، فإن الصحابة قد كانت تقلّل الرواية ولا تكثر النقل، مع ما كانت تعرف من وجوب تبليغ الشرع، وقد بيّا ذلك في أُصول الفقه. أحكامه: في أربعين مسألة: الأولى: اختلف الناس في هذه المسألة على أربعة أقوال: الأول: لا وضوء على مَن مسّ ذَكّره. الثاني: عليه الوضوء واجب. الثالث: مستحب. الرابع: عليه إن مسّه لشهوة. الثانية: في توجيه الأقوال. أما مَن قال إنه لا وضوء عليه، فبحديث قيس بن طلق، ولأنه . عضو من البدن، فلا يجب الوضوء بمسّه كسائر الأعضاء، وأما من قال إن فيه الوضوء واجب، فبحديث بسرة المتقدم، والأمر فيه محمول مطلقًا على الوجوب. قال ابن العربي: أسنده مالك، وهو حجة. وأما مَن جعله مستحبًّا، فنظر أن الأمر محمول على القرب، إما بوضعه، أو بسائر الأدلة على ما تقدم في أصول الفقه. الثالثة: قال علماؤنا: أخبارنا أصحّ إسنادًا من ستة أوجه: الأول: قال البخاري، والنسائي، ويحيى بن معين: أصح شيء في الباب حديث بسرة، وصحح أحمد حديث أم حبيبة، وصحح ابن السكن حديث أبي هريرة. قال أحمد، وعلي، ويحيى بن المديني: قيس بن طلق لا يُحتَجّ بحديثه. الثاني: أن خبرنا أكثر رواة، لأنه نقله جماعة من الصحابة، وخبرهم نقله واحد. الثالث: أن خبرنا رواه أبو هريرة وهو أسلم عام خيبر، ورَوَته بسرة وهي أسلمت عام الفتح، وطلق وفد على النبي #8# وسمع منه ذلك حين كان يبني المسجد في صدر الإسلام. الرابع: أخبارنا أحوط للعبادة. الخامس: يحتمل خبرهم أن يكون أراد به مسّه خلف حائل، وهو الظاهر من حال المصلّي حالة الصلاة، السادس: أن خبرنا مفيد، لأنه ينقل عن العبادة إلى العبادة، وخبرهم لا يفيد شيئًا، لأنه ينفي الأصل. الرابعة: إذا مسْ ذَكَره بكفّه انتقض وضوؤه، لأنه مسّه بآلة اللَّمس. الخامسة: إذا مسّه ببطن أصابعه، فشك فيه مالك، وقطع بنقض الوضوء ابن القاسم، وهو صحيح لأنه آلة اللَّمس في الغالب. السادسة: إذا مسّه ببطن ذراعه ففيه خلاف، ذكر الرقام أنه يتوضأ، وقال غيره: لا وضوء فيه، لأنه ليس بآلة اللَّمس في الغالب، إلا إذا اعتبرنا اللذة فيه، فینتقض الوضوء به . السابعة: إذا مسّه بظهر كفّه لم يكن عليه وضوء، إلا أن اللذّة إن وُجِدت، كان كالذي قبله في الخلاف فيه، وبه قال الشافعي. وقال عطاء، والأوزاعي، وأحمد: ينتقض وضوؤه، لأنه مسّ ١٠٠ أبواب الطهارة / باب ٦٢ وهذا الحديثُ أحسنُ شيءٍ رُوِيّ في هذا البابِ. وقد رَوَى هذا الحديثَ أيُّوبُ بنُ عُثْبَةَ ومحمدُ بنُ جَابٍ عن قيس بن طَلْق عن أبيه(١). غرضه. قلنا: ليس بمسٌّ عرفًا، وإنما يحمل اللفظ على عرف العربية. السابعة: إذا مسه بحرف یده. الثامنة: إذا مسّه بين الأصابع، والخلاف فيه كالرابعة، ونكتة المسألة أن الحرف منزلة بين الظهر والبطن، فهو حمى بمنزلة ما بين المحظور والمباح، فمَن ألحقه بالمُباح خفّف، ومّن ألحقه بالمحظور احتاط. التاسعة: إذا مسّه بأصبع زائدة، فاختلف فيها أصحابنا وأصحاب الشافعي، والأظهر وجوب الوضوء. العاشرة: إذا مسّ ذَكّره غيره. قال الأيلي: ينتقض وضوؤه، وقاله بعض أصحاب الشافعي: وهذا لا يستقيم لهم، لأنهم إن اعتبروا اللذة، فيلزمهم أن ينقض الوضوء بمسّه بكل موضع من البدن، وإن لم يعتبروا اللذة، لم يتناوله الحديث. وكذلك لا يصح للأيلي ذلك، لأنه راعى اللذة مثله سواء . الحادية عشر: قال القاضي أبو الحسن: العمل من روايات مالك على أنه إن مسّه للشهوة، على حائل أو بغير حائل، بباطن الكف أو بظاهره انتقض وضوؤه. وروى ابن وهب عنه: إذا مسّه على غلالة خفيفة انتقض وضوؤه. قال أبو عمر: إن مَن اعتبر اللذة فإنما نقض الوضوء بالقرآن، من باب الملامسة. قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: هذا وهم عظيم، فإن الملامسة في القرآن إنما هي في النساء، لا في نفس الرجل وذاته، فكيف يصح حمله عليه؟ فإن قيل: طريق وجوبه بذلك التعليل بأن يقال: عضو يلتذْ بمسّه، فوجب الوضوء به، أصله أحد أعضاء المرأة، فيكون هذا قياس شبه، ولا يصحّ أن يكون قياس تعليل، فإن العلل لا مدخل لها في العبادات، فإن كان قياس شبه فله شروط بيّنّاها في أصول الفقه، وليس هذا من بابكم معشر المغاربة فأدبروا عنه، ولا من أعشاشکم فأدرجوا منه. الثانية عشر: إذا من ذَكّر صغير، لم يجب به وضوؤه عند مالك والزهري والأوزاعي. وقال الشافعي: يجب منه الوضوء، لعموم الحديث: من مس الذّكر الوضوء، والحديث باطل فلا يصح التعلق به. (١) رواية أيوب بن عتبة عند الطيالسي (رقم ١٠٩٦) وأحمد في المسند (٤: ٢٢). ورواية محمد بن جابر عنده أيضًا بإسنادين (٤: ٢٣) وعند ابن ماجه (١: ٩١) وأبي داود وابن الجارود.