Indexed OCR Text
Pages 1641-1660
١٦٤١ كتاب البيوع والإجارات ولكن زيداً معذور لأنه لم يعلم أن هذا محرم، ولهذا قالت: ((أبلغيه)). ويحتمل أن تكون قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد، فيصير بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها، فكأنه لم يعمل شيئاً. وعلى التقديرين: فجزم أم المؤمنين بهذا دليل على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد، ولو كانت هذه من مسائل الاجتهاد [١٨٣/ ب] والنزاع بين الصحابة، لم تطلق عائشة على زيد ذلك، فإن الحسنات لا تبطل بمسائل الاجتهاد. ولا يُقال: فزيد من الصحابة وقد خالفها، لأن زيداً لم يقل: "هذا حلال"، بل فعله وفعل المجتهد لا يدل على قوله على الصحيح، لاحتمال سهو أو غفلة، أو تأويل، أو رجوع ونحوه، وكثيراً ما يفعل الرجل الشيء ولا يعلم مفسدته، فإذا نبه لها(١) انتبه، ولا سيما أم ولده، فإنها دخلت على عائشة تستفتيها، وطلبت الرجوع إلى رأس مالها، وهذا يدل على الرجوع عن ذلك العقد، ولم ينقل عن زيد أنه أصر على ذلك. فإن قيل: لا نسلم ثبوت الحديث، فإن أم ولد زيد مجهولة؟ قلنا: أم ولده لم ترو الحديث، وإنما كانت هي صاحبة القصة، (١) في المطبوع: له. وهو تحريف. ١٦٤٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وأما العالية فهي امرأة أبي إسحاق السبيعي، وهي من التابعيات، وقد دخلت على عائشة وروى عنها أبو إسحاق، وهو أعلم بها. وفي الحديث قصّة وسياق يدل على أنه محفوظ، وأن العالية لم تختلق هذه القصة وتضعها(١) ، بل يغلب على الظن غلبة قوية صدقها فيها، وحفظها لها، ولهذا رواها عنها زوجها عمرو (٢)، ولم يتهمها (٣)، ولا سيما عند من يقول: رواية العدل عن غيره تعدیل له. والكذب لم يكن فاشياً في التابعين، فشوه فيمن بعدهم، وکثیر منهم کان یروي عن أمه وامرأته ما يخبرهن به أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحتجّ به. فهذه أربعة أحاديث تبيّن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم العينة : حديث ابن عمر الذي فيه تغليظ العينة. وحديث أنس وابن عباس أنها مما حرم الله ورسوله. وحديث عائشة هذا. (١) في المطبوع: ولم تضعها. بزيادة "لم"، ولا داعي لها. (٢) في الأصل محتملة، وهي أقرب إلى ميمون، فلعله سهو من الناسخ. وعمرو هو اسم أبي إسحاق السبيعي، والله أعلم. (٣) في المطبوع: ينهها. وهو تصحيف. ١٦٤٣ كتاب البيوع والإجارات والمرسل منها له ما يوافقه، وقد عمل به الصحابة(١) والسلف، وهذا حجة باتفاق الفقهاء. السادس(٢): ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا))(٣). وللعلماء في تفسيره قولان: أحدهما: أن يقول: بعتك بعشرة نقداً، أو عشرين نسيئة. وهذا هو الذي رواه أحمد عن سماك، ففسره في حديث ابن مسعود قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة)) قال سماك: الرجل يبيع البيع، فيقول: هو على نساء بكذا، وبنقد بكذا(٤). وهذا التفسير ضعيف، فإنه لا يدخل الربا في هذه الصورة، ولا صفقتين هنا، وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين. والتفسير الثاني: أن يقول: أبيعكها بمائة إلى سنة، على أن (١) في المطبوع: بعض الصحابة. بزيادة "بعض" دون داع، ودون إشارة. (٢) من أدلة تحريم العينة. (٣) وقد سبق تخريجه. (٤) مسند أحمد ٣٩٨/١. وصحح الألباني مجموع طرقه في إرواء الغليل الحديث رقم: ١٣٠٧. ١٦٤٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية أشتريها منك بثمانين حالة. وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره، [١٨٤ / أ] وهو مطابق لقوله: ((فله أوكسهما أو الربا))، فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيربي، أو الثمن الأول فيكون هو أوكسهما، وهو مطابق لصفقتين في صفقة. فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد، وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها، ولا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوكس الصفقتين، فإن أبى إلا الأكثر كان قد أخذ الربا. فتدبر مطابقة هذا التفسير لألفاظه صلى الله عليه وسلم وانطباقه عليها. ومما يشهد لهذا التفسير ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه نهى عن بيعتين في بيعة، وعن سلف وبيع))(١). فجمعه بين هذين العقدين في النهي، لأن كلاً منهما يؤول (١) الذي أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٧١ عن ابن عمر هو النهي عن بيعتين في بيعة واحدة. أما ما ذكره ابن القيم من الجمع بين العقدين، فقد أخرجه أحمد في المسند ١٧٤/٢، ٢٠٥ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. ١٦٤٥ كتاب البيوع والإجارات إلى الربا، لأنهما في الظاهر بيع وفي الحقيقة ربا. ومما يدل على تحريم العينة: حديث ابن مسعود يرفعه ((لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه والمحل والمحلل له))(١). ومعلوم أن الشاهدين والكاتب إنما يكتب ويشهد على عقد صورته جائزة الكتابة، والشهادة، لا يشهد بمجرد الربا ولا یکتبه. ولهذا قرنه بالمحل(٢) والمحلل له، حيث أظهرا صورة النكاح، ولا نكاح كما أظهر الكاتب والشاهدان صورة البيع، ولا بيع. وتأمل كيف لعن في الحديث الشاهدين والكاتب والآكل والموكل، فلعن المعقود له، والُعين له على ذلك العقد، ولعن المحل والمحلل له، فالمحلل له هو الذي يعقد التحليل لأجله، والمحل هو المعين له بإظهار صورة العقد، كما أن المرابي هو المعان على أكل (١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٣١٥/٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٢٠٨. بنحوه. وهو عند مسلم في صحيحه ١٢١٨/٣-١٢١٩ في کتاب المساقات، ١٩ -باب لعن آكل الربا ومؤكله. بلفظ: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله)». وهو في مسند الإمام أحمد ٤٤٨/١ بلفظ: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة والواصلة والموصولة، والمحلل والمحلل له، وآكل الربا ومو کله». (٢) في المطبوع: بالمحلل. ١٦٤٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية الربا بإظهار صورة العقد المكتوب المشهود به. فصلوات الله على من أوتي جوامع الكلم. السابع: ما صح عن ابن عباس أنه قال: ((إذا استقمت بنقد فبعت بنقد فلا بأس، وإذا استقمت بنقد فبعت بنسيئة فلا خير فيه، تلك ورق بورق»، رواه سعید وغیرہ(١). ومعنى كلامه أنك إذا قوّمت السلعة بنقد ثم بعتها بنَسَاء(٢) ، كان مقصود المشتري شراء دراهم معجلة بدراهم مؤجلة، وإذا قومتها بنقد ثم بعتها به، فلا بأس. فإن ذلك بيع المقصود منه السلعة لا الربا. الثامن: ما رواه ابن بطة عن الأوزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم («يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع، يعني العينة»(٣). وهذا وإن كان مرسلاً فهو صالح للاعتضاد به، ولا سيما . وقد تقدم من المرفوع ما يؤكده. ويشهد له أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: ((ليشربن (١) وهو في مصنف عبد الرزاق ٢٣٦/٨. (٢) في المطبوع: بنسيئة. وهو تحريف. (٣) ذكره ابن تيمية في كتاب بيان الدليل ص: ١٠٣، ١١١. وقد رواه الخطابي في غريب الحديث ٢١٨/١. ١٦٤٧ كتاب البيوع والإجارات [١٨٤/ ب] ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها))(١). وقوله أيضاً فيما رواه إبراهيم الحربي من حديث أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ((أول دينكم نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض، يستحل فيه الحِرَ والحرير))(٢). والحِرَ: بكسر الحاء وتخفيف الراء هو: الفرج(١). فهذا إخبار عن استحلال المحارم، ولكنه بتغيير أسمائها وإظهار (٤) صور تجعل وسيلة إلى استباحتها، وهي الربا والخمر (١) رواه أبو داود في سننه ٩١/٤-٩٢ في كتاب الأشربة، ٦ - باب في الدَّاذِيّ. وابن ماجه في سننه ٢/ ١٣٣٣ في كتاب الفتن، ٢٢ - باب العقوبات. كلاهما من حديث أبي مالك الأشعري. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٣١٣٥. (٢) لم أجده في المطبوع من الغريب. والمطبوع عبارة عن خمس الكتاب تقريباً. ورواه الطبراني في مسند الشاميين ٢٩٣/٢. ورواه البزار في مسنده ١٠٨/٤ من حديث أبي ثعلبة عن أبي عبيدة بن الجراح، وفيه ذکر استحلال الدم فقط. ورواه الدارمي في مسنده ١٣٣٤/٢ من حديث أبي ثعلبة عن أبي عبيدة بن الجراح، وفيه ذكر استحلال الخمر والحرير. (٣) انظر: النهاية لابن الأثير ٣٦٦/١. (٤) في المطبوع: وإظهارها في. وهو تغيير لما في الأصل دون داعٍ ودون إشارة. ١٦٤٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية والزنا فيسمى كل منها بغير اسمها، ويستباح بالاسم الذي سمي به، وقد وقعت الثلاثة. وفي قول عائشة: ((بئسما شریت، وبئسما اشتريت))، دليل على بطلان العقدين معاً، وهذا هو الصحيح من المذهب(١)، لأن الثاني عقد ربا، والأول وسيلة إليه. وفيه قول آخر في المذهب: أن العقد الأول صحيح، لأنه تم بأركانه وشروطه فطريان الثاني عليه لا يبطله(٢). وهذا ضعيف، فإنه لم يكن مقصودا لذاته وإنما جعله وسيلة إلى الربا، فهو طريق إلى المحرم، فكيف يحكم بصحته، وهذا القول لا يليق بقواعد المذهب. فإن قيل: فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد، ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة؟(٣) قلنا: قد نص أحمد في رواية حرب(٤): على أنه لا يجوز إلا أن تتغير السلعة؛ لأن هذا يتخذ وسيلة إلى الربا، فهو كمسألة العينة سواء، وهي عكسها صورة. (١) انظر: الفروع ١٧٠/٤، والإنصاف ٣٣٥/٤، وكشاف القناع ١٨٥/٣. (٢) انظر لهذا القول: الفروع ١٧٠/٤، والإنصاف ٣٣٥/٤. (٣) وهي المسألة المعروفة باسم: "التورّق". (٤) ذكرها ابن قدامة في المغني ٦/ ٢٦٣. ١٦٤٩ كتاب البيوع والإجارات وفي الصورتين قد ترتب في ذمته دراهم مؤجلة بأقل منها نقداً، لكن في إحدى الصورتين البائع هو الذي اشتغلت ذمته، وفي الصورة الأخرى المشتري هو الذي اشتغلت ذمته، فلا فرق بينهما. وقال بعض أصحابنا(١): يحتمل أن تجوز الصورة الثانية؛ إذا لم يكن ذلك حيلة، ولا مواطأة بل وقع اتفاقاً. وفرّق بينها وبين الصورة الأولى بفرقین: أحدهما: أن النص ورد فيها، فيبقى ما عداها على أصل الجواز. والثاني: أن التوسل إلى الربا بتلك الصورة، أكثر من التوسل بهذه. والفرقان ضعيفان: أما الأول: فليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تتقيد، بل النصوص مطلقة على تحريم العينة. والعينة فعلة من العين، وهو (٢) النقد، قال الشاعر: أندّان أم نعتان أم ينبري لنا فتى مثلُ نصلِ السيف ميزت مضاربه(٣) (١) القائل هو: أبو محمد ابن قدامة في المغني ٢٦٣/٦. (٢) ساقطة من المطبوع. (٣) قاله شمر، كما في لسان العرب ١٦٨/١٣. ١٦٥٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قال الجوزجاني: أنا أظن أن العينة إنما اشتقت من حاجة الرجل إلى العين من الذهب والورق، فيشتري السلعة ويبيعها بالعين الذي احتاج إليه، وليست به إلى السلعة حاجة(١). وأما الفرق الثاني: فكذلك؛ لأن المعتبر في هذا الباب [١٨٥/أ] هو الذريعة، ولو اعتبر فيه الفرق بين (٢) الاتفاق والقصد، لزم طرد ذلك في الصورة الأولى، وأنتم لا تعتبرونه. فإن قيل: فما تقولون إذا لم تعد السلعة إليه بل رجعت إلى ثالث، هل تسمون ذلك عينة؟ قيل: هذه مسألة التورق، لأن المقصود منها الورق، وقد نص أحمد في رواية أبي داود على أنها من العينة وأطلق عليها اسمها(٣). وقد اختلف السلف في كراهيتها: فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها، وكان يقول: ((التورق آخية الربا))(٤). ورخص فيها إياس بن معاوية (٥). (١) ونقل كلامه هذا ابن تيمية في بيان الدليل ص: ١١١. (٢) في المطبوع: من. وهي محتملة. (٣) لم أقف عليه في المطبوع من مسائل أبي داود. والله أعلم. (٤) انظر بيان الدليل ص: ١١٩، ومجموع الفتاوى ٣٠٣/٢٩، ٤٣١، ٤٤٢. (٥) انظر بيان الدليل ص: ١١٩. ١٦٥١ كتاب البيوع والإجارات وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان(١). وعلل الكراهة في إحداهما بأنه بيع مضطر، وقد روى أبو داود عن علي «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع (٢) المضطر))(٣). وفي المسند عن علي: سيأتي على الناس زمان عضوض (٤)، بعض الموسر(٥) على ما في يده، ولم يؤمر بذلك، قال تعالى: ﴿وَلا كَْسَوُا الْفَضْلَ بَيْتَكُمْ﴾، ويبايع المضطرون، وقد «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر))، وذكر الحديث(٦). فأحمد رحمه الله أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة، يضن عليه الموسر بالقرض (٧) ، فيضطر إلى أن يشتري منه (١) انظر بيان الدليل ص: ١١٩. (٢) ساقطة من المطبوع. (٣) سنن أبي داود ٣/ ٦٧٦ -٦٧٧ في كتاب البيوع والإجارات، ٢٦- باب في بيع المضطر. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٧٣١. (٤) ساقطة من المطبوع. (٥) في الأصل: المؤمن، وهو تحريف. والتصويب من مسند أحمد وسنن أبي داود. ومما يأتي في كلام المصنف. (٦) مسند أحمد ١١٦/١. وهو حديث أبي داود السابق بنحوه. (٧) في المطبوع غيّرت عبارة (رجل مضطر إلى نفقة، يضن عليه الموسر بالقرض) إلى: (رجل مضطر إلى نقد لأن الموسر يضن عليه بالقرض). ١٦٥٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية سلعة ثم يبيعها، فإن اشتراها منه بائعها، كانت عينه، وإن باعها من غيره فهي التورق. ومقصوده في الموضعين الثمن، فقد حصل في ذمته ثمن مؤجل مقابل لثمن حالّ أنقص منه، ولا معنى للربا إلا هذا، لكنه ربا بسلم لم يحصل له صعوده(١) إلا بمشقة، ولو لم يصعده(٢) كان ربا بسهولة. وللعينة صورة رابعة - وهي أخف(٣) صورها- وهي أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا نسيئة. ونص أحمد على كراهة ذلك فقال: العينة أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة، فإن باع بنسيئة ونقد فلا بأس(٤). وقال أيضاً: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة فلا (٥) يبيع بنقد (٥). قال ابن عقيل: إنما كره ذلك لمضارعته الربا، فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالباً (٦). (١) في المطبوع: مقصوده. وهو تصحيف. (٢) في المطبوع: يقصده. وهو تصحيف. (٣) في المطبوع: أخت. وهو تصحيف. (٤) انظر هذه الرواية في المغني ٦/ ٢٦٢، ونحوها في مسائل أبي داود ص: ١٩٢. (٥) انظر هذه الرواية في المغني ٦/ ٢٦٢. (٦) انظر كلامه هذا في المغني ٦/ ٢٦٢. ١٦٥٣ كتاب البيوع والإجارات وعلله شيخنا (١) رضي الله عنه بأنه يدخل في بيع المضطر، فإن غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد، فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة، كان ربه على أهل الضرورة والحاجة، وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجراً من التجار (٢). وللعينة صورة خامسة -وهي أقبح صورها وأشدها تحريماً- وهي أن المترابيين يتواطآن على الربا، ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع فيشتريه منه المحتاج، ثم يبيعه للمربي بثمن حال ويقبضه منه، ثم يبيعه إياه للمربي بثمن مؤجل، وهو ما اتفقا [١٨٥/ ب] عليه ثم يعيد المتاع إلى ربه، ويعطيه شيئاً. وهذه تسمى الثلاثية؛ لأنها بين ثلاثة، وإذا كانت السلعة بينهما خاصة فهي الثنائية. وفي الثلاثية قد أدخلا بينهما محللاً يزعمان أنه يحلل لهما ما حرم الله من الربا، وهو كمحلل النكاح (٣). فهذا محلل الربا، وذلك محلل الفروج، والله تعالى لا تخفى عليه خافية، بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. (١) يعني ابن تيمية رحمه الله. (٢) انظر: بيان الدليل لشيخ الإسلام ابن تيمية ص: ١١٨- ١١٩. (٣) وقد ممثل عنها -أي الثلاثية- شيخ الإسلام ابن تيمية وأفتى بتحريمها. انظر: مجموع الفتاوى ٤٣٩/٢٩ وما بعدها. ١٦٥٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية باب وضع الجائحة(١) ذكر المنذري حديث الباب(٢)، ثم قال المنذري: وأخرجه (٣) مسلم(٣). قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: حديث مسلم في الجائحة من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر(٤)، وهذا صحيح. والشافعي علل حدیث سفیان عن حمید بن قیس عن سليمان بن عتيق عن جابر: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين، وأمر بوضع الجوائح))(٥)، بأن قال: سمعت سفيان (١) سنن أبي داود ٧٤٦/٣، الباب رقم: (٦٠). وترجمة الباب فيه: "باب في وضع الجائحة". (٢) في المطبوع من سنن أبي داود حديثان، والمقصود حديث أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن بعت من أخيك تمراً فأصابتها جائحة فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟)). وأخرجه مسلم، كما سيأتي. والنسائي في المجتبى ٧/ ٣٠٥، في كتاب البيوع، ٣٠- وضع الجوائح. وابن ماجه في سننه ٢/ ٧٤٧ في كتاب التجارات، باب بيع الثمار سنين والجائحة. (٣) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٥/ ١٢٠. (٤) صحيح مسلم ٣/ ١١٩٠ في كتاب المساقاة، ٣ - باب وضع الجوائح. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه ١١٩٠/٣ في كتاب المساقاة، ٣-باب وضع الجوائح. ١٦٥٥ كتاب البيوع والإجارات يحدث هذا الحديث كثيراً في طول مجالستي له، لا أحصي ما سمعته يحدثه من كثرته، لا يذكر فيه: ((أمر بوضع الجوائح))، لا يزيد على أن النبي صلى الله عليه وسلم ((نهى عن بيع السنين)) ثم زاد بعد ذلك: ((وأمر بوضع الجوائح)). قال سفيان: وكان حميد بن قيس يذكر بعد بيع السنين كلاماً قبل وضع الجوائح، إلا أني لا أدري كيف كان الكلام، وفي الحديث أمر بوضع الجوائح (١). وفي الباب حديث عمرة عن عائشة: ابتاع رجل ثمر حائط في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فعالجه وقام عليه حتى تبين له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع عنه، فحلف أن لا يفعل، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((تألى أن لا يفعل خيراً))، فسمع بذلك رب المال، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هو له))(٢). وعلله الشافعي بالإرسال(٣). (١) الأم ٦٨/٣ -٦٩. (٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٣٠٥/٥. (٣) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٣٠٥/٥. ١٦٥٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وقد أسنده يحيى بن سعيد عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة وأسنده حارثة بن أبي الرجال عن أبيه(١). وليس بصريح في وضع الجائحة، وقد تأوله من لا يرى (٢) الجائحة بتأويلات باطلة: أحدها: أنه محمول على ما يحتاج الناس في الأراضي الخراجية التي خراجها للمسلمين، فيوضع ذلك الخراج عنهم، فأما في الأشياء المبيعات فلا. وهذا كلام في غاية البطلان ولفظ الحدیث لا يحتمله بوجه. قال البيهقي: ولا يصح حمل الحديث علیه؛ لأنه لم يكن يومئذ على أراضي المسلمين خراج (٣). ومنها: إنهم حملوه على إصابة الجائحة قبل القبض. وهو تأويل باطل؛ لأنه خص بهذا الحكم الثمار وعم به الأحوال، ولم يقيده بقبض [١٨٦ / أ] ولا عدمه (٤). ومنها: أنهم حملوه على معنى حديث أنس («أرأيت إن منع (١) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٣٠٥/٥. (٢) في المطبوع: یری وضع. (٣) معرفة السنن والآثار ٣٣٥/٤. (٤) انظر: معرفة السنن والآثار ٣٣٥/٤. ١٦٥٧ كتاب البيوع والإجارات الله الثمرة، فبم يأخذ أحدكم مال أخيه))(١). وهذا في بيعها قبل بدو صلاحها. وهذا أيضا تأويل باطل وسياق الحديث يبطله، فإنه علل بإصابة الجائحة لا بغير ذلك. (١) حديث أنس أخرجه: البخاري في صحيحه ٤ / ٤٧٢ مع الفتح، في كتاب البيوع، ٩٣ -باب بيع المخاضرة. ومسلم في صحيحه ١١٩٠/٣ في كتاب المساقاة، ٣ -باب وضع الجوائح. ولفظ البخاري: عن أنس ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ثمر التمر حتى يزهو. فقلنا لأنس: ما زَهْوها؟ قال: تحمر وتصفر. أرأيت إن منع الله الثمر بم تستحل مال أخيك؟)). ١٦٥٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية باب السلف في شيء ثم يحوّل إلى غيره(١) ذكر حديث الباب (٢) ثم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: اختلف الفقهاء في حكم هذا الحديث، وهو جواز أخذ غير المسلم فيه عوضاً(٣). وللمسألة صورتان: إحداهما: أن يعاوض عن المسلم فيه مع بقاء عقد السلم، فیکون قد باع دین السلم قبل قبضه. والصورة الثانية: أن ينفسخ العقد بإقالة أو غيرها. فهل يجوز أن يصرف الثمن في عوض آخر غير المسلم فيه؟ (١) سنن أبي داود ٣/ ٧٤٤ -٧٤٥، الباب رقم: (٥٩)، وترجمة الباب فيه: "باب السلف لا يُحوّل". ومختصر سنن أبي داود للمنذري ١١١/٥ - ١١٣. ويلاحظ أنه يوجد تقديم وتأخير بين هذا الباب والذي قبله. كذا في الأصل. والله أعلم. (٢) وهو حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره)). وأخرجه ابن ماجه في سننه ٧٦٦/٢ في كتاب التجارات، ٦٠ - باب من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٧٥١. (٣) في المطبوع: عوضاً عنه. بزيادة "عنه"، دون داعٍ، ودون إشارة. ١٦٥٩ كتاب البيوع والإجارات فأما المسألة الأولى: فمذهب الشافعي(١) وأبي حنيفة(٢) وأحمد في المشهور عنه(٣) أنه لا يجوز بيعه قبل قبضه لا لمن هو في ذمته ولا لغيره. وحكى بعض أصحابنا ذلك إجماعاً (٤). وليس بإجماع فمذهب مالك جوازه(٥)، وقد نصّ عليه أحمد في غير موضع(٦)، وجوّز أن يأخذ عوضه عرضاً بقدر قيمة دين السلم وقت الاعتیاض ولا یربح فيه. وطائفة من أصحابنا خصت هذه الرواية بالحنطة والشعير فقط، كما قال في المستوعب(٧): ومن أسلم في شيء لم يجز أن يأخذ من غير جنسه بحال في إحدى الروايتين. (١) انظر: الوسيط ١٤٨/٣، والمهذب ٢٦٣/١. (٢) انظر: الهداية ٣/ ٢٠٠، والبحر الرائق ١٧٩/٦، وشرح فتح القدير ٧/ ١٠١. (٣) انظر: المغني ٤١٥/٦، ومجموع الفتاوى ٥٠٣/٢٩. (٤) قال ابن قدامة في المغني ٦/ ٤١٥: "أما بيع المسلم فيه قبل قبضه، فلا نعلم في تحريمه خلافاً". (٥) انظر: الكافي لابن عبد البر ص: ٣٤٢، وحاشية الدسوقي ١٥٨/٣، والتاج والإکلیل ٤/ ٥٤٢. (٦) ستأتي النقولات عن الإمام أحمد من كلام المصنف قريباً. (٧) المستوعب لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين السامري، الفقيه الفرضي، ويعرف بابن سنينة، توفي رحمه الله سنة ست عشرة وستمائة. انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ١٢١. ١٦٦٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية والأخرى: يجوز أن يأخذ ما دون الحنطة من الحبوب کالشعیر ونحوه، بمقدار کیل الحنطة، لا أکثر منها ولا بقيمتها. نص عليه في رواية أبي طالب: إذا أسلفت في كرّ(١) حنطة فأخذت شعيراً فلا بأس، وهو دون حقك ولا تأخذ مكان الشعير حنطة(٢). وطائفة ثالثة من أصحابنا جعلت المسألة رواية واحدة، وأن هذا النصّ بناء على قوله في الحنطة والشعير أنهما جنس واحد، وهي طريقة صاحب المغني(٣). وطائفة رابعة من أصحابنا حكوا رواية مطلقة في المكيل والموزون وغيره. ونصوص أحمد تدل على صحة هذه الطريقة، وهي طريقة أبي حفص العكبري(٤) وغيره. (١) الكُرّ: مكيال لأهل العراق، وهو عندهم ستون قفيزاً. لسان العرب ٥/ ١٣٧. (٢) انتهى كلام السامري صاحب المستوعب. وكتاب البيوع منه لم يُطبع بعد. وانظر كلامه هذا في: مجموع الفتاوى ٥٠٤/٢٩. (٣) انظر: المغني ٦ / ٤١٦، قال: "والصحيح في المذهب خلافه". (٤) في الأصل: الطبري، وهو تصحيف. وهو عمر بن إبراهيم بن عبد الله، أبو حفص العكبري، له التصانيف السائرة، توفي سنة سبع و ثمانين وثلاثمائة. انظر: طبقات الحنابلة ١٦٣/٢-١٦٦.