Indexed OCR Text
Pages 1541-1560
١٥٤١ كتاب الجنائز وهذا ليس بشيء، ولا ذكر في الحديث لشيء من ذلك. ومن تدبر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على القبر والاتكاء إليه(١) والوطء عليه(٢)، علم أن النهي إنما كان احتراماً لسكانها أن يوطأ بالنعال فوق رؤوسهم. ولهذا يُنهى عن التغوط بين القبور، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الجلوس على الجمر حتى تحرق الثياب، خير من الجلوس على القبر(٣). ومعلوم أن هذا أخف من المشي بين القبور بالنعال. وبالجملة فاحترام الميت في قبرة بمنزلة احترامه في داره التي کان يسكنها في الدنيا، فإن القبر قد صار داره، وقد تقدم قوله صلى (١) في المطبوع: عليه. وهو تحريف. (٢) أما النهي عن الجلوس فسيأتي. وأما النهي عن الوطء فهو حديث الباب. وأما النهي عن الإتكاء، فقد روى الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن محمد بن المنكدر: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً موفياً -يعني متكئاً- على قبر، فقال: إنزل عن القبر)). انظر: معرفة السنن والآثار للبيهقي ٢٠٥/٣. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٦٦٧ في كتاب الجنائز، ٣٣ -النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه. ١٥٤٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية الله عليه وسلم: ((كسر عظم الميت ككسره حياً)(١). فدل على أن احترامه في قبره، کاحترامه في داره. والقبور هي ديار الموتى ومنازلهم ومحل تزاورهم، وعليها تنزل الرحمة من ربهم والفضل على محسنهم، فهي منازل المرحومين ومهبط الرحمة، ويلقى بعضهم بعضاً على أفنية قبورهم يتجالسون ويتزاورون كما تضافرت به الآثار(٢). ومن تأمل كتاب القبور لابن أبي الدنيا، رأى فيه آثارا كثيرة في ذلك(٣). فكيف يُستبعد أن يكون من محاسن الشريعة إكرام هذه المنازل عن وطئها بالنعال واحترامها؟! (١) أخرجه أبو داود في سننه ٣/ ٥٤٣ - ٥٤٤ في كتاب الجنائز، ٦٤ - باب في الحفّار يجد العظم هل يتنكب ذلك المكان؟ وابن ماجه في سننه ٥١٦/١ في كتاب الجنائز، ٦٣ - باب في النهي عن كسر عظام الميت. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٧٤٦. (٢) انظر ما ورد في تزاور الموتى في: مصنف عبد الرزاق ٤٣١/٣، ومصنف ابن أبي شيبة ٤٦٨/٢، وشعب الإيمان ٧/ ١٠، وتاريخ بغداد ٩/ ٨٠، والكامل لابن عدي ٣/ ٢٥٤، والتدوين في أخبار قزوين ٦٩/٣. (٣) كتاب القبور لابن أبي الدنيا مطبوع ضمن: "رسائل ابن أبي الدنيا في الزهد والرقائق والورع" ٣٠٥/٣-٣٩٥. ١٥٤٣ كتاب الجنائز بل هذا من تمام محاسنها، وشاهده ما ذكرناه من وطئها والجلوس عليها والاتكاء عليها. وأما تضعیف حدیث بشير، فمما لم نعلم أحداً طعن فيه، بل قد قال الإمام أحمد: إسناده جيد. وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان عبد الله بن عثمان يقول فيه: حديث جيد ورجل ثقة(١). وأما معارضته بقوله صلى الله عليه وسلم: («إنه ليسمع قرع نعالهم))، فمعارضة فاسدة؛ فإن هذا إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بالواقع، وهو سماع الميت قرع نعال الحي. وهذا لا يدل على الإذن في قرع القبور والمشي بينها بالنعال، إذ الإخبار عن وقوع الشيء لا يدل على جوازه ولا تحريمه ولا حكمه. فكيف يُعارض النهي الصريح به؟! قال الخطابي: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن توطأ [١٧١ / أ] القبور (٢). وقد روى ابن ماجه في سننه عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن أمشي على جمرة، أو سيف، أو أخصف نعلي برجلي، أحبُّ إلي من أن أمشي على (١) رواه ابن ماجه في سننه ١/ ٥٠٠ بعد تخريجه للحديث. (٢) انظر كلامه هذا في المغني ٥١٥/٣-٥١٦. ١٥٤٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قبر مسلم، وما أبالي أَوَسَطَ القبر -كذا قال- قَضيتُ حاجتي، أو وسط الطريق(١)))(٢). وعلى هذا فلا فرق بين النعل والجمجم والمداس والزربول. وقال القاضي أبو يعلى: ذلك مختص بالنعال(٣) لا يتعداها إلى غيرها، قال: لأن الحكم تعبد غير معلل، فلا يتعدى مورد (٤) النص(٤). وفيما تقدم كفاية في ردّ هذا، وبالله التوفيق. (١) في سنن ابن ماجه: السوق. (٢) سنن ابن ماجه ٤٩٩/١ في كتاب الجنائز، ٤٥- باب ما جاء في النهي عن المشي على القبور والجلوس عليها. وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه برقم: ١٢٧٣ . (٣) في المطبوع: بالنعال السبتية. وهو تحريف وخطأ؟ !! فالقاضي أبو يعلى يريد جنس النعال كلها. (٤) انظر كلامه هذا في المغني ٥١٥/٣. ١٥٤٥ كتاب الجنائز باب في زيارة النساء القبور(١) ذكر حديث ((لعن الله زوارات القبور)»(٢)، وكلام المنذري(٣). ثم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: وقد تقدم أن أبا حاتم خالفه في ذلك، وقال أبو صالح هذا هو ميزان (٤) ثقة، وليس بصاحب الكلبي ذاك اسمه باذام. وقد أخرج الترمذي من حديث عمر بن أبي سلمة عن أبيه (١) سنن أبي داود ٥٥٨/٣، الباب رقم: (٨٢). (٢) هو حديث أبي صالح يحدث عن ابن عباس قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُّرج)). وأخرجه الترمذي في جامعه ١٣٦/٢-١٣٧ في أبواب الصلاة، ٢٣٨ - باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجداً. وقال: حديث حسن. وابن ماجه في سننه ٥٠٢/١ في كتاب الجنائز، ٤٩- باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء للقبور. بالشطر الأول منه فقط. والحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٧٠٦. (٣) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٣٤٩/٤ -٣٥٠ متعقباً تحسين الترمذي للحديث: "وفيما قاله نظر، فإن أبا صالح هذا هو باذام، ويقال: باذان، مكي مولى أم هانئ بنت أبي طالب، وهو صاحب الكلبي، وقد قيل: إنه لم يسمع من ابن عباس، وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة. وقال ابن عدي: ولم أعلم أحداً من المتقدمين رضيه. وقد نُقل عن يحيى بن سعيد القطان وغيره تحسين أمره، فلعله يريد: رضيه حجة أو قال: هو ثقة" ا. هـ كلام المنذري. (٤) في الأصل: مهران. والتصويب كما سبق في الباب رقم: (٧٦). ١٥٤٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية عن أبي هريرة ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زَوّارات القبور)). قال: هذا حديث حسن صحيح(١). وأخرجه ابن حبان في صحيحه(٢). وفي الباب عن عائشة(٣) وحسان. وحديث حسان بن ثابت قد أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤). وروى ابن حبان في صحيحه من حديث ربيعة بن سيف المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال: («قبرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فلما فرغنا انصرف (١) جامع الترمذي ٣٧١/٣-٣٧٢ في كتاب الجنائز، ٦٢ -باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء. وأخرجه أيضاً ابن ماجه في سننه ١/ ٥٠٢ في كتاب الجنائز، ٤٩ - باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء للقبور. وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم: ٨٤٣. (٢) صحيح ابن حبان ٧/ ٤٥٢ مع الإحسان. (٣) لم أقف على حديث لها في لعن زوّارات القبور، بل الوارد عنها جوازه كما سیأتي، والله أعلم. (٤) مسند أحمد ٤٤٢/٣. وقد أخرجه ابن ماجه في سننه ١/ ٥٠٢ في كتاب الجنائز، ٤٩ - باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء القبور. وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه برقم: ١٢٧٩ . ١٥٤٧ كتاب الجنائز رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرفنا معه، فلما حاذى بابه(١) وتوسط الطريق، إذا نحن بامرأة مقبلة، فلما دنت إذا هي فاطمة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟! قالت: يا رسول الله: [أتيتُ](٢) أهل (٣) هذا الميت فعزّينا ميتهم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلعلك بلغت معهم الكدى، قالت: معاذ الله، وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر، قال: لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك))، فسألت ربيعة عن الكدى فقال: القبور (٤). قال أبو حاتم: يريد الجنة العالية التي يدخلها من لم يرتكب نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن فاطمة علمت النهي فيه قبل ذلك، والجنة هي جنان كثيرة لا جنة واحدة، والمشرك لا يدخل (١) في المطبوع: (حاذينا به)، مكان: (حاذى بابه). (٢) ليس في الأصل، وهي زيادة من صحيح ابن حبان يتضح بها المعنى. (٣) في المطبوع: رحمتُ على أهل. وهو تحريف. (٤) صحيح ابن حبان ٧/ ٤٥٠- ٤٥١ مع الإحسان. وأخرجه أبو داود في سننه ٤٩٠/٣-٤٩١ في كتاب الجنائز، ٢٦ - باب في التعزیه. والنسائي في المجتبى ٣٢٧/٤-٣٢٨ في كتاب الجنائز، ٢٧ - باب النعي. ثم قال: "ربيعة ضعيف". وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٦٨٤. ١٥٤٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية الجنة أصلاً، لا عالية ولا سافلة ولا ما بينهما(١). وقد طعن غيره في هذا الحديث وقالوا: هو غير صحيح؛ لأن ربيعة [١٧١/ ب] بن سيف هذا ضعيف الحديث عنده مناكير(٢). وقد اختلف في زيارة القبور للنساء(٣) على ثلاثة أقوال: أحدها: التحريم؛ لهذه الأحاديث. والثاني: يكره من غير تحريم. وهذا منصوص أحمد في إحدى الروايات عنه (٤). وحجة هذا القول: حديث أم عطية المتفق عليه: ((نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا))(٥). وهذا يدل على أن النهي عنه للكراهة، لا للتحريم. والثالث: أنه مباح لهن غير مكروه. وهو الرواية الأخرى عن أحمد(٦). (١) صحيح ابن حبان ٧/ ٤٥١ مع الإحسان. (٢) انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب ٢٥٥/٣-٢٥٦. (٣) في المطبوع: النساء للمقابر !! (٤) انظر: المغني ٥٢٣/٣، والإنصاف ٥٤٣/٢. وهذا هو المذهب. (٥) صحيح البخاري ٣/ ١٧٣ مع الفتح، في كتاب الجنائز، ٢٩ - باب اتباع النساء الجنائز. وصحيح مسلم ٦٤٦/٢ في كتاب الجنائز، ١١ - باب نهي النساء عن اتباع الجنائز. (٦) انظر: المغني ٥٢٣/٣. ١٥٤٩ كتاب الجنائز واحتُجّ لهذا القول بوجوه: أحدها: ما روى مسلم في صحيحه من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها))(١). وفيه أيضاً عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((زوروا القبور، فإنها تذكر الموت))(٢). قالوا: وهذا الخطاب يتناول النساء بعمومه، بل هن المراد به، فإنه إنما عُلم نهيه عن زيارتها للنساء دون الرجال، وهذا صريح في النسخ؛ لأنه قد صرح فيه بتقدم النهي، ولا ريب في أن المنهي عن زيارة القبور هو المأذون له فيها، والنساء قد نهين عنها، فيتناولهن الأذن. قالوا: وأيضاً فقد قال عبد الله بن أبي ملكية لعائشة: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن، فقلت لها: قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور. قالت: نعم قد نهى ثم أمر بزيارتها(٣). (١) صحيح مسلم ٢/ ٦٧٢ في كتاب الجنائز، ٣٦- باب استئذان النبي صلى الله علیه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه. (٢) صحيح مسلم ٢/ ٦٧١ في كتاب الجنائز، ٣٦ - باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه. من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٩٤/١، وصححه الذهبي في التلخيص. ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٧٨/٤. ١٥٥٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية رواه البيهقي من حديث يزيد بن زريع عن بسطام بن مسلم عن أبي التياح عن ابن أبي مليكة قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بُجُبشيّ(١)، فحُمل إلى مكة فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبر عبد الرحمن فقالت: وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا (٢) فلما تفرقنا كأني ومالكاً ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك(٣). قالوا: وأيضاً فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس قال: («مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة عند قبر تبكي على صبي لها، فقال لها: اتقي الله واصبري، فقالت: وما تبالي بمصيبتي، فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذها مثل الموت، (١) انظر: تهذيب التهذيب ٦/ ١٣٣. (٢) هي أبيات لمتمم بن نويرة اليربوعي، شاعر فحل، صحابي من أشراف قومه، أشهر شعره رثائه لأخيه مالك، وهذا منه. انظر: جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام ص: ٣٣٤. (٣) لم أقف عليه عند البيهقي. وقد رواه الترمذي في جامعه ٣٧١/٣ في کتاب الجنائز، ٦١-باب. وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي برقم: ١٧٧ . ١٥٥١ كتاب الجنائز فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أعرفك؟ فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى)). وترجم عليه البخاري: باب زيارة القبور(١). قالوا: [١/١٧٢] ولأن تعليله زيارتها بتذكير الآخرة أمر يشترك فيه الرجال والنساء، وليس الرجال بأحوج إليه منهن. قال الأولون: أحاديث التحريم صريحة في معناها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن النساء على الزيارة. واللعن على الفعل من أدل الدلائل على تحريمه، ولا سيما وقد قرنه في اللعن بالمتخذين عليها المساجد والسرج. وهذا غير منسوخ بل لعن في مرض موته من فعله، كما تقدم. قالوا: وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كنت نهيتكم)) إنما هو صيغة خطاب الذكور والإناث، وإن دخلن فيه تغليباً، فهذا حيث لا يكون دليل صريح يقتضي عدم دخولهن، وأحاديث التحريم من أظهر القرائن على عدم دخولهن في خطاب الذكور. قالوا: وأما قولكم: إن النهي إنما كان للنساء خاصة فغير صحيح؛ لأن قوله: ((كنت نهيتكم))، خطاب للذكور أصلاً ووضعاً، (١) صحيح البخاري ٣/ ١٧٧ مع الفتح في كتاب الجنائز، ٣١ - باب زيارة القبور. وصحيح مسلم ٦٣٧/٢-٦٣٨ في كتاب الجنائز، ٨- باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى. ١٥٥٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية فلا بدّ وأن يتناولهم(١). ولو كان النهي إنما كان للنساء خاصة لقال: كنت نهيتكن، ولم يقل: ((نهيتكم))، بل كان في أول الإسلام قد نهى عن زيارة القبور صيانة لجانب التوحيد وقطعاً للتعلق بالأموات، وسداً لذريعة الشرك التي أصلها (٢) من عبادة القبور، كما قال ابن عباس(٣). فلما تمكن التوحيد من قلوبهم واضمحل الشرك، واستقر الدين، أذن في زيارة يحصل بها مزيد الإيمان، وتذكير ما خلق العبد له من دار البقاء، فأذن حينئذ فيها، فكان نهيه عنها للمصلحة، وإذنه فيها للمصلحة. وأما النساء، فإن هذه المصلحة وإن كانت مطلوبة منهن، لكن ما يقارن زيارتهن من المفاسد التي يعلمها الخاص والعام، من فتنة الأحياء وإيذاء الأموات، والفساد الذي لا سبيل إلى دفعه إلا (١) في المطبوع: يتناولهم وحدهم. بزيادة "وحدهم"، وهذه الزيادة خطأ. (٢) في المطبوع: أصلها تعظيم القبور. وهو تحريف لما في الأصل. (٣) روى البخاري في صحيحه ٨/ ٥٣٥ مع الفتح في كتاب التفسير، ٧١ -سورة نوح، ١- باب ﴿وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾. عن ابن عباس قال: ((صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد ... أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسمّوها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عُبدت)). ١٥٥٣ كتاب الجنائز بمنعهن منها، أعظم مفسدة من مصلحة يسيرة تحصل يسيرة، تحصل لهن بالزيارة، والشريعة مبناها على تحريم الفعل إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته، ورجحان هذه المفسدة لا خفاء به، فمنعهن من الزيارة من محاسن الشرع. وقد روى البيهقي وغيره من حديث محمد بن الحنفية عن علي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في جنازة، فرأى نسوة جلوساً فقال: ما يجلسكن؟ فقلن: الجنازة. فقال: أتحملن فيمن يحمل؟ قلن: لا. قال: فتدلين فيمن يدلي؟ قلن: لا. قال: فتغسلن فيمن يغسل؟ قلن: لا. قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات)). وفي رواية: ((فتحثين فيمن يحثو))، ولم يذكر الغسل(١). فهذا يدل على أن اتباعهن الجنازة وزر، لا أجر لهن فيه، إذ لا مصلحة لهن ولا للميت في اتباعها، [١٧٢ / ب] بل(٢) مفسدة للحي والميت. قالوا: وأما حديث عائشة فالمحفوظ فيه حديث الترمذي مع (١) السنن الكبرى للبيهقي ٤ / ٧٧. وقد رواه ابن ماجه في سننه ٥٠٢/١-٥٠٣ في كتاب الجنائز، ٥٠- باب ما جاء في اتباع الجنائز للنساء. نحوه. وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه برقم: ٣٤٤. (٢) في المطبوع: لها بل فيه. وهي زيادات لا داعي لها !!! ١٥٥٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ما فيه(١). وعائشة إنما قدمت مكة للحج، فمرّت على قبر أخيها في طريقها، فوقفت عليه، وهذا لا بأس به، إنما الكلام في قصد الخروج لزیارتهن(٢) . ولو قُدّر أنها عدلت إليه وقصدت زيارته، فهي قد قالت: ((لو شهدتك لما زرتك)). وهذا يدل على أنه من المستقر المعلوم عندها أن النساء لا يشرع لهنّ زيارة القبور، وإلا لم يكن في قولها ذلك معنى. وأما رواية البيهقي وقولها: ((نهى عنها، ثم أمر بزيارتها))، ](٣). فهي من رواية بسطام بن مسلم [ ولو صح فهي تأولت ما تأول غيرها من دخول النساء، والحجة في قول المعصوم، لا في تأويل الراوي، وتأويله إنما يكون مقبولاً حيث لا يعارضه ما هو أقوى منه، وهنا (٤) قد عارضه (١) وقد سبق تخريجه. (٢) في المطبوع: لزيارة القبور !!!. (٣) بياض في الأصل مقدار سبع كلمات. وقد قال البيهقي بعد روايته للحديث: تفرد به بسطام بن مسلم البصري، والله أعلم. (٤) في المطبوع: وهذا. ١٥٥٥ كتاب الجنائز أحاديث بالمنع. قالوا: وأما حديث أنس فهو حجة لنا، فإنه لم يقرها، بل أمرها بتقوى الله التي هي فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ومن جملتها النهي عن الزيارة، وقال لها: (اصبري))، ومعلوم أن مجيئها إلى القبر وبكاءها مناف للصبر، فلما أبت أن تقبل منه ولم تعرفه انصرف عنها، فلما علمت أنه صلى الله عليه وسلم هو الآمر لها، جاءته تعتذر إليه من مخالفة أمره. فأي دليل في هذا على جواز زيارة النساء؟! وبعدُ فلا يُعلم أن هذه القضية بعد(١) لعنته صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، ونحن نقول: إما أن تكون دالة على الجواز؛ فلا دلالة على تأخرها عن أحاديث المنع. أو تكون دالة على المنع، فأمرها بتقوى الله فلا دلالة فيها على الجواز. فعلى التقديرين لا تعارض أحاديث المنع ولا يمكن دعوى نسخها بها، والله أعلم. وأما قول أم عطية: ((تهينا عن اتباع الجنائز)) فهو حجة (١) في المطبوع: كانت بعد. ١٥٥٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية للمنع، وقولها: ((ولم يعزم علينا)) إنما نفت فيه وصف النهي، وهو النهي المؤكد بالعزيمة. وليس ذلك شرطاً في اقتضاء التحريم، بل مجرد النهي كافٍ، ولما نهاهن انتهين لطواعيتهن لله ولرسوله فاستغنين عن العزيمة، (١) وأم عطية لم تشهد العزيمة في ذلك النهي. وقد دلت أحاديث "لعنة الزائرات" على العزيمة، فهي مثبتة للعزيمة فيجب تقديمها، وبالله التوفيق. (١) في المطبوع: عن العزيمة عليهن. ١٥٥٧ كتاب الجنائز باب المحرم يموت كيف يُصنع به؟(١) ذكر قول أبي داود: " سمعت أحمد بن حنبل " إلى آخره(٢). قال الحافظ شمس الدين ابن القيم: وفتح الإمام أحمد لمن بعده [١٧٣ /أ] خمس سنن أخری: (١) سنن أبي داود ٣/ ٥٦٠- ٥٦١، الباب رقم: (٨٤). ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٤/ ٣٥٢. عند حديث ابن عباس قال: ((أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل وقصته راحلته، فمات وهو محرم، فقال: كفنوه في ثوبيْه، واغسلوه بماء وسدر، ولا تخمّروا رأسه؛ فإن الله يبعثه يوم القيامة يُلبّي)». وأخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ١٦٢ مع الفتح في كتاب الجنائز، ١٩ - باب الکفن في ثوبین. ومسلم في صحيحه ٢/ ٨٦٥ في كتاب الحج، ١٤ - باب ما يفعل بالمحرم إذا مات. والترمذي في جامعه ٢٨٦/٣ في كتاب الحج، ١٠٥ - باب ما جاء في المحرم يموت في إحرامه. وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي في المجتبى ٣٣٩/٤ -٣٤٠ في كتاب الجنائز، ٤١- كيف يكفن المحرم إذا مات. وابن ماجه في سننه ٢/ ١٠٣٠ في كتاب المناسك، ٨٩- باب المحرم يموت. (٢) قال أبو داود في سننه بعد روايته للحديث: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: في هذا الحديث خمس سنن: («كفنوه في ثوبيه))، أي: يكفن الميت في ثوبين، ((واغسلوه بماء وسدر)»، أي: إن في الغسلات كلها سدراً. ((ولا تخمروا رأسه). ((ولا تقربوه طییاً»، وکان الكفن من جمیع المال" ا.هـ كلام أبي داود. ١٥٥٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية أحدها: أن المحرم لا يمنع من الغسل بالسدر. الثانية: أن الإحرام لا ينقطع بالموت، خلافاً لمن قال: يبطل إحرامه. فاستغنى الإمام أحمد عن ذكر هذه بقوله: "ولا تخمّروا رأسه، ولا تقربوه طيباً " فإن هذا يدل على أمرين: أحدهما: منع المحرم من ذلك. والثاني: أن المحرم الميت يُجنّب ما يجتنبه المحرم الحي. الثالثة: أن المحرم ممنوع من تغطية وجهه، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد(١). الرابعة: أن الماء المتغيّر بالطاهرات لا تزول طهوريته؛ لأنه أمر بغسله بماء وسدر، ولم يخصّ غسلة من غسلة. الخامسة: كما يدل على أن الكفن من جميع المال لا من الثلث؛ لعدم استفصاله، فهو دال على أنه مقدّم على الدين أيضاً؛ لعدم الاستفصال، وهذا كما يُقدّم ما يستره في حياته على حق الغرماء، كذلك ما يستره في مماته، والله أعلم. (١) انظر: المغني ١٥٣/٥، والإنصاف ٤٦٣/٣-٤٦٤. وعنه أنه يجوز، وعليها المذهب. انظر المصادر السابقة. ١٥٥٩ كتاب الأيمان والنذور [كتاب الأيمان والنذور](١) باب لغو اليمين(٢) ذكر حديث: ((لا والله بلى والله))(٣)، إلى قول المنذري: "موقوفاً "(٤). قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: الصواب في هذا أنه قول عائشة، كذلك رواه الناس، وهو في صحيح البخاري عن عائشة قولها (٥). ورواه ابن حبان في صحيحه عن عائشة مرفوعاً (٦). (١) زيادة وضعتها للتوضيح. وليست في الأصل. (٢) سنن أبي داود ٣/ ٥٧١-٥٧٢، الباب رقم: (٧). (٣) هو حديث عطاء في اللغو في اليمين قال: قالت عائشة: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هو كلام الرجل في بيته، كلا والله، وبَلى والله)). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٧٨٩. (٤) مختصر سنن أبي داود ٣٥٩/٤ حيث قال عقب الحديث: "وذكر -أي أبو داود- أن غير واحد رواه عن عطاء عن عائشة موقوفاً" ا.هـ كلام المنذري. (٥) صحيح البخاري ٥٥٦/١١ مع الفتح، في کتاب الأيمان والنذور، ١٤ - باب ﴿لَا يُؤَاخِذْكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. (٦) صحيح ابن حبان ١٧٦/١٠ مع الإحسان. ١٥٦٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية باب الاستثناء في الیمین(١) ذكر حديث: ((فقد استثنى»(٢)، وقال الترمذي: "حسن"(٣). قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: ولفظ النسائي: ((فله ثُنياه)) (٤). وفي لفظ له: ((فهو بالخيار إن شاء مضى(6)، وإن شاء ترك))(٦). ولفظ الترمذي: ((فلا حنث عليه))(٧). (١) سنن أبي داود ٣/ ٥٧٥، الباب رقم: (١١). (٢) هو حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فقد استثنى)). وأخرجه الترمذي في جامعه ٩١/٤ في كتاب النذور والأيمان، ٧ -باب ما جاء في الاستثناء في الیمین. وقال: حديث حسن. والنسائي في المجتبى ١٨/٧ في كتاب الأيمان، ١٨ -من حلف فاستثنى. وابن ماجه في سننه ١/ ٦٨٠ في كتاب الكفارات، ٦ - باب الاستثناء في اليمين. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٧٩٤. (٣) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٤/ ٣٦٠. (٤) السنن الكبرى للنسائي ١٤٠/٣. (٥) في سنن النسائي: "أمضى". (٦) سنن النسائي المجتبى ٣٢/٧ في كتاب الأيمان، ٣٩- الاستثناء. (٧) جامع الترمذي ٩١/٤ في كتاب النذور والأيمان، ٧- باب ما جاء في الاستثناء في الیمین.