Indexed OCR Text

Pages 1181-1200

١١٨١
كتاب الصيام
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((يا أبا الدرداء لا تخص يوم الجمعة
بصيام دون الأيام، ولا تخص ليلة الجمعة بقيام دون الليالي)» (١).
فذهب طائفة من أهل العلم إلى القول بهذه الأحاديث، منهم
أبو هريرة(٢)، وسلمان(٣)، وقال به أحمد (٤)، والشافعي(٥).
وقال مالك(٦) وأبو حنيفة(٧): لا يكره.
وفي الموطأ قال مالك: لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه
ومن یقتدى به، ینھی عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد
رأیت بعض أهل العلم یصومه، وأُراه کان يتحراه(٨).
(١) السنن الكبرى للنسائي ١٤١/٢. وهو مرسل، إذ رواية ابن سيرين عن أبي
الدرداء مرسلة.
انظر: المراسيل لابن أبي حاتم ص: ١٥١، وجامع التحصيل للعلائي ص: ٢٦٤.
(٢) كما يدل عليه قوله: ما أنا نهيت عن صيام يوم الجمعة ....
(٣) إذ ورد في سبب حديث أبي الدرداء السابق أن سلمان لم يدع أبا الدرداء يحيي
ليلة الجمعة ويصوم يومها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي الدرداء:
((عويمر، سلمان أعلم منك، لا تخص ليلة الجمعة ... )) وذكر الحديث.
أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ٢١٨/٦.
(٤) انظر لمذهب الحنابلة: المغني ٤٢٦/٤-٤٢٧، والإنصاف ٣٤٧/٣.
(٥) انظر لمذهب الشافعية: المهذب ١٨٩/١، وحلية العلماء ١٧٨/٣.
(٦) انظر لمذهب المالكية: الكافي ص: ١٢٩، وحاشية الدسوقي ١/ ٥٣٤.
(٧) انظر لمذهب الحنفية: البحر الرائق ٢٧٨/٢، وحاشية ابن عابدين ٣٧٥/٢.
(٨) الموطأ ١/ ٣١١.
٠

١١٨٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قال الداودي(١): لم يبلغ مالكاً هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه(٢).
وقد روى النسائي عن زر (٣) عن ابن مسعود: ((أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقلما
رأيته يفطر يوم الجمعة))(٤).
وإسناده صحيح، ولا معارضة بينه وبين أحاديث النهي؛ إذ
ليس فيه أنه كان يفرده بالصوم، والنهي إنما هو عن الإفراد فمتى
وصله(٥) زال النھي.
(١) هو: أحمد بن نصر الداودي الأسدي أبو جعفر، من أئمة المالكية بالمغرب، كان
فقيهاً فاضلاً متقناً مؤلفاً، من مؤلفاته: النامي في شرح الموطأ، والواعي في
الفقه، والنصيحة في شرح البخاري، والإيضاح في الرد على القدرية، توفي
رحمه الله سنة ثنتين وأربعمائة. انظر: الديباج المذهب ص: ٣٥.
(٢) نقله المنذري في مختصر سنن أبي داود ٣/ ٢٩٧.
(٣) في المطبوع: زر بن حبيش. وهو كذلك، إلا أن زيادات المحقق التوضيحية
مكانها الحاشية لا الأصل، وإذا كانت ضرورية فتوضع في المتن بين معقوفين.
(٤) السنن الكبرى ٢/ ١٤٣. ونحوه قريباً منه في المجتبى ٥١٩/٤ في كتاب الصيام،
٧٠-باب صوم النبي صلی الله عليه وسلم.
وأخرجه ابن ماجه في سننه ١/ ٥٤٩ في كتاب الصيام، ٣٧ -باب في صيام يوم
الجمعة. مقتصراً على الفقرة الأخيرة فقط.
وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم: ٢٢٣٢.
(٥) في المطبوع: وصله بغيره.

١١٨٣
كتاب الصيام
النهي أن يخص يوم السبت(١)
ذكر أبو داود حديث عبد الله بن بسر عن أخته الصماء (٢)،
فساق كلام المنذري إلى آخر الباب(٣)، ثم قال الشيخ شمس الدين:
حديث عبد الله بن بسر هذا رواه جماعة عن خالد بن معدان عن
عبد الله بن بسر عن أخته الصماء(٤).
ورواه النسائي عن عبد الله بن بسر عن النبي صلى الله
عليه وسلم(٥).
(١) سنن أبي داود ٢/ ٨٠٥، الباب رقم: (٥١).
(٢) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تصوموا يوم السبت إلا في ما افترض
عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه)). ثم قال أبو
داود: وهذا الحديث منسوخ.
وأخرجه الترمذي في جامعه ١٢٠/٣ في كتاب الصوم، ٤٣- باب ما جاء في
صوم يوم السبت. ثم قال: "هذا حديث حسن، ومعنى كراهته في هذا أن
يخصّ الرجل يوم السبت بصيام، لأن اليهود تعظم يوم السبت".
وابن ماجه في سننه ٢/ ٥٥٠ كتاب الصيام، ٣٨ - باب ما جاء في صيام يوم السبت.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢١١٦.
(٣) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٢٩٩/٣ - ٣٠٠.
(٤) وهو ما سبق تخريجه آنفاً.
(٥) السنن الكبرى للنسائي ١٤٣/٢.
ورواه ابن ماجه في سننه ١/ ٥٥٠ في كتاب الصيام، ٣٨ - باب ما جاء في صيام
يوم السبت. وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه برقم: ١٤٠٣.
.

١١٨٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ورواه أيضاً عن الصماء عن عائشة عن النبي صلى الله عليه
وسلم (١). فهذه ثلاثة أوجه.
وقد أشكل هذا الحديث على الناس قديماً وحديثاً (٢).
فقال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن صيام
يوم السبت، يفترد (٣) به؟ فقال: أما صيام يوم السبت يفترد به، فقد
جاء فيه ذلك الحديث، حديث الصماء.
-یعني حدیث ثور بن یزید عن خالد بن معدان عن عبد الله
بن بسر عن أخته الصماء عن النبي صلى الله عليه وسلم ((لا
تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم)) -.
قال أبو عبد الله: یحیی بن سعید ینفیه(٤)، ابی أن يحدثني به،
وقد كان سمعه من ثور، قال: فسمعته من أبي عاصم (٥).(٦)
(١) السنن الكبرى للنسائي ١٤٥/٢.
(٢) وقد أفرد هذه المسألة بالتصنيف فضيلة الشيخ محمد الحمود النجدي الكويتي
بجزء سماه: القول الثبت في صوم يوم السبت، طبع عام ١٤١٤ هـ.
(٣) كذا العبارة في الأصل: "يفترد". وهي كذلك في المغني لابن قدامة، وأيضاً في
اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية.
(٤) كذا ضبطت هذه الكلمة في الأصل. وفي المغني واقتضاء الصراط المستقيم
جاءت: "يتّقيه".
(٥) رواه أحمد في المسند ٣٦٨/٦-٣٦٩.
(٦) انظر رواية الأثرم في: المغني ٤٢٨/٤، واقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٥٧٢.

١١٨٥
كتاب الصيام
قال الأثرم: حجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم
السبت؛ أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر:
منها: حديث أم سلمة حين سئلت أي الأيام كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم أكثر صياماً لها؟ فقالت: السبت والأحد(١).
ومنها حديث جويرية [١٣١/ ب] أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال لها يوم الجمعة: ((أصمت أمس؟)) قالت: لا. قال:
((أتريدين أن تصومي غداً؟))(٢).
فالغد هو یوم السبت.
وحديث أبي هريرة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن
صوم يوم الجمعة؛ إلا بيوم(٣) قبله أو يوم بعده (٤).
فاليوم الذي بعده هو يوم السبت.
(١) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٣٢٤.
وصححه ابن خزيمة فأخرجه في صحيحه ٣١٨/٣، وابن حبان أخرجه في
صحيحه ٣٨١/٨ مع الإحسان، والحاكم فأخرجه في المستدرك ٤٣٦/١
ووافقه الذهبي.
وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم: ١٠٩٩.
(٢) سبق تخريجه في الباب السابق.
(٣) في المطبوع: إلا مقروناً بيوم.
(٤) سبق تخريجه أيضاً في الباب السابق.

١١٨٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال: ((من صام رمضان وأتبعه بست من شوال))(١).
وقد يكون فيها السبت.
وأمر بصيام البيض(٢).(٣)
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٨٢٢/٢ في كتاب الصيام، ٣٩ - باب استحباب
صوم ستة أيام من شوال إتباعاً لرمضان. عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان
كصيام الدهر)).
وأخرجه الترمذي في جامعه ١٣٢/٣ في كتاب الصوم، ٥٣- باب ما جاء في
صيام ستة أيام من شوال. وقال: "حسن صحيح". بنفس لفظ مسلم إلا في
آخره قال: «فذلك صيام الدهر)).
وأخرجه ابن ماجه في سننه ١/ ٥٤٧ في كتاب الصيام، ٣٣ -باب صيام ستة أيام من
شوال. بلفظ: ((من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال، كان كصوم الدهر)).
ولفظ ابن ماجه أقرب الألفاظ لما في المتن، إلا أن كلها فيها ((ثم أتبعه))،
والمذكور في المتن ((وأتبعه)).
(٢) في المطبوع: الأيام البيض.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ٨٢١/٢ في كتاب الصوم، ٦٨- باب في صوم
الثلاث من کل شهر.
والنسائي في المجتبى ٥٤٢/٤ في كتاب الصيام، ٨٤- بذكر الاختلاف على
موسى بن طلحة ... .
وابن ماجه في سننه ٥٤٤/١ في كتاب الصيام، ٢٩ - باب ما جاء في صيام ثلاثة
أیام من کل شهر.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم: ٢١٣٩.

١١٨٧
كتاب الصيام
قد يكون فيها السبت.
ومثل هذا كثير(١).
فقد فهم الأثرم من كلام أبي عبد الله أنه توقف عن الأخذ
بالحديث، وأنه رخّص في صومه، حيث ذكر الحديث الذي يحتج به
في الكراهة.
وذكر أن الإمام علّل حديث يحيى بن سعيد، وكان ينفيه(٢)
وأبى أن يُحدّث به، فهذا تضعيف للحديث.
واحتج الأثرم بما ذكر من (٣) النصوص المتواترة على صوم
یوم السبت.
يبقى (٤) أن يُقال: يمكن حمل النّصوص الدالة على صومه،
على ما إذا صامه مع غيره، وحديث النهي على صومه وحده،
وعلى هذا تتفق النصوص.
وهذه طريقة جيدة لولا أن قوله في الحديث: ((لا تصوموا
يوم السبت؛ إلا فيما افترض عليكم))، دليل على المنع من صومه
في غير الفرض مفرداً، أو مضافاً؛ لأن الاستثناء دليل التناول، وهو
(١) نقل كلام الأثرم هذا: ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٥٧٢-٥٧٤.
(٢) أو: "يتقيه". كما سبق.
(٣) في المطبوع: في.
(٤) في المطبوع: يعني. وهو تحريف.

١١٨٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
يقتضي أن النهي عنه يتناول كل صور صومه، إلا صورة الفرض.
ولو كان إنما يتناول صورة الإفراد لقال: "لا تصوموا يوم السبت،
إلا أن تصوموا يوماً قبله، أو يوما بعده"، كما قال في الجمعة.
فلما خصّ الصورة المأذون في صومها بالفرضية، علم تناول
النهي لما قابلها.
وقد ثبت صوم يوم السبت مع غيره بما تقدم من الأحاديث
وغيرها، کقوله في يوم الجمعة: «إلا أن تصوموا یوما قبله، أو يوما
بعده))(١)، فدل على أن الحديث غير محفوظ، وأنه شاذ.
وقد قال أبو داود قال مالك: هذا كذب(٢). وذكر بإسناده
عن الزهري، أنه كان إذا ذكر له النهي عن صيام يوم السبت يقول:
هذا حديث حمصي(٣).
وعن الأوزاعي قال: ما زلت كاتماً له، حتى رأيته انتشر، يعني
حديث ابن بسر هذا (٤).
وقالت طائفة منهم أبو داود: هذا حديث منسوخ (٥).
(١) وقد سبق تخريجه.
(٢) سنن أبي داود ٢/ ٨٠٧.
(٣) سنن أبي داود ٨٠٦/٢.
(٤) سنن أبي داود ٢/ ٨٠٧.
(٥) سنن أبي داود ٢/ ٨٠٦.

١١٨٩
كتاب الصيام
وقالت طائفة: وهم أكثر أصحاب أحمد(١)، الحديث(٢) محكم
وأخذوا به في كراهة إفراده بالصوم، وأخذوا بسائر الأحاديث في
صومه مع ما یلیه.
قالوا: وجواب أحمد يدل على هذا التفصيل، فإنه سئل في
رواية الأثرم عنه فأجاب بالحديث، وقاعدة مذهبه أنه إذا سئل عن
حكم فأجاب فيه بنص يدل عليه، أن جوابه [١٣٢ / أ] بالنص دليل
على أنه قائل به؛ لأنه ذكره في معرض الجواب، فهو متضمن
للجواب والاستدلال معاً.
قالوا: وأما ما ذكره عن يحيى بن سعيد، فإنما هو بيان لما وقع
من الشبهة في الحديث.
قالوا: وإسناده صحيح، ورواته غير مجروحين ولا متهمين،
وذلك يوجب العمل به، وسائر الأحاديث ليس فيها ما يعارضه،
لأنها تدل على صومه مضافاً، فيحمل النهي على صومه مفرداً،
کما ثبت في يوم الجمعة.
ونظير هذا الحكم أيضاً، كراهة إفراد رجب بالصوم، وعدم
كراهته موصولاً بما قبله أو بعده(٣).
(١) انظر: المغني ٤٢٨/٤، واقتضاء الصراط المستقيم ٥٧٥/٢.
(٢) ساقطة من المطبوع.
(٣) انظر: المغني ٤٢٩/٤.

١١٩٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ونظيره أيضاً ما حمل الإمام أحمد عليه حديث العلاء بن
عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة في النهي عن الصوم بعد
انتصاف شعبان(١)، أنه النهي عن ابتداء الصوم فيه، وأما صومه مع
ما قبله من نصفه الأول؛ فلا يكره(٢).
قالوا: وقد جاء هذا مصرحاً به، في صوم يوم السبت، ففي
مسند الإمام أحمد من حديث ابن لهيعة حدثنا موسى بن وردان عن
عبيد الأعرج حدثتني جدتي -يعني الصماء -: أنها دخلت على
رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السبت وهو يتغدى، فقال:
(تعالي تغدي)). فقالت: إني صائمة. فقال لها: ((أصمت أمس؟))
قالت: لا. قال: ((كلي فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك))(٣).
وهذا وإن كان في إسناده من لا يحتج به إذا انفرد، لكن يدل
عليه ما تقدم من الأحاديث(٤).
وعلى هذا فيكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا
(١) أخرجه أبو داود في سننه ٢/ ٧٥١ في كتاب الصوم، ١٢ - باب في كراهية
ذلك. وقد سبق ذكره وتخريجه في الباب المذكور.
(٢) انظر: المغني ٤ /٣٢٧.
(٣) مسند أحمد ٣٦٨/٦.
(٤) قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم ٥٧٦/٢: "وهذا وإن كان
إسناده ضعيفاً، لكن يدل عليه سائر الأحاديث".

١١٩١
كتاب الصيام
تصوموا يوم السبت))، أي لا تقصدوا صومه بعينه إلا في الفرض، فإن
الرجل يقصد صومه بعينه بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت،
كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت؛ فإنه يصومه وحده(١).
وأيضاً: فقصده بعينه في الفرض لا يكره بخلاف قصده بعينه
في النفل؛ فإنه يكره، ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه، أو
موافقته عادة، فالمزيل للكراهة في الفرض مجرد كونه فرضاً، لا
المقارنة بينه وبين غيره، وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه
أو موافقته عادة، ونحو ذلك.
قالوا: وأما قولكم: "إن الاستثناء دليل التناول" إلى آخره، فلا
ريب أن الاستثناء أخرج صورة الفرض من عموم النهي، وصورة
الاقتران بما قبله أو بما بعده أخرجت بالدليل الذي تقدم(٢)، فكلا
الصورتين مخرج؛ أما الفرض فبالمخرج المتصل، وأما صومه مضافاً،
فبالمخرج المنفصل، فبقيت صورة الإفراد واللفظ متناول لها، ولا
مخرج لها من عمومه فيتعين حمله عليها.
(١) قلت: وهذه صورة نادرة، وحمل الحديث على هذه الصورة النادرة فقط لا
يصح، إذ لو كان مراد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصورة النادرة لنصّ
عليها، ولا يكون ذلك بنص عام لجمع الأمة ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما
افترض عليكم)»، ثم يكون المقصود منه صورة واحدة فقط. والله أعلم.
(٢) وهو دليل ضعيف.

١١٩٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ثم اختلف [١٣٢/ ب] هؤلاء في تعليل الكراهة:
- فعللها ابن عقيل بأنه يوم يمسك فيه اليهود، ويخصونه
بالإمساك، وهو ترك العمل فيه، والصائم في مظنة ترك العمل،
فيصير صومه تشبهاً بهم، وهذه العلة منتفية في الأحد(١).
ولا يُقال: فهذه العلة موجودة إذا صامه مع غيره ومع هذا
فإنه لا يكره، لأنه إذا صامه مع غيره لم يكن قاصداً إلى (٢) تخصيصه
المقتضي للتشبّه، وشاهده استحباب صوم يوم قبل عاشوراء وبعده
إليه، لتنتفي صورة الموافقة(٣).
(١) ذكر تعليل ابن عقيل هذا: شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٥٧٧.
(٢) ساقطة من المطبوع.
(٣) روى مسلم في صحيحه ٧٩٨/٢ في كتاب الصيام، ٢٠ - باب أيّ يوم يصام
في عاشوراء عن عبد الله بن عباس يقول: حين صام رسول الله صلى الله عليه
وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تُعظّمه اليهود
والنصارى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فإذا كان العام المقبل إن
شاء الله صُمنا اليوم التاسع».
أما صيام يوم بعد عاشوراء، فقد روى أحمد ٢٤١/١ عن عبد الله بن عباس
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صوموا يوم عاشوراء وخالفوا
فیه اليهود، وصوموا قبله يوماً أو بعده يوماً)).
وصححه ابن خزيمة إذ أخرجه في صحيحه ٢٩٠/٣-٢٩١.
وضعفه الألباني في تعليقه على صحيح ابن خزيمة مرفوعاً، وصححه موقوفاً.

١١٩٣
كتاب الصيام
وعللة طائفة أخرى بأنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظمونه،
فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيماً له، فكره ذلك، كما كره
إفراد يوم عاشوراء بالتعظيم لما عظمه أهل الكتاب، وإفراد رجب
أيضاً، لما عظمه المشركون(١).
وهذا التعليل قد يعارض بيوم الأحد، فإنه يوم عيد
للنصارى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اليوم لنا، وغدا
للیهود، وبعد غد للنصارى»(٢)، ومع ذلك فلا یکره صومه.
وأيضاً: فإذا كان يوم عيد، فقد يُقال: مخالفتهم فيه يكون
بالصوم لا بالفطر، فالصوم فيه تحقيق للمخالفة، ويدل على ذلك ما
رواه الإمام أحمد(٣) والنسائي(٤) وغيرهما من حديث كريب مولى
ابن عباس قال: أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم إلى أم سلمة أسألها، أي الأيام كان النبي صلى الله
عليه وسلم أكثرها صياماً؟ قالت: ((كان يصوم السبت ويوم الأحد
أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: إنهما يوما عيد للمشركين، فأنا
(١) ذكر هذا التعليل شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٥٧٧.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٥٨٥/٢ -٥٨٦ في كتاب الجمعة، ٦ - باب هداية
هذه الأمة ليوم الجمعة.
(٣) مسند الإمام أحمد ٦/ ٣٢٤.
(٤) السنن الكبرى للنسائي ١٤٦/٢.

١١٩٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
أحب أن أخالفهم)، وصححه بعض الحفاظ(١).
فهذا نصّ في استحباب صوم يوم عيدهم، لأجل مخالفتهم،
فكيف نعلل كراهة صومه بكونه عيداً لهم؟!
وفي جامع الترمذي عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن
الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس))، قال الترمذي حديث:
حسن. وقد روى ابن مهدي هذا الحديث عن سفيان، ولم يرفعه(٢).
وهذان الحديثان ليسا بحجة على من كره إفراد السبت
بالصوم، وعلله (٣) بأنهم يتركون العمل فيه، والصوم مظنة ذلك؛
فإنه إذا ضم إليه الأحد، زال الإفراد المكروه، وحصلت المخالفة
بصوم يوم فطرهم، وزال(٤) صورة التعظيم المكروه بعدم
التخصيص المؤذن بالتعظيم، فاتفقت بحمد الله الأحاديث وزال عنها
(١) صححه: ابن خزيمة في صحيحه ٣١٨/٣، وابن حبان في صحيحه ٣٨١/٨
مع الإحسان، والحاكم في المستدرك ٤٣٦/١ ووافقه الذهبي.
وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم: ١٠٩٩.
(٢) جامع الترمذي ١٢٢/٣ في كتاب الصوم، ٤٤- باب ما جاء في صوم يوم
الإثنين والخميس.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي برقم: ١٢١ .
(٣) في المطبوع: وعلله طائفة.
(٤) في المطبوع: وزال عنها.

١١٩٥
كتاب الصيام
الاضطراب والاختلاف، وتبين تصديق بعضها بعضاً.
فإن قيل: فما تقولون في صوم يوم النيروز والمهرجان
ونحوهما، من أعياد المشركين؟
قيل: قد [١٣٣/أ] كرهه كثير من العلماء، وأكثر أصحاب
أحمد على الكراهة(١).
قال أحمد في رواية ابنه عبد الله(٢) وكيع عن سفيان عن رجل
عن أنس والحسن(٣): كرها صوم يوم النيروز والمهرجان. قال عبد الله:
قال أبي: الرجل أبان بن أبي عياش(٤).
فلما أجاب أحمد بهذا الجواب لمن سأله عن صيام هذين
اليومين؛ دل ذلك على أنه اختاره. وهذه إحدى الطريقتين لأصحابه
في مثل ذلك(٥) .
وقيل: لا يكون هذا اختياراً له، ولا ينسب إليه القول الذي
حكاه(٦).
(١) انظر: المغني لابن قدامة ٤٢٨/٤-٤٢٩، واقتضاء الصراط المستقيم ٥٧٩/٢.
(٢) في المطبوع: عبد الله حدثنا.
(٣) في المطبوع: والحسن أنهما.
(٤) لم أجدها في المطبوع من مسائل عبد الله، وذكرها ابن تيمية في اقتضاء الصراط
المستقیم ٥٧٩/٢.
(٥) انظر: الفروع مع تصحيحه ٦٩/١-٧٠، والإنصاف ٢٥٠/١٢.
(٦) انظر: الفروع مع تصحيحه ٦٩/١-٧٠، والإنصاف ٢٥١/١٢.

١١٩٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وأكثر الأصحاب على الكراهة، وعللوا ذلك بأنهما يومان
يعظمهما الكفار، فيكون تخصيصهما بالصيام دون غيرهما؛ موافقة
لهم في تعظيمهما، فكره كيوم السبت (١).
قال صاحب المغني: وعلی قیاس هذا کل عید للكفار أو يوم
يفردونه بالتعظيم (٢).
قال شيخنا أبو العباس بن تيمية قدس الله روحه: وقد يُقال
يكره صوم النيروز(٣) والمهرجان ونحوهما من الأيام التي لا تعرف
بحساب العرب، بخلاف ما جاء في الحديث من يوم السبت والأحد؛
لأنه إذا قصد صوم مثل هذه الأيام العجمية أو الجاهلية، كان ذريعة
إلى إقامة شعار هذه الأيام، وإحياء أمرها، وإظهار حالها، بخلاف
السبت والأحد فإنهما من حساب المسلمين، فليس في صومهما
مفسدة، فيكون استحباب صوم أعيادهم المعروفة بالحساب العربي
الإسلامي، مع كراهة الأعياد المعروفة بالحساب الجاهلي العجمي؛
توفيقاً بين الآثار. والله أعلم(٤).
(١) انظر: المغني ٤٢٩/٤، واقتضاء الصراط المستقيم ٥٧٩/٢.
(٢) المغني ٤٢٩/٤.
(٣) في المطبوع: يوم النيروز.
(٤) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٥٨٠.

١١٩٧
كتاب الصيام
الرخصة في ذلك(١)
قال أبو داود: قال مالك: هذا كذب (٢). يعني النهي عن
صوم يوم السبت.
قال ابن القيم: قال عبد الحق: ولعل مالكاً إنما جعله كذباً،
من أجل رواية ثور بن يزيد(٣) الكلاعي؛ فإنه كان يُرمى بالقدر،
ولكنه كان ثقة فيما يروي، قاله يحيى وغيره.
وروى عنه الجلّة مثل يحيى بن سعيد القطان وابن المبارك
والثوري وغيرهم.
وقيل في هذا الحديث: عن عبد الله بن بسر عن عمته
الصماء.
وهو أصح، واسمها بهية، وقيل: بهيمة، آخر كلامه(٤).
(١) سنن أبي داود ٢/ ٨٠٧، الباب رقم: (٥٢).
أي: الرخصة في صوم يوم السبت.
(٢) سنن أبي داود ٢/ ٨٠٧. ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٣٠٢/٣.
(٣) في المطبوع: زيد. والتصويب من مصادر تخريج الحديث، ومن الأحكام
الوسطى.
(٤) الأحكام الوسطى ٢/ ٢٢٥.

١١٩٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
باب في صوم الدهر(١)
وذکر حدیث الباب(٢) ثم قال الشيخ شمس الدين: وهو نص
في أن صوم يوم وفطر يوم، أفضل من سرد الصيام، ولو كان سرد
الصيام مشروعاً، أو مستحباً؛ لكان أكثر عملاً، فيكون أفضل؛
إذ العبادة لا تكون إلا راجحة، فلو كان عبادة لم يكن
مرجوحاً. [١٣٣/ ب]
(١) سنن أبي داود ٨٠٩/٢، الباب رقم: (٥٣). وترجمة الباب فيه: باب في صوم
الدهر تطوعاً. ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٣٠٥/٣.
(٢) عند حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لقيني رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال: ((ألم أحدّث أنك تقول: لأُقومنّ الليل ولأصومنّ النهار؟)) قال:
أحسبه قال: نعم يا رسول الله، قد قلت ذاك. قال: ((قم ونم، وصم وأفطر،
وصم من كل شهر ثلاثة أيام، وذاك مثل صيام الدهر))، قال: قلت: يا رسول
الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال: ((فصم يوماً وأفطر يومين))، قال: قلت:
إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فصم يوماً وأفطر يوماً وهو أعدل الصيام،
وهو صيام داود)). قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((لا أفضل من ذلك)).
وأخرجه البخاري في صحيحه ٢٥٩/٤ مع الفتح في كتاب الصوم، ٥٦-باب
صوم الدهر.
ومسلم في صحيحه ٢/ ٨١٢ كتاب الصيام، ٣٥ - باب النهي عن صوم الدهر ....
وأخرجه النسائي في المجتبى ٥٢٨/٤ في كتاب الصيام، ٧٦ -صوم يوم وإفطار يوم
وذکر اختلاف ألفاظ الناقلین في ذلك خبر عبد الله بن عمرو فیه.

١١٩٩
كتاب الصيام
وقد تأول قوم هذا على أن المعنى: لا أفضل من ذلك
للمخاطب وحده، لما علم من حاله ومنتھی قوّته، وأن ما هو أكثر من
ذلك يضعفه عن فرائضه، ويقطعه عن القيام بما عليه من الحقوق.
وهذا تأويل باطل من وجوه:
أحدها: أن سياق الحديث يرده، فإنه إنما كان عن المطيق، فإنه
قال: ((فإني أطيق أفضل من ذلك))، فسبب الحديث في المطيق،
فأخبره أنه لا أفضل من ذلك للمطيق الذي سأل.
ولو أن رجلاً سَأل مَنْ يفضّل السرد، وقال: إني أطيق أفضل
من صوم يوم وفطر يوم؟ لقال له: السرد أفضل.
الثاني: أنه أخبر عنه بثلاث جمل:
أحدها: أنه أعدل الصيام. والثانية: أنه صوم داود. والثالثة:
أنه لا أفضل منه. وهذه الأخبار تمنع تخصيصه بالسائل.
الثالث: أن في بعض ألفاظ مسلم فيه: «فإني أقوى. قال: فلم
يزل يرفعني حتى قال: صم يوما وأفطر يوماً، فإنه أفضل الصيام،
وهو صوم أخي داود))(١).
(١) لم أجده عند مسلم. وهو بهذا اللفظ عند أحمد في مسنده ١٥٨/٢.
ولمسلم ٢/ ٨١٧، في كتاب الصيام، ٣٥- باب النهي عن صوم الدهر ... ،
بنفس المعنى المراد: ((إني أطيق أكثر من ذلك. قال: صم أفضل الصيام عند
الله، صوم داود عليه السلام كان يصوم يوماً ويفطر يوماً».

١٢٠٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
فعلل ذلك بكونه أفضل الصيام، وأنه صوم داود مع إخباره
له بقوته، ولم يقل له: فإن قويت فالسرد أفضل.
الرابع: أن هذا موافق لقوله فيمن صام الأبد: ((لا صام ولا
أفطر))(١).
ومعلوم أن السائل لم يسأله عن الصوم المحرم الذي قد استقر
تحريمه عندهم، ولو قدر أنه سأله عنه لم يكن ليجيب عنه بقوله: ((لا
صام ولا أفطر))، بل كان يجيب عنه بصريح النهي.
والسياق يدل على أنه إنما سأله عن الصوم المأذون فيه لا
الممنوع منه، ولا يعبر عن صيام الأيام الخمسة (٢)، وعن المنع منها،
بقوله: ((لا صام من صام الأبد)) (٣)، ولا هذه العبارة مطابقة
للمقصود، بل (٤) بعيدة منه جداً.
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٨١٨/٢-٨١٩ في كتاب الصيام، ٣٦ - باب
استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر ... . من حديث أبي قتادة الأنصاري
رضي الله عنه.
(٢) لعله يقصد بالأيام الخمسة: يوميّ العيدين، وثلاثة أيام التشريق.
(٣) هذه اللفظة في الحديث هي عند البخاري ومسلم:
صحيح البخاري ٤/ ٢٦٠ مع الفتح في كتاب الصوم، ٥٧ - باب حق الأهل في
الصوم.
وصحيح مسلم ٢/ ٨١٤ -٨١٥ كتاب الصيام، ٣٥ - باب النهي عن صوم الدهر ....
(٤) في المطبوع: بل هي.