Indexed OCR Text

Pages 881-900

٨٨١
كتاب الطلاق
طرق هذا الحديث بأن يمسّها في الطهر المتعقب لتلك الحيضة، فإذا
حاضت بعده وطهرت، فإن شاء طلقها قبل أن يمسها، فإنه قال:
«مره فليراجعها، فإذا طهرت مسها حتى إذا طهرت أخرى، فإن
شاء طلقها وإن شاء أمسكها)).
ذكره ابن عبد البر (١) وقال: الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلا
بالوطئ، لأنه المبتغى من النكاح، ولا يحصل الوطئ إلا في الطهر،
فإذا وطئها حرم طلاقها فيه حتى تحيض ثم تطهر، فاعتبرنا مظنّه
الوطئع ومحله، ولم يجعله محلاً للطلاق(٢).
الثاني: أن الطلاق حرم في الحيض لتطويل العدة عليها، فلو
طلقها عقيب الرجعة من غير وطئ، لم تكن قد استفادت بالرجعة
فائدة، فإن تلك الحيضة التي طلقت فيها لم تكن تحتسب عليها من
العدة، وإنما تستقبل العدة من الطهر التي (٣) تليها، أو من الحيضة
الأخرى على الاختلاف في الأقراء، فإذا طلقها عقب تلك الحيضة؛
كانت في معنى من طلقت ثم راجعها ولم يمسها حتى طلقها، فإنها
تبني على عدتها في أحد القولين، لأنها لم تنقطع بوطء.
فالمعنى المقصود إعدامه من تطويل العدة موجود بعينه هنا، لم
(١) في التمهيد ٥/ ٥٤ رواه بسنده.
(٢) انظر نحو هذا الكلام في الاستذكار ١٥/١٨، والتمهيد ٥٣/١٥.
(٣) في المطبوع: الذي.

٨٨٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
يزل بطلاقها عقب الحيضة، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم
قطع حكم الطلاق جملة بالوطئ، فاعتبر الطهر الذي هو موضع
الوطئع، فإذا وطىء حرم طلاقها حتى تحيض ثم تطهر.
ومنها: أنه(١) ربما كانت حاملاً، وهو لا يشعر، فإن الحامل
قد ترى الدم بلا ريب -وهل حكمه حكم الحيض أو هو (٢) دم
فساد على الخلاف فيه- فأراد الشارع أن يستبرئها بعد تلك الحيضة
بطهر تام ثم حيض تام، فحينئذ تعلم هل هي حامل أو حائل، فإنه
ربما يمسكها إذا علم أنها حامل منه، وربما تكف هي عن الرغبة في
الطلاق إذا علمت أنها حامل، وربما يزول الشّرّ الموجب للطلاق
بظهور الحمل، فأراد الشارع تحقيق علمهما بذلك نظراً للزوجين،
ومراعاة لمصلحتهما، وحسماً لباب الندم، وهذا من أحسن محاسن
الشريعة.
وقيل: الحكمة فيه أنه عاقبه بأمره بتأخير الطلاق، جزاء له
على ما فعله من إيقاعه على الوجه المحرم.
ورُدّ بأن ابن عمر لم يكن يعلم التحريم.
وأجيب عنه بأن هذا حكم شامل له ولغيره من الأمة، وكونه
رضي الله عنه لم يكن عالماً بالتحريم، يفيد نفي الإثم، لا عدم ترتب
(١) في المطبوع: أنها.
(٢) ساقطة من المطبوع.

٨٨٣
كتاب الطلاق
هذه المصلحة على الطلاق المحرم في نفسه [١/٩٧].
وقيل: حكمته أن الطهر الذي بعد تلك الحيضة، هو من حریم
تلك الحيضة، فهما كالقرء الواحد، فلو شرع الطلاق فيه، لصار
كموقع طلقتين في قرء واحد، وليس هذا بطلاق السنة.
وقيل: حكمته أنه نهى عن الطلاق في هذا (١) الطهر، ليطول
مقامه معها، ولعله تدعوه نفسه إلى وطئها وذهاب ما في نفسه من
الكراهة لها، فيكون ذلك حرصاً على ارتفاع(٢) البغيض إلى الله،
المحبوب إلى الشيطان، وحضاً على بقاء النكاح، ودوام المودة والرحمة.
والله أعلم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ثم ليطلقها طاهراً)، وفي
اللفظ الآخر: ((فإذا طهرت فليطلقها إن شاء)»، هل المراد به انقطاع
الدم، أو التطهر بالغسل، وما (٣) يقوم مقامه من التيمم؟ على قولين،
هما روایتان عن أحمد:
إحداهما: أنه انقطاع الدم(٤)، وهو قول الشافعي(٥).
(١) ساقطة من المطبوع.
(٢) في المطبوع: ارتفاع الطلاق.
(٣) في المطبوع: أو ما.
(٤) وهي المذهب. انظر: الإنصاف ٣٤٩/١، ٢٨١/٩، والمحرر ٥٢/٢.
(٥) انظر لمذهب الشّمية: الأم ٢٦٩/٥، وشرح مسلم للنووي ٦٣/١٠، وفتح
الباري لابن حجر ٢٦٣/٩.

٨٨٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
والثانية: أنه الاغتسال(١).
وقال أبو حنيفة إن طهرت لأكثر الحيض، حل طلاقها بانقطاع
الدم، وإن طهرت لدون أكثره، لم يحل طلاقها حتى تصير في حكم
الطاهرات بأحد ثلاثة أشياء: إما أن تغتسل. وإما أن تتيمم عند العجز
وتصلي. وإما أن يخرج عنها وقت صلاة، لأنه متى وجد أحد هذه
الأشياء حكمنا بانقطاع حيضها(٢).
وسرّ المسألة أن الأحكام المترتبة على الحيض نوعان:
منها ما يزول بنفس انقطاعه؛ كصحة الغسل، والصوم،
ووجوب الصلاة في ذمتها.
ومنها ما لا يزول إلا بالغسل، كحل الوطئع، وصحة الصلاة،
وجواز اللبث في المسجد، وصحة الطواف، وقراءة القرآن على أحد
الأقوال.
فهل يُقال الطلاق من النوع الأول، أو من الثاني؟!
ولمن رجّح إباحته قبل الغسل أن يقول: الحائض إذا انقطع
دمها صارت كالجنب، يحرم عليها ما يحرم منه(٢)، ويصح منها ما
(١) وهو قول في المذهب الحنبلي كما في المحرر ٥٢/٢، والإنصاف ٣٤٩/١،
٩/ ٢٨١.
(٢) انظر لمذهب الحنفية: حاشية ابن عابدين ٢٩٥/١-٢٩٦، وشرح فتح القدير
١٧٠/١-١٧١.
(٣) في المطبوع: عليه.

٨٨٥
كتاب الطلاق
يصح منه، ومعلوم أن المرأة الجنب لا يحرم طلاقها.
ولمن رجّح الثاني أن يجيب عن هذا بأنها لو کانت کالجنب،
لحلّ وطؤها.
ويحتج بما رواه النسائي في سننه من حديث المعتمر بن
سليمان قال: سمعت عبيد الله عن نافع عن عبد الله: أنه طلق
امرأته وهي حائض تطليقة، فانطلق عمر فأخبر النبي صلى الله عليه
وسلم بذلك، فقال [له] (١) النبي صلى الله عليه وسلم: ((مر عبد
الله فليراجعها، فإذا [اغتسلت فليتركها حتى تحيض، فإذا](٢)
اغتسلت من حيضتها الأخرى، فلا يمسها حتى يطلقها، فإن شاء أن
يمسكها فليمسكها، فإنها العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء))(٣).
وهذا على شرط الصحيحين، وهو مفسر لقوله: ((فإذا
طهرت))، فيجب حمله [٩٧/ ب] علیه.
وتمام هذه المسألة أن العدة هل تنقضي بنفس انقطاع الدم،
وتنقطع الرجعة، أم لا تنقطع إلا بالغسل ؟
(١) ما بين المعقوفين زيادة من سنن النسائي.
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من سنن النسائي.
(٣) سنن النسائي المجتبى ٤٥١/٦ في كتاب الطلاق، ٣ -باب ما يفعل إذا طلق
تطليقة وهي حائض.
وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم: ٣١٨٠.

٨٨٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وفيه خلاف بين السلف والخلف، يأتي في موضعه إن شاء الله.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ثم ليطلقها طاهراً قبل أن
يمس)) دليل على أن طلاقها في الطهر الذي مسّ فيه، ممنوع منه،
وهو طلاق بدعة، وهذا متفق عليه، فلو طلق فيه قالوا: لم يجب عليه
رجعتھا.
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن الرجعة لا تجب في هذه
الصورة(١).
وليس هذا الإجماع ثابتاً، وإن كان قد حكاه صاحب المغني
أيضاً (٢)، فإن أحد الوجهين في مذهب أحمد وجوب الرجعة في هذا
الطلاق، حكاه في الرعاية(٣)، وهو القياس؛ لأنه طلاق محرم فتجب
الرجعة فيه كما تجب في الطلاق في زمن الحيض.
ولمن فرّق بينهما أن يقول: زمن الطهر وقت للوطء،
وللطلاق. وزمن الحيض ليس وقتاً لواحد منهما. فظهر الفرق
(١) قال في التمهيد ٦٩/١٥: "لم يختلف العلماء كلهم أن الرجل إذا طلق في طهر
قد مسّ فیه، أنه لا يجبر على الرجعة، ولا يؤمر بها، وإن كان طلاقه قد وقع
على غير سبيل السنة ... ".
(٢) المغني لابن قدامة ٣٢٩/١٠.
(٣) ذكر صاحب الفروع ٣٧١/٥ هذا رواية عن أحمد عن الموجز والتبصرة
والترغيب. وزاد في الإنصاف ٨/ ٤٥٠ فقال: وهو قول في الرعايتين.

:
كتاب الطلاق
٨٨٧
بينهما، فلا يلزم من الأمر بالرجعة في غير زمن الطلاق، الأمر بها
في زمنه.
ولكن هذا الفرق ضعيف جداً، فإن زمن الطهر متى اتصل به
المسيس، صار كزمن الحيض في تحريم الطلاق سواء، ولا فرق بينهما.
بل الفرق المؤثر بين(١) الناس، أن المعنى الذي وجبت لأجله
الرجعة، إذا طلقها حائضاً منتفٍ في صورة الطلاق في الطهر الذي
مسها فيه، فإنها إنما حرم طلاقها في زمن الحيض لتطويل العدة
عليها، فإنها لا تحتسب ببقية الحيضة قرءاً اتفاقاً، فتحتاج إلى
استئناف ثلاثة قروء کوامل.
وأما الطهر فإنها تعتد بما بقي منه قرءاً، ولو كان لحظة فلا
حاجة بها إلى أن يراجعها، فإن من قال: الأقراء الأطهار، كانت أول
عدتها عقيب(٢) طلاقها.
ومن قال: هي الحيض، استأنف بها بعد الطهر، وهو لو راجعها
ثم أراد أن يطلقها لم يطلقها إلا في طهر، فلا فائدة في الرجعة.
هذا هو الفرق المؤثر بين الصورتين.
وبعدُ ففيه إشكال لا ينتبه له إلا من له خبرة بمأخذ الشرع
وأسراره، وجمعه وفرقه، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره
(١) هكذا في الأصل، ولعل الأصوب: عند.
(٢) في المطبوع: عنده عقب.

٨٨٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
أن يطلقها إذا شاء، قبل أن يمسها، وقال: ((فتلك العدة التي أمر الله
أن تطلق النساء))، وهذا ظاهر في أن العدة إنما يكون استقبالها من
طهر لم يمسها فيه، إن دل على أنها بالأطهار، وأما طهر قد أصابها
فيه، فلم يجعله النبي صلى الله عليه وسلم من العدة التي أمر الله أن
تطلق لها النساء، فكما لا تكون عدتها متصلة بالحيضة التي طلق
فيها، ينبغي أن لا تكون متصلة بالطهر الذي [٩٨/ أ] مستّها فيه،
لأن النبي صلى الله عليه وسلم سوّى بينهما في المنع من الطلاق
فيهما، وأخبر أن العدة التي أمر (١) الله أن يطلق لها النساء؛ هي من
وقت الطهر الذي لم يمسها فيه.
فمن أين لنا أن الطهر الذي مسّها فيه، هو أول العدة التي
أمر الله أن تطلق لها النساء؟
وهذا مذهب أبي عبيد (٢)، وهو في الظهور والحجة كما ترى.
وقال الإمام أحمد(٣)، والشافعي (٤)، ومالك(٥)، وأصحابهم:
(١) في المطبوع: أمر بها.
(٢) قال ابن قدامة في المغني ٢٠٣/١١، حيث قال: "وحُكي عن أبي عبيد ... ".
(٣) انظر لمذهب الحنابلة: المبدع ٧/ ٤٠٠، و١١٩/٨، والكافي ١٠٠/٥، والمغني
٢٠٣/١١.
(٤) انظر لمذهب الشافعية: المهذب ١٤٣/٢، وروضة الطالبين ٢١٨/٨.
(٥) انظر لمذهب المالكية: حاشية الدسوقي ٤٧٣/٢، والفواكه الدواني ٣٣/٢.

٨٨٩
كتاب الطلاق
لو بقي من الطهر لحظة حسبت لها قرءاً، وإن كان قد جامع فيه، إذا
قلنا الأقراء الأطهار.
قال المنتصرون لهذا القول: إنما حرم الطلاق في زمن الحيض؛
دفعاً لضرر تطويل العدة عليها، فلو لم تحتسب ببقية الطهر قرءاً، كان
الطلاق في زمن الطهر أضر بها وأطول عليها.
وهذا ضعيف جداً، فإنها إذا طلقت فيه قبل المسيس احتسب
به، وأما إذا طلقت بعد المسيس، كان حكمها حكم المطلقة في زمن
الحيض، فكما لا تحتسب ببقية الحيضة، لا تحتسب ببقية هذا الطهر
الممسوسة فيه.
قالوا: ولم يحرم الطلاق في الطهر لأجل التطويل الموجود في
الحيض، بل إنما حرم لكونها مرتابة، فلعلها قد حملت من ذلك
الوطء، فيشتد ندمه إذا تحقق الحمل، ويكثر الضرر، فإذا أراد أن
يطلقها طلقها طاهراً من غير جماع، لأنهما قد تيقنا عدم الريبة، وأما
إذا ظهر الحمل فقد دخل على بصيرة، وأقدم على فراقها حاملاً.
قالوا: فهذا الفرق بين الطلاق في الحيض والطهر المجامع فيه.
قالوا: وسر ذلك، أن المرأة إن كانت حاملاً من هذا الوطء،
فعدتها بوضع الحمل، وإن لم تكن قد حملت منه، فهو قرء صحيح
فلا ضرر عليها في طلاقها فيه.
ولمن نصر قول أبي عبيد أن يقول: الشارع إنما جعل استقبال

٨٩٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
عدة المطلقة من طهر لم يمسها فيه، ليكون المطلق على بصيرة من
أمره، والمطلقة على بصيرة من عدتها أنها بالأقراء.
فأما إذا مسّها في الطهر ثم طلقها، لم يدر أحاملاً أم حائلاً؟
ولم تدر المرأة أعدتها بالحمل أم بالأقراء؟ فكان الضرر عليهما في
هذا الطلاق، أشد من الضرر في طلاقها وهي حائض، فلا تحتسب
ببقية ذلك الطهر قرءاً، كما لم يحتسب الشارع به في جواز إيقاع
الطلاق فیه.
وهذا التفريع كلّه على أقوال الأئمة والجمهور.
وأما من لم يوقع الطلاق البدعي، فلا يحتاج إلى شيء
من هذا.
وقوله: (ليطلقها طاهراً أو حاملاً))، دليل على أن الحامل
طلاقها سني.
قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن الحامل طلاقها
للسنة(١).[٩٨/ ب]
قال الإمام أحمد: أذهب إلى حديث سالم عن أبيه: ((ثم
ليطلقها طاهراً أو حاملاً))(٢).
(١) قال في التمهيد ٨٠/١٥: "وأما الحامل فلا خلاف بين العلماء أن طلاقها
· للسنة". ونحوه في الاستذكار ١٢/١٨.
(٢) ذكرها في المغني ٣٣٥/١٠.

٨٩١
كتاب الطلاق
وعن أحمد رواية أخرى: أن طلاق الحامل ليس بسني ولا
بدعي، وإنما يثبت لها ذلك من جهة العدد، لا من جهة الوقت(١).
ولفظة "الحمل" في حديث ابن عمر، انفرد بها مسلم وحده
في بعض طرق الحديث، ولم يذكرها البخاري، فلذلك لم يكن
طلاقها سنياً ولا بدعياً، لأن الشارع لم يمنع منه.
فإن قيل: إذا لم يكن سنيا كان طلاقاً بدعياً، لأن النبي صلى
الله عليه وسلم إنما أباح طلاقها في طهر لم يمسها فيه، فإذا مسها في
الطهر وحملت، واستمر حملها، استمر المنع من الطلاق، فكيف
يبيحه تجدد ظهور الحمل، فإذا لم يثبتوا هذه اللفظة لم يكن طلاق
الحامل جائزاً؟
فالجواب: أن المعنى الذي لأجله حرم الطلاق بعد المسيس،
معدوم عند ظهور الحمل، لأن المطلق عند ظهور الحمل قد دخل
على بصيرة، فلا يخاف ظهور أمر يتجدد به الندم، وليست المرأة
مرتابة لعدم اشتباه الأمر عليها، بخلاف طلاقها مع الشك في حملها،
والله أعلم.
وقوله: ((طاهراً أو حاملاً))، احتج به من قال: الحامل لا
تحيض، لأنه صلى الله عليه وسلم حرم الطلاق في زمن الحيض
(١) وعليها المذهب. انظر: الإنصاف ٤٥٥/٨، والفروع ٣٧٤/٥.

٨٩٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وأباحه في وقت الطهر والحمل، فلو كانت الحامل تحيض، لم يبح
طلاقها حاملاً إذا رأت الدم، وهو خلاف الحديث.
ولأصحاب القول الآخر أن يجيبوا عن ذلك؛ بأن حيض
الحامل لما لم يكن له تأثير في العدة بحال، لا في تطويلها ولا تخفيفها،
إذ عدتها بوضع الحمل، أباح الشارع طلاقها حاملاً مطلقاً، وغير
الحامل لم يبح طلاقها، إلا إذا لم تكن حائضاً، لأن الحيض يؤثر في
العدة، لأن عدتها بالأقراء.
فالحديث دل على أن المرأة لها حالتان:
إحداهما: أن تكون حائلا فلا تطلق إلا في طهر لم يمسها فيه.
والثانية: أن تكون حاملاً، فيجوز طلاقها.
والفرق بين الحامل وغيرها في الطلاق، إنما هو بسبب الحمل
وعدمه، لا بسبب حيض ولا طهر، ولهذا يجوز طلاق الحامل بعد
المسيس دون الحائل، وهذا جواب سديد، والله أعلم.
وقد أفردت لمسألة الحامل هل تحيض أم لا مصنفاً مفرداً.
وقد احتج بالحديث من يرى أن السنة تفريق الطلقات على
الأقراء، فيطلق لكل قرء طلقة.
وهذا قول أبي حنيفة، وسائر الكوفيين(١)، وعن أحمد رواية
(١) انظر لمذهب الحنفية: بدائع الصنائع ٨٨/٣، والهداية ٢٢٧/١.
وانظره عن الكوفيين في التمهيد ١٥/ ٧٢، والمغني ٣٢٦/١٠.

٨٩٣
كتاب الطلاق
كقولهم (١). [٩٩/ ٢]
قالوا: وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمره
بإمساكها في الطهر المتعقب للحيض، لأنه لم يفصل بينه وبين
الطلاق طهر كامل، والسنة أن يفصل بين الطلقة والطلقة قرء كامل،
فإذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت؛ طلقها طلقة بائنة، لحصول
الفصل بين الطلقتين بطهر كامل.
قالوا: فلهذا المعنى اعتبر الشارع الفصل بين الطلاق
الأول والثاني.
قالوا: وفي بعض حديث ابن عمر: ((والسنة أن تستقبل الطهر
فتطلق لكل قرء))(٢).
وروى النسائي في سننه عن ابن مسعود قال: طلاق السنة أن يطلقها
تطليقة وهي طاهر في غير جماع، فإذا حاضت فطهرت طلقها أخرى، فإذا
حاضت وطهرت طلقها أخرى، ثم تعتد بعد ذلك بحيضة(٣).
(١) انظر: الإنصاف ٤٥٢/٨، والفروع ٣٧١/٥، والمغني ٣٢٦/١٠.
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه ٣١/٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٣٠/٧، ٣٣٤.
وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٣٦/٤، والزيلعي في نصب الراية ٢٢٠/٣:
أن الطبراني أخرجه.
وضعف الحديث ابن حزم في المحلى ١٠/ ١٧٠.
(٣) سنن النسائي المجتبى ٦/ ٤٥٠-٤٥١، في كتاب الطلاق، ٢ -باب طلاق السنة.
=

٨٩٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وهذا الاستدلال ضعيف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم
يأمره بإمساكها في الطهر الثاني، ليفرق الطلقات الثلاث على الأقراء،
ولا في الحديث ما يدل على ذلك، وإنما أمره بطلاقها طاهراً قبل أن
يمسها، وقد ذكرنا حكمة إمساكها في الطهر الأول.
وأما قوله: ((والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء)»، فهو
حديث قد تكلم الناس فيه، وأنكروه على عطاء الخراساني، فإنه
انفرد بهذه اللفظة دون سائر الرواة.
قال البيهقي: وأما الحديث الذي رواه عطاء الخراساني عن
ابن عمر في هذه القصة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((السنة
أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء»، فإنه أتى في هذا الحديث
بزيادات لم يُتابع عليها، وهو ضعيف في الحديث لا يقبل منه ما
یتفرد به(١).
وأما حديث ابن مسعود فمع أنه موقوف علیه، فهو حديث
يرويه أبو إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله. واختُلف على أبي
إسحاق فيه:
فقال الأعمش عنه كما تقدم.
وأخرج نحوه ابن ماجه في سننه ١/ ٦٥١ في كتاب الطلاق، ٢ - باب طلاق
السنة. وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم: ٣١٧٨.
(١) معرفة السنن والآثار ٤٦١/٥، ونحوه في السنن الكبرى له ٣٣٠/٧.

٨٩٥
كتاب الطلاق
وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عنه:
(«طلاق السنة أن يطلقها طاهراً من غير جماع))(١).
ولعل هذا حديثان.
والذي يدل عليه؛ أن الأعمش قال: سألت إبراهيم، فقال لي
(٢)
مثل ذلك (٢).
وبالجملة فهذا غايته أن يكون قول ابن مسعود، وقد خالفه
علي وغيره(٣).
(١) أخرجه النسائي في المجتبى ٦/ ٤٥١، في كتاب الطلاق، ٢ -باب طلاق السنة.
وابن ماجه في سننه ١/ ٦٥١ في كتاب الطلاق، ٢ - باب طلاق السنة.
وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم: ٣١٧٩.
(٢) وذلك في حديث النسائي في الموضع الأول.
(٣) روى ابن أبي شيبة في مصنفه ٥٦/٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٢٥/٧
عن علي رضي الله عنه قال: ما طلق رجل طلاق السنة فيندم أبداً. وهذا لفظ
البيهقي.
قال ابن قدامة في المغني ٣٢٦/١٠-٣٢٧ مبيناً وجه الدلالة منه: "وهذا يحصل
في حق من لم يطلّق ثلاثاً".
ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه ٤ /٥٥، ٥٦ صريحاً، إلا أنه من رواية محمد بن
سیرین عنه، وهو مرسل، إذ روايته عن ابن عباس مرسلة، فكيف عن علي.
انظر: جامع التحصيل ص: ٢٦٤، وتهذيب التهذيب ٢١٤/٩-٢١٦.
وضعفه ابن حزم في المحلى ١٠/ ١٧٣ لذلك.

٨٩٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقد رُوي عن ابن مسعود روایتان:
إحداهما: التفريق(١).
والثانية: إفراد الطلقة، وتركها حتى تنقضي عدتها. قال:
طلاق السنة أن يطلقها وهي طاهر، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها،
أو يراجعها إن شاء. ذكره ابن عبد البر عنه(٢).
ولأن هذا إرداف(٣) طلاق لطلاق(٤)، من غير حاجة إليه
وتعريض لتحريم المرأة عليه إلا بعد زوج وإصابة، والشارع لا
غرض له في ذلك، ولا مصلحة للمطلق فكان بدعياً، والله أعلم.
قوله: ((فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق [٩٩/ ب] لها
النساء)»، احتج به من يرى الأقراء هي الأطهار.
قالوا: واللام بمعنى الوقت، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ
الشَّمْس﴾(٥)، وقول العرب: كتب لثلاث مضين، ولثلاث بقين.
(١) وهو ما سبق، الذي أخرجه النسائي وابن ماجه.
(٢) التمهيد لابن عبد البر ١٥ / ٧٤، حيث رواه بسنده.
ورواه سعيد بن منصور في سننه ٢٨٩/١ تحقيق الأعظمي، وابن أبي شيبة في
مصنفه ٥٦/٤.
(٣) في المطبوع: أردأ. وهو تحريف.
(٤) في المطبوع: لأنه طلاق. وهو تغيير لما في المخطوط نتيجة التحريف الأول.
(٥) سورة الإسراء الآية رقم: ٧٨.

٨٩٧
كتاب الطلاق
وفي الحديث: ((فليصلها حين يذكرها (١) ومن الغد للوقت)).(٢)
قالوا: فهذه اللام الوقتية بمعنى "في".
١
وأجاب الآخرون عن هذا: بأن اللام في قوله تعالى:
﴿فَطَلْقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾(٣) هي اللام المذكورة في قوله صلى الله عليه
وسلم ((أن تطلق لها النساء))، ولا يصح أن تكون وقتية، ولا ذكر
أحد من أهل العربية أن اللام تأتي بمعنى "في" أصلاً.
ولا يصح أن تكون هنا بمعنى "في" - ولو صحّ في غير هذا
الموضع- لأن الطلاق لا يكون في نفس العدة، ولا تكون عدة
الطلاق ظرفاً له قط، وإنما اللام هنا على بابها للاختصاص،
والمعنى: طلقوهن مستقبلات عدتهن.
ويفسّر هذا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن
عمر: ((فطلقوهن في قُبل عدتهن))(٤)، أي في الوقت الذي تستقبل
(١) في المطبوع: ذكرها. وهو خطأ.
(٢) رواه أبو داود في سننه ٣٠٤/١ -٣٠٥ في كتاب الصلاة، ١١ - باب في من
نام عن الصلاة أو نسيها. من حديث أبي قتادة.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٤٢٢.
(٣) سورة الطلاق الآية رقم: ١.
(٤) رواه مسلم في صحيحه ١٠٩٨/٢ في كتاب الطلاق، ١ - باب تحريم طلاق
الحائض بغير رضاها.

٨٩٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
فيه العدة.
وعلى هذا فإذا طلقها في طهرها، استقبلت العدة من الحيضة
التي تليه، فقد طلقها في قبل عدتها، بخلاف ما إذا طلقها حائضاً،
فإنها لا تعتد بتلك الحيضة، وينتظر فراغها وانقضاء الطهر الذي
يليها، ثم تشرع في العدة، فلا يكون طلاقها حائضاً طلاقاً في
قبل عدتها.
وقد أفردت لهذه المسألة مصنفاً مستقلاً ذكرت فيه مذاهب
الناس، ومأخذهم، وترجيح القول الراجح، والجواب عما احتج به
أصحاب القول الآخر.
وقوله: ((مره فليراجعها))، دليل على أن الأمر بالأمر بالشيء
أمرٌ به، وقد اختلف الناس في ذلك، وفصل النزاع:
أن المأمور الأول إن كان مبلغاً محضاً، كأمر النبي صلى الله
عليه وسلم آحاد الصحابة أن يأمر الغائب عنه بأمره، فهذا أمر به
من جهة الشارع قطعاً، ولا يَقبل ذلك نزاعاً أصلاً.
ومنه قوله: ((مرها فلتصبر ولتحتسب)) (١)، وقوله: ((مروهم
(١) رواه البخاري في صحيحه ٣٧١/١٣ مع الفتح في كتاب التوحيد، ٢ -باب
قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ... ﴾.
ومسلم في صحيحه ٢/ ٦٣٥ -٦٣٦ كتاب الجنائز، ٦ - باب البكاء على الميت.
كلاهما من حدیث أسامة بن زيد.

٨٩٩
كتاب الطلاق
بصلاة كذا في حين كذا))(١)، ونظائره.
فهذا الثاني مأمور به من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم،
فإذا عصاه المبلغ إليه، فقد عصى أمر الرسول صلوات الله وسلامه
عليه، والمأمور الأول مبلغ محض.
وإن كان الأمر متوجهاً إلى المأمور الأول توجه التكليف،
والثاني غير مكلف، لم يكن أمراً للثاني من جهة الشارع، كقوله:
«مروهم بالصلاة لسبع))(٢)، [١٠٠ / أ] فهذا الأمر خطاب للأولياء،
بأمرهم(٣) الصبيان بالصلاة.
(١) رواه البخاري في صحيحه ٢/ ٢٠٠ مع الفتح في كتاب الأذان، ٤٩ - باب إذا
استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم. من حديث مالك بن الحويرث.
(٢) بهذا اللفظ أخرجه الطبراني في الأوسط ٢٥٦/٤ من حديث أنس بن مالك.
وهو ضعيف جداً، كما في التلخيص الحبير ١٨٥/١.
وأخرجه أبو داود في سننه ٣٣٢/١-٣٣٣ في كتاب الصلاة، ٢٦ -باب متى
يؤمر الغلام بالصلاة.
والترمذي في جامعه ٢٥٩/٢ في أبواب الصلاة، ٢٩٩ - باب ما جاء متى يؤمر
الصبي بالصلاة. وقال: حديث حسن صحيح.
كلاهما من حديث سبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مروا الصبي
بالصلاة إذا بلغ سبع سنين ... )).
هذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي: ((علموا الصبي ... )).
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٤٦٥.
(٣) في المطبوع: بأمر.

٩٠٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
فهذا فصل الخطاب في هذا الباب، والله أعلم بالصواب.
فهذه كلمات نبّهنا بها على بعض فوائد حديث ابن عمر،
ولا (١) تستطلها، فإنها مشتملة على فوائد جمة وقواعد مهمة
ومباحث من(٢) قصده الظفر بالحق، وإعطاء كل ذي حق حقه، من
غير ميل مع ذي مذهبه، ولا خدمة لإمامة وأصحابه بحديث رسول
الله صلى الله عليه وسلم.
بل تابع للدليل حريص على الظفر بالسنة والسبيل، يدور
مع الحق أنی توجهت ر کائبه، ويستقر معه حيث استقرت مضاربه.
ولا يعرف قدر هذا السير إلا من علت همته، وتطلعت
نوازع قلبه، واستشرفت نفسه إلى الارتضاع من ثدي الرسالة،
والورود من عين حوض النبوة، والخلاص من شباك الأقوال
المتعارضة، والآراء المتناقضة، إلى فضاء العلم الموروث عمن لا
ينطق عن الهوى، ولا يتجاوز نطقه البيان والرشاد والهدى وبيداء
اليقين، التي من حلّها حُشر (٣) في زمرة العلماء، وعُدّ من ورثة
الأنبياء.
(١) في المطبوع: فلا.
(٢) في المطبوع: لمن.
(٣) في المطبوع: حشد. وهو تحريف.