Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ كتاب المناسك إذا فُتحت فإنها تقدر بلام التعليل المحذوفة معها قياساً، والمعنى: لبيك لأن الحمد لك. والفرق: بين أن تكون جمل الثناء علة لغيرها، وبين أن تكون مستقلة مرادة لنفسها. ولهذا قال [٦٦/أ] ثعلب: من قال: إن - بالكسر - فقد عم، ومن قال: أن - بالفتح - فقد خص(١). ونظير هذين الوجهين والتعليلين والترجيح، سواء: قوله تعالى حكاية عن المؤمنين: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُ الرَّحِيمُ﴾(٢)، بكسر إن وفتحها(٣). (١) ذكر ابن قدامة في المغني ٥/ ١٠٣ قول ثعلب هذا، وفسره بقوله: "يعني أن من كسر جعل الحمد لله على كل حال، ومن فتح فمعناه: لبيك لأن الحمد لك، أي: لهذا السبب". وذكر السيوطي في شرحه لسنن النسائي ١٥٩/٥ قول ثعلب هذا أيضاً، ثم قال في ١٥٩/٥-١٦٠:" وتعقب بأن التقييد ليس في الحمد، وإنما هو في التلبية". (٢) سورة الطور الآية رقم: ٢٨. (٣) في قوله فإنه هو البر الرحيم﴾، فقرأ نافع والكسائي "أنه"، بفتح الهمزة، أي لأنه، وقرأ الباقون بالكسر على الابتداء. انظر: جامع القرطبي ٤٨/١٧، وكتاب السبعة في القراءات ص: ٦١٣، والحجة في القراءات السبع ص: ٣٣٤، وحجة القراءات ص: ٦٨٣ -٦٨٤. ٦٠٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية فمن فَتَحَ كان المعنى: ندعوه لأنه هو البر الرحيم. ومن کَسَرَ كان الكلام جملتين: إحداهما: قولهم: أَدْعُوهُ﴾، ثم استأنف فقال: ﴿إِنّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾. قال أبو عبيد: والكسر أحسن، ورجحه بما ذكرناه(١). السادسة عشر: أنها متضمنة للإخبار عن اجتماع الملك والنعمة والحمد: لله عز وجل، وهذا نوع آخر من الثناء عليه، غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف العلية، فإنه (٢) سبحانه من أوصافه العُلى نوعا ثناءٍ: نوعٌ متعلق بكل صفة، صفة على انفرادها. ونوعٌ متعلق باجتماعها وهو كمال مع كمال، وهو غاية(٣) الكمال. والله سبحانه يقرن(٤) في صفاته بين الملك والحمد، ويُنوّع(٥) (١) نُسب هذا القول لأبي عبيد في: حجة القراءات ص: ٦٨٤، وذكر أنه علل ذلك بقوله: إن ربنا کذلك علی کل حال. (٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: "فله". وكذلك كتبت في المطبوع. (٣) في المطبوع عامة، وهو تحريف. (٤) في المطبوع: يفرق، وهو تحريف ظاهر، ففيه عكس للمعنى. (٥) في المطبوع: سوّغ، وهو تحريف، اضطر معه المحقق الأول إلى تغيير كلمة "إذ"، الآتية إلى "أن" حتى تصح العبارة، فأضاف خطأ إلى خطأ. ٦٠٣ كتاب المناسك هذا المعنى إذ(١) اقتران أحدهما بالآخر؛ من أعظم الكمال، فالملك وحده كمال، والحمد كمال، واقتران أحدهما بالآخر كمال، فإذا اجتمع الملك المتضمن للقدرة مع النعمة المتضمنة لغاية النفع والإحسان والرحمة، مع الحمد المتضمن لغاية (٢) الجلال والإكرام، الداعي إلى محبته، كان في ذلك من العظمة والكمال والجلال ما هو أولى به، وهو أهله، وكان في ذكر العبد له ومعرفته به من انجذاب قلبه إلى الله، وإقباله عليه، والتوجه بدواعي المحبة كلها إليه، ما هو مقصودُ العبودية ولُبها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ونظير هذا اقتران الغنى بالكرم، كقوله: ﴿فَإِنَّ(٣) رَبِّي غَنِيِّ كَرِيمٌ﴾(٤)، فله كمالٌ من غناه، ومن كرمه(6)، ومن اقتران أحدهما بالآخر. ونظيره: اقتران العزة بالرحمة، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾(٦). (١) في المطبوع: أن. (٢) في المطبوع: لعامة. (٣) في الأصل: إن. (٤) سورة النمل الآية: ٤٠. (٥) في المطبوع: (وكرمه)، مكان (ومن كرمه). (٦) جاءت هذه الآية في عدة مواضع من سورة الشعراء، وهي الآيات التالية: (٩، ٦٨، ١٠٤، ١٢٢، ١٤٠، ١٥٩، ١٧٥، ١٩١). ٦٠٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ونظيره: اقتران العفو بالقدرة، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً (١)﴾(٢). ونظيره: اقتران العلم بالحلم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾(٣). ونظيره: اقتران الرحمة بالقدرة، ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(٤). وهذا يطلع ذا اللب على رياض من العلم أنيقات، ويفتح له باب محبة الله ومعرفته، والله المستعان وعليه التكلان. السابعة عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير))(٥)، وقد اشتملت التلبية (١) في الأصل كُتبت الآية هكذا: وكان الله عفواً قديراً. (٢) سورة النساء الآية رقم: ١٤٩. (٣) سورة النساء الآية رقم: ١٢. (٤) سورة الممتحنة الآية رقم: ٧. (٥) أخرجه الترمذي في جامعه ٥٣٤/٥ في کتاب الدعوات، ١٢٣- باب في دعاء یوم عرفة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير». ثم قال الترمذي: هذا حدیث غریب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حميد -أحد = ٦٠٥ كتاب المناسك على هذه الكلمات بعينها، وتضمنت معانيها. وقوله : ((وهو على كل شيء قدير))، لك أن تدخلها تحت قولك في التلبية: "لا شريك لك"، ولك أن تدخلها تحت قولك: "إن الحمد(١) لك"، ولك أن تدخلها تحت إثبات الملك له تعالى، [٦٦/ ب] إذ لو كان بعض الموجودات خارجاً عن قدرته، وملكه واقعاً بخلق غيره، لم يكن نفي الشريك عاماً، ولم يكن إثبات الملك والحمد له عاماً، وهذا من أعظم المحال، فالملك (٢) كله له، والحمد کله له، وليس له شريك بوجه من الوجوه. الثامنة عشر: أن كلمات التلبية متضمنة للرد على كل مبطل في صفات الله و توحیدہ: فإنها مبطلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم الرواة- هو محمد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم الأنصاري المدني، وليس بالقوي عند أهل الحديث. وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم: ٢٨٣٧. أما لفظة («أفضل» في الحديث، فأخرجها الطبراني في فضل عشر ذي الحجة، والأصبهاني في الترغيب. انظر لذلك سلسلة الأحاديث الصحيحة ٦/٤-٨ (١) في المطبوع: الحمد والنعمة. (٢) في المطبوع: والملك. ٦٠٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ومقالاتهم، ولقول الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطلين لصفات الكمال، التي هي متعلق الحمد، فهو سبحانه محمود لذاته ولصفاته ولأفعاله، فمن جحد صفاته وأفعاله، فقد جحد حمده. ومبطلة لقول مجوس الأمة من(١) القدرية، الذين أُخْرَجوا عن ملك الرب وقدرته: أفعال عباده من الملائكة والجن والإنس، فلم يثبتوا له عليها قدرة، ولا جعلوه خالقاً لها. فعلى قولهم: لا تكون داخلة تحت ملكه، إذ من لا قدرة له على الشيء، كيف يكون(٢) داخلاً تحت ملكه، فلم يجعلوا الملك كله لله، ولم يجعلوه على كل شيء قدير. وأما الفلاسفة: فعندهم لا قدرة له على شيء ألبتة، فمن علم معنى هذه الكلمات وشهدها وأيقن بها، باين جميع الطوائف المعطلة. التاسعة عشر: في عطف الملك على الحمد والنعمة، بعد كمال الخبر، وهو قوله: "إن الحمد والنعمة لك والملك"، ولم يقل: "إن الحمد والنعمة والملك لك"، لطيفة بديعة، وهي أن الكلام يصير (١) ساقطة من المطبوع. (٢) في المطبوع: يكون هذا الشيء. ٦٠٧ كتاب المناسك بذلك جملتين مستقلتين، فإنه لو قال: "إن الحمد والنعمة والملك لك"، كان عطف الملك على ما قبله عطف مفرد على مفرد، فلما تمت الجملة الأولى بقوله: "لك"، ثم عَطَف الملك، كان تقديره: "والملك لك". فيكون مساوياً لقوله: له الملك وله الحمد، ولم يقل: "له الملك والحمد"، وفائدته تكرار الجمل(١) في الثناء. العشرون: لما عطف النعمة على الحمد، ولم يفصل بينهما بالخبر، كان فيه إشعار باقترانهما وتلازمهما، وعدم مفارقة أحدهما للآخر، فالإنعام والحمد قرینان. الحادية والعشرون: في إعادة الشهادة له بأنه لا شريك له، لطيفة. وهو (٢) أنه أخبر أنه لا شريك له عقب إجابته بقوله: "لبيك"، ثم أعادها عقب قوله: "إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك". وذلك يتضمن أنه لا شريك لك(٣) في الحمد والنعمة والملك، والأول يتضمن أنه لا شريك لك في إجابة هذه الدعوة، (١) في المطبوع: الحمد، وهو خطأ. (٢) في المطبوع: وهي. (٣) في المطبوع: شريك له، (ولعلها لش، وكذلك في الموضع الآتي). ٦٠٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وهذا نظير قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَّهَ إِنَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾(١). فأخبر بأنه لا إله إلا هو في أول الآية، [٦٧/أ] وذلك داخل تحت شهادته، وشهادة ملائكته وأولي العلم، وهذا هو المشهود به، ثم أخبر عن قيامه بالقسط، وهو العدل، فأعاد الشهادة بأنه لا إله إلا هو مع قيامه بالقسط. ۔ ۔۔ (١) سورة آل عمران الآية رقم: ١٨. ٦٠٩ كتاب المناسك ثم قال في باب ما يلبس المحرم من الثياب(١)، عن ابن عمر رضي الله عنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم: ما يلبس المحرم ؟(٢) الحديث(٣). (١) سنن أبي داود ٢/ ٤١٠-٤١١، في كتاب المناسك، الباب رقم: ٣٢، ولفظ ترجمة الباب فيه: باب ما يلبس المحرم، دون قوله ((من الثياب)). عند حدیث سالم عن أبيه قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يترك المحرم من الثياب؟ فقال: ((لا يلبس القميص، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا العمامة، ولا ثوباً مسته ورس ولا زعفران، ولا الخفين، إلا لمن لم يجد النعلين، فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين)). وأخرجه البخاري في صحيحه ٤٦٩/٣ مع الفتح، في کتاب الحج، ٢١-باب ما لا يلبس المحرم من الثياب. ومسلم ٢/ ٨٣٥ في كتاب الحج، ١ - باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة .... والنسائي في المجتبى ١٣٨/٥-١٣٩ في كتاب المناسك، ٢٨-النهي عن الثياب المصبوغة بالورس والزعفران في الإحرام. (٢) الذي في سنن أبي داود هو اللفظ السابق: ((ما يترك المحرم؟)). وهو كذلك في طبعة عوامة ٤٥٤/٢، وقد رجع إلى عدة مخطوطات لكتاب سنن أبي داود، ولم يُشر إلى خلاف في هذه اللفظة. وهو كذلك في معالم السنن للخطابي ١٥١/٢، وفي مختصر المنذري، وفي بذل المجهود ٤٦/٩-٤٧، وفي عون المعبود ١٨٨/٥. (٣) مختصر سنن أبي داود ٢/ ٣٤٤. ٦١٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قال الشيخ شمس الدين: حديث ابن عمر هذا فيه أحكام عديدة (١): الحكم الأول: أنه صلى الله عليه وسلم سئل عما يُلبس(٢)، وهو غير محصور، فأجاب بما لا يلبس لحصره. فعلم أن غيره على الإباحة. ونبه بالقميص على ما فصل للبدن كله، من جبة (٣)، أو دَلْق(٤)، أو درّاعة(٥)، أو عرقشين(٦) ونحوه. ونبه بالعمامة على كل ساتر للرأس معتاد، كالقبح (٧)، (١) انظر نحو هذا الذي سيذكره ابن القيم في شرح العمدة -المناسك- لابن تيمية ٢١/٢، ومجموع الفتاوى ١٩٥/٢١ -٢٠٦. (٢) في المطبوع: عما يلبس المحرم. (٣) الجبة: ضرب من مقطعات الثياب تلبس، والجمع: جيب وجباب. انظر: القاموس المحيط ٤٢/١، ولسان العرب ٢٤٩/١. (٤) لم أتوصل إلى معرفته، والله أعلم. (٥) الدراعة: قميص المرأة، وهو ثوب تجوب المرأة وسطه وتجعل له يدين، وتخيط فرجيه. انظر: القاموس المحيط ٣/ ٢٠، ولسان العرب ٨/ ٨٢. (٦) لم أتوصل إلى معرفته، والله أعلم. (٧) القبعة: خرقة كالبرنس يلبسها الصبيان. انظر: القاموس المحيط ٦٥/٣، ولسان العرب ٢٥٩/٨. ٦١١ كتاب المناسك والطاقية(١)، والقلنسوة(٢)، والكلمة(٣)، ونحوها. ونبه بالبرنس(٤) على المحيط بالرأس والبدن جميعاً، كالغفارة(٥) ونحوها. ونبه بالسراويل على المفصل على الأسافل، كالتبان(٦) ونحوه. ونبه بالخفين على ما في معناهما من الجرموق (٧) (١) الطاقية: غطاء للرأس من الصوف أو القطن ونحوهما، وهي كلمة محدثة. انظر: المعجم الوسيط ص: ٥٧١. (٢) القلنسوة: من ملابس الرؤس. انظر: القاموس المحيط ٢٤٢/٢، ولسان العرب ١٨١/٦. (٣) الكلثة: هي نوع من الثياب تلبس على الرأس وتباشره، ويلبس فوقها العمامة. انظر مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠٦/٢١. (٤) البرنس هو کل ثوب رأسه منه. انظر: القاموس المحيط ٢٠٠/٢، ولسان العرب ٢٦/٦. (٥) الغفارة: خرقة تلبسها المرأة فتغطي بها رأسها ما قَبُل منه وما دَبُر، غير وسط رأسها. وهي فوق البُخْتُق، ودون الخمار. انظر: فقه اللغة للثعالبي ص: ٢٧٣، ولسان العرب ٢٦/٥. (٦) الثبان: سراويل صغير، مقدار شبر، يستر العورة المغلّظة فقط، يكون للملاحین. انظر: القاموس المحيط ٢٠٥/٤، ولسان العرب ٧٢/١٢. (٧) الجرموق: خُفّ صغير، وقيل: خُفّ صغير يلبس فوق الخف. انظر: القاموس المحيط ٢١٧/٣، ولسان العرب ٣٥/١٠. ٦١٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية والجورب(١) والزربول ذي الساق(٢) ونحوه. الحكم الثاني: أنه منعه من الثوب المصبوغ بالورس أو الزعفران، وليس هذا لكونه طيباً، فإن الطيب في غير الورس والزعفران أشد، ولأنه خصه بالثوب دون البدن، وإنما هذا من أوصاف الثوب الذي يحرم فيه، أن لا يكون مصبوغاً بورس ولا زعفران. وقد نهى أن يتزعفر الرجل(٣)، وهذا منهي عنه خارج (١) الجورب: لِفافة الرِّجْل. انظر: لسان العرب ٢٦٣/١. (٢) الزّزبول، بفتح الزاي وسكون الراء، اصطلاح شامي، يقابله "المركوب" في عرف أهل مصر. حاشية ابن عابدين ١/ ٢٦١. والمركوب نوع من الأحذية، وهي كلمة محدثة. انظر: المعجم الوسيط ص: ٣٦٨. فيكون الزربول على هذا نوع من الأحذية، وهو مما يشبه الخفّ، فقد ذكره -أي الزربول- فقهاء الحنفية والحنابلة، في باب المسح على الخفين. انظر: حاشية ابن عابدين ١/ ٢٦١، والدر المختار ٢٦١/١، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢١٥/٢١، والمبدع ١٤٥/١. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٣١٧/١٠ مع الفتح، في كتاب اللباس، ٣٣-باب النهي عن التزعفر للرجال. ومسلم في صحيحه ١٦٦٣/٣ في كتاب اللباس والزينة، ٢٣ - باب نهي الرجل عن التزعفر. كلاهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. ٦١٣ كتاب المناسك الإحرام، وفي الإحرام أشد. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض هنا إلا لأوصاف الملبوس، لا لبيان جميع محظورات الإحرام. الحكم الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم رخص في لبس الخفین عند عدم النعلین، ولم یذکر فدیة، ورخص في حدیث کعب ابن عجرة في حلق رأسه مع الفدية (١)، وكلاهما محظور بدون العذر. والفرق بينهما أن أذى الرأس ضرورة خاصة لا تعم، فهي رفاهية للحاجة. وأما لبس الخفين عند عدم النعلين، فبدل يقوم مقام المبدل، (١) والحديث هو عن كعب بن عجرة رضي الله عنه ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه ورأسه يتهافت قملاً، فقال: أيؤذيك هوامك؟ قلت: نعم. قال: فاحلق رأسك. قال: ففيّ نزلت هذه الآية: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ فقال لي رسول الله صلی الله عليه وسلم: صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرق بين ستة مساكين، أو انسك ما تيسر». أخرجه البخاري في صحيحه ٤/ ٢٠ مع الفتح، في كتاب المحصر، ٦ - باب قول الله تعالی (أو صدقة﴾. ومسلم في صحيحه ٢/ ٨٦٠-٨٦١ في كتاب الحج، ١٠ - باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى ... -واللفظ المذکور له -. ٦١٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية والمبدل وهو النعل لا فدية فيه، فلا فدية في بدله، وأما حلق الرأس فليس ببدل، وإنما هو ترفه للحاجة؛ فجبر بالدم. الحكم الرابع: أنه أمر لابس الخفين بقطعهما أسفل من كعبيه؛ في حديث ابن عمر (١) لأنه إذا قطعهما أسفل من الكعبين، صارا شبيهين بالنعل(٢). فاختلف الفقهاء في هذا القطع، هل هو واجب أم لا ؟ على قولين: أحدهما: أنه واجب، وهذا قول الشافعي (٣)، وأبي حنيفة(٤)، ومالك(٥)، [٦٧/ ب] والثوري، وإسحاق، وابن المنذر، وإحدى الروايتين عن أحمد (٦)، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطعهما. وتعجب الخطابي من أحمد فقال: العجب من أحمد في هذا، (١) والذي هو حديث الباب. (٢) وقد بحث ابن تيمية هذه المسألة فأطال وأجاد في كتابه شرح العمدة - المناسك - ٢/ ٢١ -٤٤. (٣) انظر لقول الشافعية: الأم ٢١٥/٢، والمجموع للنووي ٧/ ٢٦١. (٤) انظر لقول الحنفية: الهداية ١٣٨/١، وبدائع الصنائع ١٨٣/٢. (٥) انظر لقول المالكية: التمهيد ١١٤/١٥، والكافي ص: ١٥٣. (٦) انظر: المغني ١٢١/٥، والإنصاف ٣/ ٤٦٤. ٦١٥ كتاب المناسك فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقَلّت سنة لم تبلغه(١). وعلى هذه الرواية إذا لم يقطعهما؛ تلزمه الفدية(٢). والثاني: أن القطع ليس بواجب، وهو أصح الروايتين عن أحمد (٣)، ويروى عن علي بن أبي طالب(٤)، وهو قول أصحاب ابن عباس: عطاء(٥) ، وعكرمة(٦). وهذه الرواية أصح، لما في الصحيحين عن ابن عباس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: ((من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين، فليلبس خفين))(٧). (١) معالم السنن ٢/ ١٥٢ ونص كلامه: وأنا أتعجب من أحمد في هذا، فإنه لا یکاد .... . (٢) انظر: بدائع الصنائع ١٨٦/٢-١٨٧، والتمهيد ١١٥/١٥، والكافي ص: ١٥٣، والأم ٢١٥/٢، والمجموع ٢٥٤/٧، والمغني ١٢١/٥، والإنصاف ٤٦٤/٣. (٣) وعليها المذهب. انظر: مسائل ابن هانئ رقم: ٨٠٧، والمغني ١٢٠/٥، والإنصاف ٣/ ٤٦٣ -٤٦٤. (٤) رواه عنه ابن أبي شيبة في مصنفه ٤٣٩/٣. (٥) روى ابن هانئ في مسائله للإمام أحمد ١/ ١٦٤ أنه كان يرخص للمحرم أن يلبس الخفين في رجله. (٦) رواه عنه ابن أبي شيبة في مصنفه ٣٢٥/٣ عن عثمان بن غياث عن عكرمة، قال: يتخفف إذا لم يجد نعلين. قال: قلت: أيشقهما؟ قال: إن الله لا يحب الفساد. (٧) أخرجه البخاري في صحيحه ٦٩/٣ مع الفتح في كتاب جزاء الصيد، ١٥ - = ٦١٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية فأطلق الإذن في لبس الخفين، ولم يشترط القطع، وهذا كان بعرفات، والحاضرون معه إذ ذاك أكثرهم لم يشهدوا خطبته بالمدينة، فإنه كان معه من أهل مكة واليمن والبوادي من لا يحصيهم إلا الله تعالى، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. وفي صحيح مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً، فليلبس سراويل)»(١). فهذا كلام مبتدأ من النبي صلى الله عليه وسلم بيّن فيه في عرفات -في أعظم جمع كان له- أن من لم يجد الإزار فليلبس السروايل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ولم يأمر بقطع ولا فتق، وأكثر الحاضرين بعرفات لم يسمعوا خطبته بالمدينة، ولا سمعوه يأمر بقطع الخفين، وتأخير البيان عن وقته ممتنع (٢). = باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين. ومسلم في صحيحه ٨٣٥/٢ في كتاب الحج، ١ - باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، وما لا .... (١) صحيح مسلم ٢/ ٨٣٦ في كتاب الحج، ١ - باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا .... (٢) هذا هو الراجح في المسألة، وهناك قول ضعيف ذكره أهل الأصول، وردوه بأن تأخير البيان عن وقته جائز، وهذا على مذهب من يجوّز التكليف بالمحال. = ٦١٧ كتاب المناسك فدل هذا على أن هذا الجواز لم يكن شرع بالمدينة، وأن الذي شرع بالمدينة هو الخف (١) المقطوع، ثم شرع بعرفات الخف(٢) من غير قطع. فإن قيل: فحديث ابن عمر مقيد، وحديث ابن عباس مطلق، والحكم والسبب واحد، وفي مثل هذا يتعين حمل المطلق على المقيد(٣)، وقد أمر في حديث ابن عمر بالقطع. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن قوله في حديث ابن عمر: ((وليقطعهما))، قد حتى إنه جزم في المراقي بأن من أجازه وافق على عدم وقوعه بقوله: وقوعه عند المجيز ما حصل تأخر البيان عن وقت العمل انظر: روضة الناظر لابن قدامة مع شرحها نزهة الخاطر العاطر لابن بدران ٤٤/٢، ومذكرة أصول الفقه للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ص: ١٨٥، وإمتاع العقول بروضة الأصول للشيخ عبد القادر شيبة الحمد ص: ١١٧. (١) في المطبوع: هو لبس الخف. (٢) في المطبوع: لبس الخف، وهي زيادات لا داعي لها. (٣) هذا أحد أقسام حمل المطلق على المقيد، وهو فيما إذا اتحد حكمهما وسببهما، وحكمه وجوب حمل المطلق على المقيد خلافاً لأبي حنيفة، وهو بناء على أصله: الزيادة على النص نسخ. انظر: روضة الناظر ١٤٨/٢، ومذكرة أصول الفقه ص: ٢٣٢، وإمتاع العقول ص: ١٥٧ -١٥٨. ٦١٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قيل: إنه مدرج من كلام نافع. قال صاحب المغني كذلك روي(١) في أمالي أبي القاسم بن بشران(٢) بإسناد صحيح: أن نافعاً قال بعد روايته للحديث: وليقطع الخفين أسفل من الكعبين(٣). والإدراج فيه محتمل لأن الجملة الثانية يستقل الكلام الأول بدونها، فالإدراج فيه ممكن، فإذا جاء مصرحاً به أن نافعاً قاله: زال الإشكال. ويدل على صحة هذا أن ابن عمر كان يفتي بقطعهما للنساء، فأخبرته صفية بنت أبي عبيد عن عائشة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للمحرم أن يلبس الخفين، ولا يقطعهما)) [٦٨ /أ] قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع(٤). (١) في المغني: رویناه. (٢) لم أجده فيما طبع من كتاب أمالي ابن بشران، وهما جزءان طُبعا عن دار الوطن - السعودية. (٣) المغني لابن قدامة ١٢١/٥. (٤) أخرجه أبو داود في سننه ٤١٤/٢-٤١٥ في کتاب الحج، ٣٢-باب ما يلبس المحرم. وصححه ابن خزيمة حيث أخرجه في صحيحه ٤/ ٢٠١. وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٦١٦. ٦١٩ كتاب المناسك الجواب الثاني: أن الأمر بالقطع كان بالمدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر، فناداه رجل فقال: ((ما يلبس المحرم من الثياب؟)) فأجابه بذلك، وفيه الأمر بالقطع، وحديث ابن عباس وجابر بعده. وعمرو بن دينار روى الحديثين معاً، ثم قال: انظروا أيهما كان قبل(١). وهذا يدل على أنهم علموا نسخ الأمر؛ بحديث ابن عباس. وقال الدارقطني: قال أبو بكر النيسابوري: حديث ابن عمر قبل؛ لأنه قال: ((نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد))، فذكره، وابن عباس يقول: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات))(٢). فإن قيل: حديث ابن عباس رواه أيوب، والثوري، وابن عيينة، وحماد بن زيد، وابن جريج، وهشيم، كلهم عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس، ولم يقل أحد منهم: ((بعرفات)) غير شعبة، ورواية الجماعة أولى من رواية الواحد (٣). (١) رواه الدارقطني في سننه ٢٢٩/٢ ومن طريقه البيهقي في الكبرى ٥١/٥. (٢) سنن الدار قطني ٢/ ٢٣٠، بنحو مما ذكره ابن القيم هنا. (٣) انظر في روايتهم: صحيح مسلم ٨٣٥/٢. ٦٢٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قيل: هذا عنت (١)، فإن هذه اللفظة متفق عليها في الصحيحين(٢)، وناهيك برواية شعبة لها، وشعبة حفظها وغيره لم ينفها، بل هي في حكم جملة أخرى في الحديث مستقلة، وليست تتضمن مخالفة للآخرين، ومثل هذا يقبل ولا يرد، ولهذا رواها الشيخان. وقد قال علي رضي الله عنه : قطع الخفين فساد، يلبسهما كما هما (٣). وهذا مقتضى القياس، فإن النبي صلی الله عليه وسلم سوى بين السراويل وبين الخف، في لبس كل منهما عند عدم الإزار والنعل، ولم يأمر بفتق السراويل، لا في حديث ابن عمر، ولا في حديث ابن عباس، ولا غيرهما. ولهذا كان مذهب الأكثرين: أنه يلبس السراويل بلا فتق عند عدم الإزار (٤). (١) في المطبوع: عبث. (٢) وقد تقدم تخريجه. (٣) لم أقف عليه عن علي مسنداً، ولا من ذكره عنه. وهو مشهور من قول عطاء. ذكره الخطابي في معالم السنن ١٥٢/٢، وابن عبد البر في التمهيد ١١٤/١٥. وروي عن عكرمة نحوه كما سبق. (٤) وهو مذهب الشافعية والحنابلة. انظر: الأم للشافعي ٢/ ٢١٥، والمغني ١٢٠/٥.