Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
كتاب المناسك
باب إفراد الحج(١)
(١) سنن أبي داود ٣٧٩/٢ -٣٨٠، الباب رقم: (٢٣).
عند حديث وهيب عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: ((خرجنا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين هلال ذي الحجة، فلما كان بذي
الحليفة قال: من شاء أن يهل بحج فليهل، ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل بعمرة،
قال موسى في حديث وهيب: («فإني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة))، وقال في
حديث حماد بن سلمة: ((وأما أنا فأهل بالحج فإن معي الهدي))، ثم اتفقوا:
((فكنت فيمن أهل بعمرة، فلما كان في بعض الطريق حضت، فدخل علي رسول
الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: وددت أني لم أكن
خرجت العام، قال: ارفضي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي، قال موسى:
((وأهلي بالحج))، وقال سليمان: ((واصنعي ما يصنع المسلمون في حجهم))،
فلما كانت ليلة الصدر، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن فذهب
بها إلى التنعيم)». زاد موسى: ((فأهلت بعمرة مكان عمرتها، وطافت بالبيت،
فقضى الله عمرتها وحجها»، قال هشام: ولم يكن في شيء من ذلك هدي.
وأخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٤٨٥-٤٨٦ مع الفتح في كتاب الحج، ٣١-
باب كيف تهل الحائض والنفساء، من حديث عروة بن الزبير به نحوه.
ومسلم في صحيحه ٢/ ٨٧٢ في كتاب الحج، ١٧ - باب بيان وجوه الإحرام
وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع ... ، من حديث هشام به نحوه.
والنسائي في المجتبى ١٨٠/٥- ١٨١ في كتاب المناسك، ٥٨- في المهلة بالعمرة
تحيض وتخاف فوت الحج، عن عروة به نحوه.
وابن ماجه في سننه ٩٨٨/٢ في كتاب المناسك، ٣٦- باب الحائض تقضي
المناسك إلا الطواف، عن القاسم بن محمد عن عائشة به نحوه.

٥٠٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قال الحافظ شمس الدين عقب كلام الحافظ زكي الدين على
حديث عائشة(١)، قال: والأحاديث الصحيحة، صريحة بأنها أهلت
أولاً بعمرة، ثم أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حاضت،
أن تهل بالحج، فصارت قارنة، ولهذا قال لها النبي صلى الله عليه
وسلم: ((يكفيك طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة؛ لحجك
وعمرتك)) متفق عليه (٢).
(١) مختصر سنن أبي داود ٣٠٣/٢-٣٠٥.
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، لا عند البخاري، ولا عند مسلم.
وإنما وقفت على قوله صلى الله عليه وسلم لها: ((يسعك طوافك لحجك
وعمرتك)».
أخرجه مسلم في صحيحه ٨٧٩/٢ في کتاب الحج، ١٧ -باب بيان وجوه
الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع ... ، من حديث طاوس عن عائشة به.
وقوله صلى الله عليه وسلم لها: ((يجزي عنك طوافك بالصفا والمروة عن
حجك وعمرتك)».
أخرجه مسلم أيضاً في صحيحه ٢/ ٨٨٠ في كتاب الحج، ١٧ - باب بيان وجوه
الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع ... ، من حديث مجاهد عن عائشة.
وقوله لها: ((قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً)).
أخرجه مسلم في صحيحه ٨٨١/٢ في كتاب الحج، ١٧ - باب بيان وجوه
الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع ... ، من حديث أبي الزبير عن جابر أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ذلك.
وقوله لها: ((طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجتك وعمرتك)).
=

٥٠٣
كتاب المناسك
وهو صريح في رد قول من قال: "إنها رفضت إحرام العمرة
رأساً، وانتقلت إلى الإفراد"(١)، وإنما أمرت برفض أعمال العمرة من
الطواف والسعي، حتى تطهر، لا برفض إحرامها(٢).
وأما قوله: «ولم یکن في شيء من ذلك هدي)»، فهو مدرج
من كلام هشام، كما بينه وكيع وغيره عنه، حيث فصل كلام
عائشة، من كلام هشام، وأما ابن نمير وعبدة فأدرجاه في حديثها (٣) ،
سـ
=
أخرجه أبو داود في سننه ٢/ ٤٥١ في كتاب المناسك، ٥٤- باب طواف القارن،
من حدیث عطاء عن عائشة به.
وانظر في ألفاظ أخرى قريبة مما سبق في: السنن الكبرى للبيهقي ١٧٣/٥،
وسنن الدارقطني ٢/ ٢٦٣.
(١) وهو قول الكوفيين.
انظر المبسوط للسرخسي ٣٥/٤-٣٦، والجوهر النقي لابن التركماني
٣٤٧/٤ بحاشية السنن الكبرى، و ١٠٦/٥، ١٧٢ -١٧٣ بحاشية السنن
الكبرى، وفتح الباري لابن حجر ٤٩٦/٣، وشرح الزرقاني ٤٩٨/٢،
والتمهيد لابن عبد البر ٢٢٨/٨، وشرح معاني الآثار ٢٠٢/٢-٢٠٣.
(٢) وانظر في بيان ذلك أيضاً: صحيح ابن خزيمة ٤/ ٣٤٠، والتمهيد لابن عبد
البر ٢٢٧/٨-٢٢٩، وشرح النووي على مسلم ١٣٩/٨-١٤٠، وفتح الباري
لابن حجر ٤٩٦/٣، والمعلم بفوائد مسلم للمازري ٥٣/٢-٥٤، وشرح
العمدة -المناسك - لشيخ الإسلام ٥٦٦/١، والمحلى لابن حزم ١٧٨/٧.
(٣) في المطبوع: حديثهما.

٥٠٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ولم يميزاه.
والذي ميّزه معه زيادة علم، ولم يعارضه (١) غيره، فابن نمير
وعبدة لم [٥٦/ ب] يقولا: قالت عائشة: ((ولم يكن في شيء من
ذلك هدي)»، بل أدرجاه، ومیّزه غيرهما(٢).
وأما قول من قال: "إنها أحرمت بحج، ثم نوت فسخه
بعمرة، ثم رجعت إلى حج مفرد"، فهو خلاف ما أخبرت به عن
نفسها، وخلاف ما دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لها:
(( يسعك طوافك لحجك وعمرتك))(٣)، والنبي صلى الله عليه
وسلم إنما أمرها أن تهلّ بالحج لما حاضت، كما أخبرت بذلك عن
نفسها(٤)، وأمرها أن تدع العمرة، وتهلّ بالحج.
وهذا كان بسَرف، قبل أن يأمر أصحابه بفسخ حجهم إلى
العمرة، فإنه إنما أمرهم بذلك على المروة.
وقوله: "إنها أشارت بقولها: ((فكنت فيمن أهل بعمرة))، إلى
الوقت الذي نوت فيه الفسخ"؛ في غاية الفساد، فإن صريح الحديث
(١) في المطبوع: يعارض.
(٢) وقد سبق بيان ذلك في الباب الذي قبله.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٨٧٩/٢ في كتاب الحج، ١٧ - باب بيان وجوه
الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع ... .
(٤) كما في حديث الباب.

٥٠٥
كتاب المناسك
يشهد ببطلانه، فإنها قالت: ((فكنت فيمن أهل بعمرة، فلما كان في
بعض الطريق حضت))(١).
فهذا صريح أنها (٢) حاضت بعد إهلالها بعمرة.
ومن تأمل أحاديثها، علم أنها أحرمت أولاً بعمرة، ثم
أُدخلت عليها الحج، فصارت قارنة، ثم اعتمرت من التنعيم عمرة
مستقلة، تطييبا لقلبها.
وقد غلط في قصة عائشة من قال: إنها كانت مفردة، فإن
عمرتها من التنعيم هي عمرة الإسلام الواجبة.
وغلط من قال: إنها كانت متمتعة، ثم فسخت المتعة إلى
إفراد، وكان(٣) عمرة التنعيم قضاء لتلك العمرة.
وغلط من قال: إنها كانت قارنة، ولم يكن عليها دم ولا
صوم، وأن ذلك إنما يجب على المتمتع.
ومن تأمل أحاديثها علم ذلك، وتبين له أن الصواب ما
ذكرنا(٤)، والله أعلم.
(١) كما في حديث الباب.
(٢) في المطبوع: في أنها.
(٣) في المطبوع: وكانت.
(٤) في المطبوع: ذكرناه.

٥٠٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ثم قال في أثناء الباب(١).
بعد قول المنذري(٢): ولم تتمكن من فعلها للحيض: وقد
(١) سنن أبي دواد ٣٨١/٢-٣٨٢، الباب رقم: ٣.
عند حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها قالت: ((خرجنا مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل
حتى يحل منهم جميعا)). فقدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بين
الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
(انقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة)) قالت: ففعلت،
فلما قضینا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن
أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت، فقال: ((هذه مكان عمرتك)). قالت: فطاف
الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر
بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما
طافوا طوافاً وحداً)).
وأخرجه البخاري في صحيحه ٤٨٥/٣-٤٨٦ مع الفتح في كتاب الحج، ٣١-
باب كيف تهل الحائض والنفساء.
ومسلم في صحيحه ٢/ ٨٧٠ في كتاب الحج، ١٧ - باب بيان وجوه الإحرام وأنه
يجوز إفراد الحج والتمتع ... .
والنسائي في المجتبى ١٨٠/٥-١٨١ في كتاب المناسك، ٥٨-في المهلة بالعمرة
کلهم من طريق ابن شهاب به.
تحيض وتخاف فوت الحج.
(٢) مختصر سنن أبي داود ٣٠٥/٢-٣٠٦. وقول المنذري هو: وأخرجه البخاري
ومسلم والنسائي.

٥٠٧
كتاب المناسك
احتج به ابن حزم على أن المحرم لا يحرم عليه الامتشاط(١)، ولم يأت
بتحريمه نص، وحمله الأكثرون على امتشاط رفيق، لا يقطع
الشعر(٢).
ومن قال: "كان بعد جمرة العقبة"(٣)، فسياق الحديث يبطل
قوله(٤).
ومن قال: "هو التمشط بالأصابع)"(٥)، فقد أبعد في التأويل.
ومن قال: "إنها أمرت العمرة رأساً"(٦)، فقوله باطل، لما
تقدم، فإنها لو تركتها رأساً لكان قضاؤها واجباً، والنبي صلى
الله عليه وسلم قد أخبرها أنه لا عمرة عليها، وأن طوافها يكفي
عنهما.
وقوله: (( أهلي بالحج)) (٧)، صريح في أن إحرامها الأول كان
(١) قال ابن حزم في المحلى ١٧٨/٧ بعد أن ذكر حديث عائشة: "وأما نقض
الرأس والامتشاط، فلا يكره ذلك في الإحرام، بل هو مباح مطلقاً".
(٢) انظر: شرح الزرقاني ٤٩٨/٢.
(٣) انظر: المعلم للمازري ٥٤/٢، وشرح الزرقاني ٤٩٨/٢.
(٤) انظر المصدرين السابقين أيضاً.
(٥) انظر: شرح الزرقاني ٤٩٨/٢، وفتح الباري لابن حجر ٤٨٦/٣، وشرح
النووي على صحيح مسلم ٩/ ١٤٠.
(٦) سبق ذلك في الباب الذي قبله.
(٧) قوله صلى الله عليه وسلم هذا هو في حديث الباب.

٥٠٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
بعمرة، کما أخبرت به عن نفسها.
وهو يبطل قول من قال: كانت مفردة، فأمرت باستدامة
الإفراد.
وفي الحديث دليل على تعدد السعي على المتمتع، فإن قولها:
((ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم)) (١)، تريد به
الطواف بين الصفا والمروة، ولهذا نفته عن القارنين.
ولو كان المراد به الطواف بالبيت، لكان الجميع فيه سواء،
فإن طواف الإفاضة لا يفترق فيه القارن والمتمتع [٥٧/أ].
وقد خالفها جابر في ذلك؛ ففي صحيح مسلم عنه أنه قال:
((لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا
والمروة، إلا طوافاً واحداً، طوافه الأول))(٢).
وأخذ الإمام أحمد بحديث جابر هذا، في رواية ابنه عبد الله(٣).
(١) قولها هذا هو في حديث الباب.
(٢) صحيح مسلم ٨٨٣/٢ في كتاب الحج، ١٧ -باب بيان وجوه الإحرام وأنه
يجوز ....
من حديث أبي الزبير عن جابر يقول: لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا
أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً.
(٣) مسائل عبد الله المسألة رقم: ٩٢٢، ٩٧٨، ١٠٠١.
وكذلك في رواية الكوسج عنه، كما في مسائل الكوسج المسألة رقم: ١٤١٢.

٥٠٩
كتاب المناسك
والمشهور عنه: أنه لابد من طوافين، على حديث عائشة(١).
ولكن هذه اللفظة، وهي: ((فطاف الذين أهلوا بالعمرة
بالبيت)) إلى آخره"، قد قيل: إنها مدرجة في الحديث، من كلام
عروة(٢).
(١) نقلها عنه: ابن هانئ في مسائله برقم: ٦٩٥، ٨٦٤، وأبو داود في مسائله ص:
١٣١.
والمذهب على هذه الرواية.
انظر: الفروع ٥١٦/٣، والإنصاف ٤/ ٤٤.
(٢) وذكر شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ٢٦/ ٤١ أن هذه الزيادة مدرجة
من كلام الزهري.
وما ذكره ابن القيم رحمه الله وشيخ الإسلام ابن تيمية هو أحد طرق ترجيح
حديث جابر على حديث عائشة.
وقد جمع شيخ الإسلام بين الحديثين في شرح العمدة -المناسك - ٥٦٦/٢
بقوله: "لعل جابراً أخبر عن بعض المتمتعين، وعائشة أخبرت عن بعضهم،
فإنهم كانوا خلقاً كثيراً، فأخبر جابر عما فعله هو ومن معه، وأخبرت عائشة
عما فعله من تعرفه، والله أعلم بحقيقة الحال، على أن أحاديث جابر وأصحابه
مفسرة واضحة لا احتمال فيها".
وجمع النووي رحمه الله تعالى بين الحديثين، بأن حديث جابر فيمن كان قارناً
فقط، فلا يكون هناك إشكال بين الحديثين.
انظر شرح صحيح مسلم ٨/ ١٦١، ١٦٢ -٠١٦٣
إلا أن هذا الجمع لا يسلم للإمام النووي، لما رواه مسلم في صحيحه ٢/ ٨٨٢

٥١٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
=
في كتاب الحج، ١٧ - باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع ...
عن جابر رضي الله عنه قال: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
مهلين بالحج ... فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لم يكن معه
هدي فليحلِل)» ... فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج. وكفانا الطواف الأول
بين الصفا والمروة ... ))الحديث.
قال شيخ الإسلام في شرح العمدة -المناسك - ٥٦٦/٢:"وهذا نص في أنهم
تمتعوا، واكتفوا بطواف واحد بين الصفا والمروة.

٥١١
كتاب المناسك
ثم قال عقب قول المنذري: أراد تطييب قلوبهم بموافقته لهم،
وكره ما ظهر منهم من إشفاقهم لمخالفته له في الحلّ(١).
قال الشيخ شمس الدين: والصواب أن ما أحرم به صلى الله
عليه وسلم كان أفضل، وهو القران.
ولكن أخبر أنه لو استقبل من أمره ما استدبر، لأحرم بعمرة،
وكان حينئذ موافقةً(٢) لهم في المفضول، تأليفاً لهم، وتطبيباً لقلوبهم،
(١) كلام المنذري هذا غير موجود في المطبوع من مختصر سنن أبي داود للمنذري،
والذي كان من المفترض أن يوجد في ٣٠٧/٢.
والكلام هنا على حديث الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما
سُقت الهدي))، قال محمد -أحد الرواة -: أحسبه قال: ((ولحللت مع الذين
أحلوا من العمرة))، قال: أراد أن يكون أمر الناس واحداً.
سنن أبي داود ٢/ ٣٨٤ في كتاب المناسك، ٢٣ -باب إفراد الحج.
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٢٣١/١٣ مع الفتح في كتاب التمني،
٣-باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو استقبلت من أمري ما
استدبرت»، من طريق الزهري به نحوه.
وأخرجه مسلم في صحيحه ٨٧٩/٢ في كتاب الحج، ١٧ - باب بيان وجوه
الإحرام ... ، من طريق علي بن الحسين عن ذكوان عن عائشة، أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: ولو أني استقبلت ... )) الحديث نحو مما هنا.
(٢) في المطبوع: موافقاً.

٥١٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، وإدخال الحجر فيها،
وإلصاق بابها بالأرض، تأليفاً لقلوب الصحابة الحديثي العهد
بالإسلام، خشية أن تنفر قلوبهم (١).
وعلى هذا: فيكون الله تعالى قد جمع له الأمرين: النسك
الأفضل الذي أحرم به، وموافقته لأصحابه، بقوله: ((لو استقبلت))،
فهذا بفعله، وهذا بتبيينه(٢) وقوله.
وهذا الأليق بحاله صلوات الله وسلامه عليه.
مـ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/ ٢٣٨ مع الفتح في کتاب التمني، ٩ -باب ما
يجوز من اللو.
ومسلم في صحيحه ٢/ ٩٧٣ في كتاب الحج، ٧٠ - باب جدر الكعبة وبابها.
كلاهما عن أشعث عن الأسود عن عائشة.
(٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: "بنيته".
يدل لذلك ما قاله ابن القيم نفسه في كتابه بدائع الفوائد ٢١٧/٢ :"وعلى هذا
فيكون الله قد اختار له أفضل الأنساك بفعله، وأعطاه ما تمناه من موافقة
أصحابه وتألف قلوبهم بنيته ومناه، فجمع له بين الأمرين وهو اللائق به
صلوات الله وسلامه عليه".

٥١٣
كتاب المناسك
ثم قال عقب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((بل هي
للأبد» (١)، وأخرجه البخاري(٢)، ومسلم(٣)، والنسائي(٤)، وابن
ماجه(٥).(٦)
قال الشيخ ابن القيم: وعند النسائي عن سراقة: (( تمتع
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتمتعنا معه، فقلنا: ألنا خاصة أم
(١) سنن أبي داود ٣٨٥/٢- ٢٨٦ في كتاب المناسك، ٢٣ - باب في إفراد الحج.
عند حديث عطاء عن جابر قال: أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالحج خالصاً لا يخالطه شيء، فقدمنا مكة لأربع ليال خَلون من ذي الحجة،
فطفنا وسعينا، ثم أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نُحلّ، وقال:
((لولا هديي لحللت))، ثم قام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله أرأيت
متعتنا هذه، ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بل
هي للأبد)».
قال الأوزاعي: سمعت عطاء بن أبي رباح يحدّث بهذا فلم أحفظه، حتى
لقيت ابن جريج فأثبته لي.
(٢) صحيح البخاري ٧٠٩/٣ مع الفتح في كتاب العمرة، ٦ - باب عمرة التنعيم.
(٣) صحيح مسلم ٨٨٣/٢-٨٨٤ في كتاب الحج، ١٧ - باب بيان وجوه الإحرام
وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع ... .
(٤) سنن النسائي المجتبى ١٩٦/٥ في كتاب المناسك، ٧٧ - إباحة فسخ الحج
بالعمرة لمن لم يسق الهدي.
(٥) سنن ابن ماجه ٩٩٢/٢ في كتاب المناسك، ٤١ - باب فسخ الحج.
(٦) مختصر سنن أبي داود ٣١٢/٢.

٥١٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
للأبد، قال: بل للأبد))(١).
وهو صريح في أن العمرة التي فسخوا حجهم إليها، لم تكن
مختصة بهم، وأنها مشروعة للأمة إلى يوم القيامة.
وقول من قال: "إن المراد به السؤال عن المتعة في
أشهر الحج، لا عن عمرة الفسخ(٢)، باطل من
(١) النسائي في المجتبى ١٩٧/٥ في كتاب المناسك، ٧٧ - إباحة فسخ الحج بعمرة
لمن لم يسق الهدي، - وفيه ((لا بد)) بدل ((للأبد)) -.
وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم (٢٦٣٢).
(٢) ممن قال بذلك النووي في شرح مسلم ١٦٦/٨ حيث يقول: "واختلف العلماء
في معناه على أقوال، أصحها وبه قال جمهورهم: معناه: أن العمرة يجوز فعلها في
أشهر الحج إلى يوم القيامة، والمقصود به بيان إيطال ما كانت الجاهلية تزعمه من
امتناع العمرة في أشهر الحج"، إلى أن قال: "والرابع تأويل بعض أهل الظاهر، أن
معناه جواز فسخ الحج إلى العمرة، وهذا أيضاً ضعيف".
فالقول الذي نسبه النووي للجمهور هو الذي ردّه ابن القيم من وجوه عديدة،
والقول الرابع الذي ذكره النووي هو الذي انتصر له ابن القيم رحمه الله.
وذكر كلام النووي هذا الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٣/ ٧١٢، ثم علّق
على تضعيفه للقول بأن معنى الحديث جواز فسخ الحج إلى العمرة، فقال:
"وتُعقّب بأن سياق السؤال يقوي هذا التأويل، بل الظاهر أن السؤال وقع عن
الفسخ، والجواب وقع عما هو أعم من ذلك ... ".
وكذلك ردّ تأويل الحديث بجواز فسخ الحج إلى العمرة، الإمام ابن حزم
الظاهري في كتابه المحلى بألفاظ شديدة. انظر المحلى ١٠٩/٧ - ١١٠.
٢.

٥١٥
كتاب المناسك
وجوه(١):
أحدها: أنه لم يقع السؤال عن ذلك، ولا في اللفظ ما يدل
عليه، وإنما سأله عن تلك العمرة المعيَّنة، التي أمروا بالفسخ إليها،
ولهذا أشار إليها بعينها، فقال: ((متعتنا هذه))(٢)، ولم يقل العمرة في
أشهر الحج.
الثاني: أنه لو قدر أن السائل أراد ذلك، فالنبي صلى الله
عليه وسلم أطلق الجواب بأن تلك العمرة مشروعة إلى الأبد،
ومعلوم أنها مشتملة على وصفين، كونها عمرة فُسِخَ الحج إليها،
وكونها في أشهر الحج.
فلو كان المراد أحد الأمرين، وهو كونها في أشهر الحج، لبينه
للسائل لا سيما إذا كان الفسخ حراماً باطلاً.
فكيف يُطلق الجواب عما يجوز ويشرع، وما لا يحل ولا
يصح إطلاقاً واحداً؟ !!
هذا مما ينزه عنه آحاد أمته، فضلاً عنه، ومعلوم أن من سُئل عن
[٥٧/ ب] أمر يشتمل على جائز ومحرم، وجب عليه أن يبين للسائل
جائزه من حرامه، ولا يطلق الجواز والمشروعية عليه إطلاقاً واحداً.
(١) وذكر ابن حزم في كتاب حجة الوداع ص: ٣٧٦ - ٣٨١ تسعة أوجه لبطلانه.
(٢) کما في حديث الباب.

٥١٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اعتمر قبل ذلك؛
ثلاث عمر، كلهنّ في أشهر الحج، وقد علم ذلك الخاص والعام، أنما
كان في ذلك ما يدل على جواز العمرة في أشهر الحج؟!
الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم عند إحرامهم:
((من شاء أن يهل بعمرة فليهل))(١).
وفي هذا أعظم البيان، لجواز العمرة في أشهر الحج.
الخامس: أنه خصّ بذلك الفسخ من لم يكن معه هدي، وأما
من كان معه هدي، فأمره بالبقاء على إحرامه، وأن لا يفسخ.
فلو كان المراد ما ذكروه لعم الجميع بالفسخ، ولم یکن للهدي
أثر أصلاً، فإن سبب الفسخ عندهم الإعلام المجرد بالجواز، وهذا
الإعلام لا تأثير للهدي في المنع منه.
السادس: أن طرق الإعلام بجواز الاعتمار في أشهر الحج؛ أظهر
وأبين، قولاً وفعلاً من الفسخ، فكيف يعدل عن الإعلام بأقرب الطرق
وأبينها وأسهلها وأدلها، إلى الفسخ الذي ليس بظاهر، فيما ذكروه (٢) من
الإعلام والخروج من نسك إلى نسك، وتعريضهم لمشقة (٣) ذلك عليهم،
(١) سبق الحديث، وتخريجه في أول باب إفراد الحج.
(٢) في المطبوع: ذكره.
(٣) في المطبوع: (وتعويضهم بسعة) مكان (وتعريضهم لمشقة). وهو تحريف
یعکس المعنی، فتأمل !!!.

٥١٧
كتاب المناسك
لمجرد الإعلام الممكن الحصول بأقرب الطرق (١) ؟ !! وقد بيّن ذلك
غاية البيان، بقوله وفعله، فلم يُحِلْهُم في الإعلام على الفسخ.
السابع: أنه لو فرض أن الفسخ للإعلام المذكور، كان(٢)
ذلك دليلاً على داوم مشروعيته إلى يوم القيامة، فإن ما شرع في
المناسك لمخالفة المشركين، مشروع أبداً كالوقوف بعرفة لقريش
وغيرهم، والدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس.
الثامن: أن هذا الفسخ وقع في آخر حياة النبي صلى الله عليه
وسلم، ولم يجىء عنه كلمة قط، تدل على نسخه وإبطاله، ولم تجمع
الأمة بعده على ذلك، بل منهم من يوجبه، كقول حبر الأمة
وعالمها: عبد الله بن عباس ومن وافقه(٣)، وقول إسحاق(٤)، وهو
قول الظاهرية وغيرهم(٥).
(١) في الأصل: بالطرق، والصواب ما أثبته.
(٢) في المطبوع: لكان.
(٣) رواه عنه البخاري في صحيحه ٧/ ٧٠٧-٧٠٨ مع الفتح في كتاب المغازي،
٧٧-باب حجة الوداع.
ومسلم في صحيحه ٩١٣/٢ في كتاب الحج، ٣٢ - باب تقليد الهدي وإشعاره
عند الإحرام، عن عطاء قال: كان ابن عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاج ولا
غير حاج إلا حلّ، هذا لفظ مسلم.
(٤) ذكره عن إسحاق: ابن حزم في المحلى ٧/ ١٠١، وابن حجر في فتح الباري ٥٥٩/٣.
(٥) وهو قول ابن حزم رحمه الله. انظر: حجة الوداع له ص: ٣٥٩، والمحلى
=

٥١٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ومنهم من يستحبه، ويراه سنة رسول الله صلى الله عليه
وسلم، كقول إمام السنة (١) أحمد بن حنبل، وقد قال له سلمة بن
شبيب يا أبا عبد الله: كل شيء منك حسن، إلا خصلة واحدة،
تقول بفسخ الحج إلى العمرة. فقال: يا سلمة كان يبلغني عنك أنك
أحمق، وكنت أدافع عنك، والآن علمت أنك أحمق، عندي في ذلك
بضعة عشر حديثاً صحيحاً، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
أدعها لقولك؟!(٢)
وهو قول الحسن وعطاء ومجاهد وعبيد الله بن الحسن
[٥٨/أ] وكثير من أهل الحديث أو أكثرهم(٣).
التاسع: أن هذا موافق لحج خير الأمة وأفضلها، مع خير
الخلق وأفضلهم، فإنه أمرهم بالفسخ إلى المتعة، وهو لا يختار لهم إلا
=
١٠١،٩٩/٧.
وذكره ابن تيمية عن الظاهرية. مجموع الفتاوى ٤٩/٢٦، ٥١.
(١) في المطبوع: أهل السنة. أي بزيادة: "أهل".
(٢) ذكر هذه الرواية ابن قدامة في المغني ٢٥٣/٥ - نحو مما هنا-، وابن تيمية كما
في مجموع الفتاوى ٥٤/٢٦.
واستحباب الفسخ هو ما عليه مذهب الحنابلة.
انظر: المغني ٢٥٢/٥، والفروع ٣٢٨/٣، والإنصاف ٤٤٦/٣.
(٣) انظر: المحلى ٧/ ١٠١، والمغني ٢٥٢/٥، ومجموع الفتاوى ٢٦ / ٤٩، ٥١.

٥١٩
كتاب المناسك
الأفضل، فكيف يكون ما اختاره لهم هو المفضول المنقوص، بل
الباطل الذي لا يسوغ لأحد أن يقتدي بهم فيه.
العاشر: أن الصحابة رضي الله عنهم إذا لم يكتفوا بعمل
العمرة معه ثلاثة أعوام في أشهر الحج، وبقوله لهم عند الإحرام:
((من شاء أن يهل بعمرة فليهل)) (١) على جواز العمرة في أشهر
الحج، فهم أحرى أن لا يكتفوا بالأمر بالفسخ، في العلم بجواز
العمرة في أشهر الحج، فإنه إذا لم يحصل لهم العلم بالجواز بقوله
وفعله، فكيف يحصل بأمره لهم بالفسخ؟!
الحادي عشر: أن ابن عباس الذي روى أنهم كانوا يرون
العمرة في أشهر الحج، من أفجر الفجور، وأن النبى صلى الله عليه
وسلم أمرهم لما قدموا بالفسخ(٢)، وهو كان يرى وجوب الفسخ
(١) سبق ذكره وتخريجه في أول باب إفراد الحج.
(٢) روى البخاري في صحيحه ٤٩٣/٣ مع الفتح في كتاب الحج، ٣٤- باب
التمتع والقرآن والإفراد بالحج ....
ومسلم في صحيحه ٩٠٩/٢-٩١٠ في كتاب الحج، ٣١- باب جواز العمرة في
أشهر الحج.
كلاهما عن وهيب عن عبد الله بن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال:
كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ... فقدم
النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعةٍ مهلين بالحج، فأمرهم أن
=
١

٥٢٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ولا بد، بل كان يقول: كل من طاف بالبيت؛ فقد حل من إحرامه،
ما لم يكن معه هدي(١).
وابن عباس أعلم بذلك، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم
إنما أمرهم بالفسخ، للإعلام بجواز العمرة، لم يَخْفَ ذلك على ابن
عباس، ولم يقل: إن کل من طاف بالبيت من قارن أو حاج لا هدي
معه؛ فقد حل.
الثاني عشر: أنه لا يُظنّ بالصحابة الذين هم أصح الناس
أذهاناً وأفهاماً، وأطوعهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، أنهم
لم يفهموا جواز العمرة في أشهر الحج، وقد عملوها مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم ثلاثة أعوام، وأذن لهم فيها، ثم فهموا ذلك
من الأمر بالفسخ.
الثالث عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون أمرهم
بالفسخ؛ لأن التمتع أفضل، فأمرهم بالفسخ إلى أفضل الأنساك، أو
يكون أمرهم به ليكون نسكهم مخالفاً للمشركين، في التمتع في أشهر
الحج، وعلى التقديرين؛ فهو مشروع غير منسوخ إلى الأبد.
يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله أيّ الحلّ؟ قال:
((الحلّ كله)) -واللفظ لمسلم -.
(١) سبق تخريجه قبل قليل.