Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ كتاب الصلاة أمرنا بالتخفيف لأجلهم، فالذي كان يفعله هو التخفيف، إذ من المحال أن يأمر بأمر ويعلله بعلة، ثم يفعل خلافه مع وجود تلك العلة إلا أن يكون منسوخاً. وفي صحيح مسلم عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته؛ مثنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، وإن من البيان سحرا))(١). فجعل طول الصلاة علامة على فقه الرجل، [٤٨/أ] وأمر بإطالتها. وهذا الأمر إما أن يكون عاماً في جميع الصلوات، وإما أن يكون المراد به صلاة الجمعة؛ فإن كان عاماً فظاهر، وإن كان خاصاً بالجمعة مع كون الجمع فيها يكون عظيماً، وفيه الضعيف والكبير وذو الحاجة، وتفعل في شدة الحر، ويتقدمها خطبتان، ومع هذا فقد أمر بإطالتها، فما الظن بالفجر ونحو (٢) التي تفعل وقت البرد والراحة، مع قلة الجمع. وقد روى النسائي في سننه (( أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر بالروم))(٣). وفي سنن أبي داود عن جابر بن سمرة ((أن النبي صلى الله (١) صحيح مسلم ٢/ ٥٩٤ في كتاب الجمعة، ١٣ - باب تخفيف الصلاة والخطبة. (٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: ونحوها. (٣) سنن النسائي المجتبى ٤٩٤/٢ في كتاب الافتتاح، ٤١- باب القراءة في الصبح بالروم. ٤٢٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية عليه وسلم كان إذا دحضت الشمس، صلى الظهر وقرأ بنحو من ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾(١)، والعصر كذلك، والصلوات كلها كذلك، إلا الصبح فإنه كان يطيلها))(٢). وقد روى الإمام أحمد والنسائي بإسناد على شرط مسلم عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان. قال سليمان: كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل (٣). وفي الصحيحين عن أبي برزة قال ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح فينصرف الرجل فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين، أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة)). لفظ البخاري(٤). (١) سورة الليل الآية: ١. (٢) سنن أبي داود ٥٠٦/١ في كتاب الصلاة، ١٣١ - باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر. (٣) مسند أحمد ٣٢٩/٢، ٥٣٢. وسنن النسائي المجتبى ٢/ ٥٠٧ في كتاب الافتتاح، ٦١- تخفيف القيام والقراءة. (٤) سبق تخريجه. ٤٢٣ كتاب الصلاة وهذا يدل على أمرين: شدة التغليس بها، وإطالتها. فإن قيل: ما ذكرتموه من الأحاديث معارض بما يدل على نقضه، وأن السنة هي التخفيف: فروى أبو داود في سننه من حديث ابن وهب أخبرني سعيد ابن عبدالرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه، أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، في زمن عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة، فإذا هو يصلي صلاة خفيفة، كأنها صلاة مسافر، أو قريباً منها، فلما سلم قال [أبي](١): يرحمك الله، أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شيء تنفلته؟ قال: إنها للمكتوبة، وإنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم [إن رسول الله صلى الله عليه وسلم] (٢) كان يقول: ((لا تشددوا على أنفسكم، فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد [الله] (٣) عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار، ﴿وَرَهْبَانِيَّةٌ ابْتَدَهُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَّيْهِمْ﴾(٤))(٥). (١) الزيادة من سنن أبي داود. (٢) الزيادة من سنن أبي دواد. (٣) الزيادة من سنن أبي داود. (٤) سورة الحديد الآية: ٢٧. (٥) سنن أبي دواد ٢٠٩/٥ -٢١٠ في كتاب الأدب، ٥٢- باب في الحسد. ٤٢٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وسهل بن أبي أمامة وثقه يحيى بن معين وغيره، وروى له مسلم. وفي الصحيحين عن أنس قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجز [٤٨/ ب] الصلاة ويكملها))(١). وفي الصحيحين أيضاً عنه قال: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، زاد البخاري: وإن كان ليسمع بكاء الصبي، فيخفف مخافة أن تفتتن أمه (٢). وفي سنن أبي داود عن رجل من جهينة (« أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾(٣) في الركعتين كلتيهما، فلا أدري أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم عمداً (١) صحيح البخاري ٢٣٥/٢ مع الفتح، في كتاب الأذان، ٦٤ -باب الإيجاز في الصلاة وإكمالها -واللفظ له -. وصحيح مسلم ٣٤٢/١ في كتاب الصلاة، ٣٧ - باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام. (٢) صحيح البخاري ٢٣٦/٢ مع الفتح، في كتاب الأذان، ٦٥ - باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي. وصحيح مسلم ٣٤٢/١ في كتاب الصلاة، ٣٧ - باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام. (٣) سورة الزلزلة الآية: ١. ٤٢٥ كتاب الصلاة فعل ذلك))(١). وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر بـ ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾(٢)، وفي العصر نحو ذلك»(٣). وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر قال: ((كان النبي يقرأ في المغرب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾(٤)، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾(٥).(٦) وفي سنن ابن ماجه عن عمرو بن حريث قال: كأني أسمع صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الغداة ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخَنْسِ . الْجَوَارِ الْكُتَّسِ﴾(٧). (٨) وفي سنن أبي داود عن جابر بن سمرة قال: (( كان رسول (١) سنن أبي داود ٥١٠/١-٥١١ في كتاب الصلاة، ١٣٤ - باب الرجل يعيد سورة واحدة في الركعتين. (٢) سورة الليل الآية: ١. (٣) صحيح مسلم ١/ ٣٣٧ في كتاب الصلاة، ٣٥ - باب القراءة في الصبح. (٤) سورة الكافرون الآية: ١. (٥) سورة الإخلاص الآية: ١. (٦) سنن ابن ماجه ١/ ٢٧٢ في كتاب إقامة الصلاة، ٩-باب القراءة في صلاة المغرب. (٧) سورة التكوير الآية: ١٥-١٦. (٨) سنن ابن ماجه ٢٦٨/١ في كتاب إقامة الصلاة، ٥-باب القراءة في صلاة الفجر. ٤٢٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿السَّمَاءِ ذَاتٍ الْبُرُوجِ﴾(١)، و ﴿السَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾(٢)، وشبههما)(٣). وفي صحيح مسلم عنه أيضاً قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر بـ ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾(٤)، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك))(٥). وفي الصحيحين عن البراء ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في العشاء بـ ﴿التِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (٦) في السفر))(٧). وفي بعض السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في الصبح بالمعوذتين (٨). (١) سورة البروج الآية: ١. (٢) سورة الطارق الآية: ١. (٣) سنن أبي دواد ١/ ٥٠٦ في كتاب الصلاة، ١٣١ - باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر. (٤) سورة الليل الآية: ١. (٥) وقد سبق قريباً. (٦) سورة التين الآية: ١. (٧) صحيح البخاري ٢٩٢/٢ مع الفتح، كتاب الأذان، ١٠٠ -باب الجهر في العشاء. : وصحيح مسلم ٣٣٩/١ في كتاب الصلاة، ٣٦ -باب القراءة في العشاء. (٨) سنن النسائي ٤٩٦/٢ في كتاب الافتتاح، ٤٥-القراءة في الصبح بالمعوذتين، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه. ٤٢٧ كتاب الصلاة وفي الصحيحين عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: ((أفتان أنت يامعاذ؟ !! هلا صليت بـ(سَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾(١)، ﴿وَالشّمْسِ وَضُحَاهَا﴾(٢)، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَعْشَى﴾(٣))(٤). وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعفيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء))(٥). ورواه ابن ماجه من حديث عثمان بن أبي العاص(٩). (١) سورة الأعلى الآية: ١. (٢) سورة الشمس الآية: ١. (٣) سورة الليل الآية: ١. (٤) صحيح البخاري ٥٣٢/١٠ مع الفتح، في كتاب الأدب، ٧٤ -باب من لم يرَ إکفار من قال ذلك متأولاً أو جاهلاً. وصحيح مسلم ١/ ٣٤٠ في كتاب الصلاة، ٣٦ - باب القراءة في العشاء. كلاهما عن جابر بن عبد الله. بتقديم ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَامَا﴾ على (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّك﴾. (٥) صحيح البخاري ٢٣٣/٢ مع الفتح، في كتاب الأذان، ٦٢ - باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء -واللفظ له -. وصحيح مسلم ٣٤١/١ في كتاب الصلاة، ٣٧باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام. (٦) سنن ابن ماجه ٣١٦/١ في كتاب إقامة الصلاة، ٤٨- باب من أمّ قوماً فليخفف. ٤٢٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وفي صحيح مسلم عن أنس قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة))(١).(٢) فالجواب: أنه لا تعارض بحمد الله بين هذه الأحاديث، بل هي أحاديث يصدق بعضها بعضاً، وأن ما وصفه أنس من تخفيف النبي صلى الله عليه وسلم صلاته، هو مقرون بوصفه إياها بالتمام كما تقدم، وهو الذي وصف تطويله ركني [٤٩/ أ] الاعتدال، حتى كانوا يقولون: قد أوهم. ووصف صلاة عمر بن عبد العزيز بأنها تشبه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنهم قدروها بعشر تسبيحات. والتخفيف الذي أشار إليه أنس، هو تخفيف القيام مع تطويل الركوع والسجود، كما جاء مصرحاً به فيما رواه النسائي عن قتيبة عن العطاف بن خالد عن زيد بن أسلم قال: دخلنا على أنس بن مالك فقال: صليتم ؟ قلنا: نعم، قال: ياجارية هلمي لنا وضوءاً، ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم هذا. قال زيد: وكان عمر بن عبد العزيز يتم (١) صحيح مسلم ٣٤٢/١ في كتاب الصلاة، ٣٧ - باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام. (٢) في الأصل بعده بياض بمقدار سطر وكلمة. ٤٢٩ كتاب الصلاة الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود(١). وهذا حديث صحيح. فإن العطاف بن خالد المخزومي وثقه ابن معين، وقال أحمد: ثقة صحيح الحديث. وقد جاء هذا صريحاً في حديث عمران بن حصين لما صلى خلف علي بالبصرة قال: لقد أذكرني صلاة رسول الله صلى الله علیه وسلم(٢). وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدلة، كان يخفف القيام والقعود، ويطيل الركوع والسجود ))، وقد تقدم قول أنس: (( كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة))، وحديث البراء بن عازب (( أن قيامه صلى الله عليه وسلم وركوعه وسجوده، كان قريباً من السواء )). فهذه الأحاديث كلها تدل على معنى واحد، وأنه كان يطيل (١) سنن النسائي المجتبى ٥٠٦/٢-٥٠٧ في كتاب الافتتاح، ٦١ - تخفيف القيام والقراءة. (٢) صحيح البخاري ٣١٦/٢ مع الفتح، في كتاب الأذان، ١١٦ - باب إتمام التكبير في السجود. وصحيح مسلم ٢٩٥/١ في كتاب الصلاة، ١٠ - باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع ... . وفيه إثبات التكبير بثلاثة مواطن في الصلاة، وليس فيه الحديث عن قدر طول الصلاة، والله أعلم. ٤٣٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية الركوع والسجود ويخفف القيام. وهذا بخلاف ما كان يفعله بعض الأمراء الذين أنكر الصحابة صلاتهم، من إطالة القيام على ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله غالباً، وتخفيف الركوع والسجود والاعتدالين. ولهذا أنكر ثابت عليهم تخفيف الاعتدالين وقال: كان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه. وحديث ابن أبي العمياء إنما فيه أن صلاة أنس كانت خفيفة، وأنس فقد وصف خفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها أشبه شيء بصلاة عمر بن عبدالعزيز مع تطويل الركوع والسجود والاعتدالین. وأحاديثه لا تتناقض، والتخفيف أمر نسبي إضافي، فعشر تسبيحات وعشرون آية، أخف من مائة تسبيحة، ومائتي آية، فأي معارضة في هذا لما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة؟! وأما تخفيف النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عند بكاء الصبي، فلا يعارض [٤٩/ ب] ما ثبت عنه من صفة صلاته، بل قد قال في الحديث نفسه: (( إني أدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطليها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز ». فهذا تخفيف لعارض وهو من السنة، كما يخفف صلاة السفر وصلاة الخوف، وكل ما ثبت عنه من التخفيف؛ فهو لعارض، كما ٤٣١ كتاب الصلاة ثبت عنه ((أنه قرأ في السفر في العشاء بـ﴿التِّين وَالزَّيْتُون﴾(١)، وكذلك قراءته في الصبح بالمعوذتين))(٢). فإنه كان في السفر. ولذلك رفع الله تعالى الجناح عن الأمة في قصر الصلاة في السفر والخوف. والقصر قصران: قصر الأركان، وقصر العدد، فإن اجتمع السفر والخوف اجتمع القصران، وإن انفرد السفر وحده شرع قصر العدد، وإن انفرد الخوف وحده شرع قصر الأركان. وبهذا يُعلم سرّ تقييد القصر المطلق في القرآن بالخوف والسفر، فإن القصر المطلق الذي يتناول القصرين إنما يشرع عند الخوف والسفر، فإن انفرد أحدهما بقي مطلق القصر إما في العدد، وإما في القدر. ولو قُدّر أنه صلى الله عليه وسلم خفف الصلاة لا لعذر، كان في ذلك بيان الجواز، وأن الاقتصار على ذلك للعذر ونحوه يكفي في أداء الواجب. فأما أن يكون هو السنة وغيره مكروه، مع أنه فِعْل النبي صلی الله عليه وسلم في أغلب أوقاته، فحاشی وکلا. (١) سورة التين الآية: ١. (٢) سبق تخريجهما. ٤٣٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ولهذا رواته عنه أكثر من رواة التخفيف، والذين رووا التخفيف رووه أيضاً، فلا تُضرب سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض، بل يُستعمل كل منها في موضعه. وتخفيفه إما لبيان الجواز، وتطويله لبيان الأفضل، وقد يكون تخفيفه لبيان الأفضل إذا عرض ما يقتضي التخفيف، فيكون التخفيف في موضعه أفضل، والتطويل في موضعه أفضل، ففي الحالين ما خرج عن الأفضل. وهذا اللائق بحاله صلى الله عليه وسلم وجزاه عنا أفضل ما جزى نبياً عن أمته، وهو اللائق بمن اقتدى به وأتمّ به صلى الله عليه وسلم. وأما حديث معاذ فهو الذي فتن النقّارين وسُرّاق الصلاة لعدم علمهم بالقصة وسياقها، فإن معاذاً صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم عشاء الآخرة، ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء، فقرأ بهم سورة البقرة. هكذا جاء في الصحيحين من حديث جابر: أنه استفتح بهم بسورة البقرة فانفرد بعض القوم وصلى وحده، فقيل: نافق فلان، فقال: والله ما نافقت، ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ [٥٠/ أ] ((أفتان أنت يامعاذ، هلا صليت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾(١)، ﴿وَالشَّمْس (١) سورة الأعلى الآية: ١. ٤٣٣ كتاب الصلاة وَضُحَاهَا﴾(١)، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَعْشَى﴾ (٢))(٣). وهكذا نقول: إنه يستحب أن يصلي العشاء بهذه السور وأمثالها. فأي متعلق في هذا للنقّارين وسرّاق الصلاة، ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر العشاء الآخرة، وبُعْد ما بين بني عمرو بن عوف وبين المسجد، ثم طول سورة البقرة، فهذا الذي أنکره النبي صلی الله عليه وسلم، وهو موضع الإنكار. وعليه يُحمل الحديث الآخر: ((يا أيها الناس إن منكم (٤) منفرين)) (٤). ومعلوم أن الناس لم يكونوا ينفرون من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا ممن يصلي بقدر صلاته، وإنما ينفرون ممن يزيد في الطول على صلاته، فهذا الذي ينفر. (١) سورة الشمس الآية: ١. (٢) سورة الليل الآية: ١. (٣) وقد سبق تخريجه. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه ٢/ ٢٣٤ مع الفتح، في كتاب الأذان، ٦٣ - باب من شكا إمامه إذا طوّل. ومسلم في صحيحه ١/ ٣٤٠، في كتاب الصلاة، ٣٧ - باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام. كلاهما من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه. ٤٣٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وأما إن قدر نفور كثير ممن لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، وكثير من الباطولية الذين يعتادون النقر كصلاة المنافقين، وليس لهم في الصلاة ذوق ولا لهم فيها راحة، بل يصليها أحدهم استراحة منها لا بها، فهؤلاء لا عبرة بنفورهم، فإن أحدهم يقف بين يدي المخلوق معظم اليوم، ويسعى في خدمته أعظم السعي، فلا يشكو طول ذلك ولا يتبرم به، فإذا وقف بين يدي ربه في خدمته جُزءاً يسيراً من الزمان، وهو أقل القليل بالنسبة إلى وقوفه في خدمة المخلوق، استثقل ذلك الوقوف واستطال وشكا منه، وكأنه واقف على الجمر يتلوى ويتقلى. ومن كانت هذه كراهته لخدمة ربه والوقوف بين يديه، فالله تعالى أكره لهذه الخدمة منه، وبالله المستعان. ٤٣٥ كتاب الصلاة وقال في باب مقدار الركوع والسجود(١). عقب الحديث الأول، بعد قول الحافظ زكي الدين: السعدي مجهول(٢). قال ابن القيم: قال ابن القطان: السعدي وأبوه وعمه ما منهم من يعرف، وقد ذكره ابن السكن في كتاب الصحابة في الباب الذي ذكر فيه رجالاً لا يعرفون(٣). (١) سنن أبي داود ١/ ٥٥٠، الباب رقم (١٥٤). عند حديث السعدي عن أبيه أو عن عمه قال: رمقت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته، فکان یتمکن في ركوعه وسجوده قدر ما يقول: سبحان الله وبحمده ثلاثاً. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم ٧٨٧. (٢) مختصر سنن أبي داود ١/ ٤٢٢. (٣) بيان الوهم والإيهام ٣٧٦/٣. ٤٣٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وقال في باب التأمين وراء الإمام(١). عقب قول الحافظ زكي الدين في آخر الحديث الأول عن وائل بن حجر، وقال الترمذي: حديث حسن(٢ قال ابن القيم: حديث وائل بن حجر رواه شعبة وسفيان، فأما سفيان فقال: "ورفع بها صوته"، وأما شعبة فقال: "خفض بها صوته"، ذكره الترمذي(٣). قال البخاري: حديث سفيان أصح، وأخطأ شعبة في قوله: "خفض بها صوته"(٤). وفي هذا [٥٠/ ب] الحديث أمور أربعة: أحدها: اختلاف شعبة وسفيان في "رفع" و"خفض". (١) سنن أبي داود ١/ ٥٧٤، الباب رقم (١٧٢). عند حديث وائل بن حجر قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ﴿ولا الضالين﴾ قال: "آمين"، ورفع بها صوته)). وأخرجه الترمذي في جامعه ٢٦/٢ في أبواب الصلاة، ١٨٣ - باب ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب. وذكر المنذري أن ابن ماجه أخرجه، ولم أجده فيه. والله أعلم. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم ٨٢٤. (٢) مختصر سنن أبي داود ١/ ٤٣٨ -٤٣٩. (٣) جامع الترمذي ٢٨/٢ -٢٩ (٤) انظر: علل الترمذي الكبير ٢١٧/١-٢١٨، وجامع الترمذي ٢٨/٢. ٤٣٧ كتاب الصلاة الثاني: اختلافهما في حجر: فشعبة يقول حجر أبو العنبس. والثوري يقول حجر بن عنبس. وصوب البخاري وأبو زرعة قول الثوري(١). الثالث: أنه لا يعرف حال حجر. الرابع: أن الثوري وشعبة اختلفا، فجعله الثوري من رواية حجر عن وائل بن حجر، وشعبة جعله من رواية حجر عن علقمة ابن وائل عن وائل. والدارقطني ذكر رواية الثوري وصححها، ولم يره منقطعاً بزيادة شعبة علقمة بن وائل في الوسط، وفيه نظر، ولهذه العلة لم یصححه الترمذي، والله أعلم. (١) انظر: علل الترمذي الكبير ٢١٧/١-٢١٨، وجامع الترمذي ٢٨/٢ -٢٩. ٤٣٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وقال في هذا الباب أيضاً (١). عقب حديث أبي هريرة، بعد قول الحافظ زكي الدين: وأخرجه ابن ماجه(٢). قال ابن القيم: وروى الحاكم حديث أبي هريرة في المستدرك بلفظ آخر من حديث الزهري عن أبي سلمة وسعيد عن أبي هريرة قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من أم القرآن رفع صوته [فقال](٣): آمين))، قال الحاكم: هذا حديث حسن (٤) صحیح(٤). (١) سنن أبي داود ١/ ٥٧٥، الباب رقم (١٧٢). عند حديث أبي هريرة قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال: "آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول». وأخرجه: ابن ماجه في سننه ٢٧٨/١ في كتاب إقامة الصلاة، ١٤ - باب الجهر بآمین. والحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم ١٩٧. (٢) مختصر سنن أبي داود ٤٣٩/١. (٣) في الأصل: "قال". والزيادة من المستدرك. (٤) المستدرك ٢٢٣/١، ولكنه قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ. ٤٣٩ كتاب الصلاة وقال في آخر باب من تجب عليه الجمعة(١). بعد قول الحافظ زكي الدين: وفي إسناده محمد بن سعيد الطائفي، وفيه مقال(٢). قال ابن القيم: حديث ((الجمعة على من سمع النداء))، قال عبد الحق: الصحيح أنه موقوف(٣). وفيه أبو سلمة بن ثُبَيه، قال ابن القطان: لا يعرف بغير هذا، وهو مجهول (٤). وفيه أيضاً: الطائفي؛ مجهول عند ابن أبي حاتم، ووثقة الدار قطني. وفيه أيضاً: عبد الله بن هارون، قال ابن القطان: مجهول الحال(٥). وفية أيضاً: قبيصة، قال النسائي: كثير الخطأ. وأطلق، وقيل: كثير الخطأ على الثوري، وقيل: هو ثقة إلا في الثوري. (١) سنن أبي داود ١/ ٦٤٠، الباب رقم (٢١٢). عند حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الجمعة على كل من سمع النداء». وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود برقم ٢٣٣، وحسنه في الإرواء برقم ٥٩٣. (٢) مختصر سنن أبي داود ٢/ ٧. (٣) الأحكام الوسطى ٢/ ١٠٢. (٤) بيان الوهم والإيهام ٣/ ٤٠٠. (٥) بيان الوهم والإيهام ٤٠١/٣. ٤٤٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وقال في باب ما يقرأ به في الأضحى(١). عند ذكر أبي واقد الليثي (٢). قال ابن القيم: أبو واقد الليثي اسمه الحارث بن عوف على المشهور. والحديث غير متصل في ظاهره؛ لأن عبيد الله لا سماع له من عمر، وقد ذكره مسلم بغير هذا، فبيّن فيه الاتصال، فإنه أخرجه من رواية فليح بن سلمان عن ضمرة بن سعيد عن عبيد الله عن (١) سنن أبي داود ٦٨٣/١، الباب رقم (٢٥٢). باب ما يقرأ في الأضحى والفطر. عند حديث أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد: ماذا كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأضحى والفطر؟ قال: كان يقرأ فيهما بـ ( ق. والقرآن المجيد﴾، و ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾. وأخرجه: مسلم في صحيحه ٢ / ٦٠٧ في كتاب صلاة العيدين، ٣ - باب ما يقرأ به في صلاة العیدین. والترمذي في جامعه ٤١٥/٢ في أبواب الصلاة، ٣٨٥ -باب ما جاء في القراءة في العيدين، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في المجتبى ٢٠٤/٣ في كتاب العيدين، ١٢ - باب القراءة في العيدين بقاف واقتربت. وابن ماجه في سننه ٤٠٨/١ في كتاب إقامة الصلاة، ١٥٧ - باب ما جاء في القراءة في صلاة العیدین. (٢) مختصر سنن أبي داود ٣٢/٢.