Indexed OCR Text

Pages 1401-1420

(٢) كتاب الصلاة
(٤) باب
(٤٠١) حديث
حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ،
أي صدر إرادة المؤذن الأذان وتهيؤه للأذان، وقوله وَ له: ((أبرد)» مرتين
أو ثلاثاً .
قال الحافظ في ((الفتح))(١): فإن قيل: الإبراد للصلاة فكيف أمر المؤذن به
للأذان؟ فالجواب: أن ذلك مبني على أن الأذان هل هو الوقت أو للصلاة؟ وفيه
خلاف مشهور، والأمر المذكور يقوي القول بأنه للصلاة، وأجاب الكرماني(٢)
بأن عادتهم جرت بأنهم لا يتخلفون عند سماع الأذان عن الحضور إلى
الجماعة، فالإبراد بالأذان لغرض الإبراد بالعبادة.
(حتى رأينا فيء التلول) قال الحافظ: هذه الغاية متعلقة بقوله: ((فقال له:
أبرد)) أي كان يقول له في الزمان الذي قبل الرؤية: أبرد، أو متعلقة بأبرد، أي
قال له: أبرد إلى أن ترى، أو متعلقة بمقدر، أي قال له: أبرد فأبرد إلى أن
رأينا .
والفيء بفتح الفاء وسكون الياء بعدها همزة: هو ما بعد الزوال من الظل،
والتلول جمع تل بفتح المثناة وتشديد اللام: كل ما اجتمع على الأرض من
تراب أو رمل أو نحو ذلك، وهي في الغالب منبطحة غير شاخصة فلا يظهر لها
ظل إلّا إذا ذهب أكثر وقت الظهر.
وقد اختلف العلماء في غاية الإبراد، فقيل: حتى يصير الظل ذراعاً بعد
ظل الزوال، وقيل: ربع قامة، وقيل: ثلثها، وقيل: نصفها، وقيل غير ذلك.
وأما ماوقع عند المصنف في الأذان بلفظ: ((حتى ساوى الظل التلول»
فظاهره يقتضي أنه أخرها إلى أن صار ظل كل شيء مثله، ويحتمل(٣) أن يراد
(١) ((فتح الباري)» (٢٠/٢).
(٢) قال ابن رسلان: لو جمعوا بعد الأذان ينبغي أن يبرد بالأذان وإلَّا فيؤذن أول الوقت.
(ش).
(٣) قلت: وهل هو إلَّا تأييد لمذهبه. (ش).
٥٥

(٢) كتاب الصلاة
(٤) باب
(٤٠١) حديث
ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ،
بهذه المساواة ظهور الظل بجنب التل بعد أن لم يكن ظاهراً، فساواه في الظهور
لا في المقدار، أو يقال: قد كان ذلك في السفر، فلعله أخر الظهر حتى يجمعها
مع العصر.
(ثم قال: إن شدة الحر من فيح جهنم) أي من سعة انتشارها وتنفسها،
ومنه مكان أفيح أي متسع، وهذا كناية عن شدة استعارها، وظاهره أن مثار وهج
الحرِّ في الأرض من فيح جهنم حقيقة، وقيل: هو من مجاز التشبيه أي كأنه نار
جهنم في الحر، والأول أولى، ويؤيده الحديث الآتي: ((اشتكت النار إلى ربها
فأذن لها بنفسين)) ((فتح))(١).
وهذا تعليل لمشروعية التأخير المذكور، وهل الحكمة فيه دفع المشقة
لكونها قد تسلب الخشوع؟ وهذا أظهر، أو كونها الحالة التي ينتشر فيها
العذاب؟ ويؤيده حديث مسلم حيث قال: ((أقصر عن الصلاة عند استواء
الشمس، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم)).
وقد استشكل هذا بأن الصلاة سبب الرحمة ففعلها مظنة لطرد العذاب،
فكيف أمر بتركها؟ وأجاب عنه أبو الفتح بأن التعليل إذا جاء من جهة الشارع
وجب قبوله وإن لم يفهم معناه.
واستنبط له الزين بن المنير معنى يناسبه فقال: وقت ظهور أثر الغضب
لا ينجع فيه الطلب إلَّا من أذن له فيه، والصلاة لا تنفك عن كونها طلباً ودعاءً
فناسب الاقتصار عنها حينئذ، واستدل بحديث الشفاعة حيث اعتذر الأنبياء كلهم
للأمم سوى نبينا #* فلم يعتذر، بل طلب لكونه أذن له في ذلك.
قلت: وهذا التعليل يرد قول الشافعية في تأويل هذا الحديث بأنه وال
أخّرها ليجمعها مع العصر، فإن التأخير المندوب إليه لا يختص بالسفر، وأما
(١) ((فتح الباري)) (١٧/٢).
٥٦

(٢) كتاب الصلاة
(٤) باب
(٤٠١) حدیث
فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ)). [خ٥٣٥، م ٦١٦، ت١٥٨، حم ١٥٥/٥،
ش ٣٢٤/١، خزيمة ٣٢٨، حب ١٥٠٩، ق ٤٣٨/١]
الجمع بين الصلاتين فمختص به، فيثبت بذلك الحديث ما قاله أبو حنيفة
- رحمه الله تعالى - من أن وقت صلاة الظهر يبقى بعدما يصير ظل كل شيء مثله .
(فإذا اشتد الحر)(١) أصله اشتدد بوزن افتعل من الشدة، ثم أدغمت إحدى
الدالين في الأخرى، ومفهومه أن الحر إذا لم يشتد لم يشرع الإبراد، وكذا
لا يشرع في البرد من باب الأولى.
(فأبردوا(٢) بالصلاة)(٣) بقطع الهمزة وكسر الراء أي أخروا إلى أن يبرد
الوقت، والأمر بالإبراد أمر استحباب، وقيل: أمر إرشاد، وقيل: بل هو
للوجوب، حكاه القاضي وغيره، والباء للتعدية، وقيل زائدة، ومعنى ((أبردوا))
أخروا على سبيل التضمين أي أخروا الصلاة، وفي رواية: ((عن الصلاة))، وقيل
زائدة أيضاً، أو عن بمعنى الباء، أو هي للمجاوزة، أي تجاوزوا وقتها المعتاد
إلى أن تنكسر شدة الحر، والمراد بالصلاة الظهر، لأنها الصلاة التي يشتد الحر
غالباً في أول وقتها، وقد جاء صريحاً في حديث أبي سعيد، ((فتح))(٤).
(١) أشكل عليه أن الصلاة سبب الرحمة، قال العمري: التعليل إذا جاء من الشارع وجب
قبوله، قيل: هذا طلب، والطلب عند الغضب لا يكون إلّا بالإذن كما في قصة الأنبياء
عند القيامة، ((ابن رسلان)).
ويشكل عليه أنه عليه الصلاة والسلام إذا رأى السحاب خاف وفزع إلى الصلاة،
وكذلك في الكسوف، ويمكن أن يقال: إن الأمر بالإبراد لوجود المشقة في شدة الحر،
أو يقال بالفرق بين ما هو للتعذيب أعني حرَّ جهنم، وبين ما هو للتخويف أي الكسوف
ونحوه. (ش).
(٢) قال ابن العربي: حكم الإبراد مقيد بثلاث شرائط، وقال ابن رسلان: قيده الشافعي
بالبلاد الحارة، وعند أحمد وإسحاق والكوفيين التسوية بين البلاد. (ش).
(٣) قال ابن العربي (٢٧٢/١): ولا يبرد بالجمعة، واختلف فيه عن الشافعي ... إلخ.
(ش).
(٤) (فتح الباري)) (٢/ ١٧).
٥٧

(٢) كتاب الصلاة
(٤) باب
(٤٠٢ - ٤٠٣) حديث
٤٠٢ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبِ الْهَمْدَانِيُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ
سَعِيدِ الثَّقَفِيُّ، أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ عِن ابْنِ شِهَابٍ، عن سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ
وَأَبِي سَلَمَةً، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مْ قَالَ: (إِذَا اشْتَدَّ الْحَرَّ
فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ» - قَالَ ابْنُ مَوْهَبٍ: بِالصَّلَاةِ - ((فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ
فَيْحِ جَهَنَّمَ)). [خ ٥٣٦، م ٦١٥، ن ٥٠٠، جه ٦٧٧، ت ١٥٨، ط ٢٨/١٦/١،
عب ٢٠٤٩، حم ٢٦٦/٢، دي ١٢١٠، حب ١٥٠٧، ق ٤٣٧/١]
٤٠٣ - حَدَّثَنَا موسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن سِمَاكِ بْنِ
حَرْبٍ، عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: ((أَنَّ بِلَالاً كَانَ يُؤَذِّنُ الظّهْرَ إِذَا دَحَضَتِ
الشَّمْسُ)). [م ٦١٨، جه ٦٧٣، ق ١ /٤٣٧، حم ١٠٦/٥]
٤٠٢ - (حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الهمداني وقتيبة بن سعيد الثقفي،
أن الليث) بن سعد (حدثهم عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة) بن
عبد الرحمن، (عن أبي هريرة، أن رسول الله) قال: إذا اشتد الحر فأبردوا
عن الصلاة، قال ابن موهب: بالصلاة) يعني اختلف ألفاظ شيوخ المصنف،
فقتيبة روى بلفظ ((عن))، وأما ابن موهب وهو يزيد بن خالد، فروى بلفظ الباء (١)
الموحدة (فإن شدة الحر من فيح جهنم) وقد مر شرح الحديث في الحديث
المتقدم فکن علی ذکر منه.
٤٠٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة، (عن سماك بن
حرب، عن جابر بن سمرة) بن جنادة، ويقال: ابن عمرو بن جندب السوائي
بضم السين وتخفيف الواو، نسبة إلى سُواءة بن عامر، أبو عبد الله، ويقال:
أبو خالد، له ولأبيه صحبة، نزل الكوفة، ومات بها، وله عقب بها، توفي سنة
٧٤هـ. (أن بلالاً كان يؤذن الظهر إذا دحضت الشمس)(٢) أي زالت عن وسط
السماء إلى جهة المغرب.
(١) وبسط ابن رسلان الكلام على الفرق بين قوله: ((بالصلاة)) وبين قوله: ((عن الصلاة)). (ش).
(٢) ولا يخالف، فإنه يحتمل الشتاء ويحتمل الأول، ((ابن رسلان)). وقلت: ويحتمل أن
الأذان للوقت لا للصلاة، كما تقدَّم قريباً في ((البذل)). (ش).
٥٨

(٢) كتاب الصلاة
(٥) باب
(٤٠٤ - ٤٠٥) حديث
(٥) بَابٌ(١): فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ
٤٠٤ - حَذَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن ابْنِ شِهَابٍ،
عن أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ
وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، وَيَذْهَبُ الذَاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي وَالشَّمْسُ
مُرْتَفِعَةٌ)). [خ ٥٥٠، م ٦٢١، ن ٥٠٦، جه ٦٨٢، ق ١ / ٤٤٠]
٤٠٥ - حَذَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ،
عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: ((وَالْعَوَالِي عَلَى مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ:
أَوْ أَرْبَعَةٍ».
(٥) (بَابٌ: فِي وَقْتِ صَلاةِ الْعَصْرِ)
٤٠٤ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث) بن سعد، (عن ابن شهاب، عن
أنس بن مالك) بن نضر (أنه أخبره أن رسول الله # كان يصلي العصر والشمس
بيضاء) أي لم يدخلها صفرة (مرتفعة حية) وحياتها بقاء حرها وضوئها، (ويذهب
الذاهب) أي بعد الفراغ من صلاة العصر (إلى العوالي) وهي جمع عالية، وهي
القرى التي حول المدينة من جهة نجد، وأما من جهة تهامة فيقال لها : السافلة،
فيلحق العوالي (والشمس) أي والحال أن الشمس (مرتفعة) أي دون ذلك
الارتفاع، وعلى هذا العامل في الحال فعله المقدر وهو يصلها أو يدخلها،
ويحتمل أن يكون العامل فيها الفعل المذكور وهو قوله: ((فيذهب الذاهب)»،
وحينئذ لا يقدر لها الفعل.
٤٠٥ - (حدثنا الحسن بن علي) بن محمد، (نا عبد الرزاق) بن همام،
(أنا معمر) بن راشد، (عن الزهري قال) أي الزهري: (والعوالي على ميلين أو
ثلاثة، قال) أي معمر: (وأحسبه) أي الزهري (قال: أو أربعة) والميل ثُلُثُ
فرسخ، أربعة آلاف ذراع بذراع محمد بن فرج الشاشي، طولها أربعة وعشرون
(١) وفي نسخة: ((باب ما جاء ... إلخ)).
٥٩

(٢) كتاب الصلاة
(٥) باب
(٤٠٦) حدیث
٤٠٦ - حَذَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، نَاجَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ،
عن خَيْئَمَةَ قَالَ: ((حَيَاتُهَا أَنْ تَجِدَ حَرَّهَا)).
إصبعاً بعدد حروف لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعرض الإصبع ست حبات
شعير ملصقة ظهراً لبطن، وزنة الحبة من الشعير سبعون حبة خردل، وفسر
أبو شجاع الميل بثلاثة آلاف ذراع وخمس مئة ذراع إلى أربعة آلاف ذراع، وفي
((الينابيع)): الميل ثلث الفرسخ، أربعة آلاف خطوة، كل خطوة ذراع ونصف
بذراع العامة، وهو أربعة وعشرون أصبعاً. ((عيني)(١).
واختلفت الروايات في تقدير بُعد العوالي من المدينة من ميلين إلى ثمانية
أميال، فأقرب العوالي من المدينة على مسافة ميلين، وأبعدها(٢) على ثمانية
أميال، فبهذا يحصل التوفيق بين الروايات.
٤٠٦ - (حدثنا يوسف بن موسى، نا جرير) بن عبد الحميد، (عن
منصور) بن المعتمر، (عن خيثمة) بن عبد الرحمن بن أبي سبرة بفتح المهملتين
بينهما موحدة ساكنة، واسمه يزيد بن مالك بن عبد الله بن ذؤيب الجعفي
الكوفي، لأبيه ولجده صحبة، وفد جده أبو سبرة إلى النبي ◌َّلر ومعه ابناء سبرة
وعزيز، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، لم ينجُ
من فتنة ابن الأشعث إلّا هو وإبراهيم النخعي، وقال مالك بن مغول عن طلحة بن
مصرف: ما رأيت بالكوفة أحداً أعجب إليَّ منهما، مات بعد سنة ٨٠هـ.
(قال: حياتها أن تجد حرها)(٣) فالحياة مستعارة عن صفاء لونها عن
التغير والاصفرار وقوة ضوئها وشدة حرها، فإن كل شيء ضعفت قوته فكأنه قد
مات وكأنه جعل المغيب موتها .
(١) ((عمدة القاري)) (٤/ ٥٢).
(٢) وفي ((المدونة)) (١٤٣/١): عن مالك: أبعد العوالي على ثلاثة أميال، قال ابن عبد البر:
هذا باعتبار المعظم، وإلّا فأبعدها ثمانية أميال، ((ابن رسلان))، وسيأتي أنهم يصلون
إلى بيوتهم بعد المغرب حتى ترى مواقع نبلهم. (ش).
(٣) قال ابن رسلان: وذلك يكون عند المثلين غالباً، انتهى. (ش).
٦٠

(٢) كتاب الصلاة
(٥) باب
(٤٠٧ - ٤٠٨) حديث
٤٠٧ - خَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ (١) قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ،
عن ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
كَانَ يُصَلِّ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ)). [خ ٥٢٢،
م ٦١١، ت ١٥٩، ن ٥٠٥، جه ٦٨٣، ط ٢/٤/١، عب ٢٠٧٢، ش ٣٢٦/١،
حم ٣٧/٦، دي ١٨٩، خزيمة ٣٣٢، حب ١٥٢١]
٤٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْعَنْبَرِيُّ، نَا إِبْرَاهِيمُ ابْنُ
٤٠٧ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة (قال: قرأت على مالك بن
أنس، عن ابن شهاب، قال عروة: ولقد حدثتني عائشة أن رسول الله و إ كان
يصلي العصر والشمس) والمراد بالشمس ضوؤها (في حجرتها) أي باقية (قبل
أن تظهر)(٢) أي قبل أن تصعد وتخرج من الحجرة.
قال العيني(٣): استدل به الشافعي ومن تبعه على تعجيل صلاة العصر في
أول وقتها، وقال الطحاوي: لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة (٤)
كانت قصيرة الجدار، فلم تكن الشمس تحتجب عنها إلَّا بقرب غروبها، فيدل
على التأخير لا على التعجيل.
٤٠٨ - (حدثنا محمد بن عبد الرحمن العنبري) ابن عبد الصمد، أبو عبد الله
البصري، قال علي(٥) بن الجنيد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في (الثقات))،
(١) وفي نسخة: ((عبد الله بن مسلمة القعنبي)).
(٢) ولفظ ابن رسلان: ((قبل أن يظهر الفيء)» قال: أي قبل أن ينبسط في حجرتها، قال
ابن رسلان: ولفظ البخاري: ((قبل أن تظهر))، أي ترتفع، فهذا الظهور غير ذاك الظهور،
ولا اختلاف بينهما، لأن انبساط الفيء لا يكون إلّا بعد خروج الشمس. (ش).
(٣) ((عمدة القاري)) (٤٦/٤).
(٤) وسيأتي بيان الحجرة على هامش ((باب ما جاء في البناء)) من كتاب الأدب. (ش).
(٥) هكذا في ((التهذيب)). (ش). [وفي ((تهذيب الكمال)) (٤٠١/٦): عليّ بن الحسين
الجنيد].
٦١

(٢) كتاب الصلاة
(٥) باب
(٤٠٨) حديث
أَبِي الْوَزِيرِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
عَلِيٍّ بْنِ شَيْبَانَ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ عَلِيٍّ بْنِ شَيْبَانَ قَالَ:
((قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ الْمَدِينَةَ، فَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ
(نا إبراهيم بن أبي الوزير) هو إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي مولاهم،
أبو عمرو، ويقال: أبو إسحاق المكي، نزيل البصرة، قال أبو حاتم والنسائي:
لا بأس به، روى له البخاري مقروناً، وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا محمد بن
بشار، ثنا إبراهيم بن أبي الوزير ثقة، وقال الدارقطني: ثقة، ليس في حديثه
ما يخالف الثقات.
(نا محمد بن يزيد اليمامي) روى عن يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن
شيبان اليمامي، وعنه إبراهيم بن عمر بن أبي الوزير، قال في ((الميزان)): شيخ
معاصر لوكيع لا يعرف، وقال في ((الخلاصة)): مجهول.
(حدثني يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان) الحنفي اليمامي، قال في
((الميزان)): لا يعرف، وقال في ((الخلاصة)): مجهول، وكذا في ((التقريب))،
(عن أبيه) عبد الرحمن بن علي بن شيبان الحنفي اليمامي، ذكره ابن حبان في
(الثقات))، وقال العجلي: تابعي ثقة.
(عن جده علي بن شيبان)(١) بن محرز بن عمرو الحنفي السحيمي
اليمامي، أبو يحيى، كان أحد الوفد من بني حنيفة، وله أحاديث أخرجها
البخاري في ((الأدب المفرد)) وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان،
روی عنه ابنه عبد الرحمن.
(قال) أي علي بن شيبان: (قدمنا على رسول الله ( * المدينة) أي من
اليمامة وافدين عليه فبايعناه، (فكان يؤخر العصر) (٢) أي يصلي العصر مؤخرة
(١) انظر ترجمته في: ((أسد الغابة)) (٢٨٢/٣) رقم (٣٧٨٨).
(٢) في ((العارضة)) (٢٨٤/١): اختلفوا في أن الأفضل في العصر التأخير، كما قال به الحنفية،
أو التعجيل، كما قال به الثلاثة ... إلخ. قلت: واستدل الحنفية على تأخير العصر بما في
(الشرح الكبير)) (٣٨٣/١) من أمره والخر بتأخيره، إلّا أن الحديث ضعيف. (ش).
٦٢

(٢) كتاب الصلاة
(٥) باب
(٤٠٨) حدیث
مَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَفِيَّةً)».
(ما دامت الشمس بيضاء نقية) أي صافية اللون لم يدخلها تغير وصفرة.
قال العيني(١): قال القرطبي: خالف الناس كلهم أبا حنيفة فيما قاله حتى
أصحابه، قلت: إذا كان استدلال(٢) أبي حنيفة بالحديث فما يضر مخالفة الناس
له، ويؤيد ما قال أبو حنيفة حديث علي بن شيبان هذا، وهذا يدل على أنه كان
يصلي العصر عند صيرورة ظل كل شيء مثليه، وحديث جابر: ((صلى بنا
رسول الله * العصر حين صار ظل كل شيء مثليه قدر ما يسير الراكب إلى ذي
الحليفة العنق))، رواه ابن أبي شيبة بسندٍ لا بأس به.
وقال في ((الجوهر النقي))(٣): أخرجه أبو داود وسكت عنه، قلت: ويؤيده
ما ذكره البيهقي (٤) من رواية عبد الواحد أو عبد الحميد بن نافع أو نفيع الكلابي
عن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبيه: ((أن رسول الله ◌ّ# كان يأمرهم بتأخير
العصر))، وهو مختلف في اسمه واسم أبيه، واختلف عليه في اسم ابن رافع
فقيل فيه: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، قال البخاري: لا يتابع عليه، وحكي
عن الدارقطني أنه قال: الصحيح عن رافع ضد هذا.
وأجاب عنه في ((الجوهر النقي))، قلت: ذكر ابن حبان في ثقات التابعين
عبد الله بن رافع، وذكر في ثقات أتباع التابعين عبد الواحد ابن نافع.
وما أخرج الحاكم(٥) بسنده - وقال: صحيح على شرط البخاري - عن
العباس بن ذريح عن زياد بن عبد الله النخعي قال: كنا جلوساً مع علي في
(١) ((عمدة القاري)) (٤٧/٤).
(٢) ولا يذهب عليك أن الأصل المرجح عندنا في كل شيء أن الأوفق بالقرآن أقدم من كل
شيء، فقوله: ﴿قَبْلَ مُلُوعٍ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُبِهًا﴾ يدل على اتصال الصلاتين بالطلوع
والغروب، فإن بعد المثل لا يقال قبل الغروب كما لا يخفى. (ش).
(٣) (٤٤١/١).
(٤) ((السنن الكبرى)) (٤٤٣/١).
(٥) ((المستدرك)) (١٩٢/١).
٦٣

(٢) كتاب الصلاة
(٥) باب
(٤٠٩) حدیث
... (١).
٤٠٩ - حَذَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا يَحْيَى بْنُ
زَكَرِيًّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عن هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ،
عن مُحَمَّدٍ، عن عَبِيدَةَ،
المسجد الأعظم، والكوفة يومئذٍ أخصاص، فجاء المؤذن، فقال: الصلاة يا أمير
المؤمنين للعصر، فقال: اجلس فجلس، ثم عاد، فقال ذلك له، فقال علي: هذا
الكلب يعلمنا بالسنَّة، فقام فصلى بنا العصر، ثم انصرفنا إلى المكان الذي كنا
فيه، فجثونا للركب لنزول الشمس للمغيب نتراءاها، والعباس ثقة، وزياد ذكره
ابن حبان في ثقات التابعين .
وما أخرج الترمذي(٢) بسنده عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: ((كان
رسول الله (* أشد تعجيلاً للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلاً للعصر منه))، وسكت
الترمذي عن الحديث، ورجاله على شرط الصحيح.
وما في ((مصنف عبد الرزاق))(٣) عن الثوري عن منصور عن إبراهيم قال:
(كان من كان قبلكم أشد تعجيلاً للظهر وأشد تأخيراً للعصر منكم))، وعن الثوري
عن الأعمش: ((كان أصحاب ابن مسعود يعجلون الظهر ويؤخرون العصر))،
وعن الثوري عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد: ((أن ابن مسعود كان
يؤخر العصر))، وعن معمر عن خالد الحذاء: ((أن الحسن وابن سيرين وأبا قلابة
کانوا یمسون بالعصر"، انتهى.
٤٠٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة
ويزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن محمد) بن سيرين، (عن عبيدة)
بفتح المهملة وكسر الموحدة، ابن عمرو، ويقال: ابن قيس بن عمرو السلماني،
(١) زاد في نسخة: ((باب في الصلاة الوسطى)).
(٢) (سنن الترمذي)) (١٦١).
(٣) (٥٤٠/١).
٦٤

(٢) كتاب الصلاة
(٥) باب
(٤٠٩) حديث
عن عَليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ:
قال في ((الأنساب))(١): بفتح السين المهملة وسكون اللام وفي آخره النون، هذه
النسبة إلى سلمان، حي من مراد، قاله محمد بن حبيب بإسكان اللام،
وأصحاب الحديث يُحرِّكون اللام، والمشهور بهذه النسبة عبيدة السلماني، وهو
من أصحاب علي وابن مسعود، أسلم قبل وفاة رسول الله وَّر بسنتين، وسمع
عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير، ولم ير النبي ◌َّ،
نزل بالكوفة، وكان شريح إذا أشكل عليه الشيء قال: إن هاهنا رجلاً في باب
سلمة فيه جرأة، فيرسله إلى عبيدة، وكان ابن سيرين من أروى الناس عنه، وكل
شيء روى محمد بن سيرين عن عبيدة سوى رأيه فهو عن علي.
وقال في ((تهذيب التهذيب)»(٢): قال العجلي: كوفي تابعي ثقة جاهلي،
أسلم قبل وفاة النبي وَ ل ﴿ بسنتين ولم يره، وقال ابن معين: ثقة، لا يسأل عن
مثله، وقال عثمان الدارمي: علقمة وعبيدة ثقتان، وقال علي بن المديني
وعمرو بن علي الفلاس: أصح الأسانيد محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي،
مات سنة ٧٢هـ.
(عن علي) بن أبي طالب (- رضي الله عنه - ، أن رسول الله(٣) * قال
يوم الخندق) أي يوم غزوة الخندق وهي الأحزاب، كانت في ذي القعدة(٤) سنة
خمس من الهجرة.
(١) (٤٤/٣).
(٢) (٨٤/٧).
(٣) قال ابن العربي (٢٩١/١) في حديث فوت أربع صلوات: قد أخرجه الترمذي عن
أبي عبيدة عن ابن مسعود، فقال: هذا إسناد منقطع، والصواب ما سيأتي أنه عليه
الصلاة والسلام شغل ذاك اليوم عن صلاة واحدة وهي العصر فقط، ثم قال مالك
وأبو حنيفة وأحمد: إن الترتيب بين الفوائت واجب، وقال الشافعي: لا يجب، وبسط
في الدلائل. (ش).
(٤) وفي ابن رسلان شوال. (ش).
٦٥

(٢) كتاب الصلاة
(٥) باب
(٤٠٩) حديث
وقصتها على ما في ((المجمع))(١): أنه لما أجلي بنو النضير ساروا إلى
خيبر، فخرج نفر من أشرافهم إلى مكة يستنفر قريشاً إلى حرب المسلمين،
وقالوا: إنا سنكون معكم حتى نستأصلهم، ودعوا غطفان، فنشطت قريش
للقتال، ونزلوا قريباً من المدينة، فأشار سلمان إلى حفر الخندق، وكانوا (٢)
عشرة آلاف، وخرج ◌َ# لثامن ذي القعدة في ثلاثة آلاف فضربوا عسكرهم،
وكان كعب بن أسد وادع النبي وير على قومه فنقض العهد بما أغراه حيي بن
أخطب اليهودي، فاشتد الخوف من كل جانب، ونجم النفاق من المنافقين،
ومرَّ على ذلك أربعة وعشرون يوماً، ولم يكن حرب إلَّا الرمي بالنبل، ورُمي
سعد بن معاذ بالأکحل.
فلما اشتدَّ ذلك أتى نعيم بن مسعود فقال: يا رسول الله! إني أسلمت،
وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، قال: خَذِّلْ عنَّا إن استطعت،
فإن الحرب خدعة، فأتى قريظة، فقال: يا بني قريظة إن قريشاً وغطفان بغير
بلدكم، به نساؤهم وذرياتهم، فإن انهزموا رجعوا إليه وخلوا بينكم وبين الرجل
لا طاقة لكم به، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا رهناً من أشراف قريش وغطفان
يكونون بأيديكم ثقة لكم، ثم أتى نعيم قريشاً، فقال: يا معشر قريش إن اليهود
ندموا على ما صنعوا وأرسلوا بالندامة إلى محمد، وبأنهم يأخذون من قريش
وغطفان رجالاً من أشرافهم فيعطونهم إياه، ثم أتى غطفان، وقال لهم مثل
ذلك، فاستوحش كل فريق عن صاحبه بسبب ذلك، وهبت ريح شديدة لا تترك
قدراً ولا ناراً، ففزعوا وفروا والحمد لله، وقتل من المسلمين ستة ومن
المشركين ثلاثة، فانصرفوا إلى المدينة ووضعوا السلاح.
فنزل جبرئيل وأمر بالسير إلى بني قريظة، فسار وَل إليهم، فحاصرهم
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢٦٣/٥).
(٢) أي الكفار، ((ابن رسلان)). (ش).
٦٦

(٢) كتاب الصلاة
(٥) باب
(٤٠٩) حديث
(حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى، صَلَاةِ الْعَصْرِ (١)، مَلأَّ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ
نَارًا))(٢). [خ ٢٩٣١، م٦٢٧، ت٢٩٨٤، ٤٧٣، جه ٦٨٤، دي ١٢٣٢، ق١٨٨/٢،
حم٥٩٢]
خمساً وعشرين ليلة حتى جهدوا، فمنهم من آمن كثعلبة بن شعبة وأسيد بن شعبة
وأسيد بن عبيد، ونزل الآخرون على حكم سعد بن معاذ، فحكم بقتل الرجال
ونهب الأموال وسبي الذراري والنسوان، فحبسوا في دار، وخرج وصل إلى
السوق وخندق فيها، فيجاء بهم أرسالاً ويضرب أعناقهم، وهم ست مئة أو سبع
مئة أو ثمان مئة أو تسع مئة، أقوال، وكان علي والزبير يضربان أعناقهم وهو وله
جالس هناك، ثم قسم أموالهم، وبعث بعض سباياهم إلى نجد ليبتاع بهم خيلاً
وسلاحاً، واصطفى من نسائهم ريحانة بنت عمر فكانت عنده حتى توفي.
(حبسونا) أي منعتنا الأحزاب (عن صلاة(٣) الوسطى) هذا عند الكوفيين
من إضافة الموصوف إلى الصفة، وأما البصريون فيقدرون لها موصوفاً أي صلاة
الساعة الوسطى (صلاة العصر) بدل من صلاة الوسطى، ويحتمل الرفع بتقدير
المبتدأ، أي وهي صلاة العصر، (ملأ الله بيوتهم) أي أحياء (وقبورهم) أي أمواتاً
(ناراً).
قال العيني (٤): وقد اختلفوا فيه، والجمهور على أنها صلاة العصر،
وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة، وهو الصحيح من مذهب(٥) أبي حنيفة وقول
(١) قال ابن العربي: هذا أصح من حديث الترمذي: ((حبسونا عن أربع صلوات))، وفي
هامش البخاري: منهم من قال: إن الأحزاب كانت أياماً .. (ش).
(٢) قال القاري في شرح ((الشمائل)) في الفرق بينه وبين ما قال عليه الصلاة والسلام حين
كسرت رباعيته: ((اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)): إن الأول كان من حق الله
تعالى، والثاني من حقه فعفا فيه ... إلخ. (ش).
(٣) قال ابن العربي (٢٩٥/١): يحتمل أن يكون بمعنى الفضلى من قولهم: وسط أي
خيار، ويحتمل أن يراد الوسط وهو المساوي في البعد. (ش).
(٤) (عمدة القاري)) (٤٦٩/١٢).
(٥) قال في ((الدر المختار)) (٣٦١/٥): وهي الوسطى على المذهب. (ش).
٦٧

(٢) كتاب الصلاة
(٥) باب
(٤٠٩) حدیث
أحمد، والذي صار إليه معظم الشافعية، وقال النووي: وهو قول أكثر علماء
الصحابة، وقال الماوردي: هو قول جمهور التابعين، وقال ابن عبد البر:
وهو قول أكثر أهل الأثر، وبه قال من المالكية ابن حبيب وابن العربي
وابن عطية .
وقد جمع الحافظ الدمياطي في ذلك كتاباً سماه «كشف المغطى عن
الصلاة الوسطى))، وذكر فيها تسعة عشر قولاً، الأول: أنها الصبح، والثاني:
أنها الظهر، وبه قال أبو حنيفة في رواية، والثالث: أنها العصر، والرابع: أنها
المغرب، لأنها لا تقصر في السفر، ولأن قبلها صلاتي السر، وبعدها صلاتي
الجهر، والخامس: أنها جميع الصلوات، والسادس: أنها الجمعة، السابع:
الظهر في الأيام والجمعة يوم الجمعة، الثامن: العشاء لأنها بين صلاتين
لا تقصران، التاسع: الصبح والعشاء، العاشر: الصبح والعصر، الحادي عشر:
صلاة الجماعة، الثاني عشر: الوتر، الثالث عشر: صلاة الخوف، الرابع عشر:
صلاة عيد الأضحى، الخامس عشر: صلاة عيد الفطر، السادس عشر: صلاة
الضحى، السابع عشر: واحدة من الخمس غير معينة، الثامن عشر: الصبح
أو العصر على الترديد، التاسع عشر: التوقف، وزاد بعضهم العشرين وهي
صلاة الليل، فإن قلت(١): لِمَ لم يصلوا صلاة الخوف؟ قلت: لأن هذا كان قبل
نزول صلاة الخوف(٢).
ومناسبة الحديث بالباب تؤخذ من قوله: ((حبسونا عن صلاة الوسطى
صلاة العصر))، فإن الحبس يقتضي فوتها، والفوت لا يكون إلَّا بالتوقيت بأن
يكون له وقت باعتبار الابتداء والانتهاء، والله تعالى أعلم.
(١) ((عمدة القاري)) (٢٥١/١٠).
(٢) فلا يجوز عند الجمهور تأخير الصلاة بعد نزول صلاة الخوف، وذهب مكحول
والشاميون إلى جواز تأخير صلاة الخوف، ((ابن رسلان)). (ش).
٦٨

(٢) كتاب الصلاة
(٥) باب
(٤١٠) حدیث
٤١٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكِ، عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ،
عن الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيم، عن أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ أَنَّهُ قَالَ: ((أَمَرَتْنِي
عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَاَ مُصْحَفًا، وقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَة فَآَذِنِّي:
﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَلَوَتِ وَالضَلَوْةِ الْوُسْطَى﴾(١)، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا، فَأَمْلَتْ
عَلَيَّ ((﴿حَفِظُواْ عَلَى القَلَوَتِ وَالضَلَّوَةِ الْوُسْطَى﴾، وَصَلَاةِ الْعَصْر،
٤١٠ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (عن مالك) الإمام،
(عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة)
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، له في
(صحيح مسلم) وفي ((السنن)) حديثان(٢) عن عائشة، وروى له البخاري في
((الأدب)) آخر، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين، وقال في
(التقريب)): ثقة.
(أنه) أي أبا يونس (قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها) أي لعائشة
(مصحفاً) أي قرآناً (وقالت) أي عائشة لمولاها أبي يونس: (إذا بلغت) أي في
الكتابة (هذه الآية فآذني) أي أعلمني (﴿حَفِظُواْ عَلَى السََّلَوَتِ﴾) أي جميعها
﴿﴿وَالضَلَوَةِ الْوُسْطَى﴾) أي بخصوصها .
(فلما بلغتها) أي بلغت كتابتي إليها (آذنتها، فأملت) بتشديد اللام من
الإملال، وبتخفيفها من الإملاء، وكلاهما بمعنى أي ألقت (عليَّ) لأكتب
﴿﴿حَفِظُواْ عَلَى القََّلَوَتِ وَالضَلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ وصلاةٍ(٣) العصر) فزادت: وصلاة
(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٨.
(٢) كذا في ((التهذيب)). قلت: أحدهما هذا، والثاني يأتي في كتاب الصوم («باب من أصبح
جنباً في شهر رمضان)». (ش).
(٣) بالواو في الروايات الكثيرة الشهيرة، واستدل بها على أن الوسطى غير العصر، لأن
العطف يقتضي المغايرة، ((ابن رسلان))، ورده في ((الأوجز)) (٩٠/٣)، وفيه أيضاً أن
المشهور من الأقوال ثلاثة، العصر قول الجمهور والحنفية وأحمد، والظهر رواية
لأبي حنيفة، والصبح مذهب مالك والشافعي. (ش).
٦٩

(٢) كتاب الصلاة
(٥) باب
(٤١١) حديث
﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾))، ثُمَّ قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وِّ)).
[م ٦٢٩، ن ٤٧٢، ت ٢٩٨٢، ط ٢٥/١٣٨/١، حم ٧٣/٦]
٤١١ - حَذَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
نَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الزِّبْرِقَانَ
العصر (﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ﴾، ثم قالت(١) عائشة: سمعتها) أي هذه الكلمة
((وصلاة العصر)) (من رسول الله (﴾).
وظاهره أن الوسطى غير العصر، لأن العطف يقتضي المغايرة، ويمكن
حمل العطف على التفسير ليتفق الحديثان، وهذه القراءة شاذة لا عبرة بها، لأنها
لم تثبت متواترة، ولعله ◌َ و قالها تفسيراً، أو كانت فنسخت تلاوتها، والمناسبة
بالباب باعتبار الأمر بالمحافظة عليها تستدعي كونها مؤقتة.
٤١١ - (حدثنا محمد بن المثنى، حدثني محمد بن جعفر) غندر،
(نا شعبة) بن الحجاج، (حدثني عمرو بن أبي حكيم)(٢) الواسطي أبو سعيد،
ويقال: أبو سهل، ويعرف بابن الكردي، يقال: إنه مولى لآل الزبير، قال
أبو داود والنسائي: ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
(قال: سمعت الزبرقان)(٣) بن عمرو بن أمية الضمري بفتح المعجمة
وسكون الميم، نسبة إلى بني ضمرة، ويقال: الزبرقان بن عبد الله بن أمية، قال
النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال يحيى بن سعيد: كان زبرقان
ثقة، قال علي: فقلت له: أكان ثبتاً؟ قال: كان صاحب حديث، فقلت: إن
سفيان لا يحدث عنه، قال: لم يره، وليس كل من يحدث عنه سفيان كان ثقة.
(١) ورواية ((الموطأ)): أن المصحف كان لحفصة، ونحوه أخرج ابن أبي داود في
(كتاب المصاحف)) من نحو عشرين طريقاً، ((ابن رسلان)). (ش).
(٢) بفتح الحاء. ((ابن رسلان)). (ش).
(٣) بكسر الزاء والراء. ((ابن رسلان)). (ش).
٧٠

(٢) كتاب الصلاة
(٥) باب
(٤١١) حدیث
يُحَدِّثُ عنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن زَيْدِ بْنِ ثابتٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ اَلِ
يُصَلِّي الظُهْرَ بالْهَاجِرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّ صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ
رَسُولِ اللَّهِ وَهِ مِنْهَا، فَزَلَتْ: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الْضَلَوَتِ وَالضََّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾
وقَالَ: ((إِنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَيْنِ وَبَعْدَهَا صَلَاتَيْنِ)). [حم ١٨٣/٥، ق ٤٥٨/١]
(يحدث عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت)(١) بن الضحاك بن زيد بن
لوذان الأنصاري النجاري، صحابي مشهور، كان يكتب الوحي، قال مسروق:
كان من الراسخين في العلم، وقال الشعبي: غلب زيد الناس على اثنتين
الفرائض والقرآن، وفضائله كثيرة، قيل: إن أول مشاهده يوم الخندق، توفي سنة
٤٥ هـ أو بعدها .
(قال: كان رسول الله # يصلي الظهر بالهاجرة) أي في شدة الحر عقب
الزوال، (ولم يكن يصلي صلاة أشد) أي أشق وأصعب (على أصحاب
رسول الله # منها) ولذا شكوا حر الرمضاء، وكانوا يسجدون على ثيابهم فيها،
(فنزلت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَلَوَتِ وَالضََّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾) أي الفضلى، إذ الأوسط هو
الأفضل، وواسطة العقد أشرف ما فيه.
(وقال) أي زيد بن ثابت(٢)، وهو الصواب، وقيل: النبي ◌َّز، حكاه
القاري عن السيد: (إن قبلها) أي الظهر (صلاتين) إحداهما نهارية والأخرى
ليلية (وبعدها صلاتين) أي كذلك، أو هي واقعة وسط النهار.
والظاهر أن هذا اجتهاد من الصحابي نشأ من ظنه أن الآية نزلت في
الظهر، فلا يعارض نصه عليه الصلاة والسلام: ((أنها العصر))، ولا مناسبة لهذا
الحديث بالباب، إلّا أن يقال: لما ساق الروايات الدالة على أن المراد بالصلاة
الوسطى العصر أتبعها بهذه التي تدل على أنها الظهر استطراداً، أو يقال: إنه
(١) انظر ترجمته في: ((أسد الغابة)) (٢٣٥/٢) رقم (١٨٢٤).
(٢) والأوجه عندي أحد من الرواة، فإن المنقول عن زيد في وجهه أنه في وسط النهار،
كما في ((ابن رسلان))، إلَّا أن يقال: إنه تعدد منه الروايات في الوجوه. (ش).
٧١

(٢) كتاب الصلاة
(٥) باب
(٤١٢) حديث
٤١٢ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الرَّبِيع، حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُبَارَكِ،
عن مَعْمَرٍ، عن ابْنِ طَاوُسٍ، عن أَبِيهِ، عنَ ابْنِ عَبَّاسٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنَ العَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ
الشَّمْسُ فقدْ أَدْرَكَ، ومنْ أَدْرَكَ مِنَ الْفَجْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ
ورد الأمر فيها بالمحافظة والمحافظة تقتضي كونها موقوتة، ثم أكثر النسخ خالية
عن لفظ الباب هاهنا، وكتب في حاشية النسخة الدهلوية هاهنا: ((باب من أدرك
ركعة منها فقد أدركها)).
٤١٢ - (حدثنا الحسن بن الربيع) بن سليمان البجلي القسري، نسبة إلى
قسر بفتح القاف وسكون المهملة، بطن من بجيلة، أبو علي الكوفي البوراني
الحصار، ويقال: الخشاب، قال العجلي: كان يبيع البواري، كوفي ثقة، رجل
صالح متعبد، وقال أبو حاتم: كان من أوثق أصحاب ابن إدريس، وقال
ابن خراش: كوفي ثقة، كان يبيع القصب، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال
عثمان بن أبي شيبة: الحسن بن الربيع صدوق، وليس بحجة، وقال ابن حبان
في ((الثقات)): هو الذي غمض ابن المبارك ودفنه، مات سنة ٢٢١ هـ.
(حدثني ابن المبارك) عبد الله، (عن معمر) بن راشد، (عن ابن طاوس)
هو عبد الله بن طاوس بن كيسان اليماني، أبو محمد الأبناوي بفتح الهمزة
وسكون الموحدة، قال في ((الأنساب)): وكل من ولد باليمن من أولاد الفرس
وليس بعربي يسمونهم الأبناء، ومنهم أبو عبد الرحمن طاوس بن كيسان
الأبناوي، أمه من أبناء فارس، وأبوه من النمر بن قاسط، انتهى، قال أبو حاتم
والنسائي: ثقة، وكذا قال الدارقطني في ((الجرح والتعديل))، وقال العجلي:
ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وكان من خيار عباد الله فضلاً ونسكاً وديناً،
وتكلّم فيه بعض الرافضة، مات سنة ١٣٢هـ.
(عن أبيه) طاوس بن كيسان، (عن ابن عباس) عبد الله، (عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله ﴾: من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس
٧٢

(٢) كتاب الصلاة
(٥) باب
(٤١٢) حديث
فَقَدْ أَدْرَكَ)). [خ ٥٧٩، م ٦٠٧، ت ٥٢٤، ن ٥١٤، جه ١١٢٢، ط ١٥/١٠/١،
عب ٢٢٢٤، حم ٢٤١/٢، دي ١٢٣، خزيمة ١٥٩٥، حب ١٤٨٣، ك ٢١٦/١،
ق ٣٧٩/١]
فقد أدرك(١)، ومن أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك)(٢).
ظاهر سياق هذا الحديث يقتضي أن من أدرك ركعة قبل غروب الشمس،
ومن الفجر ركعة قبل طلوعها فقد أدركهما، فلا يجب عليه إتمامهما .
ويؤيده ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن
رسول الله ﴾ قال: ((من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك
الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)).
ولم يقل به أحد من أهل العلم، لأنه روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة.
وقد أخرج البخاري من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله صَل: ((إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس
فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم
صلاته)) .
وهذا يقتضي أن المدرك جزءاً من الصلاة لا يكون مدركاً لجميعها بحيث
لا يكون إتمامها عليه واجباً، فعلى هذا يجب أن يقدر معمولاً لقوله: ((فقد
أدرك))، أي من أدرك ركعة من الصلاة يعني في الوقت فقد أدرك الوقت، أو يقدر
لفظ الوجوب، أي فقد أدرك وجوب الصلاة، فعلى هذا معنى الحديث: إذا
أدرك قدر ركعة من الوقت لكونه صبياً فبلغ، أو كان كافراً فأسلم، أو كانت
المرأة حائضاً فطهرت، فقد أدرك وجوب الصلاة، أو يحمل على ما إذا كان
أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك أي فضل الجماعة.
(١) قال ابن العربي (٣٠١/١): حاصل ما للعلماء فيه قولان: أحدهما قول أبي حنيفة:
إنه لبيان الوقت فقط، والثاني ما للجمهور: إنه لبيان أوقات أهل الضرورة. (ش).
(٢) قلت: وفي الحواشي القديمة (الموطأ)) وجّهه بتوجيهات. (ش).
٧٣

(٢) كتاب الصلاة
(٥) باب
(٤١٢) حديث
قال العيني(١) ما ملخصه: إنهم اختلفوا في معنى الإدراك هل هو للحكم
أو للفضل أو للوقت في أقل من ركعة؟ فذهب مالك وجمهور الأئمة، وهو أحد
قولي الشافعي إلى أنه لا يدرك شيئاً من ذلك بأقل من ركعة، متمسكين بلفظ
الركعة، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي في قول إلى أنه يكون مدركاً
لحكم الصلاة.
فإن قلت: قيد في الحديث بركعة فينبغي أن لا يعتبر أقل منها؟ قلت: قيد
الركعة فيه خرج مخرج الغالب، فإن غالب ما يمكن معرفة الإدراك به ركعة
أو نحوها، حتى قال بعض الشافعية: إنما أراد رسول الله * بذكر الركعة
البعض من الصلاة، لأنه روي عنه: ((من أدرك ركعة من العصر))، و((من أدرك
ركعتين من العصر))، و ((من أدرك سجدة من العصر))، فأشار إلى بعض الصلاة
مرة بركعة، ومرة بركعتين، ومرة بسجدة، والتكبيرة في حكم الركعة لأنها بعض
الصلاة، فمن أدركها فكأنه أدرك ركعة.
واستدل أبو حنيفة ومن تبعه بالحديث المذكور على أن آخر وقت العصر
هو غروب الشمس، لأن من أدرك فيه ركعة أو ركعتين مدرك له، فإذا كان مدركاً
يكون ذلك الوقت من وقت العصر، لأن معنى قوله: ((فقد أدرك)» أدرك وجوبها،
حتى إذا أدرك الصبي أو أسلم الكافر أو أفاق المجنون أو طهرت الحائض قبل
غروب الشمس تجب عليه صلاة العصر، ولو كان الوقت الذي أدركه جزءاً
يسيراً لا يسع فيه الأداء، وكذلك الحكم قبل طلوع الشمس. وقال زفر: لا يجب
ما لم يجد وقتاً يسع الأداء فيه حقيقة، وعن الشافعي قولان فيما إذا أدرك دون
ركعة كتكبيرة مثلاً: أحدهما: لا يلزمه، والآخر: يلزمه، وهو أصحهما.
وفي الحديث(٢) دليل صريح على أن من صلَّى ركعة من العصر، ثم خرج
الوقت قبل سلامه لا تبطل صلاته، بل يتمها، وهذا بالإجماع، وأما في الصبح
(١) ((عمدة القاري)) (٦٩/٤).
(٢) وراجع: ((عمدة القاري)) (٦٩/٤)، و((مشكل الآثار)) (١٤١/١٠). (ش).
٧٤