Indexed OCR Text
Pages 41-60
تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي ولا نظر إلَّا في آلته، ولا كان له اهتمام إلَّا برجاله، ولا ميل إلّا إلى من يذكره ويحث عليه، وكان الرجل إذا أراد أن يتقرب إليه يحثه على الجهاد»(١). ومن يقرأ كتب التراجم والطبقات، يرى أمثلة هذا الشغف والاستغراق عند كثير من العلماء والمؤلفين والعظماء والمصلحين في مشاربهم وأذواقهم. وإذا استولى هذا الحب على إنسان، وجرى منه مجرى الروح والدم أتى بالعجائب، وكان مصدر إلهام وتوجيه، وقد وقع للشيخ بعض حوادث غريبة، فمنها أنه رأى مرة فيما يرى النائم كأن مُنَبِّهاً يُنَبِّهَهُ على خطأ في هذا الشرح، وقد فرغ منه، فلما استيقظ دعا تلميذه الشيخ محمد زكريا، وأخبره بهذه الرؤيا، ولما راجع هذا المقام وجد أن فيه خطأ فأصلحه. وكان العمل قائماً على قدم وساقٍ، وكان الشيخ منصرفاً إليه بقلبه وقالبه، وتلميذه مقبلاً عليه بجميع قواه ومواهبه، إذ عرضت للشيخ رحلة إلى الربوع المقدسة مهبط الوحي ومدرسة الحديث الأولى، وأبدى التلميذ - بما رأى من حرص الشيخ على إتمام هذا الكتاب مع ضعفه وعلوّ سنّه - رغبته في المرافقة، فقبلها الشيخ مسروراً، وأَمَلَ في تمام هذا العمل، وتوجَّها على بركة الله إلى الحرمين الشريفين، وذلك في شهر شوال سنة ١٣٤٤هـ. ولم يزالا مكبين على إتمام هذا الشرح، منقطعين إليه، لا يتخللهما إلَّا العبادة والفرائض الدينية والأمور الطبيعية . وكان الشيخ له دعوات ثلاث، وأماني عزيزة، لا تعدل بها أمنية، أُولاها: أن تقوم في الحجاز حكومة إسلامية مستقرة، ويسود في ظلها الأمن والسلام وتستقر الأمور، والثانية: إكمال ((بذل المجهود»، والثالثة: (١) ((النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية)» (ص ١٦). ٤٠ تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي أن يوافيه الوقت الموعود في مدينة الرسول ويدفن في البقيع. وقد أجاب الله دعواته الثلاث التي دعا بها على الملتزم، وحقق هذه الأماني كلها . ولثمان بقين من شعبان - ٢١ شعبان - سنة ١٣٤٥ هـ تحققت أمنيته الكبرى التي غَذَّاها بدم قلبه فتم الشرح، وقد كانت مدة تأليفه عشر سنوات وخمسة أشهر، وزادت عليها عشرة أيام، وتم الكتاب في خمسة مجلدات كبار وفي ألفين من الصفحات بالقطع الكبير، فكان له يوم عيد، بل يومٌ ما جاء عليه يومٌ هو أكثر فرحاً وسروراً فيه من هذا اليوم، فعين يوماً (وهو يوم الجمعة ٢٣ شعبان سنة ١٣٤٥ هـ) لضيافة علماء المدينة وأحِبَّته وأصدقائه، شكراً لله تعالى وإبداءً لسروره وفرحه، وصنع طعاماً كثيراً على طريقة أهل الحجاز، وأخبر تلاميذه ومريديه وأحبته في الهند بهذا الموعد المبارك ليشاركوه في السرور والشكر. وقد وهب للمدرسة - مظاهر علوم - حقوق هذا الكتاب تنتفع به وهي صاحبة الامتياز في طبعه، وقد طبع مرتين. وهذه هي الطبعة الثالثة بالحروف العربية للمرة الأولى، مع زيادات وإفادات مهمة للشيخ محمد زكريا الذي كان له النصيب من أول عهد تأليف هذا الكتاب. نسأل الله أن ينفع به طلبة العلم، ويجعله ذخراً له في الآخرة، وذكراً في الدنيا، وصدقة جارية وباقية صالحة. خصائص هذا الشرح وكلمة عن خصائص هذا الشرح والتزامات المؤلف التي التزمها وعُني بها عناية خاصة، ونؤثر الإِجمال والإِشارة، فإنما يعرف فضل هذا المجهود العلمي من باشر تدريس هذا الكتاب مدة طويلة، وعرضت له مشكلات فنية . ٤١ تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي فمنها: أن المؤلف اهتم بأقوال الإمام أبي داود صاحب الكتاب وكلامه في الرواة أو في إيضاح بعض ما ورد في الحديث اهتماماً كبيراً . ومنها: أنه اهتم بتصحيح نسخ السنن المختلفة المنتشرة، ويراه القارىء كمثال في ((باب افتتاح الصلاة)) في حديث أبي حميد الساعدي . ومنها: الاهتمام البالغ بتخريج التعليقات والفحص عنها في كتب أخرى وذكرها، وإذا لم ينجح في ذلك بعد التتبع البليغ صرح بذلك في غير تردد . ومنها: تطبيق الروايات بالترجمة، وقد ظهرت فى ذلك دقة فهمه وطول تأمله، وحيث تكررت الأبواب دفع ذلك وذكر حكمة هذا التكرار، ونضرب له مثلاً ((باب صفايا رسول الله ﴿ من الأموال))، و ((باب سهم الصفي))، فليراجع في كتاب الخراج والفيء والإِمارة. ومنها: أنه حكم في ما اختلف فيه الشُرَّاح بما شرح الله له صدره، وفتح عليه، وتكلم بكلامٍ فصلٍ يثلج الصدر ويحلّ العقدة. ومنها: أن أكثر الكتب التي ألفت في الهند في شرح كتب الحديث، أو في إثبات المذهب الحنفي، أو في مسألة خلافية، كان يغلب عليها في العهد الأخير الأسلوب الكلامي والاستدلال العقلي، وتكثر فيها اللطائف العلمية، ومع الاعتراف بقيمتها العلمية والكلامية وحسن قصد المؤلفين وعلو كعبهم في العلم يؤخذ عليها أنها لم تكن على طريقة المحدثين وشرَّاح الحديث المتقدمين، ويقلُّ فيها الكلام على الرواة والجرح والتعديل وعلل الحديث وطبقاته وإلى غير ذلك من المباحث الحديثية. ويُستثنى من ذلك كتابان من تأليف علماء المذهب الحنفي في الهند في العهد الأخير، أولهما: ((كتاب المحلى شرح الموطأ))، للشيخ ٤٢ تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي سلام الله ابن شيخ الإِسلام الدهلوي الرامفوري(١) (م ١٢٢٩ هـ أو ١٢٣٣ هـ)، وثانيهما: ((آثار السنن)) و ((التعليق الحسن على آثار السنن)) (٢) للشيخ العلّامة ظهير حسن النيموي البِهَاري الهندي(٣) (م ١٣٢٩ هـ). أمَّا هذا الشرح فيمتاز بأنه كتب على نهج المشتغلين بالحديث والباحثين فيه وكبار الشراح الذين تلقَّت الأمة شروحهم بقبولٍ عام، وانتفع بها طلبة العلم في كل عصر، واشتمل على بحوث قيمة في أسماء الرجال وأصول الحديث، وعارض مؤلفه الحجة بالحجة، وكان كلامه في أكثر الأحيان محدوداً في صناعة الحديث ومتعلقاتها من الفنون. وقد استفاد المؤلف في هذا الشرح بتحقيقات شيخه الإِمام المحدث مولانا رشيد أحمد الكنكوهي التي جاءت في دروسه، وضبطها وقَيَّدها تلميذه النابغة الشيخ محمد يحيى، وكان من خصائصه أنه يتحرز بقدر الإِمكان عن نسبة الخطإ إلى الراوي، وإذا التجأ إليه الشراح ولم يروا من ذلك بدًّا فَضَّل الشيخُ العلّامةُ تأويل ذلك بما يُسيغه الفهم، ويقبله العاقل المنصف . ومثال ذلك الرواية التي جاء فيها وضع الخاتم، فقد ذهب جميع المحدثين إلى أنه وهم من الزهري، ولكن مؤلف ((بذل المجهود)» أوَّل ذلك تأويلاً حسناً، وهو مقتبس من كلام الشيخ الكنگوهي، فليراجع ذلك في (باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى)) في كتاب الطهارة. ومنها: لطائف الاستنباط التي احتوى عليها هذا الشرح ويراها القارىء منثورة في ثنايا هذا الكتاب. (١) انظر ترجمته في: ((نزهة الخواطر)) (٢٠١/٧). (٢) مع الأسف أن الكتاب وصل من أول أبواب الطهارة إلى آخر أبواب الصلاة، ولو تم لكان عملاً جليلاً، وقد طبع هذا الكتاب مراراً في الهند وباكستان. (٣) انظر ترجمته في: ((نزهة الخواطر)) (٢٠٦/٨). ٤٣ تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي ومن المباحث اللطيفة التي ظهرت فيها سلامة فكر المؤلف واطلاعه الواسع على كتب الحديث مسألة القسامة، ويزول بكلامه اختلاف الروايات . وكذلك من محاسن الكتاب ومن مواضعه المهمة التي ظهر فيها جهد المؤلف وإمعانه: أحاديث الفتن والملاحم، وقد اجتهد في تعيين هذه الفتن التي أشير إليها في هذه الأحاديث، واهتم بترجيح الراجح، وعين بعضها باجتهاده واستقصائه، ويرى القارىء مثاله في شرح كلام قتادة حيث جاء في الكتاب: ((وكان قتادة يضعه على الردة التي في زمن أبي بكر على أقذاء، يقول: ((قَذى وهُدنة))، يقول: صلحٌ على دخنٍ: على ضغائن)). وقد أشار في شرح حديثه إلى فتنة الشريف حسين بن علي، فليراجع ذلك في حديث عبد الله بن عمر الذي جاء فيه: «ثم يصطلح الناس على رجل کوَرِكٍ على ضلع)»(١)، وذكر ذلك في تفصيل ووضوح. ويظهر في كلامه في مثل هذه المناسبات ثقته بتحقيقه وجزمه بما توصل إليه في البحث والتأمل، ولا يغلب عليه التواضع والتردد، فيبعث هذا الجزم والثقة واليقين في نفس القارىء، وهذا من سياسة التعليم وحكمة التربية ومن محاسن الشرح. وقد يتردّد الشارح في صحة لفظ ورد في حديث، فيجتهد في تحقيقه اجتهاداً بالغاً ولا يدَّخِرُ جهداً . ويرى القارىء نموذج ذلك في ((باب عبيد المشركين يلحقون بالمسلمين فيسلمون)» في كتاب الجهاد، فقد ورد في متن الحديث عن علي بن أبي طالب قال: ((خرج عبدان إلى رسول الله وم ير يعني يوم الحديبية قبل الصلح)) وقد أطال الشارح الكلام في وقوع القصة يوم الحديبية، وأثبت أن (١) انظر: ((بذل المجهود)) كتاب الفتن والملاحم (٢٧٠/١٢ - ٢٧٧). ٤٤ تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي هذه القصة وقعت في غزوة الطائف، وقال: لقد تحيرت في هذه القصة التي قد وقعت في حديث ((أبي داود)) و ((الترمذي)) و((المستدرك)) في الحديبية، فالظاهر أن الذي ذكر أنها وقعت في الحديبية غلط من بعض الرواة بثلاثة أوجه . وذكر هذه الأوجه بتفصيل، وذكر أن لفظ الحديبية ليس من علي بن أبي طالب، بل من بعض الرواة، لأن في لفظ الرواية لأبي داود زاد لفظ: (يعني قبل يوم الحديبية))، فهذا يدل على أن لفظ الحديبية ليس في أصل الحديث، بل زاده بعض الرواة على ما فهم من لفظ شيخه. ولو سُلِّمَ أن هذه القصة وقعت في الحديبية أيضاً، فالمراد بقوله: (ناس)) بعض الكفار من قريش الذين كانوا موجودين هناك لا الصحابة إلى آخر كلامه، فليراجع(١)، وهذا تحقيق شريف خلت عنه الشروح. ونقتصر في هذه العجالة على هذه الإشارات، ونحيل القارىء الذكي إلى مطالعة أصل الكتاب بإمعان النظر، فكما قال الشاعر: في طلعة الصبح ما يغنيك عن زحل ونرى لزاماً وحقاً علينا أن نشكر تلاميذ الشيخ العلامة مولانا محمد زكريا الكاندهلوي الذين عكفوا على خدمة هذا الكتاب بالمراجعة مع الأصول وانتساخ التعليقات ووضعها في محلها وغير ذلك، في مقدمتهم: - الشيخ تقي الدين الندوي المظاهري أستاذ الحديث في مدرسة فلاح الدارين بتركيسر (ولاية كَجرات). فقد فرغ وقته لخدمة هذا الكتاب، وعكف عليه سنة كاملة. - والعالمان الشابان محمد عاقل، ومحمد سلمان. - ولا ننسى فضل الزميلين العزيزين: الشيخ محمد معين الندوي، (١) ((بذل المجهود)) (٣٥٥/٩). ٤٥ تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي والأستاذ سعيد الأعظمي الندوي في فكرة طبع هذا الكتاب، وإبرازه في هذا المظهر الجميل وما ذللا في طريق نشره من الصعاب وما وفقا له من مجهود مشكور، وعمل مبرور، وإخلاص موفور، والله يتولى مكافأة الجميع، ويتقبل عملهم. ونسأل الله أن ينفع بهذا الأثر العلمي الجليل، ويُحَبِّبُ به السنَّةَ والحديث إلى نفوس القُّرَّاء، ويُلْهم العمل به، ويرفع الهمم، ويُشَخِّذ العزائم إلى دراسته وخدمته، إنه على كل شيء قدير. أبو الحسن علي الحسني الندوي رئيس دار العلوم - ندوة العلماء - لكهنؤ، الهند ١٣٩٢/٢/٢٩ هـ ٤٦ تقديم العلامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري كلمة عن ((سنن أبي داود)) وشرحه ((بذل المجهود)) في غاية الوجازة بقلم: المحدِّث الكبير العلّامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري(١) لست أريد البحث عن الإِمام أبي داود ومفاخره التي امتاز بها بين قرنائه، ولا عن كتابه ((السنن)) الذي ألَّفه، ولا المقارنة بينه وبين الكتب المؤلّفة في هذا الموضوع، فإنه بحر لا ينزف، ومَعين لا ينضب، ثم كل من المؤلِّف والمؤلّف أصبح كشمس في رابعة النهار، تنبعث أشغَّته الحمراء السَّاطعة في مشارق الأرض ومغاربها فاستغنى عن البيان. وقد مضى عليه قرون متطاولة يُثنى عليه من عهد التأليف إلى اليوم، ولم يقصروا في الثناء الوافر العاطر، وتسابق فيه أقلام الجهابذة من كبار المحدِّثين الذين يعرفون هذه الدقائق بثلج صدر، وتغلغلت فيه الكتابات إلى أعماق البحث، لم يغادروا صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصوها، فأنَّى لمثلي أن يُسابق بظالعه في حَلْبة يتسابق في رهانه كلّ ضليع. (١) هو مِن كبار علماء الحديث في عصره، انتقل إلى جوار رحمة الله تعالى بتاريخ الثالث من ذي القعدة سنة ١٣٩٧ هـ الموافق ١٩٧٧/١٠/١٧م. ومن آثاره العلمية: كتاب ((معارف السنن شرح سنن الترمذي)) وغيره، وقد قام ولدي الدكتور وليّ الدِّين الندوي بكتابة بحث عنه، تناول فيه جوانب من أخباره وسيرته وآثاره، ونشر هذا البحث في مجلة ((الأحمديّة)» بدبي. ٤٧ تقديم العلامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري بيد أنَّ تمهيداً لما أقوله في الشرح أضطر إلى شيء من خصائص («السنن)) ومؤلّفه، صفوتُ كلمات الجهابذة ولباب ثناء الصيارفة، مساهمة للسعداء لكي أنال السعادة. وَإِذَا سَخَّرَ الإِلهُ أُناساً لسعيدٍ فَإِنَّهُم سُعَدَاء كلمة عن الإِمام أبي داود(١) هو الإِمام أحد حفّاظ الإِسلام لحديث رسول الله بَّهِ وعلمه، وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع، من فرسان الحديث، وهو الإِمام المقدم في زمانه لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعها أحد في زمانه. وهو الإِمام الحافظ سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، ويقال: ((السجزي))، نسبة غير قياسية إلى سجستان. كما في ((القاموس)) . وسجستان إقليم معروف بخراسان وراء الهراة جنوباً كما حققه العلماء، وليست نسبة إلى قرية ((سجستان)) من قرى البصرة، كما ردّه ابن السبكي في ((طبقاته))، وياقوت الحموي في ((معجمه)) وغير واحد. وهو معرَّب ((سيستان)) كما يقوله الصاغاني، وهو المعروف الجاري على الألسنة، لا كما يرجح الفيروزآبادي أنه معرب ((سكستان))، ويرجح فتح السين. انظر: ((تاج الزبيدي)) . وُلِد سنة ٢٠٢ هـ، وتوفي ٢٧٥هـ بالبصرة يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من شوال، ودُفِن إلى جانب قبر سفيان الثوري. قال الحافظ أبو عبد الله بن منده: الذين أخرجوا وميّزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة: البخاري، ومسلم، وبعدهما أبو داود، والنسائي، انتهى. (١) جئت فيه بالكلمات التي وصفه بها الإمام أحمد الهروي وأبو بكر الخَلاَّل. ٤٨ تقديم العلامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري وقال الخطيب ومَن بعده: أحد مَن رحل وطوّف وجمع وصنَّف وكتب عن العراقيِّين والخراسانيِّين والشاميِّين والمصريِّين والجزريِّين، انتهى. وقال الحافظ موسى بن إبراهيم: خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنّة، انتهى. وعدَّه أبو إسحاق الشيرازي في ((طبقات الفقهاء)) من جملة أصحاب الإِمام أحمد بن حنبل، كما قال ابن خلِّكان. روى عن أحمد بن حنبل وابن معين وقتيبة بن سعيد وطبقتهم كأبي عمرو الضرير، ومسلم بن إبراهيم، والقعنبي، وابن رجاء، وأبي الوليد الطيالسي، وأحمد بن يونس، وأبي جعفر النفيلي، وسليمان بن حرب، وخلق كثير بالحجاز والشام ومصر والعراق والجزيرة والثغر وخراسان. كما في ((طبقات الذهبي)). وعنه: الترمذي، والنسائي، وابنه أبو بكر، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو عوانة، وأبو بشر الدولابي مِن أعلام الحديث وأئمّة التحديث، وعلي بن الحسن بن العبد أبو علي الأنصاري، وأبو أسامة محمد بن عبد الملك، وأبو سعيد بن الأعرابي، وأبو علي اللؤلؤي، وأبو بكر بن داسة، وأبو سالم محمد بن سعيد الجلودي، وأبو عمرو أحمد بن علي. وهؤلاء السبعة الآخرون رووا عنه ((سننه)) كما يقوله الذهبي في ((طبقاته)) (٢/ ١٥٣). واللؤلؤي هذا لزم أبا داود مدة طويلة يقرأ ((السنن)) للناس، كما قاله ابن العماد فى ((الشذرات)) (٢٣٤/٢). وإنَّ أبا الحسن علي بن الحسن بن العبد سمع كتاب ((السنن)) على أبي داود ست مرّات، كما في آخر نسخة عبد الغني المقدسي بخطّه في الآستانة كما يحكيه الكوثري. وأيضاً في روايته زيادات في الكلام على الرجال، كما يقوله الحافظ ابن حجر. ٤٩ تقديم العلامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري وأيضاً يرويه عنه أبو إسحاق الرملي. نسبة إلى رَمْلَة فلسطين أو محلة بسرخس كما في ((غاية المقصود)). وتختلف النسخ والروايات كما فصّله الكوثري في رسالته المتعلقة برسالة أبي داود. ويقول بعض الأئمة كما حكاه الذهبي وقبله الخطيب وبعده ابن كثير وغيره: كان أبو داود يُشبّه بأحمد بن حنبل في هَذْيه ودَلْه وسمته، وكان أحمد يُشَبّه بوكيع، ووكيع بسفيان الثوري، وسفيان بمنصور، ومنصور بإبراهيم النخعي، وإبراهيم بعلقمة، وعلقمة بعبد الله بن مسعود، وابن مسعود بالنبي ◌َّ في هديه ودَلِّه. وقد سمع منه الإِمام أحمدُ بن حنبل شيخُه حديثَ العتيرة: أنَّ رسول الله ◌َّ سُئِل عن العتيرة فحسَّنها. قال ابن أبي داود: قال أبي: فذكرته لأحمد بن حنبل فاستحسنه، وقال: هذا حديث غريب، وقال لي: اقعد، فدخل فأخرج محبرة وقلماً وورقة وقال: أَمْلِه عليَّ، فكتبه عنِّي. كما في (تاريخ الخطيب)) (٥٧/٩). وهذا هو حديث العتيرة الذي رواه عنه أحمد، لا ما فهمه محمود السبكي في ((المنهل العذب المورود)) - ولعله لم يقف على كلام الخطيب - فقال: وهو حديث ((لا فرع ولا عتيرة))، ما رواه أحمد والبخاري ومسلم، فتنبه . وكفى بهذه المفاخر مفخرة للإِمام علم الإِسلام عن أعيان جهابذة الأمة - فرحمه الله ورضي عنه -. التعريف بكتاب ((السنن)) له ١ - قال زكريا - وهو الإِمام أبو يحيى بن يحيى الساجي محدِّث البصرة -: كتاب الله أصل الإِسلام، و ((سنن أبي داود)) عهد الإِسلام، انتهى. حكاه الذهبي في («الطبقات)) (١٥٤/٢). ٥٠ تقديم العلامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري ٢ - قال الخطابي أوَّل شارح لـ ((سننه))(١): إنَّ كتاب (السنن)) لأبي داود كتاب شريف، لم يصنف في الدِّين كتاب مثله، وقد رزق القَبول من كافّة الناس، فصار حكماً بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء، فلكل فيه ورد ومنه شرب، وعليه معوّل أهل العراق ومصر وبلاد المغرب وكثير من أقطار الأرض، وهو أحسن رصفاً وأكثر فقهاً من (الصحيحين))، والحديث منه صحيح وحسن، وكتاب أبي داود جامع لهما ... إلخ. ٣ - لما صنّفه وعرضه على أحمد بن حنبل، فاستجاده واستحسنه. كما في ((تاريخ الخطيب)) وغيره. ٤ - يقول الذهبي في (سير النبلاء))(٢): وهو أوفى كتاب في أحاديث الأحكام المسندة، وشطر أحاديثها أخرجه الشيخان، وهو أعلى ما أخرجه، ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر، [ثم يليه ما رَغِبا عنه، وكان إسناده جَيِّداً]، ثم يليه ما كان إسناده صالحاً وقبله العلماء، ثم يليه ما ضعف إسناده ... إلى آخر ما قاله الذهبي في ((سِيَر النبلاء)) كما حكاه الكوثري . ٥ - يقول ابن الأعرابي: إن حصل لأحد علم كتاب الله و ((سنن أبي داود)) يكفيه ذلك في مقدمات الدِّين. ويقول: لو أنَّ رجلاً لم يكن عنده من العلم إلَّا المصحف وثم كتاب أبي داود لم يحتج معهما إلى شيء من العلم، انتھی. ٦ - ويقول الإِمام حجة الإِسلام الغزالي كما يحكيه ابن كثير: يكفي للمجتهد معرفته من الأحاديث النبوية، انتهى. ٧ - وأوفى ما قاله هو نفسه في كتابه - وأهل مكة أدرى بشعابها - (١) انظر: ((مختصر سنن أبي داود)) مع ((معالم السنن)) (١٢/١). (٢) انظر: (٢١٤/١٣). تقديم العلامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري وهناك ما نلتقطه من كلماته عن بعض رواته، وما في رسالته إلى أهل مكة، وهي رسالة لا يستغني عنها باحثٌّ في مراتب أحاديث كتاب أبي داود كما يقوله شيخنا الكوثري، فيقول: ولا أعلم شيئاً بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلَّموا مِن هذا الكتاب. ويقول: والأحاديث التي وضعتها في كتاب ((السنن)) أكثرها مشاهير. ويقول: وإن من الأحاديث في كتاب ((السنن)) ما ليس بمتصل، وهو مرسل ومدلَّس، وهو إذا لم توجد الصحاح عند خاصة أهل الحديث على معنى أنه متصل، إلى أن قال: وأما ما في كتاب السنن من هذا النحو فقلیل . ويقول أبو بكر بن داسة: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله ﴿ خمسمائة ألف حديث، وانتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب ((السنن)) جمعتُ فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه ... إلخ. حكاه الخطيب في ((تاريخه)). ويزيد عليه أبو داود نفسه في رسالته إلى أهل مكة: ((ونحو ستمائة حديث من المراسيل ... )) إلخ. ويقول في رسالته: ((ولم أكتب في الباب إلَّا حديثاً أو حديثين وإن كان في الباب أحاديث صحاح لأنه يكثر، وإنما أردت قرب منفعته)). ويقول: ((ليس في كتاب ((السنن)) الذي صنَّفته عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديث بيّنت أنه منكر»، انتهى. قال الراقم: ويقول الحافظ ابن رجب في ((شرح علل الترمذي)) - كما حكاه الكوثري -: مراده أنه لم يخرج لمتروك الحديثِ عنده على ما ظهر له، أو لمتروك متفق على تركه، فإنه قد أخرج لمن قد قيل فيه: إنه متروك ... إلخ. ٥٢ تقديم العلامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري يقول الراقم: وربما انتقى من روايته، فليس كل متروك يروي دائماً متروكاً، أو يكون جميع ما يرويه متروكاً دائماً، وربما يروي ما يكون صحيحاً أو على الأقل متحمّلاً. وهناك نظائر، إنَّ كثيراً من المحدِّثين ربما يختارون وينتقون من روايات الضعيف ما يتحمل على حسب أذواقهم وبصائرهم، وبصيرتهم تفصل بين الضعيف وغيره، وليس المدار دائماً على الراوي، وإنما دخل في البين الذوق والبصيرة والقرائن والشواهد وما إلى ذلك . والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ويقول أبو داود: وليس ثلث هذه الكتب (أي الكتب في السنن) فيما أحسبه في كتب جميعهم أعني مصنفات مالك بن أنس وحماد بن سلمة وعبد الرزّاق. وقال: ولا أعرف أحداً جمع على الاستقصاء غيري. ويقول: ولم أصنِّف في كتاب ((السنن)) إلَّا الأحكام، ولم أصنّف كتب ((الزُّهْد)) و((فضائل الأعمال)) وغيرها، فهذه الأربعة الآلاف والثمانمائة كلّها في الأحكام، انتهى. * فقد تلخّص من كلمات الإِمام أبي داود وغيره أمور: الأوَّل: أنَّ كتاب ((السنن)) يحوي خمسة آلاف حديث من المرفوعات إلَّا مائتين، منتخبة من خمسمائة ألف حديث، وبضم المراسيل الستمائة يكون ما تضمَّنه ٥٤٠٠ حديثاً. الثاني: أنه لا يُضاهيه كتاب في أحاديث الأحكام في كثرة الجمع، لا كتاب مالك ولا كتاب سفيان ولا كتاب حمَّاد وغيرهم. الثالث: أنَّ هذا الكتاب وحده أكثر جمعاً من سائر الكتب المؤلّفة في الأحكام، بل ثلثه يفوق على تلك الكتب كلّها . الرابع: أنَّ شطر الكتاب اتفق الشيخان أو أحدهما على تخريجه. ٥٣ تقديم العلامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري الخامس: أنَّ ثلثي الكتاب أحاديث صحاح، وما عداها حسان وضعاف ضعفاً يسيراً . السادس: أنَّ كتابه أكثر فقهاً من كتاب البخاري، وأنَّ مؤلِّفه فاق جميع أرباب الصِّحاح تفقُّهاً . السابع: أنه أوفى كتابٍ في أحاديث الأحكام، ولا يحتاج أحد بعده إلى كتاب غيره في الأحاديث المتعلّقة بمذاهب الفقهاء والأئمة، اللَّهُمَّ إلّا أن يكون كتاب ((شرح معاني الآثار)) للإمام أبي جعفر الطحاوي نابغة عصره في الحديث والفقه والتوحيد ومشكلات الآثار. ومِن أجل هذا تراه مِن أنفع كتب الحديث لمن يُعنى بأحاديث الأحكام في الحلال والحرام. ولذا تَرَى الإِمام أبا بكر أحمد بن علي الرازي الجصّاص عظيم الاهتمام به وجيِّد الاستحضار لأحاديثه، خاصة في شرحيه على نسختي ((الجامع الكبير)) وشَرْحَيْه على ((مختصر الطحاوي)) و((مختصر الكرخي)) وفي ((أحكام القرآن)) وغيرها مِن مؤلَّفاته، بحيث تجد أحاديثه على طرف لسانه يسوقها بسنده كلما لزم مع سعة دائرة روايته في أحاديث الأحكام من سائر دواوين الحديث، قاله الكوثري. وأرى في هذا القدر كفاية للباحث الخبير. كلمة في المؤلِّف الإِمام وخصائص شرحه إنَّ هذه الأُمّة المحمَّديّة تباهي بأفرادها وأفذاذها دائماً، لا يخلو قرن من القرون الإِسلاميّة إلَّا ونجد هناك رجالاً مِن علمائها وصالحيها تتباهى بهم الملائكة، كلّ منهم إمام أمّة يُدْعى في ملكوت السماوات عظيماً تفتخر به أهل السماء وأهل الأرض، وكل عصر من العصور الإِسلامية، وكل بلدٍ من البلاد الإِسلامية تجد هناك منهم رجالاً ، فحيناً تظهر عبقريّتهم في حقائق إلهيّة، وحيناً في العلوم النبويّة، وحيناً في العلوم الإِسلاميّة، وتارةً في عبادة وتقوى وخشية إلهيّة، وتارةً في ورع وزهد وتعب ونصب وترك الشهوات ٥٤ تقديم العلامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري والملذّات، وتارةً في إصلاح نفوس وتزكية قلوب وتربية أرواح، ومرةً في حبّ جهاد ونشر دعوة في ربوع العالم وأقطار البسيطة، ومرةً أُخرى في إيثار وحبّ خمول واستقامة ومواجيد عرفانية وذوقية من علوم العرفاء، وحيناً في تدريس وتأليف ووعظ وإرشاد، وحيناً تجتمع فضائل من هذه الخصائل المتضادّة في بعض أفرادها، وما إلى ذلك من كمالات علمية وعرفانية يتلألأ فيها النبوغ الخارق والعبقرية الفذّة، وتتجلّى فيهم كمالات النبوّة ووراثتها وإن لم يكونوا أنبياء. وهناك نشاهد ما قاله وَله: ((مثل أُمَّتي كالمطر لا يُدرى أوله خير أم آخره(١)))، فلكون هؤلاء الأفذاذ أصبحوا منابع للخير والرشد كأنه وقع الذهول عن أول الأمة وبركاتها وخيراتها فجاء هذا التعبير، وإن كان أول هذه الأمة أَبَرّها قلوباً وأعمقها علوماً وأقربهم إلى الله زلفى. ويحدِّثنا التاريخ أنَّ هذه البلاد الهندية وإن كان حظّها ضئيلاً في نشأة الأمر في الرجال والأفذاذ، ولكن يرى أنَّ سُحُب الرَّحمة الإِلهيّة قد جادت من أوَّل الألف الثاني جوداً غزيراً، فنشأت شخصيّات وعبقريّات لا يُماثِلُها في البلاد الإِسلامية الأخرى. فالإِمام الرَّبَّاني الشيخ أحمد السرهندي، وأنجاله البررة الأتقياء وخلفاؤه الأصفياء، ثم الشيخ الشاه وليّ الله الدهلوي وأنجاله، خصوصاً: الحجّة عبد العزيز الإِمام، وابن أخيه الشيخ إسماعيل الشهيد، وشيخه السيد أحمد البريلوي الشهيد، ثم قطب العصر الحاج إمداد الله التهانوي المهاجر المكي، والشيخ الحجة محمد قاسم النانوتوي، ومحدِّث هذه العصور وفقيهها الشیخ رشید أحمد الگنگوهي، ورجالات من النابغين في: ((كاندهلة))، و((ديوبند))، و(تهانه بهون))، و(سهارنفور))، و((كنكوه))، نبغوا في هذه العصور الأخيرة فأصبحوا محلّ إعجاب وتقدير (١) أخرجه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٢٧٦/٢) رقم (١٣٤٩) وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٠/ ٢٥٢). ٥٥ تقديم العلامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري للأُمّة الإِسلاميّة، وقد نفع الله الأمة بأنفاسهم القدسية الظّاهرة علماً وعملاً، ظاهراً وباطناً . وأرى أنَّ الشيخ المحدِّث الفقيه الأصولي الشيخ خليل أحمد بن مجيد علي الأنصاري شارح ((سنن أبي داود)) كان من هؤلاء النوابغ في عصره، تلقّى مبادىء العلوم ثم العلوم النقلية والعقلية من المشايخ الذين كانوا غرر عصرهم، وكانوا كشامة في محيًّا الدهر من علماء وفقهاء ومحدِّثين ربّانِيِّين أصفياء أرباب التُّقى والإِخلاص، كالشيخ يعقوب بن مملوك العلي النانوتوي، والشيخ محمد مظهر النانوتوي، والشيخ فيض الحسن السهارنفوري وغيرهم من مشايخ ديوبند وسهارنفور. واستجاز في رحلاته عن مشايخ الحرمين كـ: الشيخ عبد الغني الفاروقي العمري المجددي، والشيخ أحمد زيني دحلان، والشيخ السيد أحمد البرزنجي وغيرهم. وفاز بإجازة إرشاد ولبس الخرقة من حضرة العارف المحقّق الشيخ إمداد الله التهانوي ثم المكي - قدس الله سرّه -، وألبسه عمامته إشارة إلى خلافته وكونه أهلاً لنيابته هداية وإرشاداً. فترعرع شاباً فاضلاً يُشار إليه بالأصابع في إبان شبابه وريعان عمره. ثم بايع على يد قطب عصره(١)، فقيه هذه الأمة بعصره، لم يأت بعدَ حجّة العصر الشاه عبد العزيز الدهلوي ابن الشاه وليّ الله الدهلوي مثله في الجمع بين علوم الظاهر والباطن وتفقُّه النفس والتفاني في اتِّباع السُّنَّة وترويجها، وإماتة البدع المنكرة، ومن وُضع له القَبول في الأرض بعد ما وضع له القَبول في ملائكة السماوات، وجَابَ العقبات، وارتاض بالمجاهدات، وبأذكار وأشغال على طريقة أهلها، فوصل إلى ما وصل من معارف إلهية ومواجيد عرفانية، فجمع إلى كمالاته العلمية هذه المزايا العرفانية . (١) هو الإمام المحدث العالم الرباني الشيخ رشيد أحمد الگنگوهي المتوفى سنة ١٣٢٣ هـ. ٥٦ تقديم العلامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري فكسته بيعة الشيخ وصحبته وتوجّهاته الروحية القلبية أنفاساً نقيّةٌ وأخلاقاً زكيّةً وأعمالاً رضيّةً وإخلاصاً عظيماً، حتى أصبح عارفاً بعد ما كان عالماً، وأصبح خير خلف لسلفه في إخلاص وتقوى ورد بدع ونشر سنّة. وبقي عاكفاً على تدريس علوم شتّى في شتّى المراكز العلمية في ((بهوفال))، و(سكندرآباد))، و((بهاولفور))، و((بريلي))، ثم ((ديوبند))، ثم (سهارنفور)) نحو خمسين عاماً، يدرِّس ويؤلِّف ويرشد ويخدم العلم والدِّين بشتّى الوسائل، فأصبح عالماً عارفاً فقيهاً محدّثاً. وكان وسيم الطلعة جميل المحيّا، يملأ العين جمالاً والقلب سروراً، وكان لطيف الروح خفيف الجسم ربعاً من الرجال خفيف اللحية. قد تشرَّفتُ بزيارته المغتبطة نحو ساعة في مجلس بـ ((ديوبند)) حينما زار (ديوبند)) مستودعاً الشيخ الحافظ أحمد ابن الشيخ القاسم النانوتوي والشيخ حبيب الرحمن الديويندي قبل رحلته الأخيرة إلى الحرمين الشريفين، وتشرَّفتُ بالمصافحة وتقبيل يديه الكريمتين، وكأنَّ الشيخ ماثل أمامي أنظر إليه بعينيّ، وذلك في شعبان سنة ١٣٤٤ هـ قبل خمسين عاماً إلَّا عاماً. فقد جمع الله سبحانه مع هذا الجمال الظاهر جمال الباطن، وجمع له مع علوم الظاهر علوم الباطن مع توفيق إلهي دائم مستمرّ بإخلاص ونشاط، حتى كان آخر حياته المباركة في خير بقاع الأرض ((طيبة النبي)) - عليه صلوات الله وسلامه -، وهناك توفي رحمه الله في ربيع الآخر سنة ١٣٤٦ هـ عن سبع وسبعين سنة، ودُفِن بالبقيع في جوار سيِّدنا ذي النورين عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بجنب شيخه الشيخ عبد الغني المجددي المهاجر المدني. ففاز بحياة طيِّبة ملؤها علم ودين ومعرفة وإرشاد، تدريس وتأليف، أذكار وأشغال، وذبّ عن الدِّين وإحياء للسُّنَّة وإماتة للبدع، وغضب في الله وحمية دينية لله، لا يخاف في الله لومة لائم، مجتهداً في خدمة العلم والدِّين بطرف غير نائم وفكر مستمر دائم. ٥٧ تقديم العلامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري فجزاه الله عنّا وعن سائر أهل العلم خير ما جزى عباده المحسنين والعلماء الربّانيِّين. ويكفي نباهة لمثله بما أثنى عليه مثل شيخه القطب الربّاني فقيه هذه الأمة وحكيمها، وعارف هذه الملَّة وزعيمها الشيخ رشيد أحمد الگنگوهي المتوفَّى سنة ١٣٢٣هـ ـ قدَّس الله سرّه - في ((مكاتيبه))، ما ترجمته بالعربية: «المولوي خلیل أحمد - مدَّ الله فیوضھم -: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصل خطابكم وكشف أحوالكم، إنَّ تلك الواردات - القلبية الغيبية - من الإِنابة إلى الله من بواعث الفرح والسرور، تستوجب حمد الله سبحانه، فإنها أكبر نعمة، وآلاف آلاف من نعم الدنيا لا تعدل جناح بعوضة في مقابلة هذه النعمة، وهذه الحالة مفخرة لي ومن بواعث الحمد والشكر. وإني وإن كنت محروماً عن مثل هذه العطايا والمزايا ولكن - والحمد لله - أنَّ أحبابي تواترت عليهم أمثال هذه العطيّات الإِلهيّة، وأتمثَّل ببيت من الفارسية ما معناه: أحب أن آخذ شعرة من رأسك معي في القبر لكي أستظلّ بها يوم القيامة ... والسلام)). (مكاتيب رشيدية ص ٤٠ رقم ٤٣). وكتب مرة: ((وصل خطابكم، وذكَّرني عهد الوداد، إني أراكم ذخيرة خيرات، فلا أنساكم أبداً، ولستم ممن ينسون، وأرجو دعواتكم، والسلام)). (مكاتيب رشيدية ص ٣٨ رقم ٤٠). فيا سبحان الله! إمام كبير وشيخ عظيم مثل القطب الگنگوهي يخاطبه بهذه الطيبة، ليست هي من رجل عامي أو شاعر إسلامي يكون من دأبه المبالغة والإِطراء، ولا من صاحب له يثني على شيخه، ولا من مسترشد ٥٨ ٠ تقديم العلامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري يطريه، وإنما هو ممَّن بلغ في كمالاته الذروة العليا، لا يضاهيه عالم من معاصريه في علمه وتقواه، ومن شرح الله صدره بنوره وتجلّى على قلبه بالإِرشادات الغيبية . وكما أنشد شيخنا إمام العصر مولانا الشيخ محمد أنور شاه الكشميري - رحمه الله - في قصيدة طويلة في مناقبه ومفاخره: ونور مستبين كالنهار إمامٌ قدوة عدل أمين كصبح مستنير هدى سارٍ فقيهٌ حافظ عَلَمٌ شهير وأضحى في الرواية كالمدارِ إليه المنتهى حفظاً وفقهاً وفي الأخبار عمدة كل قاري ففي التحديث رحلة كل راو وكوثر علمه بالخير جاري فقيه النفس مجتهد مطاع وإذ وضح النهار فلا تمارٍ وأحيا سنة كانت أُمِيتت وأصبح في الورى صدراً وبدراً وأصبح مفرداً علماً رفيعاً وغرّة دهره علماً وديناً وأمّا فضله ذوقاً وحالاً فُضَيلِ زمانه ورعاً وزهداً منيراً دارئاً حلك التواري كرفع المفرد العلم المنارِ طراز زمانه مثل النُّضارِ ففرد فيه لا أحد يجاري وحاتم عصره عند امتيارِ كلمة في شرح سنن أبي داود قد ظهر ممّا بثئنا خصائص ((سنن أبي داود)) ومكانته بين الأمّهات الست، واحتواءه على أحاديث الأحكام، وكونه أوفى كتاب في الموضوع، ولا ريب أنَّ الأُمَّهات الست القدر المشترك في الجميع شرح الأحاديث وشرح كلام النبوَّة، غير أنَّ كتابين منها يختصّان بمشكلات كتابية خاصة ليست هي في آخر، الأول: ((صحيح البخاري))، والثاني: (سنن أبي داود)). ٥٩