Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ كِتَابُ الْوُضُوءِ و (كَيْفَ تَصْنَعُ؟): متعلِّق بالاستخبارِ . حديث: جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إلى النبي ◌َّ- (٢٢٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِّ وَِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَظْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي)) - قَالَ: وَقَالَ أَبِي : - ((ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ)). (أَفَأَدَعُ): إنْ قلتَ: الهمزةُ تقتضي عدمَ المسبوقيَّةِ بالغير، والفاءُ تقتضي المسبوقيَّةً، فكيفَ يجتمعان؟ قلتُ: هو عطفٌ على مقدَّرٍ؛ أي: أيكونُ لي حكمُ الحائض فأدعُ الصَّلاةَ؟ أو الهمزةُ مقحَمةٌ، أو توسُّطها جائزٌ بين المعطوفَينِ إذا كان عطفَ الجملة على الجملة؛ لعدم استصحابٍ(١) حكم الأوَّل على الثَّاني، أو الهمزةُ ليست باقيةً على صرافةِ استفهاَميَّتِها؛ لأنَّها للتَّقريرِ هنا، فلا تقتضي الصَّدارةَ. (ذَلِكِ): بكسر الكاف. باب غسل المني وفركه وغسل ما يصيب من المرأة حديث: كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي ◌َّيّ فيخرج إلى الصلاة (٢٢٩) حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ الجَزَرِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ◌ََّ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَإِنَّ بُقَعَ المَاءِ فِي ثَوْبِهِ)). (أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ): حُذِفَ المضافُ، وأُقِيمَ (٢) المضافُ إليه مُقامَه، والمحذوفُ (أَثَرَ). (١) كذا في النسختين، وفي ((الكواكب الدراري)) (٧٩/٣): (انسحاب)، ولعلها أولى. (٢) في (ص): (حَذَفَ ... وأقام). ٢٤٢ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ لسبط ابن العجمي / الجزء الأول باب إذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره (فَلَمْ): الفاءُ للعطفِ لا للجزاءِ؛ إذِ الجزاءُ محذوفٌ؛ تقديرُه: صحَّتْ صلاتُه، ونحوه. حديث: كنت أغسله من ثوب رسول اللّه ◌َيّر ثم يخرج إلى الصلاة (٢٣١) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ المِنْقَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ فِي الثَّوْبِ تُصِيبُهُ الجَنَابَةُ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: ((كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ وَ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَأَثَرُ الغَسْلِ فِيهِ)) بُقَعُ المَاءِ. (كُنْتُ أَغْسِلُهُ) الضَّميرُ لـ((الأثر))، وإلّا؛ فـ (الْجَنَابَةُ) مؤنَّةٌ. (وَأَثَرُ الْغَسْلِ فِيْهِ): قال ابنُ بظَّالٍ: (يَحتملُ ماءَ الغَسلِ الَّذِي غُسِلَ به، فالضَّميرُ(١) عائدٌ لأثرِ الماء، ويَحتملُ أثرَ الجنابةِ المغسولةِ بالماء، فالضَّميرُ عائدٌ له، لكن قوله في الحديث الآتي (٢): ((ثُمَّ أَرَاهُ» يدُلُّ على الثَّاني؛ لأنَّ الضَّميرَ يعودُ إلى أقربٍ مذكورٍ، والمَنِيُّ أقربُ). قال الكرمانيُّ: (جَعَلَ ((بقع الماء)) على الوجهين خبرًا لقولِه: ((وَأَثَرُ الْغَسْلِ))، لكن يَحتملُ أنْ يُقالَ: جعلَه مبتدأٌ، و((فِيْهِ)»: خبرَه، والجملةَ خبرًا لـ((أَثَرُ))، سيَّما حيثُ حُصِرَ؛ إذْ لا طريقَ للحَصْرِ ههنا إلَّا التَّقديمُ على المبتدأ، ثمَّ لا نسلم أنَّ قولَها: ((ثُمَّ أَرَاهُ)) يدُلُّ على الثَّاني؛ إذْ أقربُ المذكورِ النَّبيُّ وََّ، فالضَّميرُ يعودُ عليه؛ أي: ثُمَّ أَرَى النَّبِيَّ ◌َّهِ في ثوبه بقعةً أو بقعَ الماءِ، أو الأقربُ الثَّوبُ؛ أي: ثوبَ النَّبِّ ◌ََّ [فيه بقعةً أو بقعًا مِنَ الماءِ]). (بُقَعَ الْمَاءِ): بالنَّصبِ على الاختصاصِ، وفي بعضِها: بالرَّفعِ جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ ؛ أي: هو بُقَعُ. حديث عائشة: أنها كانت تغسل المني من ثوب النبي ◌َّر ثم أراه ... (٢٣٢) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ (١) أي: في قوله: (أغسله) السابق. (٢) حديث رقم (٢٣٢). ٢٤٣ كِتَابُ الْوُضُوءِ ابْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ النَّبِّ وََّ، ثُمَّ أَرَاهُ فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا . (أَرَاهُ): بفتحِ الهمزةِ؛ لأنَّه مِنْ رؤيةِ العينِ . باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها وصلى أبو موسى في دار البريد والسرقين، والبرية إلى جنبه، فقال: ((هاهنا وثم سواء)). (والْبَرِّيَّةُ): بالرفع لا غيرُ؛ لأنَّه مبتدأٌ . (إِلَى جَنْبِهِ»: خبرُه. وفاعلُ (فَقَالَ)(١) أبو موسى. حديث: قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة فأمرهم (٢٣٣) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ ((فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ وَّه بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا)) فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّ صَحُّوا، قَتَلُوا رَاعِيَ الَّنَّبِيِّ وَّهَ، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، ((فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْدَ)). قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: ((فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ)). (وَأَنْ يَشْرَبُوا): عطفٌ على (لِقَاحِ)؛ نحو: ((أعجبني زيدٌ وكرمُه)). باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء قَالَ الزُّهْرِيُّ: "فِي عِظَام المَوْتَى، نَحْوَ الفِيلِ وَغَيْرِهِ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفٍ العُلَمَاءِ، يَمْتَشِطُونَ بِهَا، وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا، لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا" . (١) في النسختين: (وفاعل ((قال)))، والأولى ما أثبت كما في ((الكواكب الدراري)) (٨٥/٣). ٢٤٤ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول (نَحْوِ الْفِيْلِ): بالجرِّ والنَّصبِ. حديث: كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله (٢٣٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِّ وََّ قَالَ: ((كُلُّ كَلْم يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَكُونُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا، إِذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالعَرْفُ عَرْفُ المِسْكِ)». (إِذْ طُعِنَتْ): إنْ قلتَ: ما وجهُ التَّأنيثِ والمطعونُ هو المسلمُ؟ قلتُ: أصلُه: طُعِنَ بها، وقد حُذِفَ الجارُّ، ثمَّ أُوصِلَ الضَّميرُ المجرورُ بالفعلِ، وصارَ المنفصلُ متَّصلًا . وفي بعض النسخ: (إِذَا طُعِنَتْ)، و(إِذَا) للاستقبال، ولا يصحُّ المعنى عليه، لكن هو ههنا لمجرَّدِ الظرفيَّةِ، أو هو بمعنى: (إذْ)، وقد يتقارضان(١)، أو هو لاستحضارِ صورةِ الطَّعنِ؛ إذِ الاستحضارُ كما يكونُ بصريحِ لفظِ المضارعِ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ فَتُثِيرُ سَحَابً﴾ [فاطر: ٩]؛ يكونُ أيضًا بما في معنی المضارع کما نحنُ فیه. باب الماء الدائم حديث: نحن الآخرون السابقون (٢٣٩) وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ: ((لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِیهِ». (لَا يَبُولَنَّ): بفتحِ اللَّامِ. (الَّذِي لَا يَجْرِي): صفةٌ مبيِّنةٌ لـ (الدَّائِمِ)، والمراد منه: الرَّاكدُ، وقيل: للاحترازِ عن راكدٍ يَجري بعضُه؛ كالبِرَكِ . وقال البيضاويُّ: ((الَّذِي لَا يَجْرِي)): صفةٌ ثانيةٌ تؤكِّدُ الأُولى). (١) في (ص): (يتعارضان). ٢٤٥ كِتَابُ الْوُضُوءِ (ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ): قال الطَّبيُّ نقلًا عن القاضي ناصرِ الدين(١): ((ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ)): عطفٌ على الصِّلةِ، وترتيبُ الحكم على ذلكَ يُشعِرُ بأنَّ الموجِبَ للمنع أنَّهُ يتنجَّسُ به؛ فلا يجوزُ الاغتسالُ به، وتخصيصُه بـ((الدَّائِم)) يُفْهَمُ منه: أنَّ الجاريَ لا يتنجَّسُ إلَّا بالتَّغييرِ . أقول: لعلَّه امتنع من العطف على ((يَبُوْلَنَّ)، وارتكب هذا التَّعسُّفَ؛ للاختلافِ بينَ الإنشائيِّ والإخباريِّ، والمعنى عليه أظهرُ، فيكونُ ((ثُمَّ)) مثلَ الواو في: ((لا تأكلِ السَّمكَ وتشربَ اللَّبنَ))، عطف الاسم على الفعلِ على تأويلٍ الاسم؛ أي: لا يكنْ منكَ أكلُ السَّمكِ وشربُ اللَّبنِ؛ أي: لا تجمعْ بينَهما؛ لأنَّ الاغتسالَ في الماءِ الدَّائم وحدَه غيرُ منهيٍّ عنه، أو مثلَ الفاءِ في قولِه تعالى: وَلَا تَطْغَوْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌ﴾ [طه: ٨١]؛ أي: لا يكنْ مِنْ أحدِ البولُ في الماءِ الموصوفِ ثُمَّ الاغتسالُ فيه؛ فـ(ثُمَّ)) استبعاديَّةٌ؛ أي: بعيدٌ مِنَ العاقلِ الجمعُ بينَ هذينِ الأمرينِ . فإن قلتَ: عَلامَ يُعتَمد في نصب ((يَغْتَسِلُ)) حتَّى يتمشَى لك هذا المعنى؟ قلتُ: إذا قَوِيَ المعنى؛ لا يضرُّ الرَّفعُ؛ لأنَّه حينئذٍ مِنْ بابِ «أحضُرُ الوغى)))، ثُمَّ نَقَلَ كلامَ النَّوويِّ، وكلامَ ابنِ مالكِ الآتي. وقال الشَّيخُ المالكيُّ في ((الشَّواهدِ)): (يجوزُ في ((يَغْتَسِل)) الجزمُ عطفًا على (يُبُولَنَّ))؛ لأنَّه مجزومُ الموضعِ بـ(لَا)) الَّتي للَّهِ، ولكنَّ بُنِيَ على الفتحِ؛ لتوكيدِه بالنُّونِ، ويجوزُ فيه الرَّفعُ علىَ تقديرٍ: ثمَّ هو يغتسلُ فيه، والنَّصبُ على إضمارِ ((أَنْ)) وإعطاءِ (ثُمَّ) حكمَ واوِ الجمعِ، ونظيرُه في جوازِ الأوجهِ الثلاثةِ التِّلاوةُ في قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْوَّتُ﴾ [النساء: ١٠٠]؛ فإنَّ قُرِئَ بالجَزْم - وهو الَّذي قرأَ به السَّبعةُ - وبالرَّفعِ والنَّصبِ على الشُّذوذِ). وقال الشَّيخُ محيي الدِّينِ النَّوويُّ(٢): (الرِّوايةُ بالرَّفع، ولا يجوزُ النَّصبُ؛ لأنَّه يقتضي أنَّ المنهيَّ عنه الجمعُ بينهما دونَ إفرادِ أحدِهما، وهذا لم يقلْهُ أحدٌ؛ (١) أي: البيضاوي في ((تحفة الأبرار شرح المصابيح)). (٢) في (ص): (النواوي). ٢٤٦ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول بلِ البولُ فيه منهيٍّ عنه، سواءٌ أرادَ الاغتسالَ فيه أو منه، أم (١) لا). قال الطّيبيُّ في قولِه(٢): (أمَّا النَّصبُ؛ فلا يجوزُ): (فيه نظرٌ؛ لما جاءَ في التَّنزيل: ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْثُواْ الْحَقَّ﴾ [البَقَرَة: ٤٢]، والواو للجمع، [والمنهيُّ هنا الجمعُ] والإفرادُ، بخلافِ قولهم: لا تأكلِ السَّمكَ وتشربَ اللَّبنَ). وقال الكرمانيُّ: (أقولُ: لا يقتضي الجمعَ؛ إذْ لا يريدُ بتشبيهه ((ثمَّ)) بالواو المشابهةَ مِنْ جميع الوجوهِ؛ بل في جوازِ النَّصبِ بعدَه فقط، سلَّمنا، لكنْ لا يضرُّ؛ إذْ كونُ الجمعَ منهيًّا يُعلمُ مِنْ هنا، وكونُ الإفرادِ منهيًّا مِنْ دليلٍ آخرَ؛ كقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ أَلْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْثُمُواْ الْحَقَّ﴾ [البَقَرَة: ٤٢] على تقديرِ النَّصبِ) انتھی. واعلم أنَّ القرطبيَّ منعَ النَّصبَ، فقال: (لا يجوزُ النَّصبُ؛ إذْ لا ينصب بإضمار ((أَنْ)) بعد ((ثمَّ)»)، ثمَّ وهَّى الجزمَ الَّذي ادَّعى النَّوويُّ ظهورَه، فقال: (وبعضُ النَّاسِ قَيَّدَه بالجزم على العطفِ على ((يَبُولَنَّ))، وليس بشيءٍ؛ إذْ لو أراد ذلك؛ لقالَ: ((ثمَّ لا يَغْتَسِلَنَّ»؛ لأنَّه إذْ ذاكَ عطفُ فعْلٍ على فعْلٍ، لا عطفُ جملةٍ على جملةٍ، وحينئذٍ يكونُ الأصلُ مساواةَ الفعلينِ في النهي عنهما، وتأكيدهما بالنُّونِ المشدَّدةِ، فإنَّ المحلَّ الَّذي تواردًا عليه هو شيءٌ واحدٌ؛ وهو الماء، فعدولُه عن ((ثُمَّ لَا يَغْتَسِلَنَّ))(٣) دليلٌ على أنَّه لم يُردِ العطفَ، وإنَّما جاءَ ((ثُمَّ يَغْتَسِلُ)) على التَّنبيهِ على مآلِ الحالِ، ومعناه: أنَّه إذا بالَ فيه قد يحتاجُ إليه، فيمتنعُ عليه استعمالُه؛ لما أوقعَ فيه مِنَ البولِ، وهذا مثلُ: ((لَا يَضْرِبْ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الْأَمَةِ، ثُمَّ يُضَاجِعُهَا)) برفع ((يُضَاجِعُهَا))، ولم يَرْوِهِ أحدٌ بالجزمِ؛ لأنَّ المفهومَ منه أنَّما نهاه عن ضربِها؛ لأنَّه يحتاجُ إلى مضاجعتِها في ثاني حالٍ، فتمتنعُ عليه بما أساءَ مِنْ معاشرتِها، ويتعذَّرُ عليه المقصودُ لأجل الضَّرب، وتقديرُ اللَّفْظِ: (ثُمَّ هو يُضَاجِعُهَا))، و(ثُمَّ هو يَغْتَسِلُ))). (١) في النسختين: (أو)، والمثبت من مصدره. (٢) أي: قول النووي. (٣) في النسختين: (ثم لا يغتسل)، والمثبت من مصدره. ٢٤٧ كِتَابُ الْوُضُوءِ ورأيتُ في ((المغني)) للشّيخِ جمالِ الدِّينِ ابنِ هشام تَلَفُ تعالى ما لفظُه: (وإنَّما أرادَ ابنُ مالكِ إعطاءَها حكمَها في النَّصبِ لا في المعيَّةِ أيضًا، ثمَّ ما أوردَهُ إنَّما جاءَ مِنْ قِبَلِ المفهومِ لا المنطوقِ، وقد قامَ دليلٌ [آخرُ] على عدم إرادَتِه، ونظيرُه: إجازةُ الزَّجاجَ والزَّمخشريِّ في: ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِّ وَتَكْثُواْ الْحَقَّ﴾ [البَقَرَة: ٤٢] كونَ ﴿وَتَكْثُواْ﴾ مجزومًا، وكونَه منصوبًا، مع أنَّ النَّصبَ معناهُ النَّهيُ عنِ الجمعِ) انتهى. وبخطّ بعضٍ الفضلاءِ على كلام ((المغني)): (المعيَّةُ أعمُّ مِنَ النَّصبِ، وكلَّما (١) وُجِدَ النَّصبُ؛ وُجِدَ المعيّةُ؛ فإذًا الجوابُ غيرُ مُخَلِّصٍ) انتهى. فائدةٌ: قرأَ الحسنُ البصريُّ: (ثُمَّ يُدرِكَهُ)؛ بالنَّصبِ، وقرأَ النَّخَعيُّ وطلحةُ ابنُ مُصَرِّفٍ بالرَّفْعِ . باب إذا أُلقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته حدیث: أن النبي گالّ كان يصلي عند البیت وأبو جهل (٢٤٠) حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرٍو ابْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللّهِ وَّهِ سَاجِدٌ قَالَ: (ح) وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَضْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورٍ بَنِي فُلَانٍ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرٍ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ وَّهِ، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرَّ لَا أُغْنِي شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ)). ثَلَاثَ (١) في (ن): (فكلما). ٢٤٨ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ لسبط ابن العجمي / الجزء الأول مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ، قَالَ: وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ البَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ، ثُمَّ سَمَّى: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُثْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ)) - وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ يَحْفَظُ -، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللّهِ وَهِ صَرْعَى، فِي القَلِيبِ قَلِيبٍ بَذْرٍ . (بَيْنَا): تقدَّم الكلامُ على هذا، والعاملُ فيه: (إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ) الَّذي يجيءُ في الحديثِ بعد التَّحويلِ إلى الإسنادِ الثَّاني. (جُلُوسٌ): هو خبرُ (أَصْحَابٌ)، وخبرُ (أَبُو (١) جَهْلٍ) محذوفٌ؛ أي: جالسٌ؛ كقوله: [من المنسرح] نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ أو هو خبرٌ لأَبِي جَهْلٍ وأصحابِهِ جميعًا . (فَيَضَعُهُ): بنصبِ (يَضَع)، ويجوزُ رفعُه. (لَوْ): جزاؤُها محذوفٌ؛ أي: لَأَغنيتُ وكففتُ شرَّهم، أو غيَّرتُ فِعْلَهم، أو (لو) هو للتَّمنِّي، فلا يحتاجُ إلى الجزاءِ. و (يَرَوْنَ): بضمٍّ أوَّله على المشهورِ، وبفتحِها؛ قاله البِرْماويُّ. (الَّذِينَ عَدَّ): حذف العائد إليه؛ أي: عدَّهم، وفي بعضها: (الَّذِي) مفردًا، ويجوزُ ذلك؛ كقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَلَّذِى خَاضُواْ﴾ [التّوبَة: ٦٩]. باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه (أَبَاهَا): هو مفعولُ (غَسْلٍ)، وقال والدي تَُّ تعالى: (منصوبٌ بنزعِ الخافضِ؛ أي: عن أبيها). (الدَّمَ): قال والدي تَُّ تعالى: (منصوبٌ مفعولُ المصدرِ الَّذي هو ((غَسْلٍ))). (١) في النسختين: (أبي). ٢٤٩ كِتَابُ الْوُضُوءِ وقال البِرْماويُّ: ((الدَّمَ)) بَدَلٌ مِنْ ((أَبَاهَا)) بَدَلَ اشتمالٍ؛ أي: منه؛ حتى يرتبطَ . وقال الكرمانيُّ: أو بَدَلَ بعضٍ. قال البِرْماويُّ: وفيه بُعْدٌ، قال(١): أو منصوبٌ بالاختصاصِ؛ أي: أعني). حديث سهل: ما بقي أحد أعلم به مني (٢٤٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ سَلَام، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدِ السَّاعِدِيَّ، وَسَأَلَهُ النَّاسُ، وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ: بِأَيِّ شَيْءٍ دُورِيَ جُرْحُ النَّبِيِّ نَ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، ((كَانَ عَلِيٍّ يَجِيءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ مَاءٌ، وَفَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُحْرِقَ، فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ)). (وَسَأَلَهُ النَّاسُ): جملةٌ حاليَّةٌ، وفي نسخةٍ: (وَسَأَلُوهُ) على لغةٍ (أكلوني البراغيث). (وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ): جملةٌ معترضةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ، أو جملةٌ حاليَّةٌ كالجملةِ السابقةِ، وذو الحالِ إِمَّا مفعولُ (سَأَلَ) فیکونان حالین متداخلین، وإمَّا مفعولُ (سَمِعَ)؛ فيكونان حالين مترادفين. (أَعْلَم): مرفوعٌ صفة، أو منصوبٌ بأنَّه حالٌ. باب السواك حديث: كان النبي ◌َّ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك (٢٤٥) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ ((إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ)). (مِنَ اللَّيْلِ): (مِن) هنا بمعنى: (في)، وهو نظيرُ قولِه تعالى: ﴿إِذَا تُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]. (١) أي: الكرماني. ٢٥٠ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ لسبط ابن العجمي / الجزء الأول باب دفع السواك إلى الأكبر معلق ابن عمر : أراني أتسوك بسواك. (٢٤٦) وَقَالَ عَفَّانُ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َل قَالَ: "أَرَانِي أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكِ، فَجَاءَنِي رَجُلَانٍ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَا وَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا " قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: اخْتَصَرَهُ نُعَيْمٌ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ أَسَامَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ. (أرَانِي): بفتحِ الهمزةِ بلفظٍ متكلِّم المضارع، والفاعلُ والمفعولُ عبارتان عن معنّى واحد، وهذا من خصائصٍ أفعالِ القلوبِ، وفي بعضِها: بضمِّ الهمزةِ؛ فمعناهُ: أظنُّ نفْسِي . (فَنَاوَلْتُ): أي: أعطيتُ؛ ولهذا عُدِّيَ لمفعولين. باب فضل من بات على الوضوء حديث: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة (٢٤٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّ : " إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأُ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، فَأَنْتَ عَلَى الفِظْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ " . قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِّ وََّ، فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ: ((لَا، وَنَبِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ)). (وَرَهْبَةً): إِنْ قلتَ: الرَّهبةُ تُستعمل بـ((مِن))، يقال: رهبةً منك؟ قلتُ: (إِلَيْكَ) هو متعلِّقٌ بـ (رَغْبَةً)، وأعطى للرَّهبةِ حكمَها، والعربُ كثيرًا ٢٥١ كِتَابُ الْوُضُوءِ تفعلُ ذلك؛ كقولِ بعضِهم: [من مجزوء الكامل] وَرَأَيْتُ بَعْلَكِ فِي الْوَرَى مُتَقَلِّدَا سَيْفًا وَرُمْحًا والرُّمحُ لا يُتقلَّدُ، وكقولِه: [من الرجز] عَلَفْتُهَا (١) تِبْنَا وَمَاءَ بَارِدًا(٢) انتهى كلامُ الكرمانيِّ. وقال ابنُ الجوزيِّ: (أسقطَ مِنَ الرَّهْبَة لفظ ((مِنْكَ))، وأعمل لفظ الرَّغْبَة بقوله: ((إِلَيْكَ)) على عادة العرب في أشعارهم: وَزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ وَالْعُيُونَا (٣) (١) في النسختين: (وعلفتها). (٢) أي: وسقيتُها ماءً، والبيت مما لم يعثر له على قائل، لكن في ((معاني القرآن)) للفراء (١٤/١) قال: وأنشدني بعض بني أسد يصف فرسه: علفتُها تِبْنَا وماءً باردًا حتَّى شَتَتْ هَمَّالَةٌ عَيْناها وفيه أيضًا (١٢٤/٣): وأنشدني بعض بني دبير ... وينسب لذي الرُّمَّة، وليس في ((ديوانه))، وهو من شواهد النحويين في ((المغني)) (ص٨٢٨)، ((أوضح المسالك)) (٢١٥/٢) (٢٥٨)، ((شرح شذور الذهب)) (ص٢٤٠) (١١٥)، ((شرح الأشموني)) (٢٣٨/٢) (٤٤١)، ((خزانة الأدب)) (١٣٩/٣)، وشتت: أقامت شتاءً، وهمَّالة: من هَمَلَتِ العينُ؛ إذا صبَّتْ دمعَها. ونحو ذلك قوله: تراه كأنَّ اللَّه يجدَع أنفَه وعينيه إنْ مولاه ثاب له وَفْرُ أي: ويفقا عينيه، وقوله: تسمعُ للأجوافِ منه صَرَدا وفي اليدين جُسْأة وبَدَدا أي: وتری في الیدین جُسْأه وبددا، وقول لبید: فعلا فروع الأَيْهُقانِ وأطفلتْ بالجَلْهتينِ ظباؤُها ونعامُها أي: وأفرختْ نعامُها، ومثله كثير، انظر ((الخصائص)) لابن جني (٤٣٣/٢ -٤٣٥). (٣) أي: وكخَّلن العيون، وهو عجز بيت صدره المشهور: (إذا ما الغانياتُ بَرَزْنَ - أو خرجن - يومًا)، وهو للراعي النُّميري في ((ديوانه)) (ص٢٦٩)، وروايته فيه على الصواب: (وهزة نسوة من حي صدق)، والبيت في ((معاني القرآن)) للفراء (١٢٣/٣)، ((الخصائص)) (٤٣٤/٢)، ((الإنصاف)) (١٥١/٢) (٣٩٢)، ((شرح الكافية الشافية)) (٦٩٨/٢) (٣٦١)، (١٢٦٥/٣) (٨٥٢)، ((مغني اللبيب)) (ص٤٦٦) (٦٦٢)، = ٢٥٢ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول والعيونُ لا تُزَجَّجُ، ولكنَّه لمَّا جمعَهما في النَّظم؛ حَمَلَ أحدَهما على حكم الآخرِ) انتهى. اعلم أنَّه يجبُ في ذلك إضمارُ فعلِ ناصبٍ للاسم على أنَّه مفعولٌ به؛ أي: وسقيتُها ماءً، وكخَّلْنَ العيونا، هذا قولُ الفرَّاءِ والفارَسيِّ ومَنْ تبعَهُما، وذهب الجَرْميُّ، والمازنيُّ، والمبرَّدُ، وأبو عبيدةَ، والأصمعيُّ، واليزيديُّ: إلى أنَّه لا حذفَ، وإنَّما بعدَ الواو معطوفٌ، وذلك على تأويلِ العاملِ المذكورِ بعاملٍ يصحُ انتصابُه عليهما، فيُؤَوَّلُ (زَجَّجْنَ) بـ (حَسَّنَّ)، و(عَلَفْتُهَا) بـ (أَنَلْتُها). (لَا مَلْجَأَ): بالهمزة، ويجوزُ التَّخفيفُ. (وَلَا مَنْجَى): مقصورٌ، وإعرابُه كإعرابِ (عَصَى). إنْ قلتَ: فهل يُقرأُ بالتَّنوينِ، أو بغيرِ التنوينِ؟ قلتُ: في هذا التَّركيبِ خمسةُ أوجهٍ؛ لأنَّه مثلُ: (لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله)، والفرقُ بين نصبِهِ وفتحِه بالتَّنوين، وعندَ التَّنوينِ تسقطُ الألفُ. ثمَّ إنَّهما إنْ كانا مصدرينٍ؛ فيتنازعانٍ(١) في (مِنْكَ)، وإنْ كانا مكانينٍ؛ فلا؛ إذٍ اسمُ المكانِ لا يعملُ، وتقديرُه: لا ملجأً منكَ إلى أحدٍ، ولا منجى إلَّا إليكَ. ((أوضح المسالك)) (٢١٧/٢) (٢٥٩)، ((شرح شذور الذهب)) (ص٢٤٢) (١١٦)، ((شرح = ابن عقيل» (٢٤٢/٢) (٢٩٩)، ((همع الهوامع)) (٢٢٢/١)، ((شرح الأشموني» (٢٣٩/٢) (٤٤٢)، ((خزانة الأدب)) (١٤١/٩). (١) في النسختين و((الكواكب)): (يتنازعان)، والمثبت موافق لما في ((اللامع الصبيح)). كِتَابُ الْغَسْلِ باب الوضوء قبل الغسل حديث: أن النبي ◌َّ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه (٢٤٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ وََِّّ "أَنَّ النَّبِيَّ وَّهَ: كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي المَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ" . (ثَلَاثَ غُرَفٍ): في بعضِها: (غَرَفَاتٍ). إنْ قلتَ: هذا هو الأصلُ؛ لأنَّ مميِّزَ الثَّلاثةِ ينبغي أنْ يكونَ مِنْ جُموعِ القِلَّةِ، فما الوجهُ في (غُرَفٍ)؟ قلتُ: جمعُ الكَثْرةِ يُقامُ مُقامَ جمع القِلَّة، وبالعكسِ، وأمَّا الكوفيُّونَ؛ فـ (فعَل) بضمِّ الفاء وكسرِها عندَهم من بَاب جُموع القِلَّة؛ كقوله تعالى: ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ [هُود: ١٣]، وقولِه تعالى: ﴿ثَمَنِىَ حِجَجْ﴾ [القصص: ٢٧]؛ قاله الكرمانيُّ. وقال الطّيبيُّ: (وفي ((أصل المالكيِّ)): ((ثَلَاثَ غُرَفٍ)) قال: حُكمُ العددِ مِنْ ثلاثةٍ إلى عشرةٍ [في التذكيرِ، ومِن ثلاثٍ إلى عشرٍ في التأنيثِ]: أنْ يُضافَ إلى أحدٍ جُموعِ القِلَّة السِّنَّةِ؛ وهي: أفعُل، وأفعال، وأفعِلة، وفِعَلة، والجمع بالألف والتاء، وبَالواو والنُّون، فإنْ لم يكن للمعدودِ جمعُ قِلَّةٍ؛ جِيءَ بدلَه بالجمعِ المستعمل؛ كقولك: ثلاثةُ سباع، وثلاثةُ ليوثٍ، فإنْ كان له جمعُ قِلَّةٍ وَأُضيفَ إلىَ جمعِ كَثْرةٍ؛ لم يُقَسْ عليه؛ كقوله تعالى: ﴿ثَلَثَةَ قُرُوَةٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨] مع ثبوتِ ((أَقْرَاء))، ولكن لا عدولَ عنِ الاتِّباعِ عندَ صِحَّةِ السَّماعِ، ومِن هذا القبيلِ : قولُ ٢٥٣ ٢٥٤ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ لسبط ابن العجمي/ الجزء الأول حُمْرانَ: ((ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثَ مِرَارٍ)) مع ثبوتِ ((مرَّاتٍ))؛ فعلى هذا: قولُ عائشةَ يقتضي أنْ يُقالَ: ((ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ))، لا ((غُرَفٍ))؛ لأنَّ ((فُعَلًا)) عند البصريينَ جَمْعُ كَثْرةٍ، ويصحُّ عند الكوفيينَ؛ لأنَّ ((فعَلَا)) بضمِّ الفاءِ وكسرِها جَمْعُ قِلَّةٍ، وهذا الحديثُ وقولُه تعالى: ﴿فَأَتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ [هود: ١٣] يؤيِّدُ قولَهم في ((فُعَل))، وقولُه تعالى: ﴿ثَمَنِىَ حِجَجْ﴾ [القصص: ٢٧] في ((فِعَل))). باب غسل الرجل مع امرأته حديث: كنت أغتسل أنا والنبي وَلّ من إناء واحد (٢٥٠) حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ وَهُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، مِنْ قَدَحِ يُقَالُ لَهُ الفَرَقُ)). (أَنَا وَالنَّبِيّ): يَحتملُ أنْ يكونَ مفعولًا معه، وأنْ يكونَ عطفًا على الضَّميرِ المرفوعِ المتَّصلِ . فإِنْ قلتَ: كيفَ يكونُ عطفًا، ولا يصحُّ أن يُقال: (أغتسلُ النَّبيُّ) بصيغةٍ المتكلِّم؟ قلتُ: يقدَّرُ مناسِبُهُ ممَّا يصحُّ؛ نحو فِعْلِ الماضي، وهو مِنْ بابِ تغليبِ المتكلِّم على الغائبٍ؛ كما غُلِّبَ في قولِه تعالى: ﴿أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوّجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥، الأعراف: ١٩] المخاطبُ على الغائبِ، وتقديرُه: أُسْكُنْ أنتَ، وليَسْكُنْ زوجُكَ. (مِنْ إِنَاءٍ): (مِنْ) ابتدائيَّةٌ. (مِنْ قَدَحِ): (مِنْ) بيانيَّةٌ، والأَولَى أَنْ يكونَ (قَدَح) بَدَلْ مِنْ (إِنَاءٍ) بتكرارِ حرفِ الجرِّ في البدلِ. باب الغسل بالصاع ونحوه حديث أبي سلمة: دخلت أنا وأخو عائشة (٢٥١) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، يَقُولُ: ٢٥٥ كِتَابُ الْغَسْلِ دَخَلْتُ أَنَا وَأَخُو عَائِشَةَ عَلَى عَائِشَةَ، فَسَأَلَهَا أَخُوهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ وَّه: ((فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ نَحْوًا مِنْ صَاعٍ، فَاغْتَسَلَتْ، وَأَفَاضَتْ عَلَى رَأْسِهَا، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ)) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَبَهْزٌ، وَالجُدِّيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، ((قَدْرِ صَاعٍ)). (بِإِنَاءٍ نَحْوٍ): بجرِّ (نَحْوِ) معَ التَّنوينِ على النَّعتِ، ويُروى بالنَّصبِ؛ لأنَّ الباءَ دخلتْ على المفعولِ؛ نحو: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج: ٢٥]، وإنَّما أصلُه: دَعَتْ إِنَاءً؛ أي: طلبتُهُ. حديث: كان يكفي من هو أوفى منك (٢٥٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ وَأَبُوهُ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ فَسَأَلُوهُ عَنِ الغُسْلِ، فَقَالَ: ((يَكْفِيكَ صَاعٌ))، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي، فَقَالَ جَابِرٌ: ((كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا، وَخَيْرٌ مِنْكَ)) ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ. (شَعَرًا): منصوبٌ على التَّمييزِ. (وَخَيْرٌ): قال الكرمانيُّ: (رُوِيَ بالرَّفع؛ فهو عطفٌ على ((أَوْفَى)))؛ أي: لأنَّه بمعنى: أكثر، وفي كلام الزَّركشيِّ: (يُروَى بالنَّصبِ عطفًا على ((شَعَرًا))؛ لأنَّ (أَوْفَى)) بمعنى: أكثر)، (وبالنَّصبِ عطفًا على الموصولِ)؛ أي: الَّذي أُرِيدَ به النَّبِيُّ ◌َ . وقال والدي تَّتُ تعالى: (أمَّا النَّصبُ؛ فـ [بالعطف] على مفعولٍ ((يَكْفِي))، أو على ((شَعَرًا))، والرَّفعُ على أنَّه معطوفٌ على ((أَوْفَى))، أو أنَّه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ) انتھی. باب من أفاض على رأسه ثلاثًا حديث: أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا (٢٥٤) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُظْعِم، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ ٢٥٦ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول (أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَا، وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا)). (كِلْتَيْهِمَا): وفي بعضِها: (كِلْتَاهُمَا) بالألف، وكونُ (كِلْتَا) عند إضافتِه إلى المضمرِ في الأحوالِ الثَّلاثِ بالألفِ لغةٌ. حديث: كان النبي ◌َّر يأخذ ثلاثة أكف ويفيضها على رأسه (٢٥٦) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَامٍ، حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ، قَالَ: قَالَ لِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَتَانِي ابْنُ عَمِّكَ يُعَرِّضُ بِالحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ. قَالَ: كَيْفَ الغُسْلُ مِنَ الجَنَابَةِ؟ فَقُلْتُ: ((كَانَ النَّبِيُّ وَ يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفِّ وَيُفِيضُهَا عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ) فَقَالَ لِي الحَسَنُ إِنِّي رَجُلٌ كَثِيرُ الشَّعَرِ، فَقُلْتُ: ((كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَكْثَرَ مِنْكَ شَعَرًا)). (ثُمَّ يُفِيضُ): مفعولُه محذوفٌ؛ أي: الماءَ. باب من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل حديث: كان النبي ◌َّر إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب (٢٥٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنِ القَاسِم، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ وََّ ((إِذَا اغْتَسِّلَ مِنَ الجَنَابَةِ، دَعَا بِشَيْءٍ نَّحْوَ الحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِقٌّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ)). قوله (١): (فَقَالَ بِهِمَا): أُجري (قَالَ) مُجرى (فَعَلَ) [أي]: فأهوى؛ مِنْ بابِ إطلاقِ القولِ على الفعلِ مجازًا . باب مسح اليد بالتراب ليكون أنقى (لِتكُونَ (٢) أَنْقَى): إنْ قلتَ: أفعلُ التَّفضيل لا يُستعمل إلَّا بالإضافة، أو بـ (مِنْ)، أو باللَّام؟ (١) (قوله): مثبت من (ص). (٢) كذا رواية ابن عساكر والأصيلي، وفي رواية غيرهما: (ليكون). ٢٥٧ كِتَابُ الْغَسْلِ قلتُ: (مِنْ) محذوفة؛ أي: أنقى مِن غير الممسوحة. إنْ قلتَ: لا بُدَّ مِن المطابقة بين اسم (كان) وخبرها، ولا مطابقة ههنا (١)؟ قلتُ: أفعل التَّفضيل إذا كان بـ (مِن)؛ فهو مفردٌ مذكَّرٌ لا غير. باب: هل يدخل الجنب يده في الإناء حديث: كنت أغتسل أنا والنبي ◌َّر من إناء واحد من جنابة (٢٦٣) حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ◌َهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ)) وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ. (أَنَا وَالنَّبِيّ): يجوزُ فيه الرَّفِعُ والنَّصبُ. (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ): إنْ قلتَ: كيفَ جاز أنْ يُعَلَّقَ بفعلٍ واحدٍ(٢) حرفا جرِّ مِن جنسٍ واحدٍ، وهو كلمةُ (مِنْ)؟ قلتُ: ليسا متعلِّقين بفعلٍ واحدٍ؛ إذِ الأُولى متعلِّقةٌ بمقدَّرٍ؛ كقولنا: آخذَينٍ الماء من إناءٍ واحدٍ، أو مُستعمِلَينِ منه، فهي ظرفٌ مُستَقَرِّ، والثّانيةُ لغوٌ، أو جاز إذا كانا بمعنيين مختلفين كما في المبحث؛ فإنَّ الثَّانيةَ بمعنى: لأجل الجنابةِ ومِن جهتها، والأُولى لمحضٍ الابتداءِ؛ قاله الكرمانيُّ. (مِثْلَهُ): منصوبٌ مفعولُ (حَدَّثَنَا)، وهو معطوفٌ على السَّند الَّذي قبلَه، ولو كان تعليقًا؛ لكان: (مِثْلُهُ)، قاله والدي تَّقُ تعالى، وقال البِرْماويُّ والكرمانيُّ : (منصوبٌ، ويجوزُ رفعُه)، وفي أصلنا ما لفظه: (رفعُ اللَّامِ أَولى). باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه في غسل واحد حديث أنس: كان النبي ◌َّ يدور على نسائه في الساعة الواحدة (٢٦٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ (١) في (ن): (هنا). (٢) في (ن): (واحدة). ٢٥٨ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ، مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ)) قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ أَوَكَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ ((أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ)) وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، إِنَّ أَنَسًا، حَدَّثَهُمْ ((تِسْعُ نِسْوَةٍ)) . (مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ): الواو بمعنى: (أو). (أَوَكَانَ): الهمزةُ للاستفهامِ . (ثَلَاثِينَ): مميِّزُهُ محذوفٌ؛ أي: ثلاثينَ رجلًا. (تِسْعُ): بالرَّفع؛ لأنَّه بدلٌ مِنَ العدد السَّابق، وذلك خبرُ مبتدأٍ، وهو (وَهُنَّ). باب تخليل الشعر حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه حديث: كنت أغتسل أنا ورسول اللّه ◌َليل من إناء واحد (٢٧٢) حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ((إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ)) . (٢٧٣) وَقَالَتْ: ((كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، نَغْرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا)). قوله(١): (أَنْ قَدْ أَرْوَى): (أَنْ): هي مخفَّفةٌ مِن الثَّقيلة، ويجبُ حذفُ ضمیرِ الشَّأْنِ معها(٢) . (نَغْرِفُ): إمَّا حالٌ، وإمَّا استئنافٌ. (جَمِيْعًا): حالٌ أيضًا، خلافًا لما يُوهمه قولُ الكرمانيِّ: إنَّه لفظٌ يؤكّدُ به، (١) (قوله): مثبت من (ص). (٢) في النسختين: (معه)، وانظر ((الكواكب الدراري)) (١٣٣/٣)، ((اللامع الصبيح)) (٢/ ٤٠٧). ٢٥٩ كِتَابُ الْغَسْلِ يقال: جاؤوا جميعًا؛ أي: كلُّهم، والجميعُ ضِدُّ المتفرِّق، ويحتمل أنْ يُرادَ هنا: جميع المغروف، أو جميع الغارفين. باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب خرج كما هو ولا يتيمم (كَمَا هُوَ): (مَا) موصولةٌ، أو موصوفةٌ، وهي مبتدأُ خبرُه محذوفٌ؛ أي: كالأمرِ الَّذي هو عليه، أو كحالِهِ الَّتي هو عليها . فإنْ قلتَ: ما معنى التَّشبيه ههنا؟ قلتُ: مثلُ هذه الكاف تُسمَّى بكافِ المُقارَبة؛ أي: خرج مقارِبًا للأمرِ أو الحالةِ التي هو عليها؛ أي: الجنابة . حديث: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا (٢٧٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا: ((مَكَانَكُمْ)) ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ" . (قِيَامًا): جمع (قائم)؛ كـ (تِجَار(١) وتاجِر)، أو مصدر مُجرّى على حقيقته؛ فهو تمييز، أو محمولٌ على معنى اسم الفاعل؛ فهو حالٌ. (مَكَانَكُمْ): بالنَّصبِ مفعولٌ به؛ أي: الْزِمُوا . باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة ومن تستر فالتستر أفضل حديث: كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض (٢٧٨) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِّ نَّهِ قَالَ: "كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَّاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى ◌َّهِ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا (١) في هامش (ص): (تِجَار: بكسر التاء؛ جمع تاجر). ٢٦٠ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي/ الجزء الأول يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ، فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ، يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا" فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَنَدَبِّ بِالحَجَرِ، سِنَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، ضَرْبًا بِالحَجَرِ . (٢٧٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ: "بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَئِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ " وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ قَالَ: ((بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا)). (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ): إنْ قلتَ: لِمَ أنَّثَ الفعلَ المسندَ إليه؟ قلتُ: عندَ مَن قال: حُكْمُ ظاهرِ الجمع مطلقًا حكمُ ظاهرِ غيرِ الحقيقيِّ؛ فلا إشكالَ، وأمَّا مَن قال: كلُّ جمع مؤنَّثٌ إلَّا جَمعَ السَّلامةِ المذكَّر(١)؛ فتأنيثُه أيضًا عندَه على خلاف القياس، أو باعتبار القبيلة. وقال ابن الملقِّن: (كانتْ بنو إسرائيلَ؛ أي: جماعتُهم؛ ولذلك أدخل عليهمُ التَّأنيث؛ مثل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ [الحجرات: ١٤]). (إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ): استثناءٌ مفرٌَّ، والمستثنى منه مقدَّرٌ؛ وهو: لأمرٍ من الأمور، و(آدَرُ): لا ينصرفُ؛ لأنَّه لا مؤنَّثَ له. (تَوْبِي يَا حَجَرُ): (ثَوْبِي) مفعولُ فعلٍ محذوفٍ؛ نحو: (رُدَّ) أو (أعطني). وقال ابن الملقِّن: (أو ((أُترك))، فحُذفَ الفعلُ؛ لدلالة الحال عليه). (مِنْ بَأْسٍ): اسم (مَا)(٢)، و(مِنْ) زائدة. (١) في النسختين: (المؤنث)، والتصحيح من ((الكواكب الدراري)) (١٤١/٣)، ((اللا مع الصبيح)) (٤١٨/٢). (٢) في النسختين: (اسم ((كان)))، وهو خطأ تبعًا للكرماني (١٤١/٣)، والتصحيح من ((اللامع الصبيح" (٤١٩/٢).