Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كِتَابُ الْعِلْم
(حَتَّى): ابتدائيَّةٌ دخلتْ على الجملة.
(إِذَا): ظرفيَّةٌ، والعاملُ فيها (اتَّخَذَ)، ويحتمل أن تكونَ شرطيّةً.
فإنْ قلتَ: (إِذَا) للاستقبال، و(لَمْ) لقلب المضارعِ ماضيًا، فكيف يجتمعان؟
قلتُ: (لَمْ) جعلَ البقاءَ ماضيًا، و(إِذَا) جعلَ نفيَ البقاءِ مستقبلًا، أو يُقال:
تعارضا وتساقطا فيبقى على أصله؛ وهو المضارع، أو تعادلا فيفيدُ الاستمرار.
وإنْ(١) قلتَ: إذا كانت شرطيّةً؛ يلزمُ مِنِ انتفاءِ الشَّرطِ انتفاءُ المشروطِ، ومِنْ
وجودِ المشروطِ وجودُ الشرطِ، لكنَّه ليس كذلك؛ لجوازٍ حصولِ الاتِّخاذِ مع
وجودِ العالِم.
قلتُ: ذلك في الشُّروطِ العقليَّةِ، أمَّا في غيرها؛ فلا نسلِّمُ اطِّرادَ القاعدةِ .
قال البِرْماويُّ: (قلتُ: وهو عجيبٌ، فإنَّ الشَّرطَ اللُّغويَّ - وهو تعليقُ شيءٍ
بشيءٍ - يَجعلُ المعلَّقَ عليه سببًا، فينتفي المشروطُ عند انتفاءِ الشرط).
وقال الكرمانيُّ: (ثُمَّ ذلك الاستلزامُ إنَّما هو في موضع لم يكن للشَّرط بَدَلٌ،
فقد يكون لمشروطٍ واحدٍ شروطٌ متعاقبةٌ؛ كصحَّةِ الصَّلاة بدون الوضوء عند
التَّیمم) انتھی .
قال البِرْماويُّ: (قلتُ: ليس هذا من الشَّرط اللُّغوي الَّذي يُصيِّرُ الشَّرطَ سببًا
للمشروط).
قال الكرمانيُّ: (أو المرادُ بـ((النَّاس)) جميعُهم؛ فلا يصحُّ أنَّ الكلَّ اتخذوا
رؤوسًا جُهالًا إلَّا عند نفي العالِم مطلقًا، وذلك ظاهرٌ).
قلتُ: (هذا أصلحُ مِنَ الجوابين قبلَه، والأحسنُ في الجوابِ أن يُقال: إنَّ
ذلك جرى مَجرى الغالبِ، فلا يُعمَلُ بمفهومِه).
([فَضَلُّوا]): إنْ قلتَ: الضَّلالُ متقدِّمٌ على الإفتاءِ، فما معنى الفاء؟
قلتُ: المجموعُ المركّبُ مِنَ الضَّلالِ والإضلالِ هو متعقِّبٌ على الإفتاءِ وإن
كان الجزءُ الأوَّلُ مقدَّمًا عليه، أو الضَّلالُ الَّذي بعد الإفتاءِ غيرُ الضَّلالِ الَّذي قبلَه.
(١) في النسختين: (إن) بغير واو.

١٨٢
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي/ الجزء الأول
ووجهُ(١) التَّوفيقِ بين هذا الحديثِ وحديثٍ: ((لَنْ تَزَالَ هَذِهِ الْأُمَّةُ [قَائِمَةٌ عَلَى
أَمْرِ اللهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ]))(٢): أن يُقال: هذا بعدَ إتيانِ أمرٍ
اللهِ إنْ لم يفسَّرْ (أمر الله) بالقيامة، أو إنَّما هو في بعضِ المواضع، ففي غيرٍ بيتٍ
المقدسِ [مثلًا إنْ فسَّرْناه به؛ فيكونُ محمولًا على التخصيصِ؛ جمعًا بين الأدلّة].
باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم؟
حديث: قالت النساء للنبي رَّر: غلبنا عليك الرجال
(١٠١) حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا صَالِح ذَكْوَانَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ قَالَتِ النِّسَاءُ
لِلنَّبِيِّ وََّ: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا
لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: ((مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ
ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا، إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ)) فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَيْنِ؟ فَقَالَ:
((وَاثْنَيْنِ)) .
(آدَمُ): لا ينصرفُ.
(الرِّجَالُ): فاعلُ (غَلَبَنَا).
(فَاجْعَلْ): يُستعملُ متعدِّيًا إلى مفعولٍ واحدٍ بمعنى: (فَعَلَ)، وإلى مفعولين
بمعنى: (صِيَّر)، والمرادُ هنا لازمُهُ؛ وهو التعيينُ.
(يَوْمًا): مفعولٌ به، لا مفعولٌ فیه.
(مِنْ) ابتدائيَّةٌ متعلِّقةٌ بـ (اجْعَلْ)؛ يعني: هذا الجعلُ منشؤُه اختيارُك يا رسولَ
اللهِ، لا اختيارُنا(٣)، ويَحتملُ أن يكونَ المرادُ: مِن وقتِ نفسِك؛ بإضمارِ
(الوقت)، والظّرفُ صفةٌ لـ (يومًا)، وهو ظرفٌ مستقرٌّ على هذا الاحتمال.
(فَوَعَظَهُنَّ): هي الفاءُ الفصيحةُ؛ لأنَّ المعطوفَ عليه محذوفٌ؛ أي: فوقَّى
بوعدهنَّ.
(١) في (ص): (وجه)، والمثبت من (ن).
(٣) قوله: (لا اختيارنا) سقط من (ن).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٧١).

١٨٣
كِتَابُ الْعِلْم
ويَحتملُ أن يكونَ (فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ) من تتمَّةِ الصِّفة لليوم.
والفاء في (فَكَانَ) فصيحةٌ.
ويَحتملُ أن يكونَ (لقيهنَّ) استئنافًا .
(مِنِ امْرَأَةٍ): (مِنْ) زائدةٌ.
(تُقَدِّمُ): صفةٌ لها(١).
و (مِنْكُنَّ): حالٌ منها مقدَّمٌ عليها، وخبرُ المبتدأِ الجملةُ التي بعدَ آلَةٍ
الاستثناءِ؛ لأنَّه استثناءٌ مفرٌَّ، إعرابُه على حسب العوامل، ووقعَ الفعلُ مستثنّى
على تقديرِ الاسم؛ أي: ما امرأةٌ مقدّمةٌ إلَّا كائنًا لها حجابٌ.
(كان لَهَا): وفي ((الجنائز))(٢): (كُنَّ لَهَا)، وتأنيثُ الضميرِ على معنى النسمةِ
أو النفسِ.
(حِجَابًا): بالنَّصبِ خبرًا لـ (كَانَ)، وفي بعضِها بالرَّفع، وتوجيهُه على أنَّ
(كَانَ) تامَّةٌ؛ أي: حصلَ لها حجابٌ.
(وَاثْنَيْنِ؟ قَالَ: وَاثْنَيْنٍ): منصوبانٍ بتقديرِ فِعْلٍ دلَّ عليه السياقُ؛ أي: قالت:
ومَن قدَّمَ اثنين؟ قال: ومَن قدَّمَ اثنين.
باب من سمع شيئًا فراجع حتى يعرفه
حديث: أنَّ عائشة كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه
(١٠٣) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ
أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَائِشَةً، زَوْجَ النَّبِيِّ وَّهَ: كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ، إِلَّا
رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ: ((مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ)) قَالَتْ
عَائِشَةُ: فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾
· [الانشقاق: ٨] قَالَتْ: فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ: مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ
يَهْلِكْ" .
(١) أي: لـ (امْرَأَةٍ).
(٢) [١٢٤٩].

١٨٤
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ لسبط ابن العجمي/ الجزء الأول
(إِلَّا رَاجَعَتْ): استثناءٌ متَّصلٌ، و(رَاجَعَتْ) صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ؛ أي:
كانت لا تَسمعُ شيئًا مجهولًا [موصوفًا بصفة إلَّا موصوفًا بأنَّه مرجوعٌ فيه](١).
(وَأَنَّ النَّبِيَّ): بفتح الهمزة معطوف على (أَنَّ عَائِشَةَ).
(أَوَلَيْسَ): عطفٌ على مقدَّرٍ بعد الهمزة؛ أي: أكان ذلك وليس يقول
الله ... ؟ هذه طريقةُ الزَّمخشريِّ، وغيرُه يُخالفُه.
(يَقُولُ): هو خبرُ (لَيْسَ)، واسمُها ضميرُ الشَّأن، أو أنَّ (لَيْسَ) بمعنى:
(لا)؛ فكأنَّه قيل: أَوَلا يقول.
(ذَلِكِ): بكسر الكاف، خطابٌ لمؤنَّث.
(الحِسَابَ): الظّاهرُ أنَّه منصوبٌ بنزعِ الخافض.
(يَهْلِكُ): برفع الكاف، والجزْم؛ لأنَّ الشَّرطَ ماضٍ، ففيه الوجهان، والفعلُ
لازمٌ، وتميمٌ تعدِّيهَ؛ فيقولون: هَلَكَّه؛ بمعنى: أَهْلَكَه، ولكنَّ المعنى هنا على
اللُّزُوم، ولو قيل بالتَّعَدِّي؛ لم يَبْعُد(٢).
باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب
(الْعِلْمَ): منصوبٌ مفعولٌ أوَّل، و(الشَّاهِدُ): فاعلُه مرفوعٌ، و(الْغَائِبَ):
منصوبٌ مفعولٌ ثانٍ .
حدیث: إن مکة حرمها الله ولم محرمها الناس
(١٠٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ هُوَ
ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحِ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ : - وَهُوَ يَبْعَثُ
البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ - ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ، أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ وَّهِ الغَدَ
مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذْنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ :
(١) ما بين المعقوفين سقط من النسختين، وهو مستدرك من ((الكواكب الدراري)) (١٠١/٢)،
((اللامع الصبيح)) (٣٩/٢).
(٢) في (ن): (ولو قيل بالتعيين ... )، وهو تحريف، وصوابه من (ص) موافقًا لما في
((الكواكب الدراري)) (١٠٢/٢)، و((اللامع الصبيح)) (٤٠/٢).

١٨٥
كِتَابُ الْعِلْم
حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ،
فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا
شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللّهِ وَهِ فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ
لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا
الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ " فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحِ مَا قَالَ
عَمْرٌو قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْح لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا
بِخَرْبَةٍ .
(أيُّها): الأصلُ: يا أيُّها؛ فحُذِفَ حرفُ النِّداء.
(قَامَ): صفةٌ لـ (القول)، والمقولُ هو: (حَمِدَ اللهَ ... ) إلى آخره.
(الْغَدَ): منصوبٌ على الظرف.
(حَمِدَ اللهَ): بيانٌ لقولِه: (تَكَلَّمَ بِهِ).
(حِيْنَ): ظرفٌ لـ (قَامَ).
(فَإِنْ(١) أَحَدٌ) هو فاعلُ فِعْلٍ محذوفٍ(٢)؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ
الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦].
(لِقِتَالٍ): اللَّام بمعنى الباء.
حدیث: فإن دماءكم وأموالكم عليكم
(١٠٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ
مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنٍ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ذُكِرَ النَّبِيُّ وَّرِ قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ
وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ - وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةٍ
يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ)). وَكَانَ مُحَمَّدٌ
يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ، كَانَ ذَلِكَ (أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ)) مَرَّتَيْنِ.
(النَّبِيَّ): مفعولُ (ذَكَرَ)، وفاعلُه: (هو) عائدٌ على (أَبِي بَكْرَةَ).
(١) في النسختين: (وإن ... ) بالواو.
(٢) تقديره: (إن ترخَّص أحد ترخَّص ... ).

١٨٦
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول
و (أَعْرَاضَكُمْ): عطفٌ على (دِمَاءَكُمْ)، والجملةُ معترضةٌ بين اسم (إِنَّ)
وخبرِها .
باب إثم من كذب على النبي
صَلى الله
عَلـ
وعملية
حديث: من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار
(١٠٨) حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، قَالَ أَنَسٌ:
إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ: ((مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا،
فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
(لَيَمْنَعُنِي): (مَنَعَ) متعدٍّ إلى مفعولين، و(أَنْ) المخفَّفة مع معمولها هو
المفعولُ الثاني(١)، والمشدَّدُ مع الاسمِ والخبرِ في محلِّ الرَّفعِ فاعلٌ.
(أنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ): بفتحِ الهمزة؛ أي: لِأَنَّ.
حديث: من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار
(١٠٩) حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
(مَا لَمْ أَقُلْ): أي: أقلْهُ، والعائدُ المفعولُ يجوزُ حذفُه.
(مِنَ النَّارِ): (مِنْ) تَحتمل أن تكون بيانيَّةً، وأن تكون ابتدائيّةً.
باب كتابة العلم
حديث أبي جحيفة: قلت لعلي: هل عندكم كتاب.
(١١١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ
الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيَّفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ
(١) في النسختين: (المفعول الأول) موافقًا لما في ((الكواكب الدراري)) (١١٤/٢)، و((عمدة
القاري)) (١٥٢/٢)، والمثبت موافق لما في ((اللامع الصبيح)) (٥٥/٢) حيث قال: ((أن
أحدثكم)) هو المفعول الثاني لـ ((يمنع)) ... وعبارة الكرماني في إعراب ذلك فاسدة يحتمل
أنَّها من الناسخ).

١٨٧
كِتَابُ الْعِلْم
كِتَابٌ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّ كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ
الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ،
وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ".
(إِلَّ كِتَابُ اللهِ): مرفوع.
و (أُعْطِيَهُ): بصيغةِ المجهولِ وفتح الياء، والمفعولُ الأوَّلُ: هو مفعولُ ما لم
يُسَمَّ فاعلُه، والثاني: الضَّميرُ.
(أَوْ مَا): موصولةٌ.
(وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) - وفي بعضِها: (وَلَا يُقْتَلُ) -: فيه جوازُ عطفٍ
الجملةِ على المفردِ، وهو مثلُ قولِه تعالى: ﴿فِهِ مَايَتُ بَيْنَكُ مَّقَامُ إِزَهِيمٌ وَمَنْ دَخَلَهُ.
كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]؛ أي: فيها حكمُ العقل، وحكمُ حُرمةِ قصاصِ المسلمِ
بالذِّمِيِّ.
حديث: إن الله حبس عن مكة القتل
(١١٢) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ
مَكَّةَ - بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ،
فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ، أَوِ الفِيلَ)) - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كَذَا، قَالَ
أَبُو نُعَيْم وَاجْعَلُوهُ عَلَى الشَّكِّ الفِيلَ أَوِ القَتْلَ وَغَيْرُهُ يَقُولُ الفِيلَ - وَسَلَّطَ
عَلَيْهِمْ رَّسُولَ اللّهِ وَهِ وَالمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ
لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ
حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا
لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: "إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ
القَتِيلِ". فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ:
(اكْتُبُوا لِأَبِي قُلَانٍ)). فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّ الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللّهِ، فَإِنَّا
نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِلَّ الإِذْخِرَ إِلَّا الإِذْخِرَ)) قَالَ أَبُو
عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالقَافِ فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ:
كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الخُطْبَةَ .

١٨٨
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي/ الجزء الأول
(وَسلط): بالبناءِ للفاعل، أو المفعولِ.
(وَالمُؤْمِنُونَ): بالواو، فإِنْ بُنِيَ (سُلِّطَ) للمفعول؛ فهو عطفٌ على نائبٍ
الفاعل، وإلَّا؛ فمبتدأٌ؛ أي: والمؤمنونُ كذلك.
(أَلَا وَإِنَّهَا): (أَلَا) لها صدرُ الكلام، والمناسبُ أنْ يُقالَ بدونِ الواو؛ نحو:
﴿أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، لكنَّه هو عطفٌ على مقدَّرٍ؛ أي: أَلَا إِنَّ اللهَ
حَبَسَ عنها ... وإنَّها لم تحِلَّ لأحدٍ.
(سَاعَتِي هَذِهِ): [أي: في ساعتي التي أتكلّمُ فيها، وهي بعدَ الفتح].
(حَرَامٌ): خبرٌ لقوله: (إِنَّهَا).
إنْ قلتَ: ما بالُ الخبرِ ليس مطابقًا للمبتدأ؟
قلتُ: لفظُ (حَرَامٌ) وإنْ كان في الأصل صفةً مشبَّهةً، لكنَّه اضمحلّت(١)
وَصْفِيَّتُه؛ لغلبةِ الاسميَّة عليه، فتساوى التَّذكيرُ والتَّأنيثُ فيه، أو أنَّه مصدرٌ يستوي
فيه التَّذكيرُ والتَّأنيثُ، والتَّنيةُ والجمعُ .
تنبيه: قولُه: (لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي) في بعض النُّسخ: (لَمْ تَحِلَّ)، وهو
مشكلٌ؛ لأنَّ (لَمْ) تقلبُ إلى المُضِيِّ؛ فهو تباينٌ بعيدٌ إلَّا أنْ يؤوَّلَ بأنَّه لم يحكمِ
اللهُ في الماضي أنْ تحِلَّ في المستقبل.
(يُقَادَ): بالبناءِ للمفعول، يُقال: أقدتُ القاتلَ بالمقتول، فالنَّائبُ عن الفاعل
ضميرٌ يعودُ للمقتول؛ أي: يؤخذُ له القودُ.
(أَهْلُ): بالرَّفعِ، فيه تنازعُ الفعلين (يُعْقَلَ) و(يُقَادَ).
(إِلَّا الْإِذْخِرَ): يجوزُ رفعُه على البدل ممَّا قبلَه، ونصبُه على الاستثناء؛ لكونه
واقعًا بعد النَّفي، قاله الزَّركشيُّ.
حديث: ما من أصحاب النبي ◌َّر أحد أكثر حديثا عنه مني
(١١٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ:
أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: ((مَا مِنْ
(١) في النسختين تبعًا لـ((الكواكب الدراري)): (اضمحل).

١٨٩
كِتَابُ الْعِلْم
أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَِّ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ)).
(أَكْثَر): بالنَّصبِ خبرُ (مَا)، و(أَحَدٌ): اسمُها، ويَحتمل الرَّفع أيضًا على أنَّه
صفةٌ لـ (أَحَدٌ)، وهو أفعلُ التَّفضيل، وجازَ وقوعُ الفاصلة بينه وبين لفظِ (مِنِّي)؛
لأنَّها ليست أجنبيّةً.
(إِلَّ مَا كَانَ): هذا الاستثناءُ يَحتمل الانقطاعَ؛ أي: لكن الَّذي كان من
عبد الله - أي: الكتابة - لم يكن منِّي، والخبرُ محذوفٌ بقرينةٍ باقي الكلام، ويحتمل
الاتِّصال نظرًا إلى المعنى؛ إذ (حديثًا) وقع تمييزًا، والتَّمييز كالمحكوم عليه؛ فكأنَّه
قال: ما أحدٌ حديثُه أكثرُ من حديثي إلَّا أحاديث حصلتْ من عبد الله.
حدیث: انتوني بکتاب اكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده
(١١٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ
بِالنَّبِّ وَّهِ وَجَعُهُ قَالَ: ((ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ)) قَالَ
عُمَرُ إِنَّ النَّبِيَّ وَ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ
اللَّغَطُ، قَالَ: ((قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ)) فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ
يَقُولُ: ((إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ، مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ ◌ّهِ وَبَيْنَ كِتَابِهِ)).
(أَكْتُب): مجزومًا جواب الأمر، ويجوزُ الرَّفِعُ بالاستئنافِ.
(لَا تَضِلُّوا): نفيٌ، وحُذفتِ النُّونُ؛ لأنَّه بَدَلٌ مِن جوابِ الأمرِ، وقد جوَّزَ
بعضُهم تعدُّدَ جوابِ الأمرِ مِن غيرِ حرفِ العطف، انتهى.
وقال غيرُ الكرمانيّ: (وحَذْفُ النُّونِ حيثُ لا ناصبَ ولا جازمَ لغةٌ معروفةٌ،
ومثلُه: ((لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا))).
(حَسْبُنَا): هو خبرُ مبتدأِ محذوفٍ.
باب العلم والعظة بالليل
حديث: سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن وماذا فتح من الخزائن
(١١٥) حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ

١٩٠
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول
أُمِّ سَلَمَةَ، وَعَمْرٍو، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ،
قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ وَِّ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ
الفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ، أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي
الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ».
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَعَمْرو): قال شيخُنا في ((الفتح)): (كذا في روايتنا بالرَّفع،
ويجوزُ الكسر؛ والمعنى: أنَّ ابنَ عُيينةَ حدَّثهم عن مَعْمَر، ثم قال: ((وَعَمْرو)) - هو
ابنُ دينار - ثمَّ قال: [فعلى رواية الكسر؛ يكونُ معطوفًا على ((مَعْمَرٍ))]، وعلى
روايةِ الرَّفِع يكونُ استئنافًا، كأنَّ ابنَ عُيينةَ حدَّثَ بحذفٍ صيغةِ الأداء، وقد جرتْ
عادتُه بذلكَ، وقد روى الحُميديُّ هذا الحديثَ في ((مسنده)(١): ((عنِ ابن عيينة
قال: حدَّثنا معمرٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: وحدَّثنا عمرٌو ويحيى بنُ سعيد، عنِ
الزُّهْريِّ))؛ فصرَّحَ بالتَّحديثِ عنِ الثَّلاثةِ) انتهى.
(اللَّيْلَةَ): منصوبٌ ظرفٌ لـ (الإنزال).
(صَوَاحِبَ): مفعولُ (أَيْقِظُوا).
(فرُبَّ): تقدَّم، قال ابنُ مالكٍ: (أكثرُ النُّحاةِ يَرَونَ (رُبَّ)) للتقليل)، ورجّح
هو أنَّ معناها في الغالب التَّكثير .
(عَارِيَة): يجوزُ الكسرُ على النَّعتِ، والرَّفعُ على أنَّه خبرُ مبتدأٍ مضمرٍ .
قال عياضٌ: (أكثرُ الرِّواياتِ بالخفضِ على الوصفِ).
وقال غيرُه: الأَولى الرَّفعُ.
وعنِ السُّهيليِّ: (الأجودُ عند سيبويه الخفضُ؛ لأنَّ ((رُبَّ)) عندَه حرفُ جرِّ لها
الصدرُ، ويجوزُ الرَّفِعُ خبر مبتدأٍ، والجملةُ في موضع النَّعتِ؛ أي: هي عاريةٌ،
واختيارُ الكِسائيّ: أنَّ ((رُبَّ) اسمٌ مبتدأٌ، والمرفوعُ خبرُها، وإليه كان يذهبُ
شيخُنا ابنُ الطَّراوَةِ، وفِعْلُها الَّذي تتعلَّقُ هي به يجبُ أنْ يكونَ ماضيًا، ويُحذَفُ
غالبًا، وتقديرُه: رُبَّ كاسيةٍ عاريةٌ عرفتها).
(١) حديث رقم (٢٩٢).

١٩١
كِتَابُ الْعِلْم
باب السمر بالعلم
(بَابُ السَّمَرِ): بإضافةِ الـ (باب) إليه.
حديث: أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة منها
(١١٦) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي
حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ وََّ العِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ،
فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ، فَقَالَ: ((أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لَا
يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ)).
(أَرَأَيْتَكُمْ): بفتح الخطابِ بمعنى: الإبصارِ، وسيأتي كلامُ الأصفهانيّ(١)،
(لَيْلَتَكُمْ) مفعولٌ به، وَ(كُمْ) حرف لا محلَّ له من الإعراب، ولو كان اسمًا؛ لكانَ
مفعولَ (رَأَيْتَ)؛ فيجبُ أنْ يُقالَ: أرأيتُموكُم؛ لأنَّ الخطابَ لجماعةٍ، وإذا كان
الجماعةٍ؛ وَجَبَ أنْ يكونَ بالتَّاءِ والميمِ كما في (علمتموكم)(٢) رعايةً للمطابقة.
فإنْ قلتَ: فهذا يَلزمُكَ أيضًا في التاء، فإنَّ التاء اسم، فينبغي أن تكونَ
(أرأيتموكم).
قلتُ: لمَّا كان الكافُ والميمُ لمجرَّدِ الخطاب؛ اخْتُصِرت عنِ التَّاءِ والميمِ
بالتاءِ وحدَها؛ للعِلْم بأنَّه جَمْعٌ بقولِ: كُم، والفرقُ بينَ حرفِ الخطاب واسم
الخطاب: أنَّ الاسمَ يقعُ مسندًا ومسندًا إليه، والحرف علامةٌ تُستعملُ معَ
استقلالِ الكلام واستغنائِهِ عنها باعتبارِ المسندِ والمسندِ إليه، فوِزَانُها وِزَانُ
التَّنوينِ وياءِ النِّسبةِ، وأيضًا اسمُ الخطابِ يدُلُّ على عينٍ ومعنى الخطاب، وحرفُه
لا يدُلُّ إلَّا على الثَّاني، انتهى كلامُ الكرمانيِّ.
وقال غيرُه: (أَرَأَيْتَكُم): للاستفهام والاستخبار، وهي كلمةٌ تقولُها العرب
إذا أرادتِ الاستخبارَ، وهي بفتحِ التَّاءِ للمذكَّرِ والمؤنَّثِ، والجمعِ والمفردِ،
(١) حديث رقم (٦٠١).
(٢) زيد في (ص): (فأعني)، وفي (ن): (فأعين)؟.

١٩٢
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ لسبط ابن العجمي / الجزء الأول
تقولُ: أرأيتَكَ، وأرأيتَكِ، وأرأيتَكُما، وأرأيتَكُم؛ والمعنى: أخبرني(١) أو
أخبريني ... وكذا باقيهنَّ، فإِنْ أردتَ معنى الرُّؤيةِ؛ أنَّثْتَ، وجَمَعْتَ.
وقد أطال السَّمينُ النَّفَسَ على (أَرَأَيْتَكُم) في ((إعرابه)) في سورة (الأنعام)،
فانظرْه؛ فإنَّه مفيدٌ، تَّتُ تعالى.
(هَذِهِ): موضعُه نَصْبٌ، قال الزَّركشيُّ: (والجوابُ محذوفٌ؛ التَّقديرُ:
أرأيتَكُم ليلتَكُم هذِه فاحفَظُوها واحفَظُوا تارِيخَها؛ فإنَّ بعدَ انقضاءِ مئة سنةٍ لا يَبقى
ممَّنْ هوَ على ظهرِ الأرضِ أَحَدٌ؛ أي: هوَ اليومَ حَيٍّ) انتهى.
(فَإِنَّ عَلَى رَأْس): اسمُ (إِنَّ) ضميرُ الشَّأْنِ.
(مِنْهَا): استدلَّ بعضُ أهلِ اللُّغةِ بقوله: (مِنْهَا) على أنَّ (مِنْ) تكونُ لابتداءٍ
الغايةِ في الزَّمانِ؛ كـ (مُذْ)، وهو مذهبٌ كوفيٍّ.
وقال البصريُّونَ: لا تدخلُ (مِنْ) إلَّا على المكان، و(منذ) في الزَّمانِ نظيرُ
(مِنْ) في المكان، وتأوَّلوا ما جاءَ على خِلافِه؛ مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْرٍ﴾
[التوبة: ١٠٨]؛ أي: مِنْ أيَّام وجودِهِ؛ كما قدَّرَهُ الزَّمخشريُّ، أو: مِنْ تأسيسٍ أوَّلٍ
يومٍ؛ كما قدَّرَهُ الفارسيُّ،َ وضُعِّفَ بأنَّ التَّأسيسَ ليسَ بمكان(٢)، ومثلُه قولُ
عائشةَ: (وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمٍ قِيلَ مَا قِيْلَ)، وقولُ أنسٍ: (فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ
(١) في (ص) و(ن): (أخبروني).
(٢) في النسختين: (ثمَّ كان)، وهو خطأ، والتصحيح من مصدره، والذي ضعَّف هذا التقدير
هو أبو البقاء في ((إملاء ما منَّ به الرحمن)) (ص٣١٨)، وتعقَّبه السمينُ في ((الدر المصون))
(٦/ ١٢٢) فقال: (قلتُ: البصريون إنما فَرُّوا مِنْ كونِها لابتداء الغاية في الزمان، وليس
في هذه العبارة ما يقتضي أنَّها لا تكونُ إلَّا لابتداء الغاية في المكان حتى يُرَدَّ عليهم بما
ذُكِرٍ، والخلافُ في هذه المسألة قويٌّ، ولأبي عليٍّ فيها كلامٌ طويلٌ)، وقال ابن عطية في
((المحرر)) (٣٨/٧): (ويَحْسُنُ عِندي أنْ يُسْتغنى عن تقديرٍ، وأنْ تكونَ (من) تجرُّ لفظةً
(أول)؛ لأنَّها بمعنى البداءة؛ كأنَّه قال: مِنْ مبتدأِ الأيَّام ... وقد حُكيَ لي هذا الذي اخترتُه
عن بعضٍ أئمَّةِ النَّحْوِ)، وانظر الخلاف في المسألة في ((الإنصاف)) (٣١٧/١-٣٢١)،
(شرح المفصل)) (١٠/٨-١٢)، ((شرح الرضي على الكافية)) (٢٦٣/٤-٢٦٤)، ((مغني
اللبيب)) (ص٤١٩- ٤٢٠)، ((أوضح المسالك)) (٢١/٣-٢٢)، ((الجامع لأحكام القرآن))
(٣٨٠/١٠)، ((خزانة الأدب)) (٤٣٩/٩-٤٤١)، وانظر كلام المصنف بحروفه في
((التوضيح)) (٥٨٤/٣)، ((عمدة القاري)) (١٧٦/٢).

١٩٣
كِتَابُ الْعِلْم
الدَّبَّاءِ مِنْ يَوْمِئِذٍ)، وقولُ بعضِ الصحابةِ: (مُطِرْنا مِنَ الجمعةِ إلى الجمعةِ).
حديث: بت في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث
(١١٧) حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ
ابْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ
زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ وَكَانَ النَّبِيُّ وَّهَ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ◌َّهِ الْعِشَاءَ، ثُمَّ
جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: ((نَامَ الغُلَيِّمُ))
أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى
خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ، حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ خَطِيطَهُ،
ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ.
(أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا): مقولُ القولِ، وشرطُه: أنْ يكونَ كلامًا لا كلمةً، لكن
الكلمة تُطلق على الكلام أيضًا؛ نحو: (كلمة الشَّهادة).
باب حفظ العلم
حديث: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله
(١١٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلًا
آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ
الْبَيْنَتِ وَالْمُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] إِلَى قَوْلِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠] إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ
المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ
يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهَ بِشِبَعِ
بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ" .
(وَلَوْلَا آيَتَانٍ): مقولُ (قَالَ) لا مقولُ (يَقُولُونَ)، وحُذِفِ اللَّامُ عنْ جوابٍ
(لَوْلًا)، وهو جائزٌ.
(إِنَّ إِخْوَانَنَا): ترك العاطف؛ لأنَّه استئنافٌ؛ كالتَّعليلِ للإكثارِ؛ كأنَّ سائلًا
سألَ: لِمَ كان هو مكثرًا؟ أي: دونَ غيرِهِ مِنَ الصحابةِ؟ فأجابَ بقولِه: لِأَنَّ
إِخْوَانَنَا ....

١٩٤
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول
(وَيَحْفَظ)(١) إمَّا عطفٌ على (لِيَشْبَعَ)؛ فيُنصب، وإمَّا على (يَلْزَمُ)؛ فيُرفع،
وإمَّا حالٌ.
حدیث: ابسط رداءك
(١١٩) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ؟ قَالَ: ((ابْسُطْ رِدَاءَكَ))
فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((ضُمَّهُ)) فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا
بَعْدَهُ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهَذَا أَوْ قَالَ:
غَرَفَ بِیَدِهِ فِیهِ .
(ضُمّهُ): يجوزُ ضَمُّ الميم، وفتحُها، وكسرُها، وقيل: لا يجوزُ إلَّ الضَّمُّ؛
لأجلِ الهاءِ المضمومةِ بعدَه، واختارَهُ الفارسيُّ، وجوَّزَه صاحبُ ((الفصيح))
وغيرُه.
باب الإنصات للعلماء
(بَابُ الْإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ): اللََّمُ في (الْعُلَمَاءِ) بمعنى: لأجلٍ،
والاستنصاتُ: استفعالٌ مِنَ الإنصات، ومثلُه قليلٌ؛ إذِ الغالبُ أنَّ الاستفعالَ
يُبنى(٢) مِنَ الثُّلائي، ومعناهُ: طلبُ السُّكوتِ(٣)، وهو مُتَعَدٍّ، والإنصاتُ جاءَ
لازمًا ومتعدِّيًا؛ يعني: استُعمِل (أنصتوه) و(أنصتوا له)، لا أنَّه جاء بمعنى
الإسكات.
حديث: أن النبي ◌َّ قال له في حجة الوداع: استنصت الناس
(١٢١) حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي
زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: ((اسْتَنْصِتِ
(١) الأولى أن يقول: (وَيَخْضُر) لتقدُّمه، بدل: (وَيَخْفَظ)؛ كما في مصدره ((الكواكب
الدراري» (١٣٥/٢)، والعطفُ لكليهما .
(٢) في (ن): (ينبني).
(٣) في (ن): (السكون).

١٩٥
كِتَابُ الْعِلْم
النَّاسَ)) فَقَالَ: ((لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)).
(لَا تَرْجِعُوا): ممَّا خَفِيَ على أكثرِ النَّحْوِيِّين استعمالُ (رَجَعَ) كـ (صَارَ) معنّی
وعملًا، ومنه هذا الحديثُ؛ أي: لا تَصيروا(١).
(يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ): قال الكرمانيُّ: (لفظ ((يَضْرِبُ)) مرفوعٌ على أنَّه جملةٌ
مستأنفةٌ مبيِّنةٌ لقوله: ((لَا تَرْجِعُوا))، أو وصفٌ كاشفٌ؛ إذِ الغالبُ مِنَ الكفارِ
ذلك، وكونُه مجزومًا بأنَّه جوابُ النَّهي ظاهرٌ على مذهبٍ مَنْ يُجَوِّزُ: لا تكفرْ؛
تدخلِ النارَ) انتهى.
وقال عياضٌ: (الرِّوايةُ بالرَّفع، ومَنْ سكَّنَ الباءَ؛ أحالَ المعنى)؛ لأنَّ النَّهيَ
على هذا التَّقديرِ يكونُ عن الكفرِ مَجرَّدًا، وضَرْبُ الرِّقابِ جوابُ النَّهي، ومجازاةٌ
للكفرِ، وسياقُ الخبرِ يأباهُ، وجوَّزَه أبو البقاء وابنُ مالكٍ على تقديرِ شرطٍ مضمرٍ ؛
أي: إِنْ تَرجِعوا؛ يضربْ.
باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم؟ ...
(إِذَا سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ): يَحتملُ أنْ تكونَ (إِذَا) شرطيَّةً، والفاءُ حينئذٍ داخلةٌ
على الجزاء؛ أي: فهو يَكِلُ، والجملةُ لبيانِ (مَا يُسْتَحَبُّ)؛ نحو قوله تعالى:
﴿فِيهِ ءَايَتُ بَيْنَكُ مَّقَامُ إِنْزَهِيمٌ وَمَن دَخَلَهُ، كَانَ ءَامِنَا﴾ [آل عمران: ٩٧]؛ أي: ما
يُستَحَبُّ هو الوكولُ عندَ السُّؤال، ويَحتملُ ظرفيَّتها لقوله: (يُسْتَحَبُّ)، والفاءُ
تفسيريَّةٌ على أنَّ فعلَ المضارع بتقدير المصدر؛ أي: ما يستحب عند السُّؤال هو
الوكولُ، وأمثالُ هذه التَّقديراتِ كثيرةٌ(٢).
حدیث: قام موسی النبي خطيبًا في بني إسرائيل
(١٢٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ:
أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ
(١) انظر ((شواهد التوضيح)) (ص٢٠١) (٥١)، وقوله: (لا ترجعوا ... ) إلى هنا سقط من (ن).
(٢) تأخّر في النسختين شرح هذا الباب عن الحديث الذي يليه، وانظر ((الكواكب الدراري))
(١٤٠/٢).

١٩٦
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول
مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ؟ فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ
اللَّهِ. حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ: قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي
إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أُعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ
العِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، هُوَ أَعْلَمُ
مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَإِذَا فَقَدْتَهُ
فَهُوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، حَتَّى
كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ فَاتَّخَذَ
سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبًا، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَّيْلَتِهِمَا
وَيَوْمَهُمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿َائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا
نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسَّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ
الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَئِنَآَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ
أَنسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣] قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَّ فَارْتَدًا عَلَى
ءَثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُلٌ مُسَجَّى
بِثَوْبٍ، أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ، فَسَلَّمَ مُوسَى، فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ
السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى، فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:
﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴾ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾.
[الكهف: ٦٦-٦٧]، يَا مُوسَى إِنِّ عَلَى عِلْم مِنْ عِلْم اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ
أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمُهُ، ﴿قَالَ سَتَجِدُنِيِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَآَ
أَعْضِى لَكَ أَقْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا
سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ
فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ
نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمٍ
اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ
السَّفِينَةِ، فَتَزَعَهُ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَّى سَفِينَتِهِمْ
قَالَ لَا
٧٢
فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
ج))) - فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى
نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا

١٩٧
كِتَابُ الْعِلْم
نِسْيَانًا -، ﴿فَانْطَلَقَا﴾، فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ
أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسِ﴾ ﴿قَالَ أَلَّمْ
أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ - قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَوْكَدُ - ﴿فَأَنْطَلَقَا
حَتَّىَ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوَأْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ
يَنْقَضَّ فَأَقَامَةٌ﴾ قَالَ الخَضِرُ: بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ
قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَّنِكَ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى،
عَلَيْهِ أَجْرَا إِ
VV)
لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا)).
(مُوسَى آخَرُ): قال العلّامةُ ابنُ حَجَرٍ: (في روايتِنا بغيرِ تنوينٍ، وجزمَ
بعضُهم أنَّه منوَّنٌ مصروفٌ؛ لأنَّه نكرةٌ، ونُقل عن ابنِ مالكِ أنَّه جعلَه مثالًا للعَلَم
إذا نُگِّر تخفيفًا، قال: وفيه بحثٌ) انتهى.
وقال الكرمانيُّ: (و((مُوسَى)) غيرُ مُنصرِفٍ؛ للعلميَّة والعُجمة.
فإِنْ قلتَ: العَلَمُ كيفَ يُضاف إلى ((بَنِي إِسْرَائِيلَ))، وكيف يُوصفُ بلفظ ((آخَرُ))
وهو نَكِرةٌ؟ قلتُ: قد نُكِّرَ، ثم أُضيفَ، ووُصِفَ بالنَّكرة.
فإِنْ قلتَ: كيف يُنْكَّرُ العَلَمُ؟ قلتُ: أنْ يُؤَوَّلَ بواحدٍ مِنَ الأُمَّةِ المُسمَّاة به.
فإنْ قلتَ: فهل يُقرأ بالتَّنوينِ حينئذٍ؟ قلتُ: نعم.
فإنْ قلتَ: ((آخَرُ)) هو أَفْعَلُ التَّفضيل، فلِمَ لا يُستعملُ بأحدِ الوجوهِ الثلاثةِ؟
قلتُ: غلبتْ عليه الاسميّةُ المحضةُ مضمحلًا عنه معنى التفضيل بالكلية.
فإِنْ قلتَ: فهل ينوَّنُ؟ قلتُ: لا؛ إذْ هو غيرُ منصرِفٍ للوصفيَّةِ الأصليَّةِ،
ووزنِ الفعل).
(لَمْ يَرُدَّ): بالفتحِ، والضَّمِّ، والكسرِ .
(سَرَبًا): انتصبَ على المفعولِ، أو على المصدرِ .
(بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمهمًا): بنصبٍ (يَوْمَهُمَا)، وقال البِرْماويُّ: ((وَيَوْمهمَا))
بالجرِّ عطفًا على المضافِ إليه، وبالنصبِ على المضافِ، كذا في هذه الرواية،
وفي ((البخاري)) في التفسير(١)، و((مسلم))(٢): ((يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا))، وهو الصَّوابُ؛
(١) حديث رقم (٤٧٢٥).
(٢) حديث رقم (٢٣٨٠).

١٩٨
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي/ الجزء الأول
لقوله: ((فَلَمَّا أَصْبَحَ))، وفي روايةٍ: ((حتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ))) انتهى.
(مُسَجَّى): صفةٌ لـ (رَجُلٌ)، أو خبرٌ له.
(أَنَّى): استفهامٌ؛ أي: مِنْ أينَ السلامُ في هذهِ الأرضِ التي لا يُعرفُ بها
ذلكَ؟
قالوا: (أَنَّى) تأتي بمعنى: (مِنْ أينَ)؛ نحو: ﴿أَنَّ لَكٍ﴾ [آل عِمرَان: ٣٧]،
وبمعنى: (متى)، و(حيث)، و(كيف).
وقال بعضهم: ((وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ)): ((أَنَّى)) فيها وجهان:
أحدهما: بمعنى: ((مِنْ أينَ))؛ كقوله تعالى: ﴿أَنَّ لَكٍ هَذَّا﴾
[آل عمران: ٣٧]؛ فهي ظرف مكان، و((السَّلَامُ)) مبتدأٌ، والطّرفُ خبرٌ عنه، وهو
نظيرُ ما قيلَ في قولِه: ﴿أَّ لَكٍ هَذَا﴾: ﴿أَنَّ﴾ خبرٌ مقدَّمٌ، و﴿هَذَّ﴾ مبتدأٌ،
و﴿لَكٍ﴾ُ تبيينٌ.
والثَّاني: بمعنى: ((كيفَ))؛ أي: كيفَ بأرضكَ السَّلامُ؟ وتَشهدُ له الرِّوايةٌ
التي سنذكرُها في تفسير سورة ((الإسراء))(١): ((هَلْ بِأَرْضِي مِنْ سَلَامٍ؟».
ووجهُ هذا الاستفهام: أنَّه لمَّا رأى ذلكَ الرَّجلَ في قَفْرٍ مِنَ الأرضِ؛ استبعدَ
علمَه بكيفيَّة السَّلام؛ ذَكَرَهَ أبو البقاء العُكْبَري قال: فأمَّا قوله: ((بِأَرْضِكَ السَّلَامُ))؛
فموضعُه نصبٌ على الحالِ مِنَ ((السَّلام))، والتقديرُ: مِنْ أينَ استقرَّ السَّلامُ كائنًا
بأرضك؟).
قال الزَّركشيُّ: (كلمةُ تعجّبٍ)، وفيه مسامحةٌ؛ لأنَّ التَّعجُّبَ في الاستفهام،
لا لها بخصوصِها؛ ولهذا في روايةٍ تأتي في (الإسراء)(٢) (٣)]: (هَلْ بِأَرْضِي(٤) مِنْ
سَلَام؟).
(١) حديث رقم (٤٧٢٦).
(٢) كذا في النسختين: (الإسراء)، وسلف أن في هامش النسختين: (الروايةُ إنَّما هي في
تفسير سورة الكهف)، وهو الصواب.
(٣) حديث رقم (٤٧٢٦).
(٤) في النسختين: (بأرضك)، وسلف على الصواب كما أثبت.

١٩٩
كِتَابُ الْعِلْمِ
(بِأَرْضِكَ): قال أبو البقاء: (حالٌ؛ أي: كائنًا بأرضكَ).
(مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟): خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: أنتَ ... ؟
(عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْم عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعْلَمُهُ): قال ابنُ
مالكِ: (فإنِ اختَلَفَ الضَّميرانِ بالرُّتبةِ، وقُدِّمَ أقرَبُهما رتبةً؛ جازَ اتِّصالُ الثَّاني
وانفصالُه، والاتِّصالُ أجودُ؛ لموافقةِ الأصل، ولأنَّ القرآن العزيزَ نزلَ به دونَ
الانفصال؛ كقوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَنِكَهُمْ كَثِيرًا﴾
[الأنفال: ٤٣]، وعليه جاءَ قولُ المرأةِ لِلنَّبِيِّ وَِّ: ((لِأَكْسُوَكَها))، وقولُ الرَّجُلِ له:
((أُكْسُنِيها))، وقولُ الخَضِرِ ... فذكرَه، وسيبويهِ يرى الاتّصالَ في هذهِ الأمثلةِ
ونحوِها واجبًا، والانفصالَ ممتنعًا، والصَّحيحُ ترجيحُ الاتِّصالِ، وجوازٌ
الانفصالِ).
(نَقَصَ): يكونُ متعدِّيًا كما هنا، ولازمًا .
(قَوْمٌ): أي: هؤلاءِ قومٌ، أو: هم قومٌ؛ محذوف المبتدأ .
(فَكَانَتِ (١) الْأُوْلَى مِنْ مُؤْسَى [نِسْيَانًا)، وفي بعضِها]: (نِسْيَانٌ)؛ ففي(٢)
(كَانَتْ) ضميرُ القصّة، و(الْأُولَى) مبتدأٌ، وهو (٣) خبرُه، أو: خبرُ مبتدأِ محذوفٍ،
و(كَانَت) تامَّةٌ، أو (كَانَت) زائدةٌ.
(بِرَأْسِهِ): الباءُ زائدةٌ، وقيل: على بابها، وقال البِرْماويُّ: (يَحتمل زيادةٌ
الباء، والأصالة على معنى: أنَّه جرَّه إليه برأسه ثم اقتلعَه؛ إذْ لو كانتْ زائدةً؛ لم
يكن لقوله: ((اقْتَلَعَهُ)) معنَى زائدٌ على أخذِه، وفي التَّفاسيرِ قولٌ: أنَّه أضجَعَه، ثم
ذبحَه بالسّكِّين).
(لَوَدِدْنَا): جوابُ قَسَمِ محذوفٍ .
(لَوْ صَبَرَ): في تقديرِ المصدرِ، وقال الزَّركشيُّ: (لَوْ)) هنا بمعنى: ((أَنْ))
النَّاصبةِ للفعل؛ كقوله تعالى: ﴿وَدُواْ لَوْ تُدْهِنُ﴾ [القَلَم: ٩]، ﴿وَدُوْ لَوَ تَكْفُرُونَ﴾
(١) في النسختين: (وكانت) تبعًا لـ((اللامع الصبيح)) (٩٦/٢)، والمثبت لفظ الحديث.
(٢) في النسختين: (وَكَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُؤْسَى نِسْيَانٌ: في ... )، والاستدراك من المصادر.
(٣) أي: نسيانٌ.

٢٠٠
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ لسبط ابن العجمي / الجزء الأول
[النِّسَاء: ٨٩]، وقد جاءَ بـ((أَنْ)) في قوله تعالى: ﴿أَيَوَذُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ﴾
[البقرة: ٢٦٦]، و((صَبَرَ)) بمعنى: يصبر؛ أي: وَدِدْنا أَنْ يَصْبِرَ).
(يُقَصَّ): مبنيٌّ للمفعولِ، ونائبُ الفاعلِ (مِنْ أَمْرِهِمَا).
باب من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا
(عَالِمًا جَالِسًا): (عَالِمًا): مفعولُ (سَأَلَ).
(وَهْوَ قَائِمٌ): حالٌ عنِ الفاعلِ .
و (جالسًا): صفةٌ لـ (العَالِم).
حديث: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله
(١٢٣) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي
مُوسَى، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا القِتَالُ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ، قَالَ:
وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، فَقَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ
العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنَ)).
(إِلَّا أَنَّه كَانَ قَائِمًا): استثناءٌ مفرٌَّ، و(أَنَّ) معَ الاسمِ والخبرِ في تقديرِ مصدرِ
الخبرِ؛ أي: ما رَفَعَ لِأَمْرٍ مِنَ الأمورِ إلَّا لقيامِ الرَّجُلِ .
باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
حديث: بينا أنا أمشي مع النبي ◌َّ في خرب المدينة
(١٢٥) حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ
سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا
أَمْشِي مَعَ النَّبِّ وَّهَ فِي خَرِبِ المَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرِ
مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا
تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ
مِنْهُمْ، فَقَالَ يَا أَبَا القَاسِمِ مَا الرُّوحُ؟ فَسَكْتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ،
فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، قَالَ: (((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرٍ