Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ كِتَابُ الإِيمَانِ (وَنَدْخُلْ): معطوفٌ على (نُخْبِرْ)، وسيأتي(١). وقال الزَّركشيُّ: (قال القُرطبيُّ: قيَّدناه على مَنْ يُوثَق به برفع ((نُخْبِر)) على الصفة لـ((أَمْرٍ))، وأمَّا (نَدْخُل) فقَّدناه بالرَّفع أيضًا على الصِّفة، وبالجزم فيه(٢) على جوابِ الأمرِ). (بِهِ): الباء للسببيَّة، فإنَّ الدُّخول بفضل الله تعالى، والعمل الصالح سببه؛ كما أنَّ الأكل سبب الشِّبَع، والمُشْبعُ هو الله. (شَهَادَة): إمَّا بدلٌ فتجرُّ، أو خبرُ مبتدأٍ؛ أي: هو كذا، فيُرفع. باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى (بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ): بالكسر والفتح. (فَدَخَلَ): مقولُ القول، لا من تتمة (ما جاء). (وَقَالَ اللهُ): الظّاهر أنَّه جملةٌ حاليَّة لا عطفٌ على ما سبق؛ أي: أنَّ هذه الآية أيضًا تدُلُّ على أنَّ جميع الأعمال على حسب النِّيَّة، فهي مقوِّيةٌ لما قال: (فدخل فيه كذا وكذا). (عَلَى نِيَِّهِ): تفسيرٌ لقوله: ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ.﴾. (نَفَقَةُ الرَّجُلِ): (نفقةٌ): مبتدأٌ . و (يَحْتَسِبُهَا): حالٌ. و (صَدَقَةٌ): خبرُ المبتدأ، والجملةُ في محلِّ النَّصب على الحاليَّة، والمقصودُ منه تقويةُ ما ذكره. (١) حديث رقم (٨٧). (٢) في (ن): (فيهما)، والمثبت من (ص) هو الصواب الموافق لمصدره، وعبارة القرطبي في ((المفهم)): (قَيَّدناه علىِ مَنْ يُوثَقُ بعلمِه: ((نُخْبِرُ)) مرفوعًا، ((وندخل)) مرفوعًا ومجزومًا؛ فرفعهما على الصفة لـ((أَمْرٍ))، وجزمُ ((ندخُلْ)) على جوابِ الأمرِ المتضمِّنِ للجزاء؛ فكأنَّه قال: إنْ أمرتَنَا بأمرٍ واضحٍ؛ فعلناه ورجَوْنَا دخولَ الجنةِ بذلك الفعلِ). قال الدماميني في ((مصابيح الجامع)) (١٥٨/١) بعد نقله كلام القرطبي: (يريدُ على روايةٍ حذفِ الواو من ((ندخل))، وأمَّا على رواية البخاريِّ هنا بإثباتها؛ فلا يتأتَّى الجزمُ في الثاني مع رفعِ الأوَّل). ١٤٢ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول حديث: إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة (٥٥) حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ)). (إِذَا أَنْفَقَ): حُذف مفعولُه؛ ليُفيد العموم. (يَحْتَسِبُهَا): حالٌ من الفاعل، ويحتمل أن يكون من المفعول المحذوف. حديث: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها (٥٦) حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَغّدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمَ امْرَأَتِكَ)). (لَنْ تُنْفِقَ): (لَنْ): لتأكيد النَّفي، وفيه ثلاثةُ مذاهبَ: - أنَّه حرفُ نصبٍ برأسه. - وأنَّ أصلَه: (لا أن)، فحذفتِ الهمزةُ تخفيفًا، وسقطتِ الألف؛ لالتقائه مع النُّون السَّاكنة، فصار (لن). - وأنَّ الُّون في (لن) مبدلةٌ عنِ الألف، والأصل (لا). (إِلَّا أُجِرْتَ): إنْ قلتَ: إنَّ الفعلَ كيف وقعَ استثناءً؟ والاستثناءُ هل هو متَّصلٌ؟ قلتُ: تقديرُه: إلَّا في حالةٍ أُجرتَ بها؛ أي: لن تُنفقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ الله في حالٍ من الأحوال إلَّا(١) وأنت في حال مأجوريَّتِكَ عليها، أو تقديره: إلَّا نفقةٌ أُجِرتَ بها، فالمستثنى اسمٌ، والاستثناءُ متَّصلٌ. و (حَتَّى): هي العاطفةُ لا الجارَّةُ، وما بعدَها منصوبُ المحلِّ. و (مَا): موصولةٌ، والعائدُ إليها محذوفٌ. إِنْ قلتَ: من أين يُستفادُ أنَّ ما تَجعلُ في فَمِ امرأتِكَ أنتَ مأجورٌ فيه؟ (١) في النسختين: (وإلَّا)، والمثبت من ((الكواكب الدراري)). ١٤٣ كِتَابُ الإِيمَانِ قلتُ: من حيثُ إنَّ قيدَ المعطوف عليه قيدٌ في المعطوف، أو تقول: (حَتَّى) ابتدائيَّةٌ، و(مَا تَجْعَلُ) مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ؛ أي: ما تجعل فيه فأنت مأجورٌ فيه . بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَّةِ: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ" (الدِّينُ ... ) إلى آخره: في محلِّ النَّصب بأنَّه مفعولُ القول، ولم تكرَّرِ اللَّمُ في (عَامَّتِهِمْ)؛ لأنَّهم كالأتباع للأئمَّةِ، لا استقلالَ لهم. حديث: بايعت رسول اللّه ◌َيّر على إقام الصلاة (٥٧) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ((بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهَ عَلَى إِقَامِ الصَّلاَّةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)). (إِقَامِ الصَّلَاةِ): حذفتِ التَّاءُ؛ لأنَّ المضاف إليه عوضٌ عنها . حديث: أما بعد أتيت النبي ◌َّ- قلت أبايعك على الإسلام (٥٨) حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتَّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالوَقَارِ، وَالسَّكِينَةِ، حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ. ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لِأَمِيرِكُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفْوَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ قُلْتُ: أُبَابِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ فَشَرَطَ عَلَيَّ: (وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)) فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا، وَرَبِّ هَذَا المَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ. (سَمِعْتُ جَرِيرًا): المسموعُ هو الصَّوت والحرف فقط، لكنَّ لفظ: (حمِد الله) مقدَّرٌ بعدَه، وتقديره: سمعتُ جريرًا حَمِدَ الله، والمذكورُ بعدَه مفسِّرٌ له، و(قَامَ): استئناف. قال الزَّمخشريُّ في قوله: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ [آل عمران: ١٩٣]: (تقولُ: ١٤٤ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول ((سمعتُ رجلًا يتكلَّم))، فتوقِعُ الفعلَ على الرَّجل، وتحذفُ المسموعَ؛ لأنَّك وصفتَه بما يُسمع، أو جعلتَه حالًا عنه، فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال؛ لم يكن منه بدٌّ، وأن يقال: سمعت كلامه). (وَحْدَهُ): تقدَّم(١). وقال الكرمانيُّ: (منصوبٌ على الحاليّة وإن كان معرفةً؛ لأنَّه يُؤوَّل؛ إمَّا بأنَّه في معنى ((واحد))، وإمَّا بأنَّه مصدر ((وَحَدَ يَحِدُ وَحْدًا))؛ نحو: ((وَعَدَ يَعِدُ وَعْدًا))) انتھی . وقال ابنُ مالكٍ : وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظَا فَاعْتَقِدْ تَنْكِيرَهُ مَعْنَى؛ كَوَحْدَكَ اجْتَهِدْ قال بعض الشُّرَّاحِ: (قالوا: ((جاء وحدَه))؛ أي: منفردًا، و(رَجَعَ عَوْدَهُ على بَدْئِه))؛ أي: عائدًا، و((ادْخُلوا الأوَّلَ فالأوَّلَ))؛ أي: مترتِّبين، و((جاؤوا الجمَّاءَ الغفيرَ))؛ أي: جميعًا: [ومن الوافر] ((فَـ] أَرْسَلَهَا الْعِرَاكَ)) أي: معتركة). (قُلْتُ: أُبَايِعُكَ): تَرَكَ الواوَ العاطفةَ؛ لأنَّه إمَّا بدلٌ عن (أَتَيْتُ)، أوِ استئنافٌ. (وَالنُّصْح): مجرورٌ، ومثلُه يُسمَّى بالعطف التَّلقيني؛ يعني: لَقَّنَهُ رسولُ اللهِ وَيه أَنْ يَعطفَ (النُّصْح) على (الْإِسْلام)؛ وذلك كقوله تعالى: ﴿إِنِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِيَّنٌ﴾ [البقرة: ١٢٤]. وفي بعضِها: (وَالنُّصْحَ)؛ بالنَّصبِ عطفًا على مقدَّرٍ؛ أي: شَرَطَ الإسلامَ والنُّصْحَ. (١) في شرح الحديث رقم (٧). كِتَابُ الْعِلْمِ باب فضل العلم ﴿دَرَجَتٍ﴾: منصوبٌ مفعولٌ ﴿يَرْفَع﴾. باب من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه (وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ): جملةٌ حاليَّةٌ عن مفعولٍ ما لم يسمَّ فاعلُه. (فَأَتَمَّ): عَطَفَه بالفاء؛ لأنَّه عَقِبُه. (ثُمَّ أَجَابَ): عَطَفَه بـ (ثمَّ) لتراخيه . حديث: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة (٥٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، (ح) وحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي هِلَالُ ابْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ◌َّ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٍّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ وَ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: ((أَيْنَ - أُرَاهُ - السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ) قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ))، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: ((إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)). قوله(١): (بَيْنَمَا): تقدَّم الكلام على (بينا) أوَّله، وأصله (بَيْنَ)، فزيدت عليه (ما). (يُحَدِّثُ): حُذِفَ المبتدأُ، وحُذِفَ مفعولاهُ الأخيرانِ . (١) (قوله): مثبت من (ص). ١٤٥ ١٤٦ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول قوله(١): (حَتَى إِذَا قَضَى): متعلِّقٌ بقوله: (فَمَضَى فِي حَدِيثِهِ)، لا بقوله: (لَمْ يَسْمَعْ). ولفظُ (فَقَالَ) إلى هنا: جملةٌ معترضةٌ بالفاء، وذلك جائزٌ. فإن قلتَ: علامَ عُطِف (بَلْ لَمْ يَسْمَعْ)؛ إذ لا يصحُّ أن يُعطف على ما تقدَّم؛ إذِ الإضرابُ إنَّما يكونُ عن كلام نفسِه، بل لا يصحُّ عطفٌ أصلاً على كلامٍ غيرِ العاطف؟ قلتُ: لا نُسلِّمُ امتناعَ صحَّةِ العطف والإضراب بين كلامين، وما الدَّليل عليه؟ سلمنا، لكن يكون الكلُّ من كلام البعض الأوَّل على طريقة عطف التّلقين، كأنَّه قال البعض الآخرُ للبعض الأوَّل: قل: بل [لم] يسمع، أو من كلام البعض الآخر (٢) بأنْ يقدَّر لفظُ (سمع) قبلَه، كأنَّه قال: سمع بل لم يسمع. (هَا أَنَا): فـ (أَنَا) مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ؛ وهو السَّائلُ، و(هَا) حرفُ تنبيهٍ. باب من رفع صوته بالعلم حدیث: تخلف عنًّا النبي گالژ في سفرة سافرناها فأدركنا (٦٠) حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ وَلِّ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا - وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ - وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: ((وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)) مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . (سَافَرْنَاهَا): الضَّميرُ وقعَ مفعولًا مطلقًا؛ أي: سافرنا تلك السَّفرةَ؛ وذلك كقولهم: زيدٌ أظنُّه منطلقٌ؛ أي: زيدٌ منطلقٌ أظنُّ الظَّنَّ، أو ظنًّا. قوله(٣): (وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ): [إنْ قلتَ]: اللَّمُ للاختصاص النَّافع ههنا؛ [إذِ المشهور: أنَّ اللَّامَ تُستعملُ في الخير، و(على) تُستعمل في الشرِّ؛ قلتُ: هو (١) (قوله): مثبت من (ص). (٢) في (ن): (الأخير)، وفي (ص) محتملة. (٣) (قوله): مثبت من (ص). ١٤٧ كِتَابُ الْعِلْم للاختصاص]؛ نحو: ﴿وَإِنْ أَسَأَتُ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]. باب قول المحدث: حدثنا أو أخبرنا حديث: إن من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها (٦١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ)) فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ((هِيَ النَّخْلَةُ)) . (فَحَدِّثُونِي): الفاء وقعتْ جوابًا لشرطٍ محذوفٍ؛ أي: إن عرفتموها؛ فحدِّثوني. (مَا هِيَ): (مَا): مبتدأٌ، و(هِيَ): خبرُه، والجملةُ قائمةٌ مَقام المفعولَين لفعلٍ التَّحديث. باب ما جاء في العلم وقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ (عَلَى الْمُحَدِّثِ): متعلِّقٌ بـ (الْقِرَاءَةُ) و(الْعَرْضُ) كليهما، فهو من باب تنازعِ العاملین علی معمولٍ واحد . (آللهُ أَمَرَكَ): هو مبتدأٌ، والجملةُ خبرُه. قوله(١): (أَنْ نُصَلِّيَ): الباءُ محذوفةٌ، وحذفُ الجارِّ من (أَنْ) كثيرٌ سائغٌ. (عَلَى الْعَالِمِ): ليسَ خبرًا لقوله: (لَا بَأُسَ)، بل هو متعلِّقٌ بـ (الْقِرَاءَةِ). حديث: آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي (٦٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ هُوَ المَقْبُرِيُّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ فِي المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي (١) (قوله): مثبت من (ص). ١٤٨ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ وَّهِ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((قَدْ أَجَبْتُكَ)). فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ وَّهِ: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ؟ فَقَالَ: ((سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ)) فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ)). قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَّ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ)). قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، اللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ)). قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، اللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ وَهِ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ)). فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ . (بَيْنَمَا): تقدَّم(١). (نَحْنُ): مبتدأٌ، و(جُلُوسٌ): خبرُه. (ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ): بفتح النُّون؛ لأنَّه منادى مضاف، وفي بعضها: (يَا ابْنَ) بذكرِ كلمةِ النِّداء، قاله الكرمانيُّ. وضبطه الزَّركشيُّ بفتح الهمزة والنُّون على النِّداء المضاف، لا على الخبر، ولا على الاستفهام؛ بدليل قوله عليه الصَّلاة والسَّلام بعدُ: (قَدْ أَجَبْتُكَ). وروايةُ أبي داودَ: (يَا بْنَ). (مَنْ وَرَائِي): بفتح الميم، (مِنْ قَوْمِي): بكسرها، وجوَّزَ الكرمانيُّ تنوينَ (رَسُول)، وكسر ميم (منْ وَرَائِي)، وأنَّ (مِنْ قَوْمِي) تأكيدٌ له. باب ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان (إِلَى الْبُلْدَانِ): متعلِّقٌ بالـ (كِتَابِ)، ولفظُ الـ (كِتَابٍ) يَحتملُ عطفَه على (الْمُنَاوَلَةِ) وعلى (مَا يُذْكَرُ). (١) في شرح الحديث رقم (٥٩)، حيث ذكر أنَّ أصله (بين)، وزيدت عليه (ما). ١٤٩ كِتَابُ الْعِلْم (لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ): وعند الأصيلي: (إلى)، وهما بمعنَى متقارب، و(إلى) تأتي بمعنى (مع)، وتأتي بمعنى اللَّام. حديث: كتب النبي ◌َّ- كتابًا فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا ... (٦٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ المَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ وَِّ كِتَابًا - أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ - فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَؤُونَ كِتَابًا إِلَّ مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ أَنَسٌ. (نَقْشُهُ): مبتدأٌ، و(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ): جملةٌ خبرُه، فإن قلتَ: أين العائد في الجملة إلى المبتدأ؟ قلتُ: إذا كان الخبرُ عينَ المبتدأ؛ فلا حاجة إلى العائد؛ إذ هو في تقدير المفرد؛ أي: الكلمة مثلًا، كأنَّه قال: نقشه هذه الكلمة. (فِي يَدِهِ): إمَّا حالٌ عنِ البياض، أو عنِ المضاف إليه؛ أي: الخاتم؛ أي: كأنِّي أنظرُ إلى بياض الخاتم حالةَ كونِ الخاتم في يدِه. باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ... حديث: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة ... (٦٦) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ، مَوْلَى عَقِيلٍ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدِ اللَّيْئِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ،وَ لَهَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ هِ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّهِ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ)). (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ): إنْ قلتَ: مميِّزُ (الثَّلاثة) لا بُدَّ أن يكون جمعًا، و(النَّفرُ) ليس بجمعٍ ١٥٠ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول قلتُ: النَّفرُ: اسمُ جمع، واسمُ الجمع في وقوعه تمييزًا كالجمع؛ نحو قوله تعالى: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨]. قال في ((الكشّاف)): (إنَّما جاز تمييز التِّسعة بالرَّهط؛ لأنَّه في معنى الجماعة، فكأنَّه قيل: تسعة أنفس) انتهى. (فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآَوَاهُ اللهُ): الأُولى بالقصر، والثَّانية بالمد، هذا لغةُ القرآن؛ أنَّ اللَّزم بالقصر، والمتعدِّيَ بالمدِّ، وحُكي في اللَّزم المدِّ، وفي المتعدِّي القصر . باب قول النبي ◌َّه رب مبلغ أوعى من سامع (رُبَّ مُبَلَّغٍ) أي: إليه، فحُذِف الجارُّ والمجرورُ. وقال الزَّركشيُّ: (بلام مفتوحةٍ مشدّدة، وغَلِط مَن كسرها). قال الكرماني: ((رُبَّ)): هو للتَّقليل، لكنه كَثُرَ في الاستعمال للتَّكثير بحيث غلب على الحقيقة، كأنَّها صارت حقيقة فيه. ومن خصائص ((رُبَّ)): أنَّها لا تدخلُ إلَّا على نكرةٍ ظاهرةٍ أو مُضمرةٍ، فالظّاهرةُ يلزمُها أن تكون موصوفةً بمفردٍ أو جملةٍ، ومنها: أنَّ الفعل الَّذي تُسلِّطُه على الاسم يجب تأخّرُه عنها؛ لأنَّها لإنشاء التَّقليل، ولها صدرُ الكلام، وفعله يجيء محذوفًا في الأكثر، ومنها: أنَّ فعلَها يجبُ أن يكون ماضيًا، وههنا فعلُه محذوف؛ وهو نحو: ((كان))، أو ((علمت))، و((وجدت))، و((لقيت)). وفيها عشرُ لغاتٍ: الرَّاءُ مضمومةٌ والباءُ مخفَّفةٌ، أو مشدّدةٌ مفتوحة، أو مضمومة، أو مسكَّنة، والراءُ مفتوحةٌ والباءُ مشدّدةٌ أو مخفَّفةٌ، و((رُبتْ))؛ بتاء التَّأنيثِ والباءُ شديدةٌ أو خفيفةٌ. وهي حرفٌ عند البصريين، واسمٌ عند الكوفيين) انتهى. وقال ابنُ هشام: ((رُبَّ)) فيها ستَّ عشرةَ لغةً: ضمُّ الراء، وفتحُها، وكلاهما مع التَّشديد والتَّخفيف، والأوجهُ الأربعةُ مع تاء التَّأنيث ساكنةً أو محرَّكةً، ومع التَّجرُّدِ منها، فهذه اثنتا عشرةَ، والضمُّ والفتحُ مع إسكان الباء، وضمُّ الحرفين مع التَّشديد ومع التَّخفيف) انتهى. ١٥١ كِتَابُ الْعِلْمِ (أَوْعَى): قال الزَّركشيُّ: (نعتٌ لـ((مُبَلَّغ))، والَّذي يتعلَّقُ به ((رُبَّ)) محذوفٌ، تقديرُه: يوجدُ، أو يصاب، وأجاز الكوفيُّونَ كونَ «رُبَّ)) اسمًا مرفوعًا بالابتداء، فعلی هذا يكون ((أَوْعَی)) خبرًا له) انتهى. حديث: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام ... (٦٧) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ذَكَرَ النَّبِيَّ وَ﴿ فَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ - أَوْ بِزِمَامِهِ - قَالَ: ((أَيُّ يَوْمِ هَذَا))، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: ((أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ)) قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: ((فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا)) فَسَكَثْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: ((أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ)) قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّامِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ». (ذَكَرَ النَّبِيَّ): (النَّبِيَّ) مفعولٌ، والفاعلُ في (ذَكَرَ): (هو)، يرجعُ على أبي بَكْرَةَ . ( فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ): هو على حذفِ مضافٍ؛ أي: سفكَ دمائِكم، وأخذَ أموالِكم، وثَلْبَ أعراضِكم؛ إذِ الذَّواتُ لا تحرُم، ويقدَّرُ لكلِّ شيءٍ ما يُناسبه. (الْغَائِبَ): مفعولُ (يُبَلِّغْ)، والظّاهرُ أنَّه بتقدير (إلى). (مِنْهُ): صلةٌ لأفعل التَّفضيل، وصلتُه كالمضاف إليه، لكن جاز الفصلُ بينهما بـ (لَهُ)؛ لأنَّ في الظّرف سَعةً، كما جاز الفصل بين المضاف والمضاف إليه به (١)، قال [الشاعر]: [من الطويل] كَنَاحِتٍ يومًا صَخْرَةٍ بِعَسِيلٍ وقد أُجِيزَ الفصلُ أيضًا بينهما بغيرِ الظّرفِ إذا لم يكن أجنبيًّا من كلِّ وجهٍ، انتهى كلام الكرمانيّ. (١) أي: بالظرف. ١٥٢ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول ومسائل الفصل سبع، فانظر المطوّلات(١). باب العلم قبل القول والعمل (وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ): بفتح (أَنَّ)، ورُوي بكسرها، على تقدير: باب هذه الجملة، أو على سبيل الحكاية. قوله(٢): (بِحَظّ وَافِرٍ): الباءُ في المفعول زائدةٌ للتَّوكيدِ. (طَرِيقًا): نُكِّر؛ ليندرجَ فيه كلُّ نوعٍ من أنواعِ العلومِ الدِّينِيَّةِ، ويتناولَ القليلَ منه والكثيرَ، والضَّميرُ في (بِهِ) عائدٌ إلى (مَنْ)، والباءُ للتَّعدية. (﴿إِنََّا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾): الاسمُ الجليلُ منصوبٌ، و﴿ اَلْعُلَمَوْاْ﴾ مرفوعٌ، هذه قراءةُ العامَّةِ، والعكسُ قرأ بها عمرُ بنُ عبدِ العزيز، وأبو حنيفةَ(٣)، وأبو حَيْوَةَ، و﴿يَخْشَى﴾ بمعنى: يعظّم. قوله (٤): (﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾): حُذف مفعولُ ﴿نَعْقِلُ﴾؛ لأنَّه جُعل كالفعل اللازم، فمعناه: لو كنَّا من أهل العلم؛ ما كنَّا من أهل النار. (١) انظر ((شرح التسهيل)) (١٥٥/٣-١٦٢)، ((أوضح المسالك)) (١٥٨/٣-١٧٤)، ((توضيح المقاصد والمسالك)» (٨٢٤/٢-٨٣٣)، ((شرح ابن عقيل)) (٨٢/٢-٨٦)، ((شرح الأشموني)) (٢/ ٥١٧-٥٣٣) في شرح قول ابن مالك في ((ألفيته)): فَضْلَ مُضَافٍ شِبْهِ فِعْلِ مَا نَصَبْ مَفْعُولاً أوْ ظَرْفًا أجِزْ وَلَمْ يُعَبْ (٢) (قوله): مثبت من (ص). (٣) زيد في (ن) وهامش (ص): (الدينوري)، وهو في كتب التفسير مطلق، ويحمل على الإمام أبي حنيفة النُّعْمان بن ثابت التيميِّ الكوفيِّ، مولى بني تيم، فقيه المِلَّة، وعالم العراق، الإمام، المجتهد، صاحب المذهب الحَنَّفِيِّ، المولود سنة (٨٠هـ)، أدرك بعض الصحابة، وعُني بطلب الآثار، وإليه يعود الرأي في الفقه، والتدقيق في غوامضه، حتى قيل: الناسُ عِيالٌ في الفقه على أبي حنيفة، توفّي سنة (١٥٠ هـ)، انظر ((تهذيب الكمال)) (٤١٧/٢٩)، ((سير أعلام النبلاء)) (٣٩٠/٦)، ((الوافي بالوفيات)) (٨٩/٢٧)، ((غاية النهاية)» (٣٤٢/٢). نعم؛ لأبي حنيفة الدينوري أحمد بن داود بن وَنَنْد النحويِّ المتوفَّى سنة (٢٨٢ هـ) تفسيرٌ كبير، إلَّا أنَّه لم يُذكر في القرَّاء، انظر ((سير أعلام النبلاء)) (٤٢٢/١٣)، ((الأعلام)) للزركلي (١٢٣/١). (٤) (قوله): مثبت من (ص). ١٥٣ كِتَابُ الْعِلْم (لَوْ وَضَعْتُمُ): إنْ قلتَ: (لو) لامتناع الثَّاني لامتناع الأوَّل على المشهور، فمعناه: انتفى الإنفاذُ لانتفاء الوضع، وليس المعنى عليه. قلتُ: هو مثلُ: (لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ؛ لَمْ يَعْصِهِ)؛ يعني: يكونُ الحكمُ ثابتًا على تقديرِ النَّقيض بالطَّريق الأولى، فالمرادُ أنَّ الإنفاذَ حاصلٌ على طريق الوضع، فعلى تقديرِ عدم الوضع حصولُه أَولى، أو أنَّ (لو) ههنا لمجرَّدِ الشَّرطيّة؛ يعني: حكمُها حكمُ (إِنْ) من غير أَنْ(١) يُلاحَظ الامتناعُ. فائدة: قال الشَّيخ شهاب الدِّين أحمد بن إدريس القرافي تقُّ تعالى: (قاعدة: (لو)) إذا دخلتْ على ثبوتين؛ كانا نفيين(٢)، وعلى نفيين؛ كانا(٣) ثبوتين، أو نفي وثبوت؛ فالنَّفي ثبوت والثبوت نفي، تقول: ((لو جاءني؛ لأكرمته))، فهما ثبوتان، فما جاءك ولا أكرمته، و((لو لم يَسْتَدِنْ؛ لم يُطالَب))، فهما نفيان، وقد استَدانَ وطُولِب، و(لو لم يُؤْمِن؛ أُريقَ دمُه))، التَّقدير: أنَّه آمن ولم يُرَق دمُه، وبالعكس: ((لو آمن؛ لم يُقتل)). وإذا تقرَّرتْ هذه القاعدة؛ فيلزم أن تكون ﴿كَلِمَتُ﴾ في آيةٍ ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِى اُلْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ [وَالْبَحْرُ يَهُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَنْجُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ﴾﴾ [لقمان: ٢٧] قد نَفِدَتْ، وليس كذلك؛ لأنَّ ﴿لَوْ﴾ دخلت على ثبوت أولًا ونفي آخرًا، فيكون الأوَّل نفيًا، وهو كذلك؛ فإن الشَّجرة ليست أقلامًا، ويلزم أن يكون النَّفي الأخير ثبوتًا، فتكون نَفِدَتْ، وليس كذلك، ونظيرُ هذه الآية قولُه عليه الصَّلاة والسَّلام: ((نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْبٌ، لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ؛ لَمْ يَعْصِهِ))، يقتضي: أنَّه خاف وعصى مع الخوف، وهو أقبحُ، فيكونُ ذلك ذمًّا، لكنَّ الحديثَ سِيقَ للمدحِ، وعادةُ الفضلاءِ الولوعُ بالحديثِ كثيرًا، أمَّا الآيةُ؛ فقليلٌ مَنْ يفطنُ لها، وذَكَرَ الفضلاءُ في الحديث وجوهًا، أمَّا الآيةُ؛ فلم أرَ لأحدٍ فيها شيئًا، ويُمكنُ تخريجُها على ما قالوه في الحديثِ، غيرَ أنَّ ظهرَ لي جوابٌ عن الحديثِ والآيةِ جميعًا، سأذكرُه [بعدَ ذِكْري الأجوبةِ الناسِ؛ لأنَّ مَن سبقَ أَولى بالتقديم]: (١) أن: سقطت من (ن). (٢) في النسختين: (منفيين)، وفي ((الفروق)): (عادا نفيين). (٣) في ((الفروق)): (عادا). ١٥٤ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول قال ابن عُصفور: (لو)) في الحديثِ بمعنى ((إِنْ)) لمُطلَقِ الرَّبِطِ، و((إِنْ)) لا يكون نفيُها ثبوتًا، ولا ثبوتُها نفيًا، فيندفِعُ الإشكالُ. وقال الشَّيخ شمسُ الدِّين الخسرو [شاهي]: إنَّ((لو)) في أصل اللُّغة لمُطلَقٍ الرَّبط، وإنَّما اشتهرتْ في العُرْفِ في انقلابٍ ثبوتِها نفيًا، وبالعكس، والحديثُ إنَّما وردَ بمعنى الرَّبْطِ (١) في اللُّغة. وقال ابن عبد السَّلام تَُّ تعالى: الشَّيءُ الواحد قد يكون له سبب واحد فينتفي عند انتفائه، وقد يكون له سببان لا يلزم من عدم أحدهما عدمه؛ لأنَّ السَّبب الثَّاني يخلف الأوَّل؛ كقولنا في زوجٍ هو ابن عمَّ: لو لم يكن زوجًا؛ لورث؛ أي: بالتَّعصيب، فإنَّهما سببان لا يلزم من عدم أحدهما عدم الآخر، وكذلك هنا النَّاس في الغالب إنَّما لم يعصوا لأجل الخوف، فإذا ذهب الخوف؛ عَصَوا؛ لاتِّحاد السّبب في حقّهم، فأخبر عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّ صهيبًا . اجتمع له شيئان(٢) يمنعانه من المعصية: [الخوفُ] والإجلالُ(٣)، [فلوِ انتفى الخوفُ في حقِّهِ؛ لانتفى العصيانُ للسبب الآخرِ؛ وهو الإجلالُ] (٤)، وهذا مدحٌ جميلٌ، وکلامٌ حسنٌ. وأجابَ غيرُهم: بأنَّ الجوابَ محذوفٌ، تقديرُه: لو لم يَخَفِ اللهَ؛ عَصَمَهُ اللهُ، ودلَّ على ذلك قوله: ((لم يَعْصِهِ))، وهذه الأجوبةُ تتأتَّى في الآيةِ غيرَ الثَّالث؛ فإنَّ عَدَمَ نفودِ كلماتِ الله وأنَّها غيرُ متناهيةٍ أمرٌ ثابتٌ لها لذاتِها، وما بالذَّاتِ لا يُعلَّلُ بالأسبابِ، فتأمَّل ذلك. فهذا كلامُ الفضلاءِ الَّذي اتَّصل بي . والَّذي ظهرَ لي: أنَّ (لو)) أصلُها أَنْ تُستعملَ للرَّبط بين شيئين نحوَ ما تقدَّم، (١) في النسختين و((الفروق)): (اللفظ)، وأشار في (ص) إلى تصحيحها في الهامش، وهو الصواب. (٢) في (ن): (سببان)، وكذا في ((الفروق)). (٣) قوله: (والإجلال) تصحَّف في النسختين إلى: (والإخلال). (٤) ما بين المعقوفين سقط من النسختين، وهو مستدركٌ من مصدره قوله: (والإجلال) تصحَّف في النسختين إلى: (والإخلال). ١٥٥ کِتَابُ الْعِلْمِ ثُمَّ إِنَّها أيضًا تُستعمل لقطع الرَّابِ، فتكون جوابًا لسؤالٍ محقَّقٍ أو مُتَوَهَّمِ (١) وَقَعَ فيه ربطٌ فتقطعه أنت؛ لاعتقادِكَ بُطلانَ ذلك الرَّبط؛ كما لو قال القائل: لو لم يكن زيدٌ(٢) زوجًا؛ لم يَرِثْ، فتقول أنت: لو لم يكن زوجًا؛ لم يحرم؛ تريد: أنَّ ما ذَكَرَهُ(٣) من الرَّبط بين عدم الزوجية وعدم الإرث ليس بحقِّ، فمقصودُك قطع ربط كلامه، لا ربط كلامك(٤)، وتقول: لو لم يكن زيدٌ عالمًا؛ لَأُكرِم؛ أي: لشجاعته، جوابًا لسؤالِ سائلٍ تتوهَّمُه أو سمعتَه [وهو] يقول: إنَّه إذا لم يكن(٥) عالمًا؛ لم يُكرَم، فربط بين عدم العلم وعدم الإكرام، فتقطعُ أنت ذلك الرَّابط، وليس مقصودك أَنْ تربطَ بين عدم العلم والإكرام؛ لأنَّ ذلك ليس بمناسبٍ ولا من أغراض الفضلاءِ، ولا يتَّجِه كلامُك إلّا على عدم الرَّبط . كذلك الحديثُ لمَّا كان الغالبُ على النَّاس أَنْ يرتبط عصيانهم بعدم خوف الله تعالى وأنَّ ذلك في الأوهام؛ فقطعَ رسولُ اللهِوَِّ هذا الرَّبط وقال: ((لَوْلَمْ يَخَفِ اللهَ؛ لَمْ يَعْصِه)). وكذلك لمَّا كان الغالبُ على الأوهام أنَّ الأشجارَ كلَّها إذا صارت أقلامًا، والبحرَ المِلْحَ مع غيرِه [مِدادًا] يُكتبُ به (٦)، فيقول الوهمُ: ما يُكتب بهذا شيءٌ إلَّا نَفِدَ، وما عساهُ أن يكونَ؛ فقطعَ اللهُ هذا الرَّبط وقال: ﴿مَّا نَفِدَتْ﴾. وهذا الجوابُ أصلحُ الأجوبةِ المتقدِّمةِ من وجهين : أحدهما: شمولُه لهذين الموضعين، وبعضها(٧) لم يَشمل كما تقدَّم [بيانُه]. وثانيهما: أنَّ(لَوْ)) بمعنى [((إِنْ)) خلافُ الظاهر ومخالفٌ للعُرْف، وادعاءُ النقل خلافُ الأصل والظاهر، وحذفُ الجواب](٨) خلافُ الظَّاهر، وما ذكرتُه مِن (١) في النسختين: (ومتوهم)، والمثبت من مصدره. (٢) في النسختين: (ذلك)، والمثبت من مصدره. (٣) في النسختين: (ذكرته)، ولا يصح، والمثبت من مصدره. (٤) في النسختين: (كلامه)، ولا يصح، وفي ((الفروق)): (لا ارتباط كلامك). (٥) في النسختين: (أو سمعته يقول: إنه إذا كان)، ولا يصح، والمثبت من مصدره. (٦) زيد في النسختين: (الجميع)، ولا يستقيم، والمثبت من مصدره. (٧) في النسختين: (وبعضهما)، ولا يصح، والمثبت من مصدره. (٨) ما بين المعقوفين سقط من النسختين، وهو مستدركٌ من مصدره. ١٥٦ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي/ الجزء الأول الجواب ليس مخالفًا لعُرْف أهل اللغة؛ فإنَّ أهلَ العُرْف يستعملونَ ما ذكرتُه، ولا يفهمونَ غیرَه في تلك الموارد. ونِعْمَ هذا الجوابُ الواجب لذاته ولصفات الله تعالى وكلماته، والممكن القابل للتعليل لطاعة صهيب !) انتهى كلامُ الشيخ شهاب الدين تَّثُ تعالى(١). تنبيه: قولُهُ(٢): (قوله عليه الصلاة والسلام: ((نِعْمَ العبدُ صهيبٌ))) اعلم أنَّ غيرَه قال: (قولُ عمرَ: نِعْمَ العبدُ صهيبٌ ... إلى آخره)، قال بهاءُ الدين ابنُ السُّبْكِيِّ: (لم أرَ هذا الكلامَ في شيءٍ من كُتُبِ الحديث، لا مرفوعًا ولا موقوفًا، لا عنِ النبيِّ ◌َّهِ ولا عن عمر، مع شِدَّةِ الفحصِ) انتهى. وقال السُّبْكِيُّ: (رأيتُ ابنَ العربيِّ نسبَهُ إلى عمرَ، إلّا أنَّه لم يُبْدِ له إسنادًا). وقال شيخُ والدي العِراقيُّ: (لا أصلَ لهذا الحديثِ عنِ النَّبِيِّ وََّ، ولم أقفْ له على إسنادٍ قطّ في شيءٍ من كُتُبِ الحديث، وبعضُ النُّحاةِ ينسبونَهُ إلى عمرَ مِن قولِه، ولم أرَ له إسنادًا إلى عمرَ). وقال ابنُ الدَّمامينيِّ: (وفي ((الحلية)) في ترجمةِ سالم مولى أبي حذيفةً ◌ُه حديثٌ رفعَهُ مِن طريق عمرَ بن الخطاب(٣) قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَهِ يقولُ: ((إنَّ سالمًا شديدُ الحُبِّ للهِ عزَّ وجلَّ، لو كانَ لا يخافُ اللهَ؛ ما عصاهُ)))، وكذا رأيتُهُ بخطّ شيخِنا أبي الفَضْلِ أنَّه في ((الحليةِ)) مرفوعًا . حديث: كان النبي ◌َّ يتخولنا بالموعظة في الأيام (٦٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهُ((يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآَمَةِ عَلَيْنَا)). (السَّآَمَةِ): صلتُه محذوفٌ، تقديره: مِنَ الموعظةِ. (١) ((الفروق)) (١٦٠/١ -١٦٣). (٣) (بن الخطاب): مثبت من (ن). (٢) أي: قول القرافي. ١٥٧ كِتَابُ الْعِلْم (عَلَيْنَا): يتعلَّقُ بـ (السَّآمَةِ)؛ بتضمينٍ(١) معنى المشقَّة فيها؛ أي: كراهةَ المشقّةِ علينا، أو بتقديرِ الصِّفةِ أوِ الحال؛ أي: السَّآمةِ الطَّارئةِ علينا أو طارئةً علينا، أو بمحذوفٍ؛ أي: شفقةً علينا . باب من جعل لأهل العلم أيامًا حدیث: کان عبد الله یذکر الناس کل خميس (٧٠) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبًّا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمِ؟ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّمَةِ عَلَيْنَا " . (لَوَدِدْتُ): اللَّامُ جوابُ قَسَمِ محذوفٍ. والضميرُ في (إِنَّهُ) للشَّأن، وهو بكسرِ الهمزةِ؛ لأنَّ (أَمَا) بمعنى: (أَلَا) الَّتي للاستفتاح، فهمزةُ (إِنَّ) مكسورةٌ بعدَها، وفاعل (يَمْنَعُنِي): (أَنِّي أَكْرَهُ)؛ أي: يمنعني كراهةُ الإملالِ. والهمزةُ في (أَنِّي) في الأولى مفتوحةٌ، وفي الثّانية مكسورةٌ. (عَلَيْنَا): يَحتملُ تعلُّقُها بـ (المخافةِ)؛ أي: خوفًا علينا. باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين حديث: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٧١) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ، خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، (١) في (ن): (بتضمُّن). ١٥٨ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ». (خَطِيبًا): حالٌ مِنَ المفعول(١)، لا مِنَ الفاعل(٢)؛ لأنَّه أقربُ؛ ولأنَّ الخطبةَ تليقُ بالؤُلاةِ . باب الاغتباط في العلم والحكمة حديث: لا حسد إلا في اثنتين (٧٣) حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: " لَا حَسَدَ إِلَّ فِيَ اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا " . (رَجُل): مجرورٌ بَدَلٌ، فإن قلتَ: رُوي: (اثْنَتَيْنِ) بالتَّأنيثِ(٣)، فما إعرابُه على تلك الروايةِ؟ قلتُ: بَدَلٌ أيضًا على تقدير حذفِ مضافٍ؛ أي: خصلةِ رَجُلٍ؛ لأنَّ (الاثنتين) معناه: خصلتين، انتهى (٤). والرَّفِعُ بإضمارِ مبتدأٍ؛ أي: أحدهما(٥)، والنَّصبُ بإضمارِ (أعني)(٦). باب ما ذكر في ذهاب موسى في البحر إلى الخضر (الْآيَة): فيه النَّصبُ والجرُّ والرَّفعُ. حديث: بينما موسى في ملا من بني إسرائيل (٧٤) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرِ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ (١) أي: حال من معاوية. (٣) وهي رواية اليونينية. (٥) في النسختين: (إحداهما). (٢) أي: لا حال من حميد. (٤) انظر ((الكواكب الدراري)) (٤٣/٢). (٦) انظر ((اللامع الصبيح)) (١/ ٣٨١). ١٥٩ كِتَابُ الْعِلْم أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسٍ بْنِ حِصْنِ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبٍ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أَبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبٍ مُوسَى، الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ وَ﴿وَيَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يَقُولُ: "بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَاٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ " قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ وَت إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: ﴿أَرَعَيْتَ إِذْ أَوَيِنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، قَالَ: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَّ فَارْتَذَا عَلَىَّ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ رَّ فِي كِتَابِهِ" . (هُوَ وَالْحُرُّ): بالرَّفع، ويَحتملُ النَّصب بأَنْ يكونَ مفعولًا معه، ووقعَ في (بَاب الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الَّعِلْمِ) في بعضِ النسخ(١): (تَمَارَى وَالْحُرُّ)؛ بغيرِ لفظِ (هُوَ) (٢)، عطَفَ على المرفوعِ المتَّصِلِ بغيرِ التَّأكيدِ بالمنفصلِ، وذلك جائزٌ عندَ بعضِ النُّحاةِ (٣). باب قول النبي ◌َّره اللهم علمه الكتاب قوله(٤): (عَلِّمْهُ الْكِتَابَ): إِنْ قلتَ: التَّعليمُ متعدٍّ إلى ثلاثةِ مفاعيلَ، ومفعولُه الأوَّلُ كمفعولِ (أعطيتُ)، والثَّاني والثَّالث كمفعولَي (علمتُ)؛ يعني: لا يجوزُ حذفُ الثَّاني أو الثَّالثِ فقط، فكيف ههنا؟ قلتُ: (عَلِّمْهُ) بمعنى: عَرِّفْهُ، فلا يقتضي إلَّا مفعولين. (١) حديث رقم (٧٨). (٢) وهي رواية ابن عساكر. (٣) سيأتي التفصيل في المسألة عند الحديث رقم (٨٩). (٤) (قوله): مثبت من (ص). ١٦٠ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول باب متى يصح سماع الصغير حديث: أقبلت راكبًا على حمار أتان وأنا يومئذ ... (٧٦) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ((أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الإِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُصَلِّي بِمِنَّى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ)) . (عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ): بالجرِّ بَدَلٌ مِنْ (حِمَارٍ)، أو وصفٌ على معنى: أنثى، وإنَّما لم يقُل: حمارة، ويكتفي عن تعميم (حمار) ثمَّ تخصيصه؛ لأنَّ التَّاء تَحتملُ الوَحْدةَ، كذا قال الكرمانيُّ، وفيه نظرٌ؛ فإنَّ (حمار) مفردٌ، لا اسمُ جنسٍ جمعيٍّ كـ (تمر). حديث: عقلت من النبي ◌َّ مجة مجها في وجهي ... (٧٧) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: ((عَقَلْتُ مِنَ النَّبِّ وََّ مَجَّةٌ مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسٍ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ)). قوله(١): (مَجَّهَا): الضَّميرُ في (مَجَّهَا) راجعٌ إلى (مَجَّةً)، فهو مفعولٌ مطلقٌ، ويَحتملُ أَنْ يكون مفعولاً به. (وَأَنَا ابْنُ خَمْسٍ سِنِينَ): جملةٌ حاليةٌ مِنَ التَّاء في (عَقَلْتُ)، أو مِنَ الياء في (وَجْهِي). باب الخروج في طلب العلم حديث: في رحلة سيدنا موسى إلى سيدنا الخضر (٧٨) حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِم خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ فَاضِي حِمْصَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ (١) (قوله): مثبت من (ص).