Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ كِتَابُ الإِيمَانِ أو لأنَّ الجملةَ الشَّرطيَّةَ (١) صفتُه، والخبر على هذا التَّقدير هو: ((أَنْ يَكُونَ))؛ إذ على التَّقديرين الأوَّلين: الشَّرطيَّةُ خبرٌ، و((أَنْ يَكُونَ)): هو بدلٌ عن ((ثلاثٌ)) أو بيانُ ((مَنْ))، أمَّا ((مَنْ))؛ فهو مبتدأٌ، والشَّرطُ والجزاءُ معًا خبرُه، أو الشَّرطُ فقط على اختلافٍ فيه، و((مَنْ)): إمَّا شرطيّةٌ وإمَّا موصولةٌ متضمِّنةٌ لمعنى الشَّرط. ((وَجَدَ)): بمعنى: ((أصاب))، وهذا عُدِّيَ لمفعولٍ(٢) واحدٍ. ((أَحَبَّ إِلَيْهِ)): إنْ قلتَ: لِمَ لا تُنِّيَ ((أَحَبَّ)) حتَّى يُطابق خبرَ ((كان))؟ قلتُ: (أَفْعَل)) إذا استُعمل بـ((مِن))؛ فهو مفردٌ مذكَّرٌ لا غير، ولا تجوزُ المطابقة لمن هو له . ((مِمَّا سِوَاهُمَا)): عَبَّر بقوله: ((مِمَّا)) دُونَ ((مَنْ))؛ لعموم ((مَا)). (وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ)): (الْمَرْءَ): مفعولٌ، وفاعلُه: الضَّميرُ الرَّاجعُ إلى ((مَنْ)). ((لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلهِ)): جملةٌ حاليَّةٌ تَحتمل بيانًا لهيئة الفاعل، أو المفعول، أو كليهما معًا - قال البِرْماويُّ: قولُه: ((أو كليهما)) فيه نظرٌ -. ((أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ)): إنْ قلتَ: المشهورُ: ((عاد إليه)) مُعَدَّى بكلمة الانتهاءِ لا بآلةِ الظّرف؛ قلتُ: قد ضُمِّنَ فيه معنى الاستقرار، كأنَّه قال: يعود مستقِرًّا فيه(٣)) انتهى كلامُ الكرمانيِّ. وقال غيرُه: معنى (يعود): يصير، والعَود والرُّجوع قد استُعملا في معنى الصَّيرورة، قال تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ قَوْمِنَالَنَآَ إِذَا أَنْ تَّعُودَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٨٩]. باب ابتداء تلقيبهم بالأنصار حدیث: بایعوني علی أن لا تشركوا بالله شيئًا (١٨) حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو (١) أي: (مَن كُنَّ فيه وجد). (٢) في (ن): (بمفعول)، وتحتمل في (ص) المثبت. (٣) قال العيني في ((عمدة القاري)) (١٤٨/١): وهذا تعسفٌ، وإنَّما (في) هنا بمعنى: (إلى)؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] أي: لتصيرنَّ إلى مِلَّتنا. ١٠٢ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول إِذْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ لَّهِ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: ((بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ)) فَبَا يَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ. (وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ): (عِصَابَةٌ): مبتدأٌ، و(حَوْلَهُ): خبرُه، وهذه جملةٌ محلُّها نصبٌ على الحال. (مَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا): (منْ) هي التَّبعيضيَّة. و(شَيْئًا) عَامٌّ؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق الشَّرط، صرَّح ابنُ الحاجب بأنَّه كالنَّفي في إفادة العموم؛ كنكرةٍ وقعت في سياقه. و(مِنْ ذَلِكَ): حالٌ مِن (شَيْئًا). باب من الدين الفرار من الفتن حدیث: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم (١٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ ◌َّهِ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمْ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَظْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ)). (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ): قال المالكيُّ: ((يُوشِكُ)) أحدُ أفعال المقاربةِ، يقتضي اسمًا مرفوعًا، وخبرًا منصوبًا بالمحل لا يكونُ إلَّا فعلًا مضارعًا مقرونًا بـ((أَنْ))، ولا أعلم تجرُّدَه مِنْ ((أَنْ)) إلَّا في قول الشَّاعر: [من المنسرح] يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ في بَعْضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُهَا وقد يُسنَد إلى (أَنْ)) والفعلِ المضارع، فَيَسُدُّ ذلك مسدَّ اسمِها وخبرِها، وفي هذا الحديث شاهدٌ على ذلك). ١٠٣ كِتَابُ الإِيمَانِ (خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِم غَنَمٌ): يجوزُ فيه وجهان: نصبُ (خَيْر) ورفعُه(١)، ونصبُه هو الأشهرُ في الرِّوايةَ، وهو خبرُ (يَكُونَ) مقدَّمًا، ولا يضرُّ كونُ الاسم - وهو (غَنَمٌ) - نكرةً؛ لأنَّها موصوفةٌ بقوله: (يَتْبَعُ بِهَا). وأمَّا الرَّفعُ؛ فبأَنْ تقدِّرَ في (يَكُونَ) ضميرَ الشَّأن، ويكون (خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ [َغَنَمٌ]) مبتدأً وخبرًا، وقد رُوِيَ (غَنمًا) بالنَّصب(٢)، قاله الكرمانيُّ. وقال ابنُ مالك: (يجوزُ في (خَيْر)) و((غَنَم)) رفعُ أحدِهما على أنَّه اسمُ (يَكُونَ))، ونصبُ الآخرِ على أنَّه خبرُها، ويجوزُ رفعُهما على أنَّهما مبتدأٌ وخبرٌ في موضعٍ نصبٍ خبرًا لـ((يَكُونَ))، واسمُه ضميرُ الشَّأن؛ لأنَّه كلامٌ تضمَّنَ تحذيرًا وتعظيمًا لَما يُتوقَّع، وتقديمُ ضميرِ الشَّأنِ عليه مؤكِّدٌ معناه). وقال الطِّيبيُّ: ((غَنَمٌ)) نكرةٌ موصوفةٌ هو اسمُ ((يَكُونَ))، والخبرُ قولُه: ((خَيْرَ مَالٍ))، وهو معرفةٌ، فلا يجوزُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرادَ بـ((المُسْلِم)) الجنسُ، فلا تعيينَ فيه حينئذٍ، وفائدةُ التَّقديم: أنَّ المطلوبَ حينئذٍ الاعتزالُ، وَتَحرِّي الخيرَ بأيِّ وجهٍ كان، وليسَ الكلامُ في الَغنم؛ ولذلك أخَّرَها). (يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ): إمَّا جملةٌ حاليَّةٌ وذو الحال هو الضَّمير المستتر في (يَتْبَعُ)، ويَحتمل أن يكون هو (المُسْلِم)، ويجوزُ الحالُ مِنَ المضاف إليه؛ نحو: ﴿فَتَبِعُواْ مِلَّةَ إِنْزَهِيَمَ حَنِيفًا﴾ [آل عِمرَان: ٩٥]. فإنْ قلتَ: إنَّما يُجعل حالًا من المضاف إليه إذا كان المضافُ جزءًا من المضاف إليه، أو في حُكمه؛ كما في: ((رأيتُ وجهَ هندٍ قائمةً))، لا في نحو : ((رأيتُ غلامَ هندٍ قائمةً))، والمالُ ليس كذلك؛ قلتُ: المالُ لشدَّةِ مُلابستِهِ بذي المالِ كأنَّه جزء منه (٣). (١) الرفعُ روايةُ الأصيليِّ، والنصبُ رواية غيرِهِ. (٢) وهي رواية الأصيلي، برفع (خير) ونصب (غنمًا) على الخبر، وكذا أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٢/ ٩٧٠)، وأحمد في («مسنده)) (٣٠/٣)، وأبو داود في ((سننه)) (٤٢٦٧)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٢١/١٩-٢٢٢). (٣) انظر ((الكواكب الدراري)) (١١٠/١). ١٠٤ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول باب قول النبي ◌َّ: أنا أعلمكم بالله (بَابُ قَوْلِ النَّبِّ وَّهِ): لفظُ هذا الباب يتعيَّنُ أَنْ يُقرأَ مضافًا إلى (قَوْلِ النَّبِيِّ وََّ) لا غير، و(أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ): مقولُ القول. (وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ): عطفٌ على القولِ، لا على المقول، وإلَّا لكان مكسورًا؛ إِذِ المقولُ وما عُطِفَ عليه حُكمُهما واحدٌ، وهو خلاف الرِّواية والدِّراية. وقال الزركشيُّ: (بفتح ((أَنَّ))؛ أي: وبابُ بيانٍ أَنَّ ... )، وكذا قال ابنُ الملقِّن. وقال شيخنا: (وورد بكسرها)(١). حديث: إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا (٢٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَام، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُوَّلُ اللّهِ وَسِ إِذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِّنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: ((إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا)). (إِذَا أَمَرَهُمْ؛ أَمَرَهُمْ): أي: إذا أرادَ أَمْرَهُم أَمَرَهُم، وفي الكتاب العزيز: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠]. (حَتَّى يُعْرَفَ): النَّصبُ هو الرِّوايةُ، ويجوزُ فيه الرَّفعُ، و(يُعْرَفَ): مبنيٌّ للمفعول . و(الْغَضَبُ): مرفوعٌ قائمٌ مَقامَ الفاعلِ . (ثُمَّ يَقُولُ): جاز فيه الرَّفعُ والنَّصبُ، ولو عُطِفَ على (فَيَغْضَبُ)؛ يتعيَّنُ فيه الرَّفعُ. (١) ((فتح الباري)) (٨٩/١)، وزاد: (وتوجيهُه ظاهرٌ، وقال الكرماني [١١١/١]: هو خلاف الرواية والدراية)؛ إذ يكون بالكسر عطفًا على المقول، ولا يستقيم، وقوله: (وقال شيخنا ... ) سقط من (ن). ١٠٥ كِتَابُ الإِيمَانِ باب: من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان (بَابٌ: مَنْ كَرِهَ): قال البِرْماويُّ(١): (يجوزُ تنوينُ ((باب))، وإضافتُه إلى ما بعدَه، والسُّكونُ كالوقف. وعلى التَّقادير: ((مَنْ كَرِهَ)): مبتدأٌ على حذفِ مضافٍ؛ أي: كراهةٌ مَنْ كَرِهَ، والخبرُ محذوفٌ دلَّ عليه السِّياقُ؛ أي: ((من الإيمان))، ومعنى ((يَعُودَ)): يصيرَ، وضُمِّنَ معنى الاستقرار حتى عُدِّيَ بـ((فِي))؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى ◌ِلَتِنًا﴾ [الأعراف: ٨٨، إبراهيم: ١٣]) انتهى. وقال شيخُنا: (يجوزُ [فيه] التنوينُ، والإضافةُ؛ وعلى الأوَّلِ: ((مَنْ)) مبتدأٌ، و(مِنَ الْإِيمَانِ)) خبرُه). حديث: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان (٢١) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ◌َُهُ، عَنِ النَّبِيِّ بَ ◌ّهِ قَالَ: "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ رَ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرٍ، بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ". (ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ): (ثَلَاثٌ): مبتدأُ والشَّرطيَّةُ خبرُه، وجاز ذلك؛ لأنَّ التَّقدير: ثلاثُ خصالٍ، أو خصالٌ ثلاثٌ. ويجوزُ أنْ تكونَ الجملةُ الشَّرطيَّةُ صفةً لـ (ثَلَاثٌ)؛ كما أنَّه يجوزُ أنْ تكونَ خبرَ المبتدأِ في قولك: (زيدٌ إِنْ تُعْطِهِ يَشْكُرْكَ)، أو صلةً للموصول؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ﴾ [النِّسَاء: ٩]، أو حالًا لذي الحال؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَثَلُهُ، كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَتْ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، والخبرُ (مَنْ كَانَ اللهُ) ونحوه. وعلى التَّقديرين: لا بُدَّ مِن تقديرٍ مضافٍ قبلَ لفظةِ (مَنْ كَانَ)؛ لأنَّه على (١) ليس في (ن). ١٠٦ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ لسبط ابن العجمي / الجزء الأول الأوَّلِ بَدَلٌ عن (ثَلَاثٌ) أو بيانٌ، وعلى الثَّاني خبرٌ، فيقدَّرُ قبلَ (مَنْ) الأُولى والثّانية لفظُ: محبَّة، وقبلَ (مَنْ) الثَّالثة: كراهة (١)؛ أي: محبَّةُ مَنْ كان ... ، ومحبَّةٌ مَنْ أحبَّ ... ، وكراهةُ مَنْ كرِهَ ... ، ولشدَّةِ اتِّصالِ المضافِ بالمضافِ إليه، وغَلَبَةِ المحبَّةِ والكراهةِ عليهم؛ جازَ حذفُ المضافِ منها(٢). وقال السَّخوميُّ: (فيكونُ المقدَّر بدلًا مِنْ ((ثَلَاثٌ))، ويجوزُ أنْ يكونَ المقدَّرُ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ، وتقديرُ الكلام: إحداها: محبَّةُ مَنْ كان اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه(٣) ... ، والثَّانيةُ: محبَّةُ مَنْ أحَبَّ عبدًا ... ، والثَّالثةُ: كراهةُ مَنْ يَكْرَهُ أنْ يعودَ ... ). (لَا يُحِبُّه إِلَّا للهِ): هذا استثناءٌ مفرٌَّ؛ أي: لا يُحبُّهُ لشيءٍ إلَّا للهِ تعالى. باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال (بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْأَعْمَالِ): لفظ (تَفَاضُلِ) مجرورٌ بإضافةٍ الـ (باب)، و(فِي الْأَعْمَالِ) متعلِّقٌ بـ (تَفَاضُلٍ)، أو متعلَّقٌ بمقدَّرٍ نحو: (الحاصل)، وكلمةُ (فِي) للسببيَّة، وتقدَّم الكلامُ على (في)؛ أي: التَّفاضُل الحاصل بسبب الأعمال، فيَحتمل أنْ يكونَ (تفاضُل) مبتدأً، و(فِي الأَعْمَالِ) خبرَه، والـ (باب) مضافٌ إلى الجملةِ، لكنَّه احتمالٌ بعيدٌ. حديث: يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار (٢٢) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ ◌َّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَهِ قَالَ: ((يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ))، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ((أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَا، أَوِ الحَيَاةِ - شَكَّ مَالِكٌ - فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جَانِبٍ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً)) قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: الحَيَاةِ، (١) في (ص): (كراهية). (٢) الكلام بتمامه في ((الكاشف)) (٤٤٤/٢). (٣) ليس في (ن). ١٠٧ كِتَابُ الإِئْمَانِ وَقَالَ: خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ . (مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ): إنْ قلتَ: هل يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بفعلٍ واحدٍ حرفا جرِّ مِنْ جنسٍ واحدٍ؛ وهو الكلمةُ الابتدائيَّةُ؛ يعني: مِن خردلٍ مِن إيمانٍ؟ قلتُ: لا يجوزُ، و(مِنْ خَرْدَلٍ): متعلِّقٌ بـ (حاصلٍ)؛ أي: حَبَّةٍ حاصلةٍ مِن خرْدلٍ . و(مِنْ إِيْمَانٍ): متعلِّقٌ بـ (حاصلٍ) آخرَ، أو بقوله: (مَنْ كَانَ). ونكَّرَ (الإيمان)؛ لأنَّ المقامَ يقتضي التَّعليلَ، ولو عرَّفَ؛ لم يُفِدْ ذلك. حديث: بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي (٢٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصِّ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ ابْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ)). قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الدِّينَ)). (رَأَيْتُ): يَحتمل أنَّها حُلُميَّة من الرُّؤيا، وهو الأظهر، وأنَّها بصريَّةٌ من الرُّؤية، وأنَّها عِلْميَّةٌ من الرَّأْيِ، وكلامُ الكرمانيّ يُشعرُ بأنَّ مصدرَه أيضًا (رؤيا)، ولا يُعْرَف، وإنَّما الخلافُ هَلَ هو (١) مصدرٌ مقصورٌ(٢) على الحُلُميَّةِ كما زعمه الحَريريُّ أو يكونُ في البصريّةِ أيضًا كما هو قولُ الجمهورِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا اُلُّنْيَا الَّتِيَّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]؟ فجَعْلُ الكرمانيِّ (الرُّؤية) للحُلُميَّةِ و(الرُّؤيا) للبصريَّة معكوسٌ، قاله البِرْماويُّ، وسيأتي في التَّفسير في سورة (بني إسرائيل)(٣). (يُعْرَضُونَ): في موضعِ نصبٍ حالٌ؛ إنْ جُعلت (رأى) بصريَّةٌ. (١) أي: (رؤيا). (٣) (خ: ٤٧١٤). (٢) في (ن): (هل هي مقصورةٌ). ١٠٨ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول قال الكرمانيُّ: (أو حُلُميَّة)(١)، وفيه نظرٌ؛ فإنَّها تَنصبُ الجُزْأَين؛ كما في قوله: [من الوافر] أَرَاهُمْ رِفْقَتِي حَتَّى إِذَا مَا تَجَافَى اللَّيْلُ وانْخَزَلَ انْخِزَالا فيكون مفعولًا ثانيًا؛ كما لو جُعلت (رأى) علميّةً. قال الكرمانيُّ: ويَحتمل رفعُ ((النَّاس))؛ كقوله: [من الوافر] رَأَيْتُ (٢) النَّاسُ يَنْتَجِعُونَ غَيْئًا وفيه نظرٌ؛ لأنَّ البيتَ ليسَ فيهِ (رأى) حتى يُستشهَدَ به على الرَّفع بعدَها، إنَّما هو (سمعتُ: الناسُ)؛ كما رواه الحسنُ بنُ أَسَدٍ وغيرُه؛ أي: سمعتُ هذا الكلامَ؛ أي: قولَه، والقولُ يُحذَفُ كثيرًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ أُسْوَذَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عِمرَان: ١٠٦] أي: فيُقالُ لهم: أكفرتُم؟ فإنْ أرادَ أنْ يكونَ ذلك من باب إلغاءِ فِعْلِ القَلْبِ مع تأخّرِ المفعولَينِ؛ فممتنعٌ، أو يُؤَوَّلُ إمَّا على أنَّ المفعولَ الأوَّلَ ضميرُ الشَّأنِ، أو أنَّه مِنْ تقديرِ لام معلّقَةٍ عنِ العملِ . (قَالَ: ((الدِّينَ))): هو بالنَّصبِ مفعولُ (أَوَّلْتَ)، ويجوزُ فيه الرَّفعُ مشاكلةً للمبتدأِ، وعلى النَّصبِ اقتصرَ الكرمانيُّ. باب الحياء من الإيمان (بَابٌ: الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيْمَانِ): برفع (الحَيَاءُ) سواءٌ أضفتَ إليه الـ (باب) أم لا؛ لأنَّه مبتدأٌ، و(مِنَ الإِيمَانِ) خبرُه. باب: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التّوبَة: ٥] حديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله (٢٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ المُسْنَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحِ الحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتٌُ أَبِي يُحَدِّثُ، (١) كذا في النسختين، وليس في ((الكواكب)) (١١٩/١) ما يفيده. (٢) في (ص): (سمعت)، وكتب فوقها: (رأيت). ١٠٩ كِتَابُ الإِيمَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَّهِ قَالَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ)). (أَنْ أُقَاتِلَ): أي: بأنْ، وحَذْفُ الجارِّ كثيرٌ سائغٌ مطَرِدٌ. (لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ): اعلم أنَّهم قالوا: لا يصحُّ أنْ يُجعلَ لفظُ الجلالةِ خبرًا؛ لأنَّ لفظَ الجلالةِ مستثنّى مِنْ مذكورٍ ؛ وهو (إِلَهَ)، والمستثنى من مذكورٍ لا يصحُ أنْ يكونَ خبرًا للمستثنى منه؛ لأنَّه لم يُذكَرْ إلَّا لِيَتبيَّنَ به ما قُصِدَ بالمستثنى منه، ولأنَّ المستثنى منه عامٌّ، ولفظَ الجلالةِ خاصٌّ، والخاصُّ لا يكون خبرًا للعامِّ، بلِ الواجبُ أنْ يكونَ الخبرُ عامًّا، أو مساويًا للمبتدأ؛ ولهذا لا يصحُّ أنْ يقالَ: (الحيوانُ إنسانٌ)، ويصحُّ العكسُ؛ وهو قولُنا: (الإنسانُ حيوانٌ)، ولأنَّ لفظَ الجلالةِ معرفةٌ، و(لا) لا تعملُ في المعرفةِ، والخبرُ المقدَّرُ هو قولنا: (في الوجود)، لا (لنا)؛ وذلك لأنَّ تقديرَ (لنا) وتقييدَ المنفيِّ به يُزيل عمومَهُ وتخصيصَهُ، فلا يكونُ هذا القولُ إقرارًا بالوحدانيَّةِ على الإطلاقِ. واعترضَ الرَّازيُّ على النُّحاةِ بأنَّ التَّقديرَ في كلمةِ الشَّهادةِ: (لا إلهَ في الوجودِ إلَّ اللهُ) بأنَّ هذا المنفيَّ عامٌّ مستغرِقٌ، فتقييدُه بقولهم: (في الوجود) يُزيلُ عُمومَهُ وتَخصيصَهُ، فلا يكونُ هذا القولُ إقرارًا بالوحدانيَّةِ على الإطلاق. وأُجِيبَ بأنَّ (الإلهَ) حقيقةُ مَنْ له الخَلْقُ والأمرُ، ومَنْ له الخَلْقُ والأمرُ يكونُ موجودًا ضرورةً؛ لامتناع إسنادٍ مَنْ له الخَلْقُ والأمرُ إلى العدم، فيُعكس بعكس النَّقيض إلى: ما ليسَ بموجودٍ ليسَ بإلهٍ، فنفيُ الإلهِ في الوجودِ يُفيدُ العمومَ المقصودَ الَّذي هو عامٌّ على إطلاقِهِ، وبأنَّ المرادَ بقولِ النُّحاةِ: (في الوجود): الوجودُ المطلقُ الصَّادقُ على العَيْنِيِّ والعِلْمِيِّ(١)؛ فإذا نُفيَ الإلهُ في الوجودِ يلزمُ نفيُه مطلقًا، فإنَّ ما لا يُوجَدُ بأحد الموجودين لا حقيقةً له أصلًا، فالنَّفي عامٌّ على هذا، والإقرارُ على هذا الوجهِ إقرارٌ بالوحدانيَّةِ على الإطلاقِ. (١) أي: والذهني. ١١٠ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي/ الجزء الأول (إِلَّا بِحَقِّ [الْإِسْلَام]): الإضافةُ فيه إمَّا بمعنى (اللَّام)، أو بمعنى: (مِن)، أو بمعنى (في)، وهو استثناءٌ مفرٌَّ، والمستثنى منه أعمُّ مِنَ الجارِّ والمجرورِ، والعصمةُ متضمِّنةٌ لمعنى النَّفي، حتَّى يصحَّ تفريغُ الاستثناءِ؛ إذ هو شَرْطُهُ. باب من قال: إن الإيمان هو العمل (بَابُ مَنْ قَالَ): لا يجوزُ في هذا الباب إلَّ الإضافةُ إلى ما بعدَه. (﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾): (ما) في الآية ونظائرها إمَّا مصدريَّةٌ أو موصولةٌ، وكذا الوجهان في (ما) في الآية التي تلاها(١) بعدَها. والباء هنا: قال الكرمانيُّ: (للملابسةِ، ليستْ للسببيَّةِ أو للمقابلة؛ نحو: ((أعطيت الشَّاة بالدِّرْهم))). وقال ابنُ هشام: (الباء هنا للمقابلة). هذا من جهة النَّحْو، وأمَّا المعنى؛ فليُطلب مِنْ مُؤَلَّفي على ((البخاري)). حديث: أن رسول اللّه ◌َ ل سئل: أي العمل أفضل؟ (٢٦) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لْهِ سُئِلَ: أَيُّ العَمَّلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: ((إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)). قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((حَجِّ مَبْرُورٌ)). (إِيمَانٌ) - وكذا أخواه(٢) -: خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هو إيمانٌ، أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ؛ أي: أفضلُ؛ لتخصيص المبتدأ بمُتَعَلَّقِهِ. باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة (بَابُ: إِذَا لَمْ ... ) الترجمةَ: لفظُ (إِذَا) للّرفيَّة المحضة؛ أي: بابُ حين عُدِمَ كونُ الإسلام على الحقيقة، فلفظة الـ (باب) مضافةٌ إليها، ويَحتمل أن تكون متضمِّنةً لمعنى الشَّرط، والجزاءُ محذوفٌ؛ أي: نحو: لا يُعتدُّ به ولا يُنْجِيه، (١) أي: البخاري تَّشُ تعالى. (٢) يعني قوله: (الْجِهَادُ) و(حَجِّ). ١١١ كِتَابُ الإِيمَانِ فيجوزُ في الـ (باب) غيرُ الإضافةِ. فإن قلتَ: (إِذَا) للاستقبال، و(لَمْ) لِقَلْبِ المضارع ماضيًا، فكيفَ اجْتِمَاعُهما؟ قلتُ: (إِذَا) ها هنا لمجرَّد الوقت، ويَحتمل أن يُقال: (لَمْ) لنفيِ الكونِ المقلوبِ ماضيًا، و(إِذَا) لاستقبالِ ذلك النَّفي، قاله الكرمانيُّ. وقال شيخُنا في ((الفتح)): (حُذف جواب ((إِذَا)) للعلم به، وجوابه: لم ينفع في الآخرة). حديث: أن رسول اللّه ◌َلّ أعطى رهطًا وسعد جالس (٢٧) حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ ابْنُ سَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ ◌َُهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللّهِ وَ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: (أَوْ مُسْلِمًا)) فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: ((أَوْ مُسْلِمًا)). ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا سَعْدُ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ)). (وَغَيْرُهُ): مبتدأٌ، و(أَحَبُّ): خبرُه، والجملةُ حاليَّةٌ. و(خَشْيَةَ): منصوبٌ بأنَّه مفعولٌ له لـ (أُعْطِي) سواءٌ فيه روايةُ التَّنوينِ مع تنكيرِهِ [وتقديرٍ لفظةِ (مِنْ)؛ أي: خشيةً مِنْ أَنْ يكبَّه الله]، وروايةُ الإضافةِ مع تعريفِه؛ لأنَّه مضافٌ إلى (أَنْ) مع الفعل، و(أَنْ) مع الفعل معرفةٌ، ويجوزُ في المفعولِ لأجلِه التَّعريفُ والتَّنکیرُ. والمفعول الثَّاني من باب (أعطيتُ) محذوفٌ، والحذفُ إمَّا للتعميم؛ أي: أعطيه أيَّ شيءٍ كان، أو يُجْعَل المتعدِّي إلى اثنين كالمتعدِّي إلى واحد؛ أي: أُوجِدُ هذه الحقيقة؛ يعني: إعطاءَ الرَّجل، والفائدةُ فيهما المبالغة. (يَكُبَّهُ): يقال: أكبَّ الرَّجلُ، وكَبَّهُ اللهُ، وهذا بناءٌ غريب، فإنَّ المعروفَ أنْ ١١٢ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول يكونَ الفعلُ اللَّزمُ بغير همزةٍ فيُعدَّى بها، وهنا عكسه، وقد أشار البخاريُّ إلى ذلك في موضع من ((صحیحه)). باب کفران العشیر وکفر دون كفر حديث: أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن (٢٩)(١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهَ: «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ)) قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: "يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطْ " . (أُرِيتُ النَّارَ): قال الكرمانيُّ: ((أُرِيتُ)) بضمِّ الهمزةِ وبضمِّ الثَّاء، وهو بمعنى: التَّبصير، والضَّميرُ هو القائمُ مَقامَ المفعولِ الأوَّلِ، و((النَّار التي أكثر أهلها النِّساء)) هو المفعولُ الثَّاني، والموصولُ بصلته صفةٌ لازمةٌ لـ((النَّار))، لا صفةٌ مخصّصةٌ؛ إذْ ليس المرادُ تخصيصَ نارٍ بهنَّ، و((يَكْفُرْنَ)): استئنافُ كلام؛ كأنَّه جوابُ سؤالٍ سائلٍ سألَ: يا رسولَ الله؛ لِمَ؟ وفي بعضِ الرِّواياتِ: ((أُرِيتُ النَّارَ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)) بزيادة: ((فَرَأَيْتُ))، وفي بعضها: ((أُرِيْتُ النَّارَ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)) بدون ((فَرَأَيْتُ))، وهو بفتح ((أَكْثَرَ)) و((النِّسَاءَ))، [فيكون] ((أَكْثَرَ))(٢) بَدَلٌ مِنَ ((النَّار))، و((النِّسَاءَ)) هو المفعول الثَّالث(٣)، و((أُرِيْتُ)) بمعنى: أُعلمتُ، وبضمِّهما(٤)، فيكون ((أَكْثَرُ)) مبتدأً، و((النِّسَاءُ)) خبره، والجملةُ الاسميَّةُ حالٌ بدون الواو؛ نحو قوله تعالى: ﴿أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البَقَرَة: ٣٦]، وفي بعضها: (بِكُفْرِهِنَّ) والباءُ للسبيَّة، وهي متعلِّقةٌ بـ((أكثر)) أو بفعل الرُّؤية المقيَّدة)(٥). (١) تأخّر شرح هذا الحديث في النسختين إلى ما بعد الحديث (٣١). (٢) في النسختين: (فأكثر) من دون (يكون)، والمثبت من مصدره. (٣) في (ن): (الثاني)، وهو خطأ . (٤) في النسختين: (وبضمها)، وكذا في مصدره، والمراد: (أكثر) و(النساء). (٥) ((الكواكب الدراري)) (١٣٥/١). ١١٣ كِتَابُ الإِيمَانِ (يَكْفُرْنَ الْعَشِيْرَ): إنَّما لم يُعَذَّ كُفرُ العشير بالباء؛ كما عُدِّيَ الكُفرُ بالله؛ لأنَّه ليس متضمِّنًا لمعنى الاعتراف، بخلافه (١). (وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ): كأنَّه بيانٌ لقوله: (يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ)؛ إذِ المقصودُ كُفرانٌ إحسانِ العشيرِ، لا كفرانُ ذاتِه، واللَّامُ في (الْعَشِيْرِ) للعهد، أو للجنس، أو للاستغراق، فإِنْ قلتَ: أيُّها(٢) الأصلُ في اللَّام؟ قلتُ: الجنسُ، وهو الحقيقةُ، فيُحمَل عليها، إلَّا إذا دلَّت قرينةٌ على التَّخصيصَِ أو التَّعميم؛ فنتبعُ القرينةَ حينئذٍ، وهذا حكمٌ عامٌّ لهذه اللَّامِ في جميعِ المواضع (٣). (لَوْ أَحْسَنْتَ): إِنْ قيلَ: (لو) لامتناعِ الشَّيءِ لامتناعِ غيرِهِ، فكيفَ صحَّ هُنا هذا المعنى؟ قلتُ: هو هنا بمعنى (إِنْ)؛ أي: لمجرَّدِ الشَّرطيَّة، ومثلُه كثيرٌ، ويَحتمل أَنْ يكونَ مِن قَبِيلٍ: (نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْبٌ، لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ؛ لَمْ يَعْصِهِ) (٤)؛ بأَنْ يكونَ الحُكمُ ثابتًا على النَّقيضين، والظَّرفُ المسكوتُ عنه أولى مِنَ المذكور (٥). (الدَّهْرَ): منصوبٌ على الظّرفيَّة، وهو بمعنى: الأَبَد، والمرادُ منه: دهر الرَّجُلِ؛ أي: مدَّةُ عُمُرِهِ، ويَحتمل أيضًا: مُدَّة بقاءِ الدَّهر مطلقًا على سبيل الفَرَض؛ مبالغةً في كفرانِهِنَّ وسوءٍ مِزاجِهِنَّ. وليس المرادُ بهذا الخطابِ مخاطبًا خاصًّا، بل كلُّ مَنْ يتأتَّى منه أنْ يكونَ مخاطَبًا به، وهذا على سبيلِ التَّجَوُّزِ؛ إذْ أصلُ وضْعِ الضَّميرِ أنْ يكونَ مستعمَلًا لمعيَّنٍ مشخَّصٍ. فإنْ قلتَ: لو لم يكن عامًّا؛ لمَا جازَ استعمالُه في كلِّ مخاطَبٍ - كزيدٍ مثلًا - حقيقةً؟ قلتُ: عامٌّ باعتبارِ أمرٍ عامٍّ لمعنّى خاصٍّ، بخلاف العِلم؛ فإنَّه خاصٌّ (١) انظر ((الكواكب الدراري)) (١٣٦/١). ( (٣) انظر ((الكواكب الدراري)) (١٣٦/١). (٢) في (ص) ومصدره: (أيهما). (٤) أورده من حديث عمر ◌ُله من غير إسناد: أبو عبيد القاسم بن سلام في ((غريب الحديث)) (٣٩٤/٣). (٥) انظر ((الكواكب الدراري)) (١٣٦/١). ١١٤ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول بالاعتبارين، وهاهنا قاعدةٌ كليَّةٌ كثيرةُ النَّفْع؛ وهي: أنَّ اللَّفظَ قد يُوضعِ وضعًا عامًّا لأمورٍ مخصوصةٍ؛ كاسم الإشارة؛ فإنَّه يُوضعُ باعتبارِ المعنى العامِّ الَّذي هو الإشارةُ الحسيَّةُ للخصوصياتِ الَّتي تحتَه؛ أي: لكلِّ واحدٍ ممَّا يُشارُ إليه، ولا يُرادُ به عند الاستعمالِ العموم على سبيلِ الحقيقةِ، وقد يُوضع وضعًا عامًّا الموضوع له عامٌّ؛ نحو: (الرَّجُل)، فلا يُرادُ به خاصٌّ حقيقةً، وهو عكسُ الأوَّلِ، وقد يُوضَّع وضعًا خاصًّا لموضوعٍ له خاصٌّ؛ نحو: (العلم)، ومُلَخَّصه: أنَّ للواضع ثلاثةَ أقسامٍ من الموضوعات: - وضعٌ باعتبارٍ عامٍّ لموضوعٍ له عامٌّ؛ نحو: (الرَّجل). - وضعٌ باعتبارٍ عامٍّ لموضوعِ [له] خاصٍّ؛ نحو: اسم الإشارة. - وضعٌ(١) باعتبارٍ خاصِّ لموضوع [له] خاصٌّ؛ نحو: (زيد). والمضمراتُ مِنَ القسم الأوسط، فإذا أُريدَ عند الاستعمالِ بالضَّميرِ الَّذي في (أَحْسَنْتَ) مخاطبةُ معيَّنٍ؛ كانَ حقيقةً؛ لأنَّه على وَفْقٍ وضعِه، وإذا أُريدُ به كلُّ مَن يصِحُّ منه كونُه محسنًا؛ كان مجازًا، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ فَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ﴾ [السَّجدَة: ١٢]. و (شَيْئًا): التَّنوينُ للتحقيرِ، أو التَّقليل، أو لهما؛ أي: شيئًا حقيرًا أو قليلًا لا يُوافِقُ مزاجَها(٢) . باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا ... (وقولُ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾) الآيةَ: هو بالرَّفع معطوفٌ على (بابٌ) المنوَّن المرفوع. حدیث: يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية (٣٠) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلِ الأَحْدَبِ، عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرِّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي (١) زيد في (ن) وهامش (ص): (كلام). (٢) انظر ((الكواكب الدراري)) (١٣٦/١-١٣٧). ١١٥ كِتَابُ الإِيمَانِ النَّبِيُّ وَّهِ: ((يَا أَبَا ذَرِّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّقْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ)). (فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ): قال الكرمانيُّ: (إِنْ قلتَ: هذا التَّعيير كان هو نفسَ السَّبِّ، فكيف تصحُّ الفاء بينهما وشرطُ المعطوفينِ مغايَرَتُهُما؟ قلتُ: هما متغايرانٍ بحسَب المفهوم مِنَ اللَّفظ، ومثلُ هذه الفاءِ تسمَّى بالفاء التَّفسيريَّةِ؛ وذلك نحوُ قوله تعالى: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيِّكُمْ فَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٥٤] حيث قالوا: القتلُ هو نفسُ التوبةِ) انتهى. وفيه ردٌّ على مَنْ مَنَعَ - وهو (١) الجوهريُّ وابنُ قتيبةَ - أنْ يقالَ: عيَّرَه بكذا، وإنَّما يُقالُ: عيَّرَه أمَّه، وردُوا على مَنْ قال: [من الخفيف] أَيُّهَا الشَّامِتُ المُعَيِّرُ بِالذَّهْ والحديثُ حُجَّةٌ عليهم. (أَعَيَّرْتَهُ): الاستفهامُ للتَّقريرِ، أو الإنكارِ التَّوبيخيِّ. قال ابنُ مالكِ: (ومِنْ حَذْفِ الهمزة في الكلام الفصيح: ((عَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ (٢))، أرادَ: أَعَيَّرْتَهُ؟ ومنه: ((وإِنْ سَرَقَ وزَنَى؟)) (٣) أرادَ وََّ: أَوَإِنْ سَرَقَ وزَنَى؟ ومنه: أَنَّ رجلًا قال: إِنَّ أُمِّي ماتتْ وعليها صومُ شهرٍ فَأَقْضِيهِ؟، وفي بعضِ النُّسَخِ: أَفَأَقْضِيهِ؟). (إِخْوَانِكُمْ): بالنَّصب؛ أي: احفظوا [إخوانَكُم]، ويجوزُ الرَّفعُ (٤) على معنى: هم [إخوانُكم]، وعن أبي البقاءِ: (النَّصبُ أجودُ)، لكنَّ البخاريَّ رواهُ في (١) من (ن). (٢) تحتمل في (ص): (بأبيه)، وكذا وقع في نسخة من ((شواهد التوضيح)) كما أفاده محققه، وقال: (وكذا كانتْ في الأصلِ فصُحِّحَتْ، ولعلَّ التصحيحَ حادثٌ؛ إذْ بهامشِ الأصل: قولُه: ((أعيرتَه بأبيه)) هذا غيرُ الواقعِ في الرواية، وهو سبْقُ قلمٍ من الشيخ تَّثُ، والواقعُ هو: ((أعيرتَه بأمِّه)) بالميم، وهي حمَامة والدة بلال. اهـ). (٣) (خ: ٦٤٤٣). (٤) وهو رواية اليونينية. ١١٦ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ لسبط ابن العجمي/ الجزء الأول [كتاب الأدب](١): ((هُمْ إِخْوَانُكُمْ))(٢)، وهو يُرجِّحُ الرَّفعَ. باب: ﴿وَإِن طَآئِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحُجَرَات: ٩] حديث: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار (٣١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَيُونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِذَا التَّقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ قَالَ: ((إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)). (هَذَا الْقَاتِلُ): مبتدأٌ وخبرٌ؛ أي: هذا يَستحِقُّ النَّارَ لأنَّه قاتلٌ، فالمقتولُ كيف يَستحِقُّ ذلك وهو مظلومٌ؟ باب علامة المنافق حديث: آية المنافق ثلاث (٣٣) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيع، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ" . (إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ... ): إنْ قلتَ: الجُمل(٣) الشَّرطيَّةُ بيانٌ لـ (ثَلَاثٌ) أو بَدَلٌ، لكن لا يصحُّ أنْ يقالَ: الآية إذا حدَّث كذب ... ، فما وجهُه؟ قلتُ: معناه: آيةُ المنافِقِ كَذِبُهُ عند تحديثِه ... ، وذلك مثلُ قولِه تعالى: ﴿فِيهِ ءَايَتُ بِنَكٌ (١) في النسختين: (في بدء الخلق)، وفي ((التنقيح)) للزركشي: (في كتاب حسن الخلق)، وصوابه ما أثبت. (٢) (خ: ٦٠٥٠). (٣) في النسختين: (الجملة)، والمثبت الموافق لما في ((الكواكب الدراري)) أولى. ١١٧ كِتَابُ الإِئْمَانِ مَّقَامُ إِبْزَهِيمٌ وَمَن دَخَلَهُ، كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] على أحد التّوجيهات(١). حديث: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا (٣٤) حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍ و أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ: "أَرْبَعْ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَّمَ فَجَرَ " . (أَرْبَعٌ): مبتدأُ بتقدير: أربعُ خصالٍ، أو خصالٌ أربعٌ، وإلا فهو نكرةٌ صِرفةٌ، والشَّرطيَّةُ خبرُه، ويَحتمل أنْ تكونَ الشرطيَّةُ صفتَه، و(إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) إلى آخره خبرُه؛ بتقدير: أربعٌ كذا هي الخيانةُ عند الإيمان ونحوه، وقد مرَّ توجيهُه قريبًا في (ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ»(٢). باب قيام ليلة القدر من الإيمان (بَابٌ: قِيَامُ ... ) الترجمةَ: (قِيَامُ) ليس فيه إلَّا الرَّفعُ، فـ (قِيَامُ) مبتدأٌ، و(مِنَ الْإِيْمَانِ): خبرُه. حديث: من يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا (٣٥) حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». (مَنْ يَقُمْ) إلى أنْ قال: (غُفِرَ): وقع فيه فعلُ الشَّرطِ مضارعًا والجوابُ ماضيًا، والنُّحاةُ يستضعفونَهُ، ومنهم مَنْ مَنَعَه إلَّا في ضرورةِ الشِّعر، وأجازُوا (١) في أنَّ معنى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ، كَانَ ءَامِنَا﴾ وأمنُ من دخله، عطفًا على قوله: ﴿مَّقَامُ إِزَهِيدٌ﴾ وانظر ((الكواكب الدراري)) (١٤٨/١)، ((الدر المصون)) (٣١٦/٣-٣٢٠). (٢) (خ ١٦، ٢١). ١١٨ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول عكسَه؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَنِ﴾ [هُود: ١٥]، ومَنْ أجاز الأوَّل احتجَّ بهذا الحديث، ومنهُ قولُ عائشة ◌َّا في الصِّدِّيقِ: (مَتَى يَقِمْ مَقَامَكَ؛ رَقَّ)، وَلَا ضَعْفَ، وكيفَ وهو في كلامِ أفصحِ الخَلْقِ وغيرِه؟ وقال شيخُنا في ((الفتح)): (استدلَّ النُّحاة بهذا في استعمال الشَّرطِ مضارعًا والجوابٍ(١) ماضيًا، وعندي في الاستدلالِ به نظرٌ؛ لأنِّي أظنُّه مِنْ تصرُّفٍ الرُّواة، فقد رواه النَّسائيُّ عن محمَّدٍ بن عليٍّ بن ميمون، عن أبي اليمانِ شيخٍ البخاريِّ، فلم يُغايرْ بين الشَّرطِ والجزاءِ، وكذلك رواه أبو نُعيم في ((المستخرج)) عن سليمانَ - وهو الطَّبرانيُّ - عن أحمدَ بن عبد الوهّاب، عن أبي اليمان، ولفظُه: (لَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَيُوَافِقُهَا)، [وقوله: ((فيوافقُها))] زيادةُ بيانٍ، وإلَّ فالجزاءُ مُرَتَّبٌ على قِيام ليلةِ القدرِ، ولا يَصدُقُ قِيامُ ليلةِ القدرِ إلَّا على مَنْ وافقَها). وقال الزَّركشيُّ: (فيه مجيءُ فعلِ الشَّرطِ مضارعًا والجوابِ ماضيًا، وهو قليلٌ، وقدِ استُنبِطَ أيضًا مِن قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نُقَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ﴾ [الشعراء: ٤]؛ لأنَّ تابعَ الجوابِ جوابٌ). (إِيْمَانًا وَاحْتِسَابًا): مفعولٌ له أو تمييزٌ، وقال الزَّركشيُّ: (مصدرٌ في موضعٍ الحالِ؛ أي: مؤمنًا محتسبًا، أو مفعولٌ مِن أجلِه . قال أبو البقاءِ: نظيرُه في جوازِ الوجهين قوله تعالى: ﴿أَعْمَلُوْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سَبًا: ١٣]) انتهى. وقال الكرمانيُّ: (فإنْ قلتَ: هل يصحُّ أن يكون حالًا؛ بأن يكون المصدر في معنى اسم الفاعل؛ أي: مؤمنًا محتسبًا؟ قلتُ: حينئذٍ لا يدلُّ على ترجمة الباب؛ إذِ المفهومُ ليس إلَّا أنَّ القيامَ في حال الإيمان، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يُقالَ: كونُه في حالِ الإيمانِ وفي زمانِهِ مُشْعِرٌ بأنَّه مِن جملتِهِ، وكَلَفُ الكُلْفَةِ في توجيهِهِ ظاهرٌ. (١) في (ن): (والجزاء). ١١٩ كِتَابُ الإِيمَانِ فإِنْ قلتَ: فالتَّمييزُ والمفعولُ له لا يَدُلَّانِ أيضًا على أنَّه مِنَ الإيمانِ؛ قلتُ: ((مَنْ)) للابتداء، فمعناهُ: أنَّ القيامَ منشؤُهُ الإيمانُ، فيكونُ للإيمانِ أو مِن جهةٍ الإيمانِ . فإِنْ قلتَ: شرطُ التَّمَيُّزِ أن يقعَ موقعَ الفاعل؛ نحو: ((طابَ زيدٌ نفسًا))؛ قلتُ: اطّرادُ هذا الشَّرطِ ممنوعٌ، ولَئِنْ سلَّمنا؛ فهو أعمُّ مِنْ أنْ يكونَ فاعلًا بالفعلِ أو بالقوّةِ؛ كما يُؤَوَّلُ: ((طارَ عمرٌو فَرَحًا))؛ بأنَّ المرادَ طيرة الفرحِ، فهو في معنى إقامةِ الإيمانِ). (مِنْ ذَنْبِهِ): (مِنْ): إمَّا متعلِّقةٌ بقولِه: (غُفِرَ) أي: غُفِرَ مِنْ ذنبِه ما تقدَّم، فهو منصوبُ المحلِّ، أو هيَ مبِّنةٌ لـ (مَا تَقَدَّمَ)، فهي مرفوعُ المحلِّ؛ لأنَّ (مَا تَقَدَّمَ) هو مفعولُ ما لم يسمَّ فاعلُه. وقال البِرْماويَّ: (قلتُ: الظَّاهرُ تعلُّقُه بـ(تَقَدَّمَ))، ونائبُ الفاعلِ (مَا))؛ لأنَّهُ اللَّائِقُ بالمعنى والصِّناعة). باب الجهاد من الإيمان (بَابٌ: الْجِهَادُ ... ) الترجمةَ: (الْجِهَادُ): مرفوعٌ لا غيرُ. حدیث: انتدب الله لمن خرج في سبيله (٣٦) حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: ((انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّ إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلٍ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ)). (إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي): هو بالرَّفعِ فيهما؛ لأنَّه فاعلُ (يُخْرِجُهُ)، والاستثناءُ مفرٌَّ، وفي ((مسلم)) بالنَّصب(١)، ووَجهُه: أنَّه مفعولٌ له، التَّقديرُ: لا (١) (ح: ١٨٧٦). ١٢٠ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول يُخرِجُه(١) المخرِجُ ويحرِّكُه المحرِّكُ إلَّا للإيمانِ والتَّصديقِ، ومعناه: لا يُخرجُه إلَّا مَخْضُ الإيمانِ والإخلاص لله تعالى. وقال الكرمانيُّ: (السِّياقُ يقتضِي أَنْ يقالَ: إيمانٌ به، فَعَدَلَ عنِ الغَيبةِ إلى الخطابِ التفاتًا، أو ذكرًا على سبيلِ الحكايةِ مِنْ قولِ الله تعالى). وقال ابنُ مالكِ في ((الشواهد)): (تضمَّنَ هذا الحديثُ ضميرَ غَيبةٍ مضافًا إليه ((سبيل))، وضميرَيْ حضورٍ: أحدهما في موضع جرِّ بالباء، والآخر في موضع جرِّ بإضافة ((رُسُل))، وكانَ اللَّائِقِ في الظَّاهرِ أنْ يَكونَ بَدَلَ الياء الهاء، فلا بُدَّ مِنَ التَّأويل، وهو تقديرُ اسمٍ فاعلٍ مِنَ القولِ منصوبٍ على الحالِ؛ كأنَّه قالَ: انتدبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ في سبيلِهِ قائلًا: لا يُخرجُهُ إلَّ الإيمانُ بي، ويجوزُ أنْ يكونَ الهاءُ في (سبيله)) عائدًا إلى ((مَنْ))، ولـ((سَبِيْلِهِ)): نعتٌ محذوفٌ؛ أي: سبيلِه المرضيّة، ثم أضمر بعد ((سبيله)): ((قال)) ونحوَه، ولا موضعَ له مِنَ الإعرابِ) انتهى. وقال ابنُ المُرَحِّل: (وقوله: ((كان اللَّائق)) فيه إساءَةُ أدبٍ، وإنَّما هو مِنْ بابِ الالتفاتِ، ولا حاجةَ إلى تقديرِ حالٍ؛ لأنَّ الحالَ لا يجوزُ حذفُه). وقال ابنُ الملقِّنِ: (عُدُولُهُ عنْ ضميرِ الغَيبةِ في قولِه: ((إيمانٌ به وتصديقٌ برسوله)) إلى الحضورِ يحتاجُ إلى تقديرٍ؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عِمرَان: ١٠٦]؛ أي: يقال لهم: أكفرتُم، ونظائِرِه). إشارةٌ: (قالَ الأشرفُ: ((لا يُخرجُه إلَّا إيمانٌ بي)) فيه إضمارٌ؛ أي: انتدبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ في سبيلِه قائلًا: لا يُخرِجُه إلَّا إيمانٌ بي، أقولُ: هذا أحدُ قولَي ابنِ مالكٍ، والآخرُ: أنَّ الضَّميرَ في ((سبيله) راجعٌ إلى ((مَنْ))، ولـ((سِبِيلِهِ)) نَعْتٌ محذوفٌ؛ أي: في سبيلِه المرضيَّةِ، والنَّعتُ يُحذَفُ كثيرًا إذا كان مفهومًا؛ نحو قوله تعالى: ﴿لَاذُكَ إِلَى مَعَاٍَ﴾ [القصص: ٨٥]؛ أي: معادٍ تُحِبُّه، ثمَّ أُضمِرَ بعدَ ((سبيلِه)) قولٌ حُكِيَ به ما بعدَ ذلك، لا موضِعَ له مِنَ الإعرابِ؛ يعني: أنَّ الجملةَ الثَّانيةَ استئنافيَّةٌ، كأنَّ قائلًا قال: وما ذاك بالانتداب وكيف انتدب؟ (١) في النسختين: (يخرج)، ولعلَّ المثبت هو الصواب.