Indexed OCR Text

Pages 1-20

=
١
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كبيرا دائما أبداً(١).
قال الشيخُ الإمامُ العلامةُ(١) بدر الدين محمدُ بنُ عبدالله الزركشي الشافعي-
تغمَّده الله بالرحمة والرضوان - وأسكنه فسيح الجنان (١)، إنه على كل شيء قدير ":
الحمد لله على ما عمَّ بالإنعام، وخصَّ بالبيان والإفهام، والصلاة والسلام على
سيدنا محمد خير الأنام، المبعوث بجوامع الكلام، (وعلى آله وصحبه نجوم
الظلام)(٥)، أما بعد:
فإني قصدت في هذا الإملاء إلى إيضاح ما وقع في صحيح الإمام الجليل أبي
عبدالله محمدبن إسماعيل البخاريِّ -رحمه الله - من لفظ غريب، أو إعراب
غامض، أو نسب عويصٍ، أو راو يُخشى في اسمه التصحيفُ، أو خبر ناقص يُعْلَمُ
تتمَّتَّهُ، أو مُبْهَم عُلمَ (٧) حقيقتُه، أو أمر وُهِّم فيه، أو كلام مستغلق يمكن تلافيه، أو
تبيين مطابقة الحديث للتبويب، ومشاكلته على وجه التقريب، مُنتخباً من الأقوال
أصحَّها وأحسَنَها، ومن المعاني أوضَحَهاَ وأبينَها، مع إيجاز العبارة، والوَمْءَ
(٨)
بالإشارة؛ فإنّ الإكثار دَاعيةُ الملال؛ وذلك لما رأيت [من] ناشئة هذا العصر حين
قراءته من التقليد للنُّسَخ المصحّفةِ (١٠)، وربما لا يُوَفّقون لحقيقة اللفظ فضلا عن
معناه، وربّما يَتَخَرَّصُ خُرَّاصِهم ( ١١) فيه، وَيَتَبَجَّحُ بما يظُنُّه وييديه،َ ورُبَّما المنصفُ لو
كشف عمّا أشكل لا يجد ما يُحصِّل الغرضَ إلا مُلَفَّقًا من تَواليف، أو مُفَرَّقًا من
(١) في (أ) اللهمّ صلّ على سيدنا محمد وسلم.
(٢) في (أ) و(ب) العالم العامل العلامة، وحيد دهره وفريد عصره.
(٣) في (أ) بحبوحة جنته.
(٤) سقطت هذه المقدمة من (جـ).
(٥) ما بين القوسين ساقط من (جـ).
(٦) ساقطة من (جـ).
(٧) في (ب) علمت.
(٨) في (أ) و(ب) والرمز.
(٩) ساقطة من (ص) والمثبت من (ب).
(١٠) من (أ) و(جـ) وفي (ص) الصحيحة.
(١١) في (ص) حرّاصهم وفي (أ) و(ب) خواصهم والمثبت من حاشية (ص).

٢
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
تصانيف .
وأرجو أنّ هذا الإملاء يريح من تعب المراجعة، والكشف والمطالعة، مع زيادة
فوائدَ، وتحقيق مقاصدَ، ويكادُ يَستغنى به اللبيبُ عن الشروح؛ لأن أكثرَ الحديث
ظاهرٌ لا يحتاج لبيان، وإنما يُشرح [منه] ما يُشكل، وسمّته: ((التنقيح لألفاظ الجامع
الصحيح)) والله تعالىّ يجعله خالصاً لوجهه الكريم، مُقَرَّبًا بالفوز لجنات النعيم، ومن
أراد استيفاء طُرُق الشرح على الحقيقة فعليه بالكتاب الُسمَّى بـ((الفصيح في شرح الجامع
الصحیح)، أعان الله تعالی علی إكماله بمحمد وآله (١).
٠
٠٠
(١) في (ب) من.
(٢) توسل بغير الله، وهو غير جائز.

=
٣
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله وَلانه
يجوز في ((باب)) التنوين والإضافة، وهو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب.
ولا يقال: ((كيفَ)) لا تضاف؛ لأنّا نقول: الإضافة إلى الجملة كلا إضافة.
ورُوي بإسقاط الباب (١)، ورُوى ((بدء)) بالهمز: من الابتداء، وبتركه مع ضم
(٦٤
الدال وتشديد الواو: من الظهور ، والأحسنُ: الهمز؛ لأنه يجمع المعنيين .
(٥)
«وقول الله» جوّز فيه القاضي وجهين:
الرفع بالابتداء، والكسر عطفا على ((كيف)) فإنها في موضع خفض، والتقدير:
بابُ كيف كذا، وباب معنى قول الله أو ذكر قول الله. ولا يُقدّر هنا الكيفية؛ إذ لا
يُکیَّفُ كلامُ الله.
ومن محاسن ما قيل في تصدير الباب بحديث النية: تعلقه بالآية المذكورة في
الترجمة ١١؛ لأن الله تعالى أوحى إليه وإلى الأنبياء قبله أن الأعمال بالنيات، بدليل
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمروا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلصينَ﴾ (٧) وقصده من ذلك أن كلّ مُعَلِّم أراد
بعلمه وجهَ الله ونفعٌ عباده فَإنه يُجازى علَى نَّته.
(سمعت رسول الله ﴿يقول))(٨) هذا ممّا يتكرّر كثيرا. وقد اختُلف هل يتعدّى
(سمعت)) إلى مفعولين؟ فجوّزه الفارسيّ لكن لابُدّ أن يكون الثاني ممّا يُسمع نحو:
سمعت زيدا يقول كذا، فلو قلت: سمعتُ زيداً أخاك: لم يجز.
(١) ساقطة من (ب).
(٢) ينظر فتح الباري ١/ ٩ وارشاد الساري ١ / ٦٧ .
(٣) ينظر مشارق الأنوار ١ / ٨٠ وفتح الباري ١ / ١٠ .
(٤) هذا قول أبي مروان بن سراج كما ذكر القاضي في المشارق ١/ ٨٠ .
(٥) نقله صاحب الفتح ١/ ١١ والقاضي هو: أبوالفضل عياض بن موسى اليحصبي، امام في الحديث والنحو
واللغة، صاحب مشارق الأنوار والإكمال في شرح مسلم. ت٥٤٤ هـ ترجمته في الوفيات ٤٨٣/٣
والشذرات ١٣٨/٤ والاعلام ٩٩/٥.
(٦) يعني قوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ ينظر صحيح البخاري ١/ ٢١.
(٧) سورة البينة آية ٥، وتمامها: ﴿ ... له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة)).
(٨) حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((سمعت رسول الله |يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما
نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) صحيح البخاري
١/ ٠١،٢١
(٩) الإيضاح العضدي ص ١٩٧ .
٠

٤
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
والصحيحُ: تعديتُها إلى واحد، وما وقع بعده منصوبًا: فعلى الحال (١)، والأول:
على تقدير مضاف؛ أي: سمعت كلامَ رسول الله وَّ؛ لأن السّمع لا يقع على
الذوات، ثم بُيِّن هذَا المحذوفُ بالحال المذكورة، وهي ((يقول)) وهي حال مبينة، ولا
(٢)
يجوز حذفها
(إنَّما الأعمالُ بالنيّات)) فيه إضمارٌ، ويحتمل وجوهًا: تعتبر بالنيات، تصحّ،
تُجتلب، والثاني: هو المشهور. والثالث: أقلّ تخصيصا، والأول: أعمّ فائدة؛ لأن
العمل إذا لم يكن مُعتبرا إلا بالنية لا يكون صحيحًا، ولا يتعلق به حكم، واللام في
((الأعمال)) للجنس على المشهور؛ أي: كلُّ عمل، ومقابلة الأعمال بالنيات، مقابلة
الآحاد بالآحاد؛ أي: لكل عمل نية، أو إشارة إلى تنوع النيات؛ يعني إنْ كان
القصدُ (رضا الله فله مزيةٌ، وإن كان القصد)(٤) دخولَ الجنّة فله مزية، وإن كان
القصد الدنيا فهو بقدرها يتشرّف الفعل، ذكره الجويني.(٦) و(النّات)) جمع نيّة
بالتشديد والتخفيف؛ فالتشديد من نَوَى يَنْوي [نيَّةً]: (٧) قَصَدُ(٨)، وأصله: نوية،
قُلبت الواو ياءً ثُم أدغمت في الياء بعدها؛ لتقَاربهما. ومن خفَّفَ: فمنَ ونَّى
يَنِي (٩): أبْطأ (١٠) وتأخّر؛ لأن النية تحتاج في تصحيحها إلى إبطاء، والباء في
(بالنيات)) تحتمل السببية، والمصاحبة (١١).
((وإنما لكلّ امرئ ما نوى)» هذه الجملةُ غيرُ الأولى؛ فإنّ الأولى نَّبَّهَتْ على أنَّ الأعمال لا
(١) ينظر عمدة القاري ٢٣/١ .
(٢) ينظر إرشاد الساري ١/ ٧٣ .
(٣) في (ب) إذا .
(٤) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٥) في حاشية (ص): خ فبقدرها.
(٦) نقله ابن حجر في الفتح ١٤/١ والجويني هو محمد بن أحمد بن خليل فقيه توفي في قرطبة سنة ٦٩٣ هـ ترجمته
في الوفيات ١٨٢/٢ والإعلام ٣٢٤/٥ .
(٧) ساقطة من (ص) والمثبت من (ب).
(٨) ينظر الصحاح (ن وى)
(٩) جاء في اللسان (ن وى): ((ونية بالتخفيف عن اللحياني وحده، وهو نادر، إلا أن يكون على الحذف)).
(١٠) في (ب) من ابطأ.
(١١) ينظر الفتح ١٦/١ والعمدة ٢٤/١.

=
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
تصير حاملةً لثواب وعقاب إلا بالنية، والثانية: أن العامل يكون له من العمل على قدر نيته،
ولهذا أُخِّرت عن الأولى لترتبها عليها.
وقال الخطابي: (١) أفادت الثانية تعيينَ العمل بالنية؛ لأنه لو نوى صلاة إن كانت
فائتةً وإلا فهي تطوُّعٌ لم تُجْزه عن فرضه؛ لأنه لم يُمحِّض النيةَ ولم يعيِّن بها(٢).
((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)) هذا سقط هنا في رواية
[البخاري](١) من جهة سفيان، فُيُشبه أن يكون هذا من صنيع البخاري في اختصاره،
وإلا فقد أثبتها من جهة سفيان الإسماعيلي في مستخرجه، ولابد فيه من تقدیر؛
لأن الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر لابد من تغايرهما، وهنا قد اتَّحدا، فالتقدير: فمن
كانت هجرته إلى الله ورسوله نيّةً وقصدًا فهجرته إلى الله ورسوله حكماً وشرعًا،
قاله ابن دقيق العيد (١) في شرح [العمدة](١)، وفيه نظر؛ فإن المقدّر حينئذ حال(٧)
مُبينة، فكيف تُحذف؟ ولهذا منع الرُّنْدي(٨) في شرح الجمل (١) جعلَ ((بسم الله))
متعلقا بحال محذوفة؛ أي: أبتدئ متبرِّكا، قال: لأن حذف الحال لايجوز، فالأولى
أن تكون ((نية)) و((قصدًا)) نصبا على التمييز.
ويجوز حذفه إذا دلّ عليه دليل كقوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُم عشْرُونَ صَابِرونَ﴾ (١٠)
أي: رجلا.
(١) أعلام الحديث ١/ ١١٣ والخطابي هو: أبوسليمان، حمد بن محمد بن ابراهيم بن الخطاب البستي، فقيه محدّث،
ولد سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وتوفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة للهجرة، وترك عدة مصنفات منها: أعلام
السنن ومعالم السنن وغريب الحديث. ينظر تذكرة الحفاظ ص١٠١٨ والشذرات ١٢٧/٣ والاعلام ٢٧٣/٢.
(٢) في (ص) لها. والمثبت من بقية النسخ وفي الخطابي (له).
(٣) سقطت من (ص) والمثبت من (أ) و(ب) وانظر صحيح البخاري ١ / ٢١.
(٤) هو أبوبكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي، حافظ من أهل جرجان، توفي سنة إحدى وسبعين
وثلاثمائة. ينظر التقييد ١٣٤/١ وسير اعلام النبلاء ٢٩٢/١٦، والتذكرة ٩٤٧ والشذرات ٣/ ٨٥.
(٥) هو محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري المعروف بابن دقيق العيد، ولد في ينبع سنة خمس وعشرين
وستمائة للهجرة وتوفي في القاهرة سنة اثنتين وسبعمائة للهجرة، له تصانيف منها: أحكام الأحكام،
والإلمام بأحاديث الأحكام. ينظر في ترجمته التذكرة ١٤٨١ الشذرات ٥/٦ والأعلام ٦/ ٢٨٣.
(٦) ساقطة من (ص) والمثبت من (ب) و(جـ). وانظر أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ١/ ١١.
(٧) في (أ) و(ب) حالة .
(٨) في (ب) الترمذي وهو خطأ والرندي هو عمر بن عبدالمجيد الرُّندي، أبو علي، من تلاميذ السيهلي له شرح
على جمل الزجاجي وهو من مقرئي كتاب سيبويه ينظر البغية ٢/ ٢٢٠ .
(١٠) سورة الأنفال آية ٦٥ .
(٩) لم أجده.

=
٦
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
ويمكن تأويله على إرادة المعهود والمستقر في النفوس، من غير ملاحظة حذف،
كقولك: أنت أنت؛ أي: الصديق الذي لم يتغير، وقول الشاعر (١):
* أنا أبوالنجم وشعري شعري »
أو أنه مؤول على إقامة السبب مُقام المُسَبِّب؛ لاشتهار السبب، أي: فقد استحق
الثواب العظيمَ المستقرَّ للمهاجرين .
وفيه وضع الظاهر موضع المضمر؛ فإن الأصل: فَهجْرَتُه إليهما، وفيه وجهان،
أحدهما: قصد الاستلذاذ بذكره؛ ولهذا لم يُعد في الجملة الثانية، وهي قوله: ((ومن
كانت هجرته إلى دنيا)) إعراضًا عن تكرير لفظ الدنيا.
وثانيهما/ ٢/ عدل عن ذلك؛ لئلا يجمع بينهما في ضمیر واحد، وفيه بحث.
(دنيا) بضم الدال، وحكى ابن قتيبة كسرها. وهو مقصور غير منون على
المشهورُ ، وحُكي تنوينُها. قال ابن جني: وهي نادرة. وأورد ابن مالك (٤) أنها في
الأصل مؤنث أدْنَى، وأدْنَى أفعلُ تفضيل، وأفعل التفضيل إذا نُكِّر لزم الإفراد
والتذكير، فامتنع تأنيثه، ففي استعمال ((دنيا)) بتأنيث مع كونه مُنكَّراً إشكالٌ، وكان
حقُّه أن لا يستعمل، كما لا يستعمل قُصْوى ولا كُبْرى.
وأجاب بأنّه خُلعت عنها الوصفيةُ غالبًا، وأجريت مُجْرى ما لم يكن قطُّ وَصْفًا
كـ((رُجْعَی)) (٥).
(ثنا عبدالله بن يوسف))" بفتح الفاء غير منصرف .
((أنّ الحارث بنَ هشام)) بنصب ((ابن)).
(١) هو الراجز المشهور أبوالنجم العجلي، والبيت من الرجز وبعده:
لله دري ما أجنَّ صدري
وهو في الخصائص ٣٣٧/٣ والمنصف ١/ ١٠ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٦١٠.
(٢) في أدب الكاتب ص ٤٢٥ .
(٣) ينظر المقصور والممدود لابن ولاد ص ٤١، والفتح ٢١/١.
(٤) شواهد التوضيح ص ٨١.
(٥) السابق، ص ٨١.
(٦) حدثنا عبدالله بن يوسف قال :.. أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله وَ ل#فقال: يا رسول الله
كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه
علي، فينصم عني وقد وعيت عنه ماقال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلا، فيكلمني فأعي ما يقول. صحيح
البخاري ١/ ٢٠٢٢.
%

سيـ
٧
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
(أحيانا يأتيني) انتصب ((أحيانا)) على الظّرف.
(مثل) منصوب نعت لمصدر محذوف؛ أي: إتيانا مثل. (ويُروى: في مثل، ١) بإثبات
((في)) ورجحت؛ لأنّ الصلصلة - حينئذ- للوحي بمنزلة القراءة للقرآن في فهم الخطاب،
وأمَّا على إسقاط ((في)) فمعناه يرجع للذي ذكره ثانيًا، وهو : تَمَثُّل الملك له فيكلمه)(٢).
((صلصلة الجرس) يريد أنه صوت مُتدارك يسمعه ولا يتبيَّنْه أوَّلَ ما يَقرع سمعَه حتى
يُتُفهم من بَعد (٣).
قيل: وفائدة قوة صوت الملَك ليشغله بالوحي عن سائر إحساسه، (قيل: إنما
کان ینزل كذلك إذا نزلت آية وعيد أو تهديد)(٦).
(فيفصم)) بفتح الياء، وضمهاً على ما لم يُسمّ فاعله، أي: ينفصل ويقلع. وفيه
سرٌّ لطيف في أنها بينونة من غير انقطاع، والمَلَكُ يفارقه ليعود إليه، والفصم بالفاء:
القطع من غير بينونة بخلاف القَصْم بالقاف، الذي هو كسر وبينونة.
(وعَيْت)) بفتح العين أعيه وَعْيًّا: فهمت (٧). وقيل: حفظت، وأصله من الوعاء
ومنه: ﴿أُذُنَّ وَعِيَةٌ﴾ (٨) أَيَ: جمعته كما يُجمع الشيء في الوعاء، وأمّا المال والمتاع
فيقال منه: أوعيتُ بالألف أُوعي فأنا مُوع ١.
(رجلا) أي: على مثال رجَل، وقيل: تمييز(١٠)، وقال ابن السِيد (١١): حالٌ مُوطََّةٌ
على تأويل الجامد بمشتقٍّ؛ أي: مرئيًا محسوسا.
(١) هي رواية مسلم في صحيحه ٨٦/١٦، ٦٠١٣ وانظر الفتح ٢٦/١.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (جـ).
(٣) هذا كلام الخطابي بنصّه. وانظر اعلام الحديث ١/ ٢٢١.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) ينظر الفتح ٢٦/١.
(٦) ما بين القوسين ساقط من (جـ).
والنص من بداية قوله: ((وفيه سرٌّ لطيف .. الخ)) من كلام الوزير أبي الحسن كما نقله القاضي عياض في
المشارق ٢/ ١٦٠. ولم يشر إليه المؤلف.
(٨) سورة الحاقة، آية ١٢ .
(٧) اللسان (وع ی)
(٩) ينظر فعل وأفعل للأصمعي ص ٤٩٤ والأفعال ٣٣٣/٣ والصحاح (وع ی).
(١٠) ينظر عمدة القارئ ٤٢/١. وقد ردّه العيني. قال: (( ... قولهم هذا نُصب على التمييز غير صحيح، بل
الصواب أن يقال: انه منصوب بنزع الخافض، وأن المعنى يتصور لي الملك تصور رجل فلما حذف المضاف
المنصوب بالمصدرية اقيم المضاف إليه مقامه)) ا. هـ.
(١١) نقله الدماميني في المصابيح، ص٦.

٨
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
قال أهل الحقيقة (١): وتمثيل الملك رجلا، وكذا تمثيل جبريل في صورة دخْية (١٢)
ليس معناه أنه انقلبت ذات الملك في صورة الرجل، بل بمعنى أنه ظهر بتلك الصورة
للنبي وَل* تأنيساً.
(٤)
((فيكلمني)) كذا رواه البخاري عن عبدالله بن يوسف عن مالك ورواه البيهقي
من جهة القعنبي عن مالك فقال: ((فيعلمني)) بالعين بدل الكاف.
((لقد رأيته ينزلُ) بفتح أوله، والزاي مخفّفة، وبضمِّه، والزاي مشدّدة مفتوحة.
(ليتفصّد)) أي: يسيل كالفصد، وصحفه ابن طاهر بالقاف، وحكاه
العسكري في كتاب التصحيف عن بعض شيوخه، وقال : إن صحّ فهو من
قولهم: تقصّد الشيء: إذا تكسّر وتقطع.
(عَرَقًا)) بفتحتين، ونصبه على التمييز، وإنما كان كذلك؛ ليبلو صبره
فيرتاض لاحتمال ما كلّفه من أعباء النبوّة(٩) .
ثم قال الإسماعيلي في المستخرج: هذا الحديث الذي صدّر به البخاري لا
يصلح لهذه الترجمة، وإنما المناسب لـ((كيف بدء الوحى)) الحديثُ الذي بعده،
فأمّا هذا الحديث فهو لـ((كيف يأتيك الوحي))، وليس ذلك بدء الوحي .
(١) قال ابن حجر: ((قال المتكلمون: الملائكة أجسام علوية لطيفة، تتشكل أي شكل أرادوا)) الفتح ١/ ٢٧.
(٢) هو دحية بن خليفة بن فروة، صحابي مشهور. ترجمته في أسد الغابة ١٥٨/٢ والإصابة ٢/ ١٦١ .
(٣) صحيح البخاري ١ / ٢،٢١.
(٤) ينظر الفتح ٢٧/١. والبيهقي هو: أحمد بن الحسين بن علي البيهقي من أئمة الحديث صاحب السنن الكبرى
والصغرى ودلائل النبوة ت٤٥٨ هـ، ترجمته في الشذرات ٣/ ٣٠٤ والأعلام ١١٦/١.
(٥) قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصَّد
عرقًا. صحيح البخاري ١/ ٢٢، ٢.
(٦) هو الأمير أبوأحمد عبيدالله بن عبدالله بن طاهر الخزاعي ت سنة ٣٠٠ هـ وعمره ٧٧ سنة من كتبه: البراعة في
الفصاحة. ترجمته في السير ١٤ / ٦٢ .
(٧) هو الحسن بن عبدالله بن سعيد العسكري فقيه وأديب ولد سنة ثلاث وتسعين ومائتين وتوفي سنة اثنتين وثمانين
وثلاثمائة من مصنفاته تصحيفات المحدثين والحكم والأفعال. ينظر السير ١٦/ ٣١٤ والإعلام ١٩٦/١ .
(٨) انظر الفتح ٢٨/١.
(٩) هذا كلام الخطابي في أعلام الحديث ١/ ١٢٢.
(١٠) نقله ابن حجر عن الإسماعيلي بنصّه في الفتح ٢٤/١.

٩
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
(عُقيل)) بضم العين، ابن خالد بن عَقيل بفتحها، وليس في الكتاب من تُضمّ
عينه سواه، ومن عداه بفتحها(١).
(عائشة)) بالهمز، وعوام المُحَدِّثين يقرؤونه بیاء صريحة.
(من الوحي)) ((من)) لبيان الجنس، وقيل: للتبعيض (١).
(مثل فَلَق الصُّبح) (مثلٍ)) نصب على الحال (١)؛ أي: مشبهةً. وفَلَقَ الصُّبْح وفَرَقُه
[بالتحريك]": ضياؤه. وحكى الزمخشري في المستقصى" إسكان اللام.
((الخلاء)) بفتح أوله والمد: الخَلْوَةَ() وإنما حُبب إليه الخَلْوة؛ لأنَ معها فراغَ القلب،
وهي مُعينة على الفكر (٨)، والبشرُ لا ينتقلُ عن سجيّته إلا بالرياضة، فَلَطَفَ الله
تعالى به في بدء أمره، فحبّب إليه الخَلْوةَ وقَطَعَهُ عن مخالطة البشر؛ ليجد الوحيُ منه
مُتَمكّنًا(٩) كما قيل :
فِصادَفَ قَلْبًا خاليًا فَتَمَكَّنَا(١٠)
(الغار)) النّقْبُ في الجبل، وجمعه غيران.
((حراء)) بكسر الحاء وتخفيف الَراء، ويُمدّ ويُقصر (١١)، ويُذكّر ويُؤَنّث (١٢)،
(١) قال العيني: ((وليس في الكتب الستة من اسمه عُقيل بضم العين غيره)) العمدة ١ / ٤٧ .
(٢) ينظر العمدة ١ / ٥٦ .
(٣) هذا اعراب أغلب الشراح والأولى عند العيني أنه صفة لمصدر محذوف، والتقدير الا جاءت مجيئا مثل فلق
الصبح، أي شبيهة لضياء الصبح. قال: ((لأن الحال مقيدة، وما قلناه مطلق)) العمدة ١/ ٥٦ .
(٤) من (ب) وسقطت من الأصل.
(٥) النهاية ٤٧١/٣ .
(٦) ٢/ ١٣٩.
(٧) في (ب) الحلو ..
(٨) في (أ) الذكر. وزاد في (جـ) وعلى كل خير.
(٩) هذا كله كلام الخطابي. وانظر اعلام الحديث ١/ ١٢٧ .
(١٠) لقيس بن الملوح، وهو في ديوانه ص٢١٨ وصدره:
أتاني هواها قبل أن ادرك الهوى
(١١) المقصور والممدود للفراء ص ١٠٨.
(١٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٤٢٩/١، ٢٤/٢، والمذكر والمؤنث لأبي بكر بن الأنباري ص٤٧٩ والمذكر والمؤنث
لا بن فارس ص ٦١ .

١٠
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
(٢)
ويُصرفُ ولا يُصرف فمن صرفه ذكّره (١) ومن أنّثه أراد البقعة، وحكى الأصيلي
فتح الحاء والقصر.
وهو جبل على ثلاثة أميال من مكة (٤). قال الخطابي(٥): ويلحنون فيه ثلاثَ
لحنات: يضمون (١) حاءَه، وهي مكسورة، ويقصرون ألفه، وهي ممدودة،
ويميلونها، ولا تسوغ الإمالة؛ لأن الراء سبقت الألف مفتوحة، وهي حرف مکرر،
فقامت مقام الحرف المستعلى، ومثل راشد ورافع لا يُمال.
(يتحنّث)) بمثلثة آخره (٧)، أي: يتعبّد، ومعناه: إلقاؤه الحنثَ عن نفسه، ليس بمعنى
تكسّب (٨) الحنثَ وَتلبّس(٩) به، ومثله التَّحَوُّب والتأثّم: إلقاء الحُوب والإثم عن
نفسه، قال الخطابي: وليس في الكلام تَفَعّل إذا ألقى الشيءَ عن نفسه غيرُ هذه
الثلاثة، والباقي (١١) بمعنى تكسَّب. وزاد غيره تحرَّج وتَنَجَّس: إذا فعل فعلاً يَخْرُج به
عن الحرج والنجاسة. ورُوي ((يتحنَّف)) بالفاء (١٢)، أي: يَتْبَع دين الحنيفية، أي: دين
(٢٣)
إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعلى هذا فهو على القياس
((ذوات)) بكسر التاء علامة النصب فيه.
(يَتَزِعٌ) بكسر الزايَ، أي: يَرْجع.
(١) في (ب) ذكر .
(٢) هو عبدالله بن إبراهيم بن محمد الأموي، المعروف بالأصيلي عالم بالحديث والفقه توفي سنة إحدى وخمسين
وثلاثمائة للهجرة، ينظر السير ٥٦/١٦ والتذكرة ١٠٢٤ والشذرات ١٤٠/٣ والأعلام ٤ / ٦٣.
(٣) مشارق الأنوار ١/ ٢٢٠.
(٤) السابق ١/ ٢٢٠ ومعجم البلدان ٢/ ٢٦٩ .
(٥) غريب الحديث ٣/ ٢٤٠ وإصلاح غلط المحدثين ص ٤٥، وانظر المشارق ١/ ٢٢٠.
(٦) في غريب الخطابي وإصلاح الغلط ((يفتحون)) وفي (م) بفتح. وفي حاشية (أ): لعله يفتحون كما فعله
الكرماني .
(٧) في (ب) في آخره وهي ساقطة من (جـ).
(٨) في (جـ) تكثر. تحريف.
(٩) ساقطة من (جـ).
(١٠) اعلام الحديث ١٢٨/١ .
(١١) في (جـ) والثاني. وهو تحريف.
(١٢) الفتح ٣٠/١.
(١٣) السابق ٣٠/١.

١١
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
((في مثلها)) الضمير عائد لليالي.
((حتى جاءه الحق)) أي: الأمر الحق.
(فجى) يَفْجأُ بكسر جيم الأول وفتح الثاني، وفَجَأْ يَفْجَأُ بالفتح فيهما، أي: أتاه
الوحي بغتةً .
(المَلَكُ) المراد به جبريل عليه السلام.
(ما أنا بقارئ)) قيل: ((ما)) استفهامية. والصحيح: نافية، واسمها ((أنا))،
و(بقارئ)) الخبر؛ لأنها لو كانت استفهامية: لما حسن دخول الباء في خبرها ".
((فغَطّني، بغين معجمة وطاء مهملة، ويروى بالتاءُ، [تقول العرب: غَطَّه يَغُطُه
غَطّا: إذا غمره، وأصله: إدخاله في الماء حتى يغيب فيه](4) والغَطُّ والغَتُّ سواء(٥)،
كأنّه أراد: ضمّني وعصرني، ويُروى: فسَأَبَنِي، والسَّأَبُ الخنق.
((الجَهْد)) بفتح الجيم: المشقّة، وجُوِّز الضم (١)، فإما أن يكونا لغتين، أو الضمّ
بمعنى الطاقة، ويكون بلغ وسعَ المَلَك وطاقته من غَطِّه، وعلى هذا التأويل يكون
بالنصب مفعولا، أي: بلغ مني الملكُ الجهدَ، وعلى الأول يكون مرفوعا فاعلا
وحُذْفَ المفعول، أي: بلغ مني الجهدُ مبلغًا(٧).
((يَّرْجُفُ فُؤادُه)) بضم الجيم، يَخْفِقُ( ويضطرب.
(زَمِّلُوني فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿يا أيُّها المدثّر﴾)) كذا هنا، ورواه في تفسير سورة
(١) ينظر الفتح ٣١/١ والعمدة ١ /٥٧.
(٢) هذا رأى معظم الشراح كما صرح به العيني في العمدة ١/ ٥٧ ثم اعترض عليه بقوله: ((قالت الشرَّاح كلمة ((ما))
نافية واسمها قوله ((أنا)) وخبرها هو قوله: ((بقارئ)» .. وغلطوا من قال إنها استفهامية لدخول الباء في الخبر
وهي لا تدخل على ما الاستفهامية .. قلت تغليطهم ومنعهم ممنوعان، أما قولهم: ان الباء لا تدخل على ما
الاستفهامية فهو ممنوع لأن الأخفش جوز ذلك.
(٣) زاد في (جـ) فغطني بعد: بالتاء.
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (ص) و(ب) والمثبت من (أ) و(جـ).
(٥) مشارق الأنوار ٢/ ١٣٢ .
(٦) ينظر المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم للقرطبي ٣٧٦/١، وصحيح مسلم بشرح النووي ٣٧٥/٢.
(٧) هذا كلام النووي في شرحه على مسلم وانظر ١ / ٣٧٥.
(٨) في (أ) و(ب) يخفق قلبه.

١٢
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
المدثّر: ((دثِّروني وصُبّوا علي ماءً بارداً))، فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الْمَّدثْر))) (١) وهذا يدل على
أن التَّدَثّر والتَّزَمُّل بمعنى واحد، (وهو كذلك) (١) فإنه يُقال: تَدَثَّر بالثّوب: تغطّى به
والتفّ، وتَزَمَّلَ : اشتمل به.
(الرَّوْعُ) بفتح الراء: الفزع.
((ما يُخْزيك اللهُ) بالخاء المعجمة والزاي، من الخزي، أي: لا يهينك، وروي بالحاء
المهملة والزاي والنون (١)، وعلى هذا تُفتح الياءُ وتُضمّ، يقال: حَزَنَه وَأَحْزَنَهُ(٤)
بمعنى .
(إنَّك)) بكسر ((إن)) (٥) على الابتداء .
((الكَلَّ) بفتح الكاف: الثِّقْل، وهو كل ما يُتْكلّفُ.
(وتكْسب) قال القاضي: أكثر الرواية وأفصحها: فتح التاء المثناة، أي:
تكسب لنفسك، ورُوي بضمِّها، وقيْلَ (٧): تُكْسبُه غيرك(٨؛ يقال: كَسَبْت
زيدا مالاً، وأكْسَبْت زيداً مالا، (لازمٌ ومُعَدَى، وأنكر القزّازُ(١) أكسب في
المتعدى، وقال صاحب/ ٣/ النهاية ١١: يقال: كَسَبْت مالاً وكَسَبْت (١٢) زيدًا
(١) صحيح البخاري ٣/ ١٥٧٤. ٤٩٢٢ وسقط من (جـ) قوله فنزلت يا أيها المدثر.
(٢) ساقط من (جـ).
(٣) ينظر المشارق ١/ ١٩٢، والفتح ٣٢/١.
(٤) في (أ) و(جـ) لغتان بمعنى وانظر فعلت وأفعلت للزجاج ص ٦٥ وابن القطاع ١٩٩/١ قلت: جاء في الصحاح
(حز ن) «قال اليزيدي حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تمیم، وقد قُرئ بهما».
(٥) في (ب) الهمز.
(٦) المشارق ٣٤٧/١.
(٧) ساقطة من (أ) وفي (ب) أي.
(٨) في (أ) ومُتَعَدٍّ، وزاد في (ب) وهما لغتان.
(٩) في الأصل الفراء. والتصويب من المشارق ٣٤٧/١ والعمدة ٥١/١. والقزاز هو: محمد بن جعفر القزاز
القيرواني. شيخ اللغة في المغرب، من مصنفاته: الجامع في اللغة وضرائر الشعر. ت٤١٢ هـ ترجمته في
البغية ١/ ٧١ والأعلام ٦/ ٧١ .
(١٠) ينظر المشارق ٣٤٧/١ والمفهم ٣٧٨/١. والعمدة ١/ ٥١.
(١١) ٤ / ١٧١ .
(١٢) في (ب) وأكسبت.

=
١٣
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
مالاً)(١) وأكسبت زيدًا مالاً، أي: أعنته علی کسْبه، أو جعلته یکْسبُهُ، فإن كان من
الأول، فتريد: أنّك تصل إلى كل معدوم وتناله ولا يتعذر عليك، وإن جعلته متعديا
إلى اثنين، فتريد: أنّك تُعطى الناس الشيءَ المعدومَ عندهم، فحُذْفَ المفعولُ الأولُ،
وهذا أولى القولين؛ لأنّه أشبه بما قبْله في باب التفضُّل والإنعامَ، إذْ لا إنعام في أن
يكْسبَ هو لنفسه مالاً كان معدوماً عنده، وإنما الإنعامُ أن يوليه غيرَه، وبابُ الحظ
والسعادة في الاكتساب غيرُ باب التفضل والإنعام.
(المَعْدُومَ)) قال الخطابي: كذا الرواية، والصواب: المُعْدم، أي: الفقير؛ لأن
المعدوم لا يُكْسَب (١، وهذا بناه على اختياره أن الأفصح في الرواية ) فتحُ التاء من
تكسب، وأما على الضم فالمراد به معدومات الفوائد ومكارم الأخلاق، وفي تهذيب
الأزهري : عن ابن الأعرابي: رجل عديم لا عقلَ له، ومُعْدم لا مال له.
وقال غيره (١) : فلانٌ يكْسبُ المعدومَ، إذا كان مجدودا ینالَ ما يُحْرمه غيره.
(تَقْری)) بفتح أوّله.
(ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزی ابن عم خديجة)) لأنها خديجة بنت خويلد بن
أسد، فـ(ابن)) الأول منصوب و((نوفل)) مخفوض بالإضافة ((وابن أسد)) مجرور،
لأنه صفة لنوفل، وأما ((ابن عم)) فإنه تابعٌ لورقة لا لعبد العزَّى، فتعيَّن نصبُه ويُكتب
بالألف؛ لأنّه بدل من ورقة، ولو جُرَّ وكتب بغير ألف لكان صفةً لعبد العزّى،
فيصير عبدُ العزّى ابنَ عمِّها، وهو باطل.
(تنصَّر في الجاهلية)) أي: صار نصرانيا، وترك عبادة الأوثان. وقيل: إن فيه
الموحّدة( ، من البصيرة.
((فكان يكتب الكتابَ العِبْرانيّ) كذا هنا. ورواه مسلم : الكتاب العربي، وكذا
رواه البخاري في الرؤيا، وهو أصحّ؛ لاتفاقهما عليه.
(١) ما بين القوسين ساقط من (جـ) و(م).
(٢) أعلام الحديث ١٢٩/١ .
(٣) في (ب) يكتسب.
(٤) في (أ) على اختيار الأفصح في أن الرواية وفي (ب) و(جـ) على أن الرواية.
(٥) ٢/ ٢٥١.
(٦) القول لصاحب التحرير كما نقله النووي في شرحه على مسلم ٣٧٥/١.
(٧) في حاشية (ص): ((لعله: أن فيه رواية بالموحدة)).
(٨) في صحيحه ٢/ ٣٧٧.
(٩) ١٥٩٤/٣، ٤٩٥٣.

١٤
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
((بالعبرانية)) قال القاضي: كذا وقع هنا، وصوابه: بالعربية، وهو وجه
الكلام، و کذا ذكره مسلم .
(يا ابن عِمِ) يجوز فيه الأوجه المشهورة في المنادى المضاف(٢)، وهذا أصحُ من
رواية مسلم: ((أي عمّ)). فإنّه ابنُ عمِّها، لا عمّها، إلا أن تكون قالته توقيرًاً".
«اسمع) بهمزة وصل .
((هذا الناموسُ الذي أُنزل على مُوسى)) قيل: هذا لا يلائم قوله قبله: ((تنصَّرِ)) (٥)،
وتمحَّل له السهيلي ، وقد رواه الزبير بن بكار فقال: ناموس عيسى بن مريم (١، وبه
يزول الإشكال، يريد: جبريل عليه السلام. والناموس: صاحبُ سرِّ الخير،
والجاسوس: صاحبُ سرِّ الشر(٨).
((يا ليتني فيها)) الضمير للنبوة أو الدعوة أو الدولة(٩).
(جَذَعاً)) بفتح الجيم والذّال المعجمة، أصله في سنّ الدواب للشباب، ثم استعير
هنا؛ أي: ليتني في انتشار نبوته شابا أقوى على نُصْرَته. وقيل معناه: أكون أوّلَ من
يَجِيبُك ويؤمن بك، كالجَذَع الذي هو أوَّلُ الأسنان.
(١) مشارق الأنوار ٢ / ٦٤.
(٢) قال ابن هشام: ((إن كان ابن أم أو ابن عم فالأكثر الاجتزاء بالكسرة عن الياء أو أن يفتحا للتركيب المزجي ..
ولا يكادون يثبتون الياء والألف إلا في الضرورة)» أوضح المسالك ٣٨/٤.
(٣) في صحيحه ٣٧٨/٢ .
(٤) قال النووي: ((سمته عمّا مجازا للاحترام، وهذه عادة العرب في آداب خطابهم، يخاطب الصغير الكبير بيا
عم احتراما له ورفعا لمنزلته، ولا يحصل هذا الغرض بقولها: يا ابن عم)) صحيح مسلم بشرح النووي
٣٧٨/١.
(٥) ينظر الفتح ٣٤/١ والعمدة ١ /٥٥ .
(٦) الروض الأنف ٢/ ٤٠٤-٤٠٥ والسهيلي هو: عبدالرحمن بن عبدالله بن أحمد السهيلي ت٥٨١ هـ ترجمته
في البغية ٨١/٢ والشذرات ٢٧١/٤ والأعلام ٣١٣/٣.
ومفاد تمحّل السهيلي أن ورقة كان تنصّر، والنصارى لا يقولون في عيسى: أنه نبي)) ينظر الفتح ٣٤/١
والعمدة ١/ ٥٥ .
(٧) ينظر العمدة ١ /٥٥.
(٨) النهاية ١١٩/٥، والمفهم ٣٧٩/١ والفتح ٣٤/١.
(٩) أعلام الحديث ١/ ١٣٠، والمفهم ٣٧٩/١، ومسلم بشرح النووي ٣٨٧/٢.

١٥
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
ثم المشهورُ فيه النصبُ، إِمّا على الحال، والخبرُ مضمر؛ أي: يا ليتني فيها حيٌّ،
أو موجودٌ في حال فُتُوَّةً( ١) كالجَذَع، وإمَّا على أنّ ((ليت)) تنصب الجزأين. وقال
الخطابي(١): على خبر كانّ المضمرة؛ أي: يا ليتني كنت؛ لأنّ((ليت)) شُغل بالمكنَّى.
وقال السهيلي ": النصب على الحال إذا جعلت ((فيها)) خبر (ليت)) (٥) والعاملُ في
الحال ما يَتَعَلَّقُ به الحالُ من معنى الاستقرار، ومن رَفَعَ فالجارُ مُتعلِّق بما فيه من معنى
الفعل، كأنه قال : يا ليتني شابٌ فيها .
وقال القاضي: وقع للأصيلي بالرفع، وهو خلاف المشهور. وقال ابن
بري: المشهور عند أهل اللغة والحديث في هذا كأبي عبيد وغيره ((جَدْعْ))
بسکون العین، ومنهم من یرفعه على أنه خبر «لیت)» ورُوی بالنصب بفعل محذوف،
أي: جعلت فيها جَذَعاً .
(إذْ يُخْرجُكَ) استعمل ((إذْ)) في المستقبل كـ((إذا)) (١) ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذَرْهُمْ يَومَ
الْحَسْرَةِ إِذْقُضِيَ الأمرُ﴾
(١٠)
((و) بفتح الواو.
(مُخْرِجيٍّ) بتشديد الياء: جمع مُخْرج، ويجوز تخفيفها، ويجوز في الياء المشدّدة
الفتحُ والكسرُ، وقد قُرئ بهما في قوله تعالى: ﴿بُصْرِخِيّ﴾ (١١) فالياء الأولى للجمع،
(١) في (جـ) نبوته.
(٢) أعلام الحديث ١/ ١٣١.
(٣) الأمالي ١/ ٥٣-٥٤ .
(٤) في (ب) في النصب.
(٥) في (ب) كنت وهو خطأ.
(٦) المشارق ١٤٣/١.
(٧) هو: عبدالله بن برى بن عبد الجبار من علماء العربية النابهين ت٥٨٢ ترجمته في الوفيات ٢٦٨/١ والأعلام
٤ / ٧٣، ٠٧٤
(٨) في (ب) أبو عبيدة.
(٩) قال ابن مالك: ((إذْ يُخْرجُك قومُك)) استعمل فيه ((إذْ)) موافقة لـ((إذا)) في إفادة الاستقبال، وهو استعمال صحيح
غفل عن التنبيه إليه أكثر النحويين)) شواهد التوضيح ص٩ .
(١٠) سورة مريم آية ٣٩.
(١١) سورة إبراهيم آية ٢٢ وتمامها: ((ما أنا بمُصْرِخكم وما أنتم بِمُصْرِخِيَّ) والقراءتان في السبعة ص ٣٦٢ والحجة
٢٨/٥ وانظر القرطبي ٩/ ٢٣٤٩ والبحر ٤٠٨/٥.

١٦
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
والثانية ضمير المتكلم، وفتحت للتخفيف؛ لئلا يجتمع كسرة وياءان بعد كسرة .
قال ابن مالك: الأصل: أوَ مخرجوني، فسقطت نون الجمع للإضافة،
فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياءً وأدغمت، ثمّ
أُبدلت الضمةُ التي كانت قبل الواو كسرةً للتخفيف، وفتحت ((ياء)) مخرجيَّ للتخفيف.
وقال السهيلي ١ : الأصل: مخرجُويَ، فأُدغمت الواو في الياء.
ثم قال ابنُ مالك (١) : مُخْرجيَّ: خبرٌ مقدّمٌ، ((وهم)): مبتدأ مؤخر، ولا يجوز
العكسُ؛ لئلا يلزم الإخبار بالمعرفة عن النكرة؛ لأن إضافة مُخْرجيَّ غيرُ محضة،
وجُوِّزْ كونَ ((هم)) فاعلا سدَّ مسدَّ الخبر ومُخْرجيَّ مبتدأ عَلَى لغة ((أكلوني
البراغيث)). قال: ولو روى بتخفيف الياء على أنَّهَ مفرد غيرُ مضاف لجاز، وجُعلَ
مبتدأ وما بعده فاعل سدَّ مسدّ الخبر، كما تقول: أيخرجني بنو فلان.
وقال ابنُ الحاجب (١): إنه خبرٌ مقدّمٌ، قال: ولذلك جاء بتشديد الياء؛ لأنّه جمعٌ،
ويمتنع كون ((هم)) فاعلا؛ لأن مُخْرجيَّ جمع، والوصف وما بعده إذا تطابقا في
غير الإفراد: كان الأولُ خبرا مقدّمًا والثَانَي مبتدأً مُؤَخَّرًا (٧) ولا يجوز غير ذلك (٨).
وقال السهيلي (١): مُخْرجيْ خبرٌ مُقَدّمٌ، ولو خَفَّفْت لم يجُزْ؛ لأنه لا يكون ((هم))
مبتدأ مُخْبَرًاً عنه بمُخْرجيَّ؛ لأنّه لا يُخبرُ عن الجمع بالمفرد، ولا يكون مخرجي مبتدأ
و(هم)) فاعل؛ لأنه لا يجوز للفاعل أن يكون ضميراً منفصلا إلى جانب عامله، لا
تقول: قام أنا، إنما تقول: قمت، فلو كان مكان هذا الضمير ظاهرٌ جاز؛ نحو: أو
يخر جني قومی، قال: وهذا فصل بديع.
((إن يدركني)) مجزوم بـ(إنْ)).
(يومُك)) أي: وقتُ انتشار نبوتك، وفي السيرة: إن أدرك ذلك اليوم(١٠)، والذي
(١) شواهد التوضيح، ص١٣ .
(٢) نتائج الفكر ص ٤٢٦ .
(٣) شواهد التوضيح ص ١٣ .
(٤) السابق، ص ١٣ .
(٥) في الأمالي ٢٥/٣.
(٦) في (ص) أي: ويمتنع وهي حشو.
(٧) في (ب) فإن الأول خبر مقدم والثاني مبتدأ مؤخر.
(٨) ينظر شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ١/ ١٩٨ .
(٩) نتائج الفكر ص٤٢٦ .
(١٠) الروض الأنف ٤٠٥/٢ .

١٧
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
في البخاري هو الوجه؛ لأن ورقة (١ سابق بالوجود، والسابق هو الذي يدركه من
يأتي بعده .
(مُؤزّراً) بهمز، ويُسَهَّل؛ أي: بالغًا قويًا من الأزْر، وهو: الشدَّة والقوة.
اینْشَب) بفتح الشين؛ أي: يلبث.
(٢)
(فترة الوحي) احتباسه بعد تتابعه في النزول، وكانت سنتين ونصفاً. قال ابن
.(٤)
إسحق : ثلاثاً" .
(جالسٌ) بالرفع على الخبرية، ويجوز النصب على الحال، والخبر محذوف، أي:
حاضراً، وتعيّن ((إذا)) إذا قلنا: إنها ظرف مكان، وقد أجازوا في: ((خرجتُ فإذا
زيدٌ جالسٌ)) الرفعَ والنصبَ (١).
((على كرسي) ضمُّ كَافه أشْهرُ من كسرها(٧).
((فرَعُبت منه)) قيّده الأَصَيلي بفتح الرّاء وضم العين وغيره بضم الرّاء وكسر العين
على ما لم يُسمّ فاعله (١١، قال القاضي "١": وهما صحيحان.
(مُّلوني) وفي مسلم ١٢: ((دقّروني)) وهو أنسب لقوله: فأنزل اللهُ [سبحانه
وتعالَى] ﴿يا أيها المدّر﴾.
((فحمى الوحي وتتابع)) كلاهما بمعنى، أي: كُثُر نزوله وقَوىَ أمرُهُ ١١١، وفي
(١٤)
.
رواية : وتواتر
(١) ورقة بن نوفل بن أسد القرشي، ابن عم خديجة زوج النبيَ وَهر. ينظر أسد الغابة ٢١٣/٤، والإصابة ٦/ ٤٧٤ .
(٢) حديث جابر بن عبدالله الأنصاري، قال وهو يحدّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: ((بينا أنا أمشي إذ
سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء
والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فأنزل الله تعالى ﴿ يا أيها المدثر .. ﴾ فحمى
الوجي وتتابع. صحيح البخاري ١/ ٢٣، ٤ .
(٣) كذا في الروض الأنف ٤٣٣/٢.
(٤) ينظر الارشاد ١ / ٩٤ وهو ساقط من (جـ).
(٥) في (أ) إذا إن قلنا .
(٦) ينظر مغني اللبيب، ص١٢١ .
(٨) المشارق ١/ ٢٩٤، والفتح ١/ ٣٧.
(٧) الصحاح (ك رس).
(٩) المشارق ١/ ٢٩٤، وارشاد الساري ٢١ / ٩٤.
(١٠) المشارق ١/ ٢٩٤.
(١١) ٢/ ٣٨٣، ٤٠٧.
(١٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (ص) و(جـ) والمثبت من (أ) و(ب).
(١٣) في (ب) أثره.
(١٤) هي رواية الكشميهني وأبي الوقت كما في الفتح ١/ ٣٧ .

١٨
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
جمعه لك))(١) رواه الأصيلي(٢) بسكون الميم وضم العين ورفع الراء من
((صدرك)) أي: جمعه صدرك، ورواه غيره بفتح الميم و((صدرُك)) فاعل، ولأبي ذر:
جَمْعُه لك في صدرك ، بفتح الجيم وإسكان الميم ومعناه كما قال أبو الفرج " أنّه
وَّ كان يحرّكُ شفتيه بما يسمعه من جبريل قبل إتمام جبريل الوحي استعجالا لحفظه
فقيل: ﴿لاَ تُحرِّك به﴾، - أي: بالقرآن- ﴿لسَانَك لتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (٥)
أي: علينا جَمْعُه وضمه في صدرك فإذا قرأناه؛ أي: إذا فرغ جبريل / ٤/ من قرآنه
فاتّبع قرآنه .
((فاسْتمع له وأنْصت)) بفتح الهمزة وكسرها؛ لأنه يقال: أنْصتَ وَنَصَتَ لغتان بمعنى
.(٦)
سكَتَ(١).
(كان رسول الله وَّم أجودَ الناس)) (١٧ بنصب ((أجودَ)) خبر كان.
(((وكان أجود)) بالرفع على المشهور ، إما على أنّه (١) مبتدأ مضاف إلى المصدر وهو
ما يكون و((ما)) مصدرية، وخبره ((في رمضان)» تقديره: أجود أكوانه في رمضان،
والجملةُ بكمالها خبر كان، واسمها ضميرٌ عائد على رسول الله وَّه، وإمّا على أنه
بدل من الضمير في كان بدل اشتمال (١١). ويجوز النّصبُ(١١) على أنّه خبر كان، ورُدّ
بأنه يلزم منه أن يكون خبرُها اسمَها، وأُجيب بجعل اسم كان ضمير النبي وَّ وأجود
(١) حديث ابن عباس: ((فحرك شفتيه، فأنزل الله تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِه لسَانَكَ لَتَعْجَلَ به، إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ
وَقُرْآنَهُ﴾ قال: جمعه له في صدره .. قال فاستمع له وأنصت)) صحيح البخاري ١/ ٢٣، ٥.
(٢) مشارق الأنوار ١/ ١٥٤ .
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) عبدالرحمن بن علي بن محمد القرشي المعروف بابن الجوزي علامة عصره في التاريخ والحديث. ت٥٩٧
ترجمته في السير ٣٦٥/٢١ والتذكرة ١٣٤٢ والشذرات ٣٢٩/٤ والأعلام ٣١٦/٣.
(٥) في (ب) ان علينا جمعه وضمه، والآيات هي ١٦-١٧ من سورة القيامة.
(٦) الأفعال ٢٦٥/٣ وثلاثية الأفعال ص٧٩، والنهاية ٥/ ٦٢ .
(٧) عن ابن عباس قال: كان رسول الله ( 8) أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل،
وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله مَ لي أجود بالخير من الريح المرسلة. صحيح
البخاري ١/ ٢٣، ٦.
(٨) قال النووي: ((والرفع أصحُّ وأشهر)) صحيح مسلم بشرح النووي ٦٨/١٥. وقال ابن الحاجب: ((الرفع في
أجود هو الوجه)» الأمالي النحوية ٤ /٨٦.
(٩) في (جـ) أن.
(١٠) هذان الوجهان ذكرهما ابن الحاجب في أماليه وزاد عليهما ثلاثة أوجه ينظر الأمالي النحوية ٨٦/٤.
(١١) وهو رواية الأصلي. الفتح ١/ ٤١، والعمدة ٧٥/١.

١٩
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
خبرها١)، ولا يُضافُ إلى ((ما))، بل تجعل ((ما)) مصدريةً نائبةً عن ظرف الزمان،
والتقدير: وكان رسول الله وَّ مُدَّة كونه في رمضان أجودَ منه في غيره.
(فيدارسه القرآن)) أحسن ما قيل فيه: إن مدارسته له القرآنَ تُجدِّد له العهدَ لمزيد
غنى النفس، والغنى سبب " الجود، ويحققه أن المراد هنا١٢ بالجود ما هو أعمُّ من
(٤)
الصدقة(٤).
(فلرسول الله (َّ﴾) اللام جواب قسم مقدَّر.
((من الريح المرسلة)) أي: إسراعا، وقيل: إعطاءً.
(ثنا عبيدُالله بنُ عبدالله بن عتبةَ بن مسعود)) (١) ((ابن)) الأول مرفوع؛ لأنه تابع
لعبدالله، و((ابن)) الثاني والثالث مجروران؛ لأنهما تابعان للمجرور بالإضافة.
(هرقل) بكسر الهاء وفتح الرّاء على المشهور كدمشق، ويقال مع سكون الرّاء،
كخنَّدف(٧) لا ينصرف للعملية والعجمة، وهو اسمٌ وقيصرُ لقبه، كما يُقال: عليٌّ
أميرُ المؤمنين، قاله الشافعي(٨ - رضي الله عنه- وقال الخطابي: إذا تأملت معاني
ما استقرأه من أوصافه تبينت قوة إدراكه، ولله دَرَّهُ من رجل! ما كان أعقله لو ساعد
معقوله مقدوره.
(تُجّار)) بضم التاء مع تشديد الجيم، ويكسرها مع تخفيف الجيم: جمع تاجر.
((في المدة التي مادّ» بتشديد الدال، أي: جعل بينه وبينهم مدّةً، أي: أطالها، وهي
فاعل من المدِّ، يريد صلحه بالحديبية سنة ست١١٢ٍّ، عشرَ سنين، ثم نقض أهلُ مكة
الصلحَ بقتالهم خزاعة حُلفاء رسول الله وسل ◌ّ وكان ذلك سببَ غزوة الفتح.
(١) ينظر الفتح ١/ ٤١، والعمدة ٧٥/١.
(٢) في (ب) یکسب.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) ينظر الفتح ١/ ٤١ وفي (جـ) سقط من أول قوله: ((فيدارسه القرآن)) إلى نهاية الفقرة.
(٥) رواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري ١/ ٢٤، ٧.
(٦) ينظر المشارق ٢/ ٢٧٥ .
(٧) في (ب) خرنق.
(٨) نقله القسطلاني في إرشاده ١ / ١٠٥.
(٩) أعلام الحديث ١ / ١٣٥.
(١٠) ساقطة من (ب) و(جـ).

٢٠
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح
(وکفار قریش» بالنصب مفعول معه (١).
(بإيلياءَ)) بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة، ثم لام مكسورة، ثم ياء آخر الحروف،
ثم ألفَ ممدودة بوزن كبْريَاءَ، وحكى البكري فيها القصر، وحكى في المطالع ثالثة
بحذف الياء الأولى وسكون اللام والمد، قيل معناه: بيت الله (١).
((وحَوْلَه)) بالنصب؛ لأنه ظرفُ مكان، وهو خبر المبتدأ الذي بعده ".
(تَرْجُمانه)) بفتح التاء وضم الجيم، ويجوز ضم التاء إتباعاً لضمة الجيم، وهو
الْمُفَسِّر لغةً بلغةُ(١)، قيل: عَجَميِّ مُعَرَّبٌ، وقيل: عربي ١١، مأخوذ من ترجيم
الظن، فعلى هذا يكون تَفْعُلانًا، ويجوز أن يكون من الرجم بالحجارة؛ لأن المفسِّر
يرمي بالخطاب كما يُرمى بالحجارة(٧).
(كَذَّبَني) بتخفيف الذال: نقل إليّ الكذب.
(((أن يأثروا)) بضم المثلثة وكسرها، ولم يذكر القاضي غيرَ الضم، و((على)) بمعنى
((عن))؛ لأَن يأثروا بمعنى يُحَدِّثُوا.
((لكذبت عنه)) ((عن)) هنا بمعنى ((على)) وقد رُوي كذلك ( ١٢ فقد تعاكس الحرفان.
«ثم کان أول» یجوز نصبه ورفعه (١).
((هل كان في آبائه مَن مَلَكَ؟)) قال القاضي : هو بفتح الميمين، وفتح
الكاف واللام. ويروى: ((من مَلك)) بكسر الميم الأولى وفتح الثانية وكسر اللام،
(١) اعترض الدماميني على المؤلف بقوله: ((تلت: لا يتعين، لجواز كونه معطوفا على المفعول به. اعني أباسفيان.
ا. هـ)) مصابيح الجامع ص ١٤.
(٢) معجم ما استعجم ٢١٧/١، وانظر معجم البلدان ١/ ٣٤٨ .
(٣) مشارق الأنوار ٥٩/١، وقال ابن الأثير: ((معناه: بيت المقدس)) النهاية ١ /٨٥.
(٤) يعني قوله: ((عظماء الروم)).
(٥) النهاية ١ / ١٨٦ .
(٦) المصابيح ص ١٥ والفتح ٤٦/١. وليس في المعرّب للجواليقي.
(٧) ينظر اللسان (رج م).
(٨) في (ب) أي نقل .
(٩) في المشارق ١/ ١٨ .
(١٠) هي رواية الأصيلي، ينظر الفتح ١ / ٤٧ .
(١١) قال الحافظ ابن حجر: ((هو بالنصب على الخبر، ويجوز رفعه على الاسمية)) الفتح ١ / ٤٧ .
(١٢) المشارق ٣٨٠/١.