Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ ٤٩ - باب ما جاء في حياء رسول الله وَله ٣٥٨ - حدّثنا محمُودُ بنُ غيلانَ، حذَّثنا أبُو داوُدَ، حدَّثنا شُعبةُ، عنْ قَتَادَةَ قالَ: سمعتُ عبدَ الله بنَ أبِي عُتْبَةَ يُحدِّثُ عنْ أبِي سعيدٍ = قال الغزالي: مثال من يُهدي حياء: مَن يقدَم مِن سَفره، ويفرق الهدايا خوفاً من العار، فلا يجوز قبول هديته إجماعاً لأنه لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس، وإذا ظن المُهدَى إليه أن المُهدي إنما أهدى له هديته لطلب المقابل، فلا يجوز له قبولها، إلا إذا أعطاه ما في ظنه بالقرائن. واعلم أن أخلاقه وَ ل ؤ وهديه وسيرته هي الميزان الأكبر، فتعرض عليها الأشياء، فما وافقها فهو المقبول، وما خالفها فهو المردود. ٤٩ - باب ما جاء في حياء رسول الله وَالهيم بالمد وهو لغة: تغيُّر وانكسار يعتري الإنسان لغير ما يعاب عليه أو يعاتب به، وشرعاً: خُلُق يبعث على تجنب القبيح ويحض على ارتكاب الحسن ومجانبة التقصير في حق ذي الحق، وهو المراد بقوله بالقول: ((الحياء من الإيمان)) بالمدّ كما علمت. وأما بالقصر: فهو المطر. وكل منهما مأخوذ من الحياة، لأن أحدهما فيه حياة القلب، والآخر فيه حياة الأرض، ولا يخفى أن الحياء من جملة الخلق الحسن، وإنما أفرده بباب: للتنبيه على عظم شأنه، لأن به حسن العشرة للخلق، والمعاملة للحق. ٣٥٨ - قوله: (عبد الله بن أبي عتبة) أي: الفقيه الأعمى، وكان من بحار العلم، وهو معلم عمر بن عبد العزيز. خرّج له الجماعة(١). (١) هكذا قال المناوي! وهو سَبْق ذهن إلى: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهُذَلي المدني، أما المراد هنا فهو عبيد الله بن أبي عتبة البصري، وهو من طبقة الهذلي من حيث الزمن، لكنه لا يعرف بالأوصاف التي ذكرها الشارح أبداً. ٦٠٢ الخُدرِيِّ قالَ: كَانَ وَلَهِّ أشدَّ حياءً منَ العَذْرَاءِ في خِدْرِهَا، وكانَ إذا كَرِهَ شيئاً عُرِفَ في وجهِهِ. ٣٥٩ - حدّثنا محمُودُ بنُ غيلانَ، حدَّثنا وكيعٌ، حدَّثنا سُفیانُ، عنْ منصُورٍ، عنْ مُوسَى بنِ عبدِ الله بنِ يَزِيدَ الخَطْمِيِّ، عنْ مولىّ العائشَةَ قالَ: قالتْ عائشةُ: ما نظرتُ إلى فرج رسُول الله وَخِيهِ، أَوْ قوله: (كان ◌َّ أشدَّ حياء من العذراء في خِدرها) أي: حال كونها كائنة في خدرها، أو الكائنة في خدرها. فهو حال على الأول، صفة على الثاني، والعذراء: البكر، سميت بذلك لتعذر وطئها. والخِدْرُ بكسر الخاء المعجمة، وسكون الدال المهملة: سِتر يجعل لها إذا شبَّت وترعرعت، لتفرَدَ فيه، وهي فيه أشد حياء مما إذا كانت مخالطة للناس، فإنها حينئذ تكون قليلة الحياء. ومحلُّ كون الحياء محموداً ما لم ينته إلى ضعف، أو جُبن، أو خروج عن حق، أو ترك إقامة الحد، وإلا كان مذموماً. ولشدة حيائه 8* كان يغتسل من وراء الحجرات وما رأى أحد عورته قط. قوله: (وكان إذا كره شيئاً عرف في وجهه) فكان لغاية حيائه لا يصرح بكراهته لشيء من الأشياء، بل إنما يعرف في وجهه. وكذا العذراء في خدرها لا تصرح بكراهة الشيء، بل يعرف ذلك في وجهها غالباً. وبهذا ظهر وجه ارتباط هذه الجملة بالتي قبلها . ٣٥٩ - قوله: (الخَطمي) بفتح الخاء: نسبة لخَطْم، قبيلة. قوله: (ما نظرت) الخ، وفي رواية: ((ما رأيت منه ولا رأى مني)) يعني: الفرج. وروى ابن الجوزي عن أم سلمة أنه وَ ل# كان إذا أتى امرأة من نسائه: غض عينيه، وقنّع رأسه، وقال للتي تحته: ((عليك بالسكينة والوقار)). ٦٠٣ قالتْ: مَا رأيتُ فرجَ رَسُولِ اللهِوَالِ قِطُ . ٥٠ - باب ما جاء في حجامة رسول الله وَله ٣٦٠ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ حُجْرٍ، حدَّثَنَا إِسمَاعيلُ بنُ جَعفَرٍ، عَن حُميدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنْسُ بنُ مَالِكٍ عَنْ كَسبِ الحَجَّامِ فَقَالَ: احتَجَمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، حَجَمَهُ أَبُو طَيبَةَ، فَأَمْرَ لهُ بِصاعَينِ مِن طَعامٍ، وكَلَّمَ وقوله: (أو قالت: ما رأيت) إلخ، شك من الراوي، والمشكوك فيه لفظ: نظرت أو رأيت، لا لفظ: قطّ، بل الظاهر ذكرها في الروايتين. والمراد أنه كان من شدة حيائه وَّي لا يمكنها النظر إلى فرجه، مع احتياطه بفعل ما يوجب امتناعَها من رؤيته. ٥٠ - باب ما جاء في حِجامة رسول الله وَله بكسر الحاء: شَرْط الجلد، وإخراج الدم بالمِحْجَمة، وهي: ما يُحتجم به. وفي احتجامه وَّر إشارة إلى أن تدبير البدن مشروع غيرُ منافٍ للتوكل، لأنه: الثقة بالله ولو مع مباشرة الأسباب، من غير اعتماد عليها. نعم تَركه أفضل، ولا ينافيه فعله ◌َّلتر مع أنه سيد المتوكلين، لأنه إنما فعله للتشريع كما تقرر، وللحجامة فوائد كثيرة يُعلَم بعضها من أحاديث الباب. ٣٦٠ - قوله: (عن حميد) بالتصغير. قوله: (سئل أنس بن مالك عن كسب الحجام) أي: أهو حلال أو لا؟ ولعل السائل توهم عدم حِله من ورود الخبر بخبثه، فسأل أنساً عنه. قوله: (فقال) أي: أنس. قوله: (حجمه أبو طيبة) اسمه نافع على الصحيح، وكان قِنّاً لبني حارثة، أو لأبي مسعود الأنصاري. وقوله: (فأمر له بصاعين من طعام) زاد في رواية: ((من تمر)) فدل = ٦٠٤ أَهْلَهُ فَوضَعُوا عَنْهُ مِن خَراجِهِ، وقَالَ: ((إنَّ أَفضَلَ مَا تَداويتُمْ بِهِ الحِجامَةُ)) أَو ((إنَّ مِن أَمثَلِ مَا تَداويتُمْ بِهِ الحِجامَةُ)). = ذلك على حله لأنه لو كان حراماً لم يعطه. وما ورد من النهي عنه: فهو للتنزيه، وهو المراد بكونه خبيثاً. والصاعان: تثنية صاع وهو: اتفاقاً مكيال يَسَعُ أربعة أمداد، والمُد رطل وثلث عند الإمام الشافعي وعلماء الحجاز فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثاً عندهم، وقيل: المد رطلان فيكون الصاع ثمانية أرطال، وهو قول أبي حنيفة وعلماءِ العراق. قال الداودي: المعيار الذي لا يختلف أربعُ حَفَنات بكفّ رجل معتدل الكفين. قال صاحب ((القاموس)): وجربت ذلك فوجدته صحيحاً. قوله: (وكلم أهله) أي: وكلم ◌َلاير مواليه، كما في رواية البخاري، وهم بنو حارثة على الصحيح. ومولاه منهم مُخَيِّصة بن مسعود: بضم الميم، وفتح الحاء، وكسر الياء المشددة، وفتح الصاد، أي: كلِّم سيدَه منهم في التخفيف عنه . وقوله: (فوضعوا عنه من خَراجه) أي: امتثالاً له وَلِّ، وكان خراجه ثلاثة آصع مِن تمر، فوضعوا عنه صاعاً بشفاعته بَلتر، كما سيأتي. والخراج: اسم لما يُجعل على القِنّ في كل يوم، وكان على وفق الشرع ولم یکن ثقیلاً. قوله: (وقال: إن أفضل ما تداويتم به الحجامة، أو: إن من أمثل ما تداويتم به الحجامة) شكٌّ من الراوي. قال أهل المعرفة بالطب: والخطاب في ذلك لأهل الحجاز ومن كان في معناهم من أهل البلاد الحارة، وأما أهل البلاد الباردة: فالفصد لهم أولى، ولذلك قال صاحب ((الهَدْي)): التحقيق في أمر الفصد والحجامة أنهما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والمزاج، فالحجامة في الأزمان الحارة، والبلاد الحارة، والأبدان الحارة أنفع، والفصد بالعكس. ويؤخذ من الحديث حل التداوي، بل سنَّة، وأخذ = ٦٠٥ ٣٦١ - حدّثنا عمرُو بنُ عَلي، حدَّثَنَا أَبُو دَاودَ، حدَّثَنَا وَرِقَاءُ بنُ عُمَرَ، عَن عبدِ الأعلى، عَن أَبِّي جَمِيلَةَ، عَن عَلَيٍّ: أَنَّ النَبيَّ ◌َه احتَجَمَ وأمَرنِي فأعطيتُ الحَجَّامَ أَجرَهُ. ٣٦٢ - حدّثنا هَارونُ بنْ إسحاقَ الهَمْدانِيُّ، حدَّثَنَا عَبدةُ، عَن سُفيانَ الثَّورِيِّ، عَن جَابٍ، عَنِ الشَّعبيِّ، عَن ابنِ عَبَّاسِ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ احْتَجَم عَلى الأَخْدَعَينِ، وَبينَ الكَتِفِينِ، وأَعطَى الحجَّمَ = الأجرة للطبيب، والشفاعة عند رب الدَّين. ٣٦١ - قوله: (عن أبي جميلة) بفتح الجيم اسمه ميسرة. قوله: (وأمرني) أي: بإعطاء الأجرة للحجام. وقوله: (فاعطيت الحجام أجره) أي: وهو الصاعان السابقان. ففي هذا الحديث تعيين مَن باشر الإعطاء. ٣٦٢ - قوله: (الهَمْداني) بسكون الميم. وقوله: (عن الشعبي) نسبة إلى شعب، بطن من همدان، واسمه عامر ابن شَراحيل، من أكابر التابعين. قوله: (احتجم على الأخدعين) هما عرقان في جانبي العنق. وقوله: (وبين الكتفين) أي: على كاهله وهو: أعلى ظهره. روى عبد الرزاق: أنه ◌َّل* لما سُمَّ بخيبر احتجم ثلاثة على كاهله، لأن السم يسري في الدم حتى يصل إلى القلب، وبإخراج الدم يخرج ما خالطه من السم، لكن لم يخرج كلَّه لتحصل الشهادة له وَّ* زيادةً له في مراتب الفضل. قالوا: والحجامة على الأخدعين: تمنع من أمراض الرأس والوجه = ٦٠٦ أَجرهُ، ولَو كَانَ حَراماً لَم يُعطِهِ . ٣٦٣ - حدّثنا هَارونُ بنُ إسحَاقَ، حدَّثَنَا عَبدةُ، عَن ابنِ أَبي = والأذنين والعينين والأسنان والأنف. وعلى الكاهل: تنفع من وجع المنكبين والحلق. وتحت الذقن: تنفع من وجع السن والوجه والحلقوم وتنقي الرأس. وعلى الساقين: تنفع من بُثُور الفخذ والنِّفْرِس والبواسير وداء الفيل وحِكَّة الظهر. وعلى ظهر القدم: تنفع من قروح الفخذين والساقين والحكة العارضة . وروى أبو داود في الحجامة في المحل الذي يصيب الأرض إذا استلقى الإنسان من رأسه أنه وسلم قال: ((إنها شفاء من سبعين داء)) لكن نقل ابن سينا حديثاً بأن الحجامة في هذا المحل تورث النسيان حقاً ولفظه: مؤخر الدماغ موضع الحفظ، وتضعفه الحجامة. ولعله محمول على غير الضرورة، وإلا فقد ثبت أنه بَ ◌ّ احتجم في عدَّة أماكن من قفاه وغيره بحسب ما دعت إليه الضرورة. قوله: (وأعطى الحَجَّام أجره) أي: أجرته وهي الصاعان المتقدمان. وقوله: (ولو كان حراماً لم يعطه) أي: لأنه إعانة على محرم، وهو وَل﴿ لا يعين على محرم أبداً، ففي ذلك رٌّ على مَن حرمه مطلقاً معللاً بأن الحجامة من الأمور التي تجب للمسلم على المسلم إعانته عليها لاحتياجه إليها، وما كان واجباً لا يصح أخذ الأجرة عليه، وعلى مَن حرَّمه للحُرِّ دون الرقيق، وهو الإمام أحمد، فحرَّم على الحرِّ الإنفاق على نفسه منه، وجوز له إنفاقه على الرقيق والدواب، وأباحه للعبد مطلقاً. وجمع ابن العربي بين قوله فيالقر: (كسب الحجام خبيث)) وبين إعطاء أجر الحجام: بأن محل الجواز ما إذا كانت الأجرة معلومة على عمل معلوم، ومحل الزجر إذا كانت مجهولة أو على عمل مجهول. ٣٦٣ - قوله: (عن ابن أبي ليلى) اسمه عبد الرحمن الأنصاري. ٦٠٧ لَيْلى، عَن نَافِعِ، عَن ابنِ عُمَر: أنَّ النَّبِيَّ وَِّ دَعَا حَجَّاماً، فَحَجمهُ، وسَأَلهُ: ((كمْ خَراجُكَ؟)) فَقال: ثَلاثَةُ آصُعٍ، فَوضَعَ عَنْهُ صَاعاً ، وأَعطاهُ أَجرَهُ. ٣٦٤ - حدّثنا عَبدُ القُدُّوسِ بنُ مُحمَّدِ العَطَّارُ البَصرِيُّ، حدَّثَنَا عَمرُو بنُ عَاصمٍ، حدَّثَنَا هَمَّامٌ وجَرِيرُ بنُ حَازم قالا: حدَّثَنَا قَتَادةُ، عَن أَنسِ بنِ مَالكِ رَضيَ اللهُ عَنه قَالَ: كَانَ رَسُول الله وَّهُ يَحْتَجمُ فِي الأخدَعَين والكَاهِل، قوله: (دعا حَجّاماً) هو أبو طيبة المتقدم. قوله: (وسأله) وفي نسخة: ((فسأله)). قوله: (ثلاثة آصُع) بمد الهمزة وضم الصاد جمع صاع، وأصله: أَصْوُع، فقدمت الهمزة الثانية على الصاد، فصار أأصع - بهمزتين متواليتين - ثم قُلبت الهمزة الثانية ألفاً، فصار آصع. قوله: (فوضع عنه صاعاً) أي: تسبَّب في وضعه عنه حيثُ كلم سيده، فوضعه عنه . وقوله: (وأعطاه أجره) أي: الذي هو الصاعان السابقان، وهما بقدر ما بقي عليه من خراجه. ٣٦٤ - قوله: (عمرو) بفتح العين وسكون الميم. وقوله: (هَمّام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى. وقوله: (قالا) أي: هَمَّام وجرير. قوله: (يحتجم في الأخدعين والكاهل) تقدم أن الأخدعين العرقان في جانبي العنق، والكاهل أعلى الظهر، وهو الثلث الأعلى، وفيه ست فِقَرات . = ٦٠٨ وَكَانَ يَحتجِمُ لسبعَ عَشْرةَ، وتِسعَ عَشرةَ، وإحدى وعِشرينَ. ٣٦٥ - حدّثنا إسحاقُ بنُ مَنصورٍ، أَنْبَنَا عَبدُ الرَّزَّاقِ، عَن مَعمرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَن أَنَسِ بنِ مَالكِ، أَنَّ رَسُول اللهِ ◌ّهِ احتَجَمَ وهُوَ مُحرِمٌ = وقيل: هو ما بين الكتفين. قوله: (وكان يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة) بسكون الشين فيهما، أي: لسبع عشرة ليلةً خَلَتْ من الشهر، وتسع عشرة ليلة كذلك. وقوله: (وإحدى وعشرين) أي: ليلةً كذلك، لأن الدم في أول الشهر، وآخره يسكُن، وبعدَ وسطِه يتزايد ويهيج، وقد ورد في تعيين الأيام للحجامة حديث ابن عمر عند ابن ماجه، رفعه إلى النبي ◌َّطاهر: ((الحجامة تزيد الحافظ حفظاً، والعاقل عقلاً، فاحتجموا على بركة الله يوم الخميس، واحتجموا يوم الثلاثاء والاثنين، واجتنبوا الحجامة يوم الأربعاء، والجمعة، والسبت والأحد)). وروي أنه وير قال: ((الحجامة على الريق دواء، وعلى الشبع داء، وفي سبع عشرة من الشهر شفاء، ويوم الثلاثاء صحة البدن، ولقد أوصاني خليلي جبريل بالحجامة، حتى ظننت أنه لا بدَّ منها)). وقد ورد النهي عنها يوم الثلاثاء، مع الأربعاء، والجمعة، والسبت، وأفضل الأيام لها يوم الاثنين، وأفضل الساعات لها الساعة الثانية والثالثة من النهار، وينبغي أن لا تقع عقب استفراغ، أو حمّام، أو جماع، ولا عقب شبع، ولا جوع، ومحل اختيار الأوقات المتقدمة: عند عدم هيجان الدم، وإلا وجب استعمالها وقت الحاجة إليها. ٣٦٥ - قوله: (أنبأنا) وفي نسخة: ((أخبرنا)). قوله: (احتجم وهو محرم) فدلَّ ذلك على حل الحجامة للمُحرم، إن = ٦٠٩ بِمَلَلٍ عَلَى ظَهرِ القَدمِ. ٥١ - باب ما جاء في أسماء رسول الله وَل ٣٦٦ - حدّثنا سَعيدُ بنُ عَبدِ الرَّحمنِ المخزُوميُّ وغَيرُ وَاحِدٍ قَالوا: حدَّثَنَا سُفيانُ، عَنِ الزُّهرِيِّ، عَن مُحمَّدٍ بنِ جُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ، = لم يكن فيها إزالة شعر، وإلا حرمت بلا ضرورة. وكرهها الإمام مالك. والحديث حجة عليه. وقوله: (بملل) بلامين أولاهما مفتوحة، وهو محل بين مكة والمدينة على سبعة عشر ميلاً من المدينة. وقوله: (على ظهر القَدَم) أي: قَدَم الرجل. وروي أيضاً أنه نَّهـ احتجم في وسط رأسه من شقيقة كانت به، وبالجملة فالحجامة تكون في المحل الذي يقتضيه الحال، لأنها إنما شرعت لدفع الضرر، فتختلف مواضعها من البدن باختلاف الأمراض. وقد ورد في فضل الحجامة على الرأس حديث أخرجه ابن عدي عن ابن عباس رفعه إلى النبي ◌َّله: ((الحجامة في الرأس تنفع من سبع: الجنون، والجُذام، والبرص، والنعاس، والصداع، ووجع الضرس، والعين)). وقال الأطباء: إن الحجامة في وسط الرأس نافعة جداً وقد ثبت أنه وَ لّ فعلها . ٥١ - باب ما جاء في أسماء رسول الله داخل أي الألفاظ التي تطلق على رسول الله وَ له سواء كانت عَلَماً أو وصفاً، وقد نقل عن بعضهم: أن الله تعالى ألف اسم، وللنبي بَّر ألف اسم. وقد ألف السيوطي رسالة سماها: بالبهجة السنية في الأسماء النبوية، وقد قاربت الخمس مئة. والقاعدة: أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى. ٣٦٦ - قوله: (عن أبيه) أي: جبير. ٦١٠ عَن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ لى أَسماءً، أَنَا مُحمَّدٌ، قوله: (إن لي أسماء) أي: كثيرة وإنما اقتصر على الخمسة الآتية: لأنها الأشهر، أو لكونها المذكورة في الكتب القديمة، فقد ذُكر في كتاب ((شوق العروس وأنس النفوس)) (١) عن كعب الأحبار أنه قال: اسم النبي ◌َّ عند أهل الجنة عبد الكريم، وعند أهل النار عبد الجبار، وعند أهل العرش عبد الحميد، وعند الملائكة عبد المجيد، وعند الأنبياء عبد الوهاب، وعند الشيطان عبد القهار، وعند الجن عبد الرحيم، وفي الجبال عبد الخالق، وفي البراري عبد القادر، وفي البحار عبد المهيمن، وعند الحيتان عبد القدوس، وعند الهوام عبد الغياث، وعند الوحوش عبد الرزاق، وعند السباع عبد السلام، وعند البهائم عبد المؤمن، وعند الطير عبد الغفار، وفي التوراة مُوذْ مُوذْ، وفي الإنجيل طابْ طابْ، وفي الصحف عاقب، وفي الزبور فاروق، وعند الله طَه ويّس، وعند المؤمنين محمد رَّ، وكنيته أبو القاسم لأنه يقسم الجنة بين أهلها اهـ. قوله: (أنا محمد) بَّر، هو في الأصل اسم مفعول للفعل المضاعف وهو حُمِّد، سمي بذلك إلهاماً من الله تعالى ورجاء لكثرة الحمد له، ولذلك قال جده لما قيل له: لم سميت ابنك محمداً وليس من أسماء آبائِك ولا قومك؟: رجوتُ أن يُحمد في السماء والأرض. وقد حقق الله رجاءه فإن الله حمده حمداً كثيراً بالغاً غاية الكمال، وكذلك الملائكة والأنبياء والأولياء في كل حال، وأيضاً يحمده الأولون والآخرون، وهم تحت لوائه يوم القيامة عند الشفاعة العظمى، وورد عن كعب الأحبار أن اسم محمد مكتوب على ساق العرش، وفي السموات السبع وفي قصور الجنة، وغرفها، وعلى نحور الحور العين، وعلى ورق طوبى، وسدرة المنتهى، وعلى أطراف الحجب، وبين أعين الملائكة. (١) نقله السخاوي في ((القول البديع)) ص ١٨٢ بتحقيقي، وصححت بعض الكلمات هنا منه. ٦١١ وأَنَا أَحمدُ، وأَنَا المَاحِي الَّذِي يَمحُو اللهُ بِيَ الكُفرَ، وأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يُحِشَرُ النَّاسُ عَلى قَدمِيٍّ، وأَنَا العَاقِبُ، والعَاقِبُ الَّذِي لَيسَ قوله: (وأنا أحمد) هو في الأصل أفعل تفضيل، سمي بذلك لأنه واليه أحمد الحامدين لربه، ففي الصحيح: أنه يفتح عليه يوم القيامة بمحامد لم يُفتح بها على أحد قبله، ولذلك يعقد له لواءُ الحمد، ويُخص بالمقام المحمود. وبالجملة فهو أكثر الناس حامدية ومحمودية، فلذلك سمي أحمد ومحمد ◌َّ﴾. ولهذين الاسمين الشريفين مزية على سائر الأسماء. فينبغي تحرِّي التسمية بهما. وقد ورد في الحديث القدسي ((إني آليت على نفسي لا أُدخِل النار مَن اسمه أحمد ولا محمد)) وروى الديلمي عن علي: ما مِن مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه محمد أو أحمد إلا قدس الله ذلك المنزل كل يوم مرتین !! . قوله: (وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر) كان القياس (به) نظراً للموصول، لكنه اعتبر المدلول عليه بلفظ أنا، وأشار بقوله: ((الذي يمحو الله بي الكفر)) إلى أنه إنما وُصف بالماحي، لأن الله يمحو به الكفر من الحرمين الشريفين وغيرهما، أي يَدحضه ولأنه يمحو سيئات من اتبعه وآمن به. قوله: (وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي) أي: على أثري، إذْ لا نبي بعده، وفي رواية: ((على عقبي)) وقد ورد أنه أول من تنشق عنه الأرض، فيتقدم الناسَ في المحشر، ويحشر الناس على أثره. قوله: (وأنا العاقب) أي الذي آتي عقب الأنبياء، فلا نبي بعده، ولذلك قال: ((والعاقب الذي ليس بعده نبي)) قيل: وهذا قول الزهري، فيكون مدرجاً في الحديث، ولكن وقع في رواية سفيان بن عيينة عند الترمذي في الجامع بلفظ: ((الذي ليس بعده نبي)) وفي النهاية: هو الذي يخلُف مَن كان قبله في الخير. ٦١٢ بَعدَهُ نَبِيٌّ)). ٣٦٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ طَرِيفِ الكُوفِيُّ، حدَّثَنَا أَبو بكر بنُ عَيَّشٍ، عَن عَاصٍ، عَن أَبِي وَائِلٍ، عَن حُذيفَةً قَالَ: لَقِيتُ النَّبيَّ وَلَّه فِي بَعضٍ طُرقِ المَدينَةِ فَقالَ: ((أَنا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحمَدُ، وأَنا نَبِيُّ الرَّحمةِ، ونبيُّ الثَّوبةِ، وأَنَا المُقَفَّى، وأَنَا الحَاشِرُ، ونبيُّ المَلاحِمِ». ٣٦٧ - قوله: (حدثنا محمد بن طَريف) بوزن أمير. وقوله: (عن حذيفة) أي: ابن اليمان. قوله: (في بعض طرق المدينة) أي: سِكَكها. قوله: (وأنا نبي الرحمة) أي: سببها، قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ فقد رحم الله جميع المخلوقات لأمنهم به من الخسف والمسخ وعذاب الاستئصال. قوله: (ونبي التوبة) أي: الآمر بها بشروطها المعلومة، أو الكثير التوبة فقد ورد: أنه كان يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم سبعين مرة، أو مئة مرة. قوله: (وأنا المقِفَّى) بكسر الفاء على أنه اسم فاعل، أو بفتحها على أنه اسم مفعول، فمعناه على الأول الذي قَفَا آثار من سبقه من الأنبياء، وتبع أطوار من تقدمه من الأصفياء. قال تعالى: ﴿أولئك الذين هَدَى الله فبهداهمُ اقْتَدِه﴾ أي: في أصل التوحيد ومكارم الأخلاق، وإن كان مخالفاً لهم في الفروع اتفاقاً. ومعناه على الثاني: الذي قُفِّي به على آثار الأنبياء وخُتم به الرسالة. قال تعالى: ﴿ثم قَفَينا على آثارهم برسلنا﴾ . قوله: (ونبي الملاحم) جمع مَلْحَمة وهي الحرب، سميت بذلك الاشتباك لحوم الناس فيها بعضِهم ببعض، كاشتباك السُّدَى بالَّلخمة. وسمي = ٦١٣ ٣٦٨ - حدّثنا إسحاقُ بنُ مَنصورٍ، حدَّثَنَا النَّضرُ بنُ شُميلِ، أَنْبَأْنَا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عَن عَاصمٍ، عَن زِرِّ، عن حُذيفةَ، عَن النَّبِيِّ مَثَ﴿، نَحوَهُ بِمعناهُ. هَكَذَا قَالَ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ: عَن عاصِم، عَنِ زِرِّ، عَن حُذِيفَةً رَضيَ الله عنهُ. ٥٢ - باب ما جاء في عيش النبي صَلىالله وَسَيَّة ٣٦٩ - حدّثنا قُتِيبَةُ بنُ سَعيدٍ، حدَّثَنَا أَبُو الأحوصِ، عَن سِماكِ ابنِ حَربٍ، =* نبي الملاحم لحرصه على الحروب، ومسارعته إليها، أو لأنه سبب لتلاحمهم واجتماعھم. ٣٦٨ - قوله: (حدثنا النضر بن شُميل) بالتصغير. وقوله: (عن زِرّ) بکسر الزاي وتشديد الراء. قوله: (بمعناه) أي: وإن تفاوت اللفظ. قوله: (هكذا قال حماد بن سلمة: عن عاصم، عن زر، عن حذيفة) أي: ولم يقل عن عاصم، عن أبي وائل، كما قال أبو بكر بن عياش. واختلاف الإسنادين من راويين، محمول على تعدد الطرق. ٥٢ - باب ما جاء في عيش النبي وَلـ أي: باب بيان ما ورد من الأحاديث في كيفية معيشته وَ الر حال حياته. وقد ذَكر هذا البابَ سابقاً، وأعاده هنا بزيادات أخرجَته عن التكرار. ٣٦٩ - قوله: (حدثنا أبو الأحوص) بحاء وصاد مهملتين. وقوله: (عن سماك) بكسر السين المهملة. ٦١٤ قَالَ: سَمعتُ الثُّعمَانَ بنَ بَشيرٍ يَقولُ: أَلستُمْ في طَعام وَشَرابٍ مَا شئْتُمْ؟ لَقَدْ رَأَيتُ نَبِيَّكُمْ وَّهُ وَما يَجِدُ مَن الدَّقَلِ ما يَمْلأُ بَطنَهُ !. وقوله: (ابن بشير) كأمير. قوله: (ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟) أي: ألستم متنعمين في طعام وشراب الذي شئتموه من التوسعة والإفراط؟! ف: ما موصولة وهي بدل مما قبله، والقصد التقريع والتوبيخ على الإكثار من ذلك. فقد روى الطبراني: ((أهلُ الشبع: أهلُ الجوع في الآخرة)). وجاء في حديث: ((أشبعكم في الدنيا أجوعكم في الآخرة)) وقال بعض العارفين: جَوِّعوا أنفسكم لوليمة الفردوس. والمذموم إنما هو الشبع المثقِل الموجب للكسل المانع من تحصيل العلم والعمل، وأما الأكل المُعِين على العبادة: فهو مطلوب، لا سيما إذا كان بقصد التقوّي على الطاعة، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً﴾ فلا ينبغي للآكل أن يسترسل في الطعام استرسال البهائم، بل ينبغي أن يزنه بميزان الشرع. وصح أنه وَّم قال: «ما ملأ ابن آدم وعاءَ شراً من بطنه، حَسْبُ ابنِ آدم لقيماتٌ يُقِمْن صلبه، فإن كان ولابدَّ: فثلثٌ لطعامه وثلثٌ لشرابه وثلث لنفَسه)) وقال: ((لا تدخل الحكمة معدةً ملئت طعاماً، ومن قَلَّ أكله قلَّ شربه، فخفَّ نومه، فظهر بركة عمره، ومن كثُر مَطعمه قَلَّ تفكره، وقسا قلبه)). والشبع بدعة ظهرت بعد القرن الأول. قوله: (لقد رأيت نبيكم وَ ل وما يجد من الدَّقَل ما يملأ بطنه) أي: والله لقد رأيت نبيكم والحال أنه ما يجد من الدَقل - بفتح الدال والقاف، وهو رديء التمر - ما يملأ بطنه، لإعراضه عن الدنيا وما فيها، وإقباله على الآخرة. وأضاف النبيَّ بَّه إلى المخاطبين: للإشارة إلى أنه يلزمهم الاقتداء به، والمشيُّ على طريقته، في عدم التطلع إلى الدنيا أي: إلى نعيم الدنيا = ٦١٥ ٣٧٠ - حدّثنا هَارونُ بنُ إسحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، حدَّثَنَا عَبدةُ، عَن هِشامِ بنِ عُروةَ، عَن أَبِيهِ، عَن عَائشةَ قَالتْ: كُنَّا آلَ مُحَمَّدٍ نَمكُثُ = وزخارفها، والرغبة في القناعة. وفي مسند الحارث: عن أنس أن فاطمة جاءت بكسرة خبز إلى المصطفى وَل﴾ فقال: ((ما هذه؟)) قالت: قرص خبزته، فلم تطِب نفسي حتى أتيتك بهذه، فقال: ((أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام)). وروي عن عائشة أنها قالت: لم يشبع وَالر قط، وما كان يسأل أهله طعاماً، ولا يشتهي، إن أطعموه أكل، وما أطعموه قَبل، وما سقوه شرب، وذلك كله رفعة في مقامه الشريف وزيادة في علو قدره المنيف وَلّ، وعبرة لمن بعده من الخلفاء والملوك. ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾. وقد انقسم الناس بعده أربعة أقسام: قسم لم يُرِد الدنيا ولم ترده كالصديق رضي الله عنه، وقسم لم يرد الدنيا وأرادته كالفاروق، وقسم أرادها وأرادته كخلفاء بني أمية والعباس، إلا عمر بن عبد العزيز، وقسم أرادها ولم ترده كمن أفقره الله وامتحنه بجمعها. ٣٧٠ - قوله: (حدثنا عبدة) بسكون الموحدة. قوله: (كنا) وفي نسخة: ((إن كنا)) بزيادة المخففة من الثقيلة، والمعنى: إنا كنا. وقوله: (آل محمد بََّ) بالنصب على تقدير: أعني، مثلاً، لا على أنه خبر كان كما قيل، لأنه ليس المقصود بالإفادة كونَهم آل محمد مَل، بل المقصود بالإفادة ما بعده. وفي نسخة صحيحة برفع ((آل محمد)) على أنه بدل من الضمير في «کنا)). وقوله: (نمكث) بلا لام كما في نسخة، وهي مبنية على نسخة: ((كنا)) = ٦١٦ شَهراً ما نَستوقِدُ بِنارٍ، إنْ هُو إلاَّ الثَّمرُ وَالماءُ. ٣٧١ - حدّثنا عَبدُ اللهِ بنُ أَبِي زِيادٍ، حدَّثَنَا سَيَارٌ، حدَّثَنَا سَهلٌ ابنُ أسلمَ، عَن يَزيدَ بنِ أَبِي مَنصورٍ، عَن أَنْسٍ، عَن أَبِي طَلحةَ قَال: شَكونَا إِلَى رَسُول اللهِ وَّهَ الجُوعَ، ورَفعنَا عَن بُطُونِنا عَن حجرٍ حجرٍ، فَرِفعَ رَسُول اللهِ وَّهِ عن بطنِه = من غير: إنْ، وفي نسخة صحيحة: ((لنمكث)) باللام وهي مبنية على نسخة ((إن كنا)) لأنه نقل الرضيُّ الاتفاق على لزوم اللام في الفعل الواقع في خبر إن المخففة، وحمله ابن حجر على الغالب. وقوله: (ما نستوقد بنار) أي: ما نوقد نارَ الطبخ أو الخَبز، فالسين والتاء زائدتان، والباء زائدة أيضاً. وفي بعض النسخ إسقاطها. وقوله: (إن هو إلا التمر والماء) أي: ما طعامنا إلا التمر والماء. وفي رواية: ((إلا التمر والملح)) ووجه مناسبة الحديث للباب: أن آل محمد ◌َّ يشمله عليه الصلاة والسلام بأن يراد بهم بنو هاشم، وهو خيارهم، أو يُعلم حاله وَلّر من حالهم بطريق الأولى، لأنه أصبرهم وأرضاهم. ولذلك كان يؤثرهم عند الضيق على نفسه. وهذا الحديث من أعظم أدلة مَن فضَّل الفقر على الغنى، فإنه وَّ لم يرض الدنيا لنفسه، ولا لأهله، وقد عُرضت عليه مفاتيح الكنوز، ولو أخذها لكان أشكر الخلق، ولله در البوصيري حيث قال: وراودته الجبال الشُّمُّ من ذهب عن نفسه فأراها أيَّما شَمَم ٣٧١ - قوله: (حدثنا سيار) بفتح السين المهملة وتشديد الياء التحتية. قوله: (ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر) أي: كشفنا ثيابنا عن بطوننا كشفاً صادراً عن حجر حجر. فـ ((عن)) الأولى متعلقة بـ: رفعنا بتضمينه معنى = ٦١٧ عَن حجَریْنِ . = كشفنا، والثانية متعلقة بصفة مصدر محذوف كما نقل عن الطيبي. وقال زين العرب: عن حجر حجر: بدل اشتمال مما قبله بإعادة الجار، كما تقول: كشف زيد عن وجهه عن حسن خارق، والتكرير في حجر حجر باعتبار تعددهم، وإلا فكل واحد منهم شد على بطنه حجراً واحداً، لأن عادة أصحاب الرياضة من العرب، أو من أهل المدينة: أنه إذا اشتد بهم الجوع، يربط الواحد منهم على بطنه حجراً ليشد بطنه وظهره، وتسهل عليه الحركة. وقوله: (فرفع بّر عن بطنه عن حجرين) أي: كشف وَ لّ ثوبه عن بطنه كشفاً ناشئاً عن حجرين، لأن مَن كان جوعه أشدَّ ربط على بطنه حجرين. فكان رسول الله وَ ﴿ أشدَّهم جوعاً ورياضةً. وهذا يقتضي أنه كان يتألم من الجوع، وهو لا نقصَ فيه لأن الجوع كسائر الأمراض التي تحل بالبدن. وهي جائزة على الأنبياء مع سلامة قلوبهم. وخالف بعضهم وقال: كان لا يتألم من الجوع، لأنه كان يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه، أي: يبيت مشاهداً لربه يعطيه قوة الطاعم والشارب. ويدل لذلك ما جاء عن جمع: أنه كان مع ذلك لا يظهر عليه أثر الجوع، بل كان ◌َّ حسن الجسم عظيم القوة جداً، وإنما ربط الحجرين، ليعلمَ صحبه أنه ليس عنده ما يستأثر به عليهم. وقد جاء في صحيح البخاري عن جابر: أنه ربط حجراً واحداً. ونصه قال: كنا يوم الخندق نحفر فعرضت لنا كُذْية - أي: قطعة صلبة - فجاؤوا للنبي وَّ فقالوا: هذه كُذْية عرضت في الخندق، فقام وبطنه معصوب بحجر، ولنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً، فأخذ ◌ََّ المِعْوَل، فضربه، فعاد كئيباً أَهْيَلَ، أو أهيم، وهما بمعنى واحد. زاد أحمد والنسائي: أن تلك الصخرة لا تعمل فيها المعاول، وأنه ◌َّر قال: ((بسم الله)) وضربها ضربة فنشر ثلثها، فقال: ((الله أكبر أُعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها = ٦١٨ قَالَ أَبو عِيسى: هذَا حَديثٌ غَرِيبٌ مِن حَديثِ أَبِي طَلحةَ لاَ نعرفُه إلاَّ مِن هذَا الوَجهِ. ومَعنَى قَولِهِ: ورَفَعنَا عَنِ بُطونِنَا عَن حَجَرِ حَجرِ قَالَ: كَان أَحدُهُم يَشُدُّ فِي بَطنِهِ الحَجَرَ مِن الجَهْدِ = الحُمْرَ الساعةَ)) ثم ضرب الثانية فقطع ثلثاً آخر، فقال: ((الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، وإني والله لأبصر قصورَ المدائِن البيضَ الآن)) ثم ضرب الثالثة فقال: ((بسم الله)) فقطع بقية الحجر، فقال: ((الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبوابَ صنعاءَ من مكاني الساعةَ)). قوله: (قال أبو عيسى) أي: المصنف. وقوله: (هذا) أي: الحديث السابق. وقوله: (حديث غريب من حديث أبي طلحة) أي: حال كونه من حديث أبي طلحة. وقوله: (لا نعرفه) إلا من هذا الوجه، ومع ذلك فرواته ثقات، فلا تضره الغرابة، لأنها تجامع الحسن والصحة، فإن الغريب ما انفرد بروايته عدل ضابط من رجال النقل، ولذلك قال صاحب البيقونية: وقُل غريبٌ ما روى راوٍ فقط قوله: (ومعنى قوله) الخ قاله المصنف أيضاً. وقوله: (في بطنه) أي: عليه. وقوله: (من الجهد) أي: من أجله. فـ: (من) تعليلية، والجُهد بضم الجيم وفتحها. فقيل: بالضم: الوسع والطاقة، وبالفتح، المشقة، وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة، وأما المشقة: فبالفتح لا غير، كما في ((النهاية)). ٦١٩ والضَّعفِ الَّذِي بِهِ مِن الجُوع. ٣٧٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثَنَا آدمُ بنُ أَبِي إِیاسٍ، حدَّثَنَا شَيبانُ أَبو مُعاوِيةَ، حدَّثَنَا عبدُ الملكِ بنُ عُميرٍ، عَن أَبي سَلَمَةَ بنِ عَبد الرحمنِ، عَن أَبِي هُريرةَ قَالَ: خَرجَ رَسُولُ اللهِ وَالمُ فِي سَاعةٍ لا يَخرِجُ فِيها، ولا يَلقاهُ فيها أَحدٌ، وقوله: (والضعف) بفتح الضاد، ويجوز ضمها، وهو كالتفسير لما قبله . وقوله: (الذي به) صفة للجهد والضعف. وإنما أفرد الموصول لما علمت من أن الضعف كالتفسير للجهد. وقوله: (من الجوع) أي: الناشىء من الجوع، فـ: من ابتدائية. ٣٧٢ - قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو أبو عبد الله البخاري. قوله: (خرج رسول الله بِّه) أي: من بيته إلى المسجد، أو إلى غيره. وقوله: (في ساعة لا يخرج فيها) أي: لم تكن عادته الخروج فيها. وقوله: (ولا يلقاه فيها أحد) أي: باعتبار عادته. وهذه الساعة يَحتمِل أن تكون من الليل، وأن تكون من النهار، ويعين الأول ما في مسلم: أنه وَ* خرج ذات ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟)) قالا: الجوع يا رسول الله. قال: ((وأنا والذي نفسي بيده أخرجني الذي أخرجكما، قُوما)) فقاما معه، فأتوا رجلاً من الأنصار وهو أبو الهيثم بن التيهان. اهـ. وفي شرح القاري ما يعين الثاني، وهو ما روي عن جابر: أصبح رسول الله وَ﴿ ذات يوم جائعاً، فلم يجد عند أهله شيئاً يأكله، وأصبح أبو بكر جائعاً، الحديثَ، ولعل ذلك تعدد، فمرة كان ليلاً، ومرة كان نهاراً. ٦٢٠ فَأَتَاهُ أَبو بكرٍ فَقَالَ: ((مَا جَاء بِكَ يا أَبا بَكرٍ؟)) قَالَ: خَرجتُ ألقَى رَسُولَ اللهِ وََّ، وأَنْظُرُ فِي وجههِ، والتَّسليمَ عَليهِ، فَلَمْ يَلبثْ أَنْ جَاءَ عُمرُ، فَقالَ: ((مَا جَاء بِك يَا عُمرُ؟)) قَالَ: الجُوعُ يا رَسولَ الله!، قَالَ بَهِ: ((وأَنَا قَد وجَدتُ بعضَ ذلكَ)) فانطلَقُوا إلَى مَنزلٍ قوله: (فأتاه أبو بكر فقال: ما جاء بك يا أبا بكر) أي: ما حملك على المجيء؟ وجعلك جائياً؟ فالباء للتعدية. قوله: (قال: خرجت ألقى رسول الله وَ ﴿) أي: حال كوني أريد أن ألقى رسول الله وَ لته . وقوله: (وأنظر في وجهه) أي: وأريد أن أنظر في وجهه الشريف وَطاقات. وقوله: (والتسليمَ عليه) بالنصب على أن التقدير: وأريد التسليم عليه. وفي نسخة بالجر، عطفاً على المعنى، فكأنه قال: للقاء رسول الله وَله وللتسلیم عليه. قوله: (فلم يلبث أن جاء عمر) أي: فلم يلبث مجيء عمر، فـ: أنْ وما بعدها في تأويل مصدر فاعل، والمعنى لم يتأخر مجيء عمر، بل حصل سريعاً بعد مجيء أبي بكر. وقوله: (ما جاء بك يا عمر؟) أي: ما حملك على المجيء وجعلك جائياً؟ فالباء للتعدية كما مر. وقوله: (قال: الجوع) فكأنه جاء ليتسلى عنه بالنظر إلى وجهه الكريم اَل*، وكان ذلك بعد كثرة الفتوحات، وكثرتُها لا تُنافي ضيق الحال في بعض الأوقات، لا سيما بعدما تصدق أبو بكر بماله. قوله: (قال) وفي نسخة: فقال. وقوله: (وأنا قد وجدت بعض ذلك) أي: الجوع الذي وجدته.