Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١
٢٤٠ - حدّثنا عبْدُ بنُ حُميدٍ، حذَّثنا مُصْعبُ بنُ المِقْدام، حدَّثنا
المُباركُ بنُ فَضَالةَ، عنِ الحَسنِ قالَ: أتتْ عَجُوزُ النَّبيَّ
فقالتْ: يا رسول الله، أُدْعُ الله أن يُدخِلَني الجنَّةَ، فقالَ: ((يا أُمّ
فُلانٍ، إنَّ الجنَّة لا يدخُلُها
= أن من اشتغل بغير الله فهو عبدُ هواه، فببركته وَّلله حصلت منه الإنابة
وصادفته العناية، فلذلك بشره النبي ◌َّلول بعلو قدره وإعلاء رتبته، فتضمن
مُزاحِه وٌَّ بشرى فاضلةً، وفائدة كاملة، فليس مزاحاً إلا بحسب الصورة،
وهو في الحقيقة غاية الجدّ.
٢٤٠ - قوله: (ابن حميد) بالتصغير.
وقوله: (مصعب) بصيغة اسم المفعول. وفي نسخة ضعيفة بدله:
منصور، وقال مِيْرَك: وهو خطأ.
وقوله: (ابن المقدام) بكسر الميم.
قوله: (ابن فَضالة) بفتح الفاء.
وقوله: (عن الحسن) أي: البصري، لأنه المراد عند الإطلاق في
اصطلاح المحدثین، فالحدیث مرسل.
قوله: (قال) أي: الحسن ناقلاً عن غيره.
قوله: (أتتْ عجوز) أي: امرأة ولا تقل عجوزة بالتاء إذ هي لغة رديئة
كما في ((القاموس))، قيل: إنها صفية بنت عبد المطلب أم الزبير بن العوام،
وعمة النبي ◌َّر، ذكره ابن حجر.
قوله: (ادع الله) أي: لي، كما في نسخة.
قوله: (فقال: يا أم فلان) كأن الراوي نسي اسمها، فكنى عنه: بأم
فلان، لنسيانه اسمَها واسمَ من تضاف إليه، ويؤخذ منه: جواز التكني بأم =
٤٠٢
عجُوزٌ)) قالَ: فولَّتْ تَبْكِي، فقالَ: ((أَخبرُوها أنَّها لا تدخُلُها وهيَ
عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ
= فلان، وفي الكنية نوع تفخيم وإكرام للمَكْنيّ، ولا يشترط فيها وجود ولد
كما في قوله {وَلاير: ((يا أبا عمير ما فعل النغير؟)) وقد كنيت عائشة: بأم
عبد الله ولم تلد، وإنما كنيت بابن أختها أسماء وهو: عبد الله بن الزبير
المشهور.
قوله: (إن الجنة لا يدخلها عجوز) قال ذلك مزاحاً معها وإرشاداً لها
إلى أنها لا تدخل على الهيئة التي هي عليها، بل ترجع في سنّ ثلاث
وثلاثين، أو في سن ثلاثين سنة، واقتصاره وَي على العجوز: لخصوص
سبب الحديث، أو لأن غيرها يُعلم بالمقايسة، وقد روى معاذ بن جبل أن
النبي ◌َّلو قال: ((يدخل أهل الجنة جرداً مرداً مُكَحلين، أبناء ثلاثين - أو
ثلاث وثلاثین - سنة)).
قوله: (قال) أي: الحسن ناقلاً عن غيره كما مر.
قوله: (فولّت) - بتشديد اللام - أي: ذهبت وأعرضت.
وقوله: (تبكي) حال من فاعل ولّت، وإنما ولّت باكية لأنها فهمت
أنها تكون يوم القيامة على الهيئة التي هي عليها ولا تدخل الجنة فحزنت.
قوله: (فقال) أي: النبي ◌َلچر.
وقوله: (أخبروها) بقطع الهمزة أي: أعلموها.
وقوله: (أنها لا تدخلها وهي عجوز) أي: أن تلك المرأة لا تدخل
الجنة والحال أنها عجوز، بل يُرجعها الله في سن ثلاثين أو ثلاث وثلاثين
سنة، فالضمير لتلك المرأة، وهو أقرب من جعله للعجوز المطلقة.
قوله: (إن الله يقول) الخ، أتى ◌َّر بذلك استدلالاً على عدم دخولها
وهي عجوز، بل ترجع في السن المتقدم.
٤٠٣
إِنْشَاءَ * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً﴾ .
قوله: ﴿إنا أنشأناهنَّ إنشاء﴾ أي: إنا خلقنا النسوة خلقاً جديداً من غير
توسُّط ولادة، بحيث يناسب البقاء والدوام، فالضمير للنسوة، وجعله للحور
العين يردّه هذا الحديث.
وقوله: ﴿فجعلناهن أبكاراً﴾ أي: عذارى، وإنْ وطئن كثيراً، فكلما
أتاها الرجل وجدها بكراً، كما ورد به الأثر.
وقوله: ﴿عُرُباً﴾ أي: عاشقات متحببات إلى أزواجهن، جمع عَروب.
وقوله: ﴿أتراباً﴾ أي: متساويات في السن، وهو سن ثلاثين أو ثلاث
وثلاثين سنة، وذلك أفضل أسنان النساء، وجعلهن كذلك بعد أن كنَّ عجائزَ
شُمطاً أي: شائبات. رُمْصاً أي: مريضات العيون، وفي الحديث: ((هن
اللاتي قُبضن في دار الدنيا عجائز))، قد خلقهن الله بعد الكبر، فجعلهن
عذارى متعشقات على ميلاد واحد، أفضل من الحور العين كفضل الظّهارة
على البطانة، ومن يكنْ لها أزواج فتختار أحسنهم خُلُقاً .
فائدة: قال ابن القيم: قد درج أكابر السلف والخلف على ما كان عليه
وَر من الطلاقة والمزاح الذي لا فحش فيه ولا كذب، فكان علي كرم الله
وجهه يكثر المداعبة، وكذا ابن سيرين، وكان الفرزدق يكثر المزاح بين
الصدر الأول، ولم ینگر علیه.
٤٠٤
٣٧ - باب ما جاء في صفة كلام رسول الله وَّل في الشِّعر
٢٤١ - حدّثنا عليُّ بنُ حُجْرٍ، حدَّثنا شَريكٌ، عنِ المِقْدادِ بنِ
شُريح، عنْ أَبِيهِ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: قيلَ لها: هَلْ
٣٧ - باب ما جاء في صفة كلام رسول الله رَّر في الشعر
وفي بعض النسخ: باب كلام رسول الله وَّر في الشعر. والأُولى أولى
على وزن ما سبق، وهو: الكلام الموزون المقفَّى قصداً بالذات، فخرج
بقيد ((القصد)) ما صدر منه وَّر من الكلام الموزون المقفَّى نحو:
أنا ابن عبد المطلب)»
((أنا النبي لا كذبْ
لأن ذلك لم يقصد شعريته، وبقولنا ((بالذات)) ما في الكتاب العزيز نحو:
﴿الذي أنقضَ ظهرك. ورفعنا لك ذكرك﴾ فإنه وإن كان قصداً لأنه مقرون
بالإرادة وهي: معنى القصد، لكن ليس قصداً بالذات بل تبعاً، وبعضهم
أخرجه بالقصد، لأنه لم تُقصد شعريته، وقد تعارضت الأخبار في مدح
الشعر وذمه، والتوفيق بينها: بأن صالحه حسن، وغيرَه قبيح.
وأحاديث هذا الباب تسعة.
٢٤١ - قوله: (ابن حُجر) بضم فسكون.
وقوله: (عن المقدام) بكسر الميم.
وقوله: (ابن شريح) بالتصغير .
وقوله: (عن أبيه) أي: شريح الكوفي، من أصحاب علي كرم الله
وجهه، أدرك زمن النبي بَّه، وقتل مع أبي بكرةَ بسِجِسْتان. ولهم شريح
آخر، وهو القاضي شريح المشهور وليس مراداً.
قوله: (قالت) أي: عائشة، لكن كان مقتضى الظاهر على هذا أن
تقول: قيل لي، فقولها: قيل لها: فيه مخالفة الظاهر، وفي نسخة: قال : =
٤٠٥
كانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَتَمثَّلُ بِشيْءٍ من الشِّعْرِ؟ قالتْ: كانَ يتمثَّلُ
بشعرِ ابن رَوَاحةَ، ويتمثَّلُ بقولهِ :
((ويأَتِيكَ بِالأخْبَارِ مَنْ لمْ تُزَوِّد)».
= أي: شريح وهو الظاهر، لأنه الموافق لقوله: قيل لها.
قوله: (يتمثل بشيء من الشعر) أي: يستشهد به وينشده، وأما قول
الحنفي: أي: يتمسك ويتعلق بشيء من الشعر، فخلاف المقصود بل هو
المعنى المردود، مع أنه مخالف للمعنى اللغوي، ففي ((القاموس)): تمثّل:
أنشد بيتاً، وتمثل به: ضربه مَثَلاً، وقول المناوي: تمثل: أنشد بيتاً ثم آخر
ثم آخر، یوهم أنه لا یسمی تمثلاً إلا إذا أنشد ثلاثة أبیات، ولیس کذلك بل
قول ((القاموس)) بيتاً ليس بقيد، بدليل أن عائشة رضي الله عنها أطلقت
التمثل على إنشاد شطر بيت، وهي من أفصح العرب.
قوله: (قالت: كان) أي: في بعض الأحيان.
وَقوله: (يتمثل بشعر ابن رواحة) أي: ينشده، واسم ابن رواحة:
عبد الله، أسلم في أول سنة من الهجرة، وهو أنصاري خزرجي، شهد
المشاهد كلها إلا الفتح، فإنه مات قبله بمؤتة أميراً، وكان من الشعراء
الذابين عن الإسلام ككعب بن مالك وحسان. وفي نسخ: ابن أبي رواحة.
قوله: (ويتمثل بقوله) أي: الشاعر، وهو : طَرَفة بن العبد بفتح الطاء
والراء كما في ((القاموس))، واسمه: عمرو، فالضمير عائد على غير مذكور
اتكالاً على شهرة قائله، وفي نسخة: وبقوله، عطفاً على قوله: (بشعر ابن
رواحة).
قوله: (ويأتيك بالأخبار من لم تزوِّد) أي: من لم تعطه زاداً، من
التزويد وهو: إعطاء الزاد للمسافر، والمعنى: سيأتيك بالأخبار من لم تعطه
الزاد ليسافر ويأتي لك بها. وصدر البيت:
٤٠٦
٢٤٢ - حدّثنا محمَّدُ بنُ بشَّارِ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مهديٍّ،
حدَّثنا سُفيانُ الثَّرُّ، عنْ عبدِ الملِكِ بنِ عُميرٍ، حدَّثنا أَبُو سلَمَةَ،
عنْ أبي هُريرةَ رضي الله عنهُ قالَ: قالَ رسُولُ الله ◌ِّهِ: ((إنَّ أَصدقَ
كَلِمَةٍ قالهَا الشَّاعِرُ: كَلمةُ لَبِيدٍ :
=
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً
أي: ستظهر لك الأيام - أي: أهلُها - الأمرَ الذي كنت جاهلاً به،
وكان خفياً عليك، وفي رواية: أنه نَّ له تمثل بهذا البيت لكنه قدم وأخّر
فقال: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك من لم تزود بالأخبار، فقال
أبو بكر: ليس هكذا يا رسول الله! قال: ((ما أنا بشاعر))، فكأنه وَ لّ تمثل
بمعناه، وأتى فيه بحق لفظه ومبناه، فإن العمدة مقدمة على الفضلة،
والشاعر لضيق النظم عليه قدَّم الفضلة وأخر العمدة، فلما قال له الصدِّيق:
ليس هكذا، قال: ((ما أنا بشاعر)) قاصدٍ شعريته، وإنما قصدت معناه، وهو
أعم من أن يكون في قالب وزن أو لا، ولا تعارض بين هذه الرواية ورواية
وَّالر تمثل به تارة كذا وتارة كذا.
الكتاب، لاحتمال أنه
٢٤٢ - قوله: (ابن عمير) بالتصغير.
قوله: (قال) أي: أبو هريرة.
قوله: (إن أصدق كلمة) المراد بها هنا الكلام كما قال ابن مالك:
وكِلْمٌ بها كلامٌ قد يُؤَمّ
وقوله: (كلمة لبيد) أي: ابن ربيعة العامري، كان من أكابر الشعراء،
وأسلم وحسن إسلامه، ولم يقل شعراً بعد الإسلام، وكان يقول: يكفيني
القرآن، ونذر أن ينحر لإطعام الناس كلما هب الصبا.
٤٠٧
ألا كُلُّ شيءٍ ما خَلَ اللهَ باطِلُ
وكادَ أُميَّةُ بنُ أبي الصَّلتِ أنْ يُسلِم)).
٢٤٣ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ المُثَّى، حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا
شُعبةُ، عنِ الأسودِ بن قيسٍ، عن جُنذَّبِ بنِ سُفيانَ
قوله: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) أي: آيِلٌ إلى البطلان والهلاك
كما قال تعالى: ﴿كلُّ شيء هالكٌ إلا وجهَه﴾ فلموافقته أصدق الكلام على
الإطلاق كان أصدق كلام الخلق، وهو زبدة مسألة التوحيد. وبقية البيت:
وكل نعيم لا محالة زائل
أي: كل نعيمٍ من نعيم الدنيا زائل لا محالة، فلا يرد نعيم الجنة، فإنه
دائم لا يزول.
قوله: (وكاد) أي: قَرُب، لأن كاد من أفعال المقاربة، وضعت
لمقاربة الخبر من الوجود، لكن لم يوجد لمانع.
وقوله: (أمية) بالتصغير .
وقوله: (ابن أبي الصلت) بفتح فسكون، كان يتعبد في الجاهلية،
ويؤمن بالبعث، أدرك الإسلام لكن لم يوفّق له .
وقوله: (أن يسلم) خبر كاد. أي: قرب من الإسلام لكونه كان ينطق
في شعره بالحكم البديعة، ومن ثَم استشهد المصطفى بشعره، لكن أدركه
الشقاء فلم يسلم بل مات كافراً أيام حصار الطائف، وعاش حتى أدرك وقعة
بدر، ورثی من قتل بها.
٢٤٣ - قوله: (عن جندب) بضم الجيم وسكون النون وضم الدال
وفتحها بعدها باء موحدة، وكنيته: أبو عبد الله، له صحبة، خرج له
الجماعة .
٤٠٨
البَجَليِّ قالَ: أصابَ حجرٌ إِصْبَع رسُولِ اللهِ وَّهِ فَدَمِيتْ فقالَ:
وفيٍ سَبِيلِ الله مَا لَقِيتٍ))
((هَلْ أَنْتِ إلَّ إِصبَعٌ دَمِیتٍ
وقوله: (البجلي) نسبة لبجيلة، ويقال له: العَلَقي نسبة لعَلَق كفرس،
بطنٍ من بجيلة.
قوله: (أصاب حجر) إلخ، أي: في بعض غزواته، فقيل: في أحد،
وقيل: كان قبل الهجرة.
وقوله: (أصبع رسول الله بَّه) أي: أصبع رجله، والأصبع: مثلثة
الهمزة مع تثليث الباء، فهذه تسع لغات، والعاشرة أصبوع، وقد نظم ذلك
وضم إليه لغاتِ الأنملة الشيخ العسقلاني، حيث قال:
وهمزَ أُنملةٍ ثلِّثْ وثالثَه والتسعُ فِي أُصْبُع واختِمْ بِأُصْبُوع
قوله: (فدميت) أي: تلطخت بالدم، وأَنّث الفعل المسند لها: لأنها
مؤنثة، وقد تذكَّر.
قوله: (هل أنت) الخ، اختلف فيمن أنشأ هذا الشعر وتكلم به أولاً،
ففيل: الوليد بن الوليد بن المغيرة، وذلك: أنه كان رفيق أبي بَصير في
صلح الحديبية، في محاربة قريش، وتوفي أبو بَصير، ورجع الوليد إلى
المدينة فعثر بحَرَّتها فانقطعت أصبعه، فقال ذلك الشعر، وقيل ابن رواحة،
وذلك أنه لما قُتل جعفر بمؤتة، دعا الناسُ بابن رواحة فأقبل وقاتل فأصيبت
أصبعه، فجعل يقول:
وفي سبيل الله ما لقيتٍ
هل أنت إلا أصبعٌ دَمِيتِ
هذا حياض الموت قد صَلیتِ
يا نفسُ إلاَّ تقتلي فموتي
إنْ تفعلي بفعلها هُديتٍ
وما تمنيتِ فقد لقيتِ
والاستفهام: بمعنى النفي، والاستثناء من محذوف، أي: ما أنت شيء
إلا أصبع دميت، بصيغة خطاب المؤنث، وهكذا قوله: وفي سبيل الله ما =
٤٠٩
٢٤٤ - حدّثنا ابنُ أبي عُمرَ، حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينةَ، عن
الأَسودِ بنِ قيسٍ، عنْ جُندُّبِ بنِ عَبدِ الله البَجَليِّ، نحوَهُ.
٢٤٥ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ بِشَّارِ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، حدَّثنا
سُفيانُ الثَّورِيُّ، أنبأنَا أَبُو إسحاق، عنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ قالَ: قالَ
له رَجُلٌ: أَفَرَرْتُمْ
= لقيت أي: والحال أن الذي لقيتيه حاصل في سبيل الله، فالجملة حالية،
وإنما خاطبها لأنه نزّلها منزلة العاقل الذي يخاطَب، ولا مانع من أن يكون
الله جعل فيها إدراكاً وخاطبها حقيقةً، معجزةً له وَطِّ، والمقصود بذلك:
التسلية والتهوين، فكأنه يقول لها: تثبتي وهوّي عليك، فإنك لستِ إلا
أصبعاً دميت، فما أصابكِ لم يكن هلاكاً ولا قطعاً، مع أنه لم يكن ما لقيت
إلا في سبيل الله فلا تبالي به، بل افرحي فإن محنة الدنيا قليلة، ومنحتها
جزيلة .
وقيل: الصواب في الرواية: دميتْ ولقيتْ، بصيغة الغيبة، وحينئذ:
يكون ليس شعراً، ورواية الخطاب غفلة.
٢٤٤ - قوله: (عن جندب بن عبد الله) أي: ابن سفيان البجلي
المذكور في السند السابق.
قوله: (نحوه) أي: بمعناه دون لفظه، كما هو الاصطلاح في الفرق
بین قولهم: نحوه ومثله، وقد تقدم.
٢٤٥ - قوله: (قال) أي: البراء بن عازب.
وقوله: (قال له رجل) أي: من قيس لا يعرف اسمه.
قوله: (أفررتم) أي: أهربتم من العدو يوم حنين؟ كما جاء صريحاً في
رواية الشيخين، وقصة حنين مشهورة، وكان الكفار أكثر من عشرين ألفاً =
٤١٠
عنْ رسُول الله وَلِّ يا أبَا عُمارَةَ؟ فقالَ: لاَ، والله ما وَلَّى رسُولُ الله
وَّهِ، وَلكنْ وَلَّى سَرَعانُ النَّاس، تلقَّتْهُمْ
=- كما في شرح المواهب - وكان المسلمون عشرة آلاف مقاتل من بين فارس
وراجل، ومن معجزاته وَّل# فيها انهزام الكفار فيها من رميه إياهم بقبضة من
الحصى رماها في وجوههم وقال: ((شاهت الوجوه)) أي: قبحت، فما بقي
منهم أحد إلا دخل التراب في عينيه، وانهزموا بعد ما انهزم المسلمون
منهم.
قوله: (عن رسول الله) متعلق بمحذوف والتقدير: أفررتم منكشفين
عن رسول الله؟ لوضوح: أن الفرار عن العدو، لا عن رسول الله وَل .
وقوله: (يا أبا عُمارة) نداء للبراء بكنيته، فإن هذه كنية له كـ: حُذَافة.
قوله: (فقال: لا) أي: لم نفرّ كلُّنا بل بعضنا، لأن أكابر الصحب لم
يفروا، وإنما فرّ سَرَعان الناس كما سيأتي.
قوله: (والله ما ولّى رسول الله) أتى بالقسم مبالغة في الرد على
المنكر، وإنما أجاب بنفي تولّي رسول الله مع أن السؤال عن فرارهم: لأنه
يلزم من ثباته ◌ّيو عدم فرار أكابر الصحب، لأنهم باذلون أنفسهم دونه،
وعالمون بأن الله عاصمُه وناصره، وإنما نفى التولي دون الفرار مع أنه هو
الذي في السؤال: تنزيهاً لذلك المقام الرفيع عن اللفظ البشع الفظيع، حتى
في النفي، فإن الفرار أفظع وأبشع من التولي، لأن التولي قد يكون تحيزاً
لفئة أو تحرُّفاً لقتال، والفرار يكون للخوف والجبن غالباً، وأجمعوا على:
أنه لا يجوز الانهزام عليه، فمن زعم أنه انهزم كفر إن قصد التنقيص، وإلا
أُدِّب تأديباً عظيماً عند الشافعي، وقُتل عند مالك.
قوله: (ولكنْ ولَّى سَرَعانُ الناس) أي: الذين يسرعون إلى الشيء
ويقبلون عليه بسرعة غافلين عن خطره، وأكثرهم في قلبه مرض، لكون =
٤١١
هَوَازنُ بِالنَبلِ، ورسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى بَغْلَتِهِ وأَبُو سُفيانَ بنُ الحارثِ
ابنِ عبدِ المُطَّلب، آخِذٌ بلِجامِها، ورسُولُ اللهِ وَلَّهِ يقولُ:
= الإسلام لم يتمكن في قلوبهم، وسرعان بفتح السين والراء وقد تسكّن:
جمعُ سريع، كما جرى عليه جمع منهم الزركشي، قيل: ليس جمعاً لأنه
ليس من الأبنية الموضوعة للجمع، بل: اسم مفرد، وضع على أوائل الناس
المسرعين إلى الشيء، ونُوزع هذا القيل.
قوله: (تلقتهم هوازن) أي: استقبلتهم قبيلة هوازن، وهي قبيلة
مشهورة بالرمي لا تخطىء سهامهم، وهم بوادي حنين: وادٍ وراء عرفة،
بینه وبین مكة ثلاث ليال.
وقوله: (بالنَّبل) بفتح النون أي: السهام العربية، وهي: اسم جمع لا
واحد له من لفظه، بل من معناه، وهو سهم، ولما أثخنوهم بها ولّى
أُولاهم على أُخراهم، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين
فكانوا سبباً للنصر.
قوله: (ورسول الله على بغلته) أي: البيضاء التي أهداها له المُقَوْقِس،
وهي: دُلْدُل، ماتت في زمن معاوية، وكان له بغلة أخرى يقال لها: فضة،
وله حمار يقال له: يعفور، طرح نفسه يوم موت النبي في بئر فمات، وفي
ركوبه للبغلة مع عدم صلاحيتها للحرب لأنها من مراكب الأمن: إيذانٌ بأنه
غير مكترث بالعدو، لأن مدده سماوي وتأييده رباني.
قوله: (وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب) فهو: ابن عم
رسول الله وَّ﴾، واسمه كنيته، وقيل اسمه المغيرة، وهو أخو النبي من
رضاع، كان يألفه قبل البعثة، فلما بُعث آذاه، ثم أسلم وحسن إسلامه .
قوله: (آخِذ بلجامها) أي: وتارة يأخذ بركابها والعباس بلجامها. وفي
بعض الروايات: أن عمر مُمسِك بلجامها، والعباس بركابها، واللجام
ككتاب، فارسي معرّب، أو توافقت فيه اللغات، وجمعه لُجُم ککتب.
٤١٢
أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ))
((أنا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ
قوله: (أنا النبي لا كذب) أي: أنا النبي حقاً لا كذب فيما أقوله من
وعد الله لي بالنصر، فلا أفرُّ ولا أنهزم، وفي ذلك دليل على قوة شجاعته
وَّه حيث فرَّ صحبه وبقي في شرذمة قليلة، ومع ذلك يقول هذا القول بين
أعدائه .
وقوله: (أنا ابن عبد المطلب) أي: الذي كان سيد قريش، واستفاض
بينهم أنه سيكون من بني عبد المطلب من يغلب أعداءه، ولهذا انتسب إليه
مع كونه جدَّه، ولم ينتسب إلى أبيه، وأيضاً فكان انتسابه إليه أشهر: لأن
أباه مات شاباً فربّاه جده عبد المطلب، وزعم بعضهم: أنه انتسب إلى جده
لأنه مقتضى الرجز، وهو في حيز المنع إذ لا يليق به أن يتعاطى الرجز
ويقصده، وإن حصل من غير قصد، كما لا يقصد شعريته وإن اتفق أنه كلام
موزون مقفّى كما هنا، وبهذا حصل الجواب عن استشكال كون هذا شعراً
مع أنه لا يجوز عليه الشعر.
وتخلّص بعضهم من ذلك: بفتح باء كذب، وكسر باء المطلب، فراراً
من كونه شعراً، وهو من الشذوذ بمكان. وقد فرّ قائله من إشكال هين لين،
فوقع في إشكال صعب عسير، وهو: نسبة اللحن إلى أفصح العرب، لأن
الوقف على المتحرك لحنٌ كما حُكي عليه الإجماع، وما كان صلى الله
تعالی عليه وسلم ينطق باللحن.
ويؤخذ من هذا الحديث: جواز قول الشخص أنا فلان ابن فلان أو
نحوه، لا للمفاخرة والمباهاة، ومنه قول علي كرم الله وجهه:
أنا الذي سمَّتني أمي حيدرةٌ
أنا ابن الأكوع
وقولُ سَلَمة:
فإن كان للمفاخرة والمباهاة كما هو دأب الجاهلية كان منهياً عنه.
٤١٣
٢٤٦ - حدّثنا إسحاقُ بنُ منصُورٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاق، حدَّثنا
جعفرُ بنُ سُلَيْمَانَ، حدَّثنا ثابتٌ، عن أنسٍ: أنَّ النَّبِيَّ نَّهِ دَخَلَ مَكَّةَ
في عُمرةِ القضاءِ، وابنُ رَوَاحةَ يمشي بينَ يديه وهو يقُولُ:
الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ
خُلُّوا بني الكُفَّارِ عنْ سَبِيلِهِ
٢٤٦ - قوله: (في عمرة القضاء) أي: المقاضاة التي حصلت بينه ولد
وبين قريش في الحديبية، ولذلك يقال لها: عمرة القضية، فليس المراد
بالقضاء ضد الأداء، لأن عمرتهم التي تحللوا منها لا يلزمهم قضاؤها، كما
هو شأن المُخْصَر عند إمامنا الشافعي رضي الله عنه.
قوله: (وابن رواحة) بفتح الراء والحاء المهملة، اسمه: عبد الله
الأنصاري الخزرجي.
وقوله: (ينشىء)(١) وفي نسخة: ينشد، ومعنى إنشاء الشعر: إحداثه،
فمعنى ينشىء بين يديه: يُحدِث نظم الشعر أمامه، وأما إنشاده فهو: ذكر
شعر الغير وقراءته، والجملة حالية.
قوله: (وهو يقول) أي: والحال أنه يقول، فالجملة حالية أيضاً.
قوله: (خُلُّوا بني الكفار عن سبيله) أي: دوموا واثبتوا يا بني الكفار،
ففيه حذف حرف النداء على تخلية طريقه الذي هو سلكه، لأنهم خرجوا
من مكة يومئذ إلى رؤوس الجبال، وخلّوا له مكة. والأصول المعتمدة على
إشباع كسرة الهاء الراجعة إلى النبي ◌َّر، وفي بعض النسخ بسكونها.
قوله: (اليوم نضربكم على تنزيله) أي: الآن وفي هذا الوقت
نضربكم: بسكون الباء لضرورة النظم فهو مرفوع تقديراً، والضرب: إيقاع
شيء على شيء بعنف، وعلى: تعليلية، والهاء في تنزيله: راجعة إليه وَله .
(١) هكذا في نسخ أخرى، وفي المتن: يمشي، وهو كذلك في نسخ أخرى.
=
٤١٤
ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
ضَرْباً يُزِيلُ الهَامَ عنْ مَقِيلِهِ
فقالَ لهُ عُمرُ: يا ابنَ رَوَاحَةَ، بِينَ يَدَيْ رسُولِ اللهِ وَّ وفِي حَرَمِ
الله تقُولُ الشِّعرَ!
= والمعنى: نضربكم في هذا الوقت، إن نقضتم العهد وتعرضتم لمنع النبي
من دخول مكة، لأجل تنزيله وَ ير مكة، فلا نرجع اليوم كما رجعنا في يوم
الحديبية .
وقوله: (ضرباً) مفعول مطلق.
وقوله: (يزيل الهام) أي: يزيل الرؤوس، لأن الهام: جمع هامة،
بالتخفيف، وهي الرأس.
وقوله: (عن مقيله) أي: عن محله الذي هو الأعناق، فإنها محل
الرؤوس ومستقرها، وأصل المَقيل مصدر ((قال)) بمعنى: نام وقت
القيلولة.، يقال: قال مقيلاً وقيلولة، والمراد به محل استقرار الرؤوس.
والمعنى: ضرباً عظيماً يزيل الرؤوس عن الأعناق.
وقوله: (ويذهل) وفي نسخة: ويذهب، والأولى هي المناسبة لقوله
تعالى: ﴿يوم تَرَونها تَذْهَل كلُّ مرضعة عما أرضعت﴾.
وقوله: (الخليل) مفعول ليذهل.
وقوله: (عن خليله) متعلق به، والمعنى: ويشغلُ ويُبعد المحب عن
حبيبه لشدته، فيصير اليوم كيوم القيامة في الشدة: ﴿لكل امرىء منهم يومئذ
شأن يغنيه﴾ .
قوله: (فقال له عمر) أي: على سبيل اللوم والتوبيخ.
قوله: (بين يدي رسول الله وفي حرم الله تقول الشعر!) وفي نسخة:
تقول شعراً، وهو استفهام توبيخ، بتقدير الهمزة، وفي رواية بإثباتها، وإنما =
٤١٥
فقالَ وَلَّهِ: ((خَلِّ عنهُ يا عُمرُ، فَلهيَ فيهمْ أسرعُ منْ نَضْحِ النَّبْلِ)).
٢٤٧ - حدّثنا عليُّ بنُ حُجْرٍ، حدَّثنا شريكٌ، عنْ سِماكِ بنِ
حربٍ، عنْ جابرِ بنِ سَمُرةَ قالَ: جالسْتُ النَّبِيَّ وَ ﴿ أكثَرَ منْ مِئَّةِ
= لام عليه، لأن الشعر ورد ذمه في كلام الله وعلى لسان رسول الله، فلا
ينبغي في حرم الله ولا بين يدي رسول الله وَله، وأيضاً: فقد يحرِّك غضب
الأعداء فيلتحم القتال في الحرم.
قوله: (فقال ◌َّر) أي: للجواب عن ابن رواحة.
وقوله: (خلِّ عنه يا عمر) أي: لا تَخُلْ بينه وبين ما سلكه من إنشاء
الشعر ولا تمنعه عنه.
وقوله: (فلهي) أي: لَهذه الأبيات أو الكلمات، وأتى بلام الابتداء:
للتوکید.
وقوله: (فيهم) متعلق بما بعده أي: في إيذائهم ونكايتهم وقهرهم.
وقوله: (أسرع من نضح النبل) أي: أشد سرعة وأبلغ نكاية من رمي
السهام إليهم، فهذه الأبيات أو الكلمات أشد تأثيراً فيهم وإيذاء لهم من
رمیھم بالسهام، كما قيل:
جِراحاتُ السنانِ لها التئام ولا يلتامُ ما جرح اللسانُ
أي: الكلامُ، ولعل اختيار النبل على السيف والرمح: لأنه أكثر تأثيراً
وأسرع نفوذاً مع إمكان إيقاعه من بعدٍ إرسالاً، وهو أبعد منهما دفعاً
وعلاجاً.
ويؤخذ منه جوازُ بل ندبُ إنشاد الشعر واستماعه إذا كان فيه مدح
الإسلام، والحث على صدق اللقاء ومبايعة النفس لله تعالى.
٢٤٧ - قوله: (وكان أصحابه) بالواو، وفي نسخة: بالفاء.
٤١٦
مرَّةٍ، وكانَ أصْحابُهُ يَتَنَاشَدُونَ الشِّعرَ ويَتَذَاكَرون أشياءَ من أمرٍ
الجاهِليَّةِ وهُو سَاكتٌ، ورُبَّمَا تَبَسَّمَ مَعَهُم.
٢٤٨ - حدّثنا عليُّ بنُ حُجْرٍ، حدَّثنا شَريكٌ، عن عبد الملِكِ بنِ
عُمِيرٍ، عَنْ أبي سَلَمَةَ، عنْ أبي هُرِيرَةَ، عنِ النَّبِيِّ نَّهِ قالَ: ((أَشْعَرُ
وقوله: (يتناشدون الشعر) أي: يُرادِدُ بعضهم بعضهم الشعر الجائز،
فإن التناشد والمناشدة: مُرَاددة البعض على البعض شعراً.
وقوله: (ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية) وفي نسخة: أموراً بصيغة
الجمع، وفي نسخة: جاهليتهم، وهي: ما قبل الإسلام.
وقوله: (وهو ساكت) أي: ممسِك عن الكلام، مع القدرة عليه، لا
یمنعهم.
وقوله: (وربما تبسم معهم) وفي نسخة: يتبسم، بصيغة المضارع،
وأشار بـ: ربما إلى أن ذلك كان نادراً.
ويؤخذ منه: حل إنشاد الشعر واستماعه، إذا كان لا فحش فيه، وإن
اشتمل على ذكر أيام الجاهلية ووقائعهم، في حروبهم ومكارمهم ونحو
ذلك.
٢٤٨ - قوله: (أشعر كلمة تكلمت بها العرب) أي: أجودها وأحسنها،
وأدقها وأرقها، والعرب: اسم مؤنث ولهذا أنّث الفعل المسنَد إليها في
قوله: (تكلمت بها العرب) ووصفت بالمؤنث في قولهم: العرب العاربة،
والعرب العرباء، وهم خلاف العجم، وهم: أولاد إسماعيل، قيل سموا
عرباً: لأن البلاد التي سكنوها تسمى العربات، وبعضهم قسمهم قسمين:
عرب عارِبة، وهم الذين تكلموا بلسان يَعْرُب بن قحطان، وهو اللسان
القديم، وعرب مستعربة وهم الذين تكلموا بلسان إسماعيل، وهي لغة
الحجاز وما والاه.
٤١٧
كلمةٍ تكلَّمتْ بها العربُ: كلمةُ لَبِيدٍ :
ألاَ كُلُّ شيءٍ ما خَلاَ اللهَ بَاطِلُ))
٢٤٩ - حدّثنا أحمدُ بنُ مَنيع، حدَّثنا مروانُ بنُ مُعاويةَ، عنْ
عبدِ الله بنِ عبدِ الرَّحمنِ الطَّائفيِّ، عنْ عَمرو بنِ الشَّريد، عن أبيه
قوله: (كلمة لبيد) أي: كلامه، فالمراد بالكلمة: الكلام، كما مر.
قوله: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) بقيته :
وكل نعيم لا محالةَ زائل
أي: من نعيم الدنيا كما تقدم بدليل قوله بعد ذلك:
نعيمُك في الدنيا غرورٌ وحسرة وأنت قريباً عن مَقِيلك راحلُ
ولما سمع عثمان رضي الله عنه(١) قوله: وكل نعيم لا محالة زائل قال:
كذب لبيد، نعيم الجنة لا يزول، فلما وقف على البيت المذكور قال: صدق.
٢٤٩ - قوله: (مروان) بسكون الراء.
وقوله: (ابن معاوية) أي: ابن الحارث الكوفي الفزاري.
وقوله: (الطائفي) قيّد به لأن المطلق في ((الشمائل)) هو: الدارمي،
وهو (٢): ابن يعلى بن كعب.
وقوله: (ابن الشرید) کسعید.
وقوله: (عن أبيه) أي: الشريد، واسمه: عبد الملك صحابي مشهور،
شهد بيعة الرضوان.
(١) يريد عثمان بن مظعون رضي الله عنه.
(٢) أي: الطائفي.
٤١٨
قالَ: كنتُ رِدْفَ النَّبِّ وَّهِ فَأَنْشَدْتُهُ مِنَّةَ قافيةٍ منْ قولِ أُميَّةَ بنِ أبي
الصَّلْتِ الثَّقَفيِّ، كُلَّمَا أَنْشِدْتُهُ بيتاً قَالَ لِي النَّبيُّ وَّرَ: ((هِيهِ)) حتَّى
أنشدتُهُ مئةً، يعنِي: بيتاً،
قوله: (قال) أي: أبوه، وهو الشرید.
وقوله: (رِذْف رسول الله) أي: راكباً خلفه على الدابة، قال في
المصباح: الرديف الذي تحمله خلفك على ظهر الدابة، وقد جمع بعض
الحفاظ الذين أردفهم النبي خلفه فبلغوا خمسة وأربعين.
قوله: (فأنشدته مئة قافية) أي: ذكرت له مئة بيت، ففيه إطلاق اسم
الجزء على الكل.
وقوله: (من قول أمية بن أبي الصلت) أي: من شعره.
وقوله: (الثقفي) نسبة إلى ثقيف: قبيلة مشهورة. وقد قيل: إنه هو
الذي نزل في شأنه قوله تعالى: ﴿وَاثْلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ
منها﴾ وكان قد قرأ التوراة والإنجيل في الجاهلية، وكان يعلم بظهور النبي
قبل مبعثه، فطمع أن يكون إياه، فلما بعث النبي بَّ ه وصرفت النبوة عن
أمية، حسد وكفر، وهو أول من كتب: باسمك اللهم، ومنه تعلمته قريش،
فكانت تكتب به في الجاهلية.
قوله: (قال لي النبي: هيه) بكسر الهاءين بينهما ياء ساكنة، والهاء
الأولى مبدلة من الهمزة، والأصل إيهِ، وهو: اسم فعل بمعنى: زدني، إذا
نُوِّن يكون نكرة، وإذا لم ينون يكون معرفة، فإذا استزدت الشخص من
حديثٍ غير معين قلت: إيهٍ، بالتنوين، وإذا استزدته من حديث معين قلت:
إیهِ، بلا تنوین.
قوله: (يعني: بيتاً) إنما أتى بالعناية لاحتمال أن يكون المعنى مئة
قصيدة، وفي نسخة: مئة بيت، وهي واضحة.
٤١٩
فقالَ النَّبيُّ وَّهِ: ((إنْ كادَ لَيُسْلِمُ)).
٢٥٠ - حدّثنا إسماعيلُ بنُ مُوسى الفَزَارِيُّ، وعليُّ بنُ حُجْرٍ -
والمعنَى واحِدٌ - قالا: حدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بنُ أَبِي الزِّنادِ، عنْ
هِشَامٍ بِنِ عُرُوَةَ، عنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِلَّهـ
يَضَعُ لِحَسَّانَ بِنِ ثَابتٍ
قوله: (فقال النبي وَّ: إنْ كاد ليسلم) أي: إنه قرب لِيسلِمَ بسبب
اشتمال شعره على التوحيد والحكم البديعة نحو قوله:
لك الحمدُ والنعماء والفضل ربَّنا
فلا شيء أعلى منك حمداً وأمجدا
٢٥٠ - قوله: (الفزاري) بفتح الفاء والزاي.
قوله: (المعنى واحد) أي: والحال: أن المعنى واحد وإن اختلف
اللفظ .
قوله: (قالا) أي: كلاهما: إسماعيل بن موسى الفزاري، وعلي بن
حجر .
وقوله: (ابن أبي الزناد) اسمه: عبد الله بن ذكوان، على ما في التقريب.
وقوله: (عن أبيه) أي: عروة.
قوله: (لحسان) بالصرف وعدمه، كنيته: أبو الوليد الأنصاري
الخزرجي، وهو من فحول الشعراء، قال أبو عبيدة: أجمعت العرب على
أن أشعر أهل المَدَر: حسان بن ثابت.
وقوله: (ابن ثابت) أي: ابن المنذر بن حَرام، عاش حسان مئة
وعشرين سنة، نصفها في الجاهلية ونصفها في الإسلام، وعاش أبوه
كذلك، وجدُّه كذلك، وجدُّ أبيه كذلك، وتوفي في خلافة علي رضي الله =
٤٢٠
منبراً في المَسْجِدِ يقُومُ عَليهِ قائماً، يُفاخِرُ عنْ رَسُول الله ◌َّهِ، أَوْ
قالَ: يُنَافِحُ عنْ رَسُولِ اللهِ وَِّهِ، ويَقُولُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ الله
تعَالَى يُؤَيِّدُ حسَّانَ بُرُوحِ القُدُسِ
= عنهم أجمعين(١).
قوله: (منبراً) أي: شيئاً مرتفعاً، من النّبْر، وهو الارتفاع، كما تقدم.
وقوله: (في المسجد) أي: مسجد المدينة.
قوله: (يقوم عليه قائماً) أي: يقوم عليه قياماً، يقال: قمت قائماً
بمعنى: قمت قياماً، فأقيم اسم الفاعل مُقام المصدر، ويحتمل أن اسم
الفاعل باقٍ على ظاهره، ويكون حالاً مؤكِّدة، وفي نسخ: يقف عليه قائماً
وهي ترجع للأولى، وفي نسخ: يقول عليه قائماً أي: يقول عليه الشعر
حال كونه قائماً.
قوله: (يفاخر عن رسول الله) أي: يذكر مفاخره، وهذا من قبيل
المجاهدة باللسان.
وقوله: (أو قال) أي: الراوي، فالشك في كلام الراوي، وفي نسخة:
أو قالت، أي: عائشة، فالشك في قول عائشة.
وقوله: (ينافح عن رسول الله وَ ل) أي: يخاصم عنه ويدافع، فإن
المنافحة بالحاء المهملة: المخاصمة والمدافعة، فالمراد: أنه كان يهجو
المشركين ويذبُّ عنه وَله .
قوله: (يؤيد حسان) وفي نسخة: حساناً، ففيه الصرف وعدمه كما علمتَ.
وقوله: (بروح القدس) بضمتين، وقد تسكن الدال، وهو: جبريل،
سمِّي بالروح: لأنه مبدأ لحياة القلب، لكونه يأتي الأنبياء بما فيه الحياة
(١) هذا يوهم أن والد حسان وجدَّه وجدَّ أبيه أسلموا، وليس كذلك.
=