Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١
٣٩ - باب: في النهي عن ذلك
في الباب حديثان: حديث حميد الحميري عن بعض الصحابة، وهو
صحيح، ولا يضرُّ جهالة اسم الصحابي، وعَيْنُه؛ لأنَّهم كلهم عدول(١)؛
وحديث الحكم بن عمرو، وهو ضعيف عند الجمهور (٢)، وقال
الترمذي(٣) أنه حَسَن، وقال البخاري (٤) وغيره(٥): ليس هو بصحيح،
وهم أتقن من الترمذي في ذلك، لا سيّما في باب التصحيح
والتضعيف (٦).
(١) هذا مذهب الجماهير، وعليه التطبيق العمليّ، ونازع في ذلك ابن حزم في
((الإحكام)) (٢/٢ - ٣)، وينظر له ((المحلى)) (٣٦١/٩)، وانظر في صحة تقرير
المصنف: ((الكفاية)) للخطيب (٣٨٥)، و((نكت ابن حجر على ابن الصلاح))
(٥٤٧/٢).
وهذا الذي قرره المصنف في ((المجموع)) (٢٢١/٢ -٢٢٢) وفي ((التقريب))
(٨٢)، فانظره، وينظر معه ((التدريب)) (١٩٧/١).
(٢) هذا أدق من كلامه في: ((شرح صحيح مسلم)) (٣/٣)، و((المجموع))
(١٩١/٢)، وقد تقدم قريبًا في التخريج، وكلامه في: ((خلاصة الإحكام))
(٢٠٠/١) بنحو المذكور هنا، ونصه: ((وقال الترمذي: حسن، وخالفه
الجمهور، قال البخاري: ((حديث الحكم ليس بصحيح)) قال: ((والصحيح في
حديث ابن سَرْجس أنه موقوف عليه ومن رفعه فقد أخطأ)) وكذا قال الدار قطني
وغیرہ، انتھی)».
قلت: سيأتي تخريج أثر ابن سرجس تزميم.
(٣) في جامعه (٦٤).
(٤) فيما نقله عنه تلميذه الترمذي في ((العلل)) (١٣٤/١)، والبيهقي في سننه
(١٩٣/١)، و((المعرفة)) (٤٤٨).
(٥) كالدارقطني (٣/١)، والبيهقي (١٩٣/١)، كل منهما في ((سننه)).
(٦) من ضعَّف حديث الحكم تعلّق بسوادة بن عاصم، وقد روى له أصحاب
((السنن))، وووثقه غير واحد كما قدمناه في التخريج، فالحديث صحيح إن
شاء الله تعالی وصححه جماعة، كما قدمناه، والحمد لله.
٣٤٢
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني كثاشه
وقد أجمع العلماء على جواز استعمال المرأة فضل
الرجل(١)، واختلفوا في استعمال فضلها إذا خَلَت به(٢)، فقال
عبد الله بن سَرْجس الصَّحابي(٣) والحسن البصري (٤) وأحمد(٥)
(١) حكى هذا الإجماع: ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢١٨/١) والمصنف في
((شرح صحيح مسلم)) (٤/ ٣ - ٤) وفي ((المجموع)) (٢٢١/٢).
وقال ابن حجر في ((الفتح)) (٣٥٩/١): ((ونقل النووي أيضًا الاتفاق على
جواز وضوء المرأة بفضل الرجل دون العكس، وفيه نظر أيضًا، فقد أثبت
الخلاف فيه الطحاوي [في ((شرح معاني الآثار)) (٢٦/١)])).
وانظر: ((الإقناع)) (١٧٠/١) لابن القطان، ((إجماعات ابن عبد البر في
العبادات)» (١٤٥/١).
(٢) المراد استعماله في الطهارة، واكتفى بقرينة الحال، أما ما مسته في شرب أو
أدخلت يدها فيه بلا نية، فليس هو فضل. انظر: ((التنقيح في شرح الوسيط))
للشارح (٣٣٩/١).
(٣) أخرجه عنه عبد الرزاق (٣٨٥)، وأبو عبيد في ((الطهور)) (١٩٤ - بتحقيقي)،
والدارقطني (١١١٧)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٩٢/١)، و((معرفة
السنن والآثار)» (٤٤٨).
وروي عن عبد الله بن سَرْجس مرفوعًا عند ابن ماجه (٣٧٤)، وأبي يعلى
(١٥٦٤)، والطحاوي (٢٤/١)، وابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ)) (٥٣)،
والدارقطني (١١٦/١ - ١١٧)، وابن حزم في ((المحلى)) (٢١٢/١).
وصحح الدارقطني الموقوف، وقال عنه: ((هو أولى بالصواب))، وهو الذي
نقله الترمذي في ((العلل)) (١٣٤/١) عن البخاري، وكذلك فعل البيهقي في
((المعرفة)) (٤٤٨)، وهو الذي اعتمده ابن القيم في ((تهذيب السنن))
(١/ ٨١).
(٤) أسنده عنه: عبد الرزاق (٣٧٥)، وابن أبي شيبة (٣٤/١) في ((مصنفيهما))،
والأثرم في ((السنن)) (ق ٤ / ب)، وأبو عبيد في ((الطهور)) (١٩٩ - بتحقيقي)،
وحكى عنه الكراهة: ابنُ المنذر في («الأوسط)» (٢٩٢/١).
(٥) انظر: ((مسائل أحمد وإسحاق)) (٩/١)، و((مسائل صالح لأبيه)) (٤٣٧)، =
٣٤٣
٣٩ - باب: في النهي عن ذلك
وداود(١): لا يجوز. وجوّزه مالك(٢) وأبو حنيفة(٣) والشافعي(٤)
والجمهور(٥)، وأجابوا عن حديث الحكم بن عمرو بثلاثة أجوبة:
أحدها : تضعيفه(٦).
والثاني: حمْلُه على كراهة التنزيه(٧) جَمْعًا بين الأدلة.
والثالث: حَمْلُهُ على المتساقط عن الأعضاء(٨)، والله أعلم.
و((مسائل أبي داود لأحمد)» (ص ٤)، ((فتح الباري)) (٢٨٤/١) لابن رجب،
((المغني)) (٤٣/١ - ٤٤)، ((الإنصاف)) (٤٨/١)، ((كشاف القناع)) (٣٧/١)،
(شرح منتهى الإرادات)) (١١/١)، ((تنقيح التحقيق)) (٢١٤/١)، ونقله
الشارح عن أحمد في ((التنقيح في شرح الوسيط)) (٣٣٦/١) وقال: ((على
رواية عنه)).
(١) انظر: ((المحلى)) (١١٢/١).
(٢) انظر: ((المدونة الكبرى)) (١٤/١)، ((الإشراف)) للقاضي عبد الوهاب
(١٢٤/١) مسألة رقم (٦٩ - بتحقيقي)، ((بداية المجتهد)) (٢٤/١)، ((الخرشي))
(٦٦/١)، ((حاشية الدسوقي)) (٣٥/١).
(٣) انظر: ((الأصل)) (٢٦/١)، ((البناية)) (٤٣٠/١) للعيني.
(٤) انظر: ((الأم)) (٢١/١)، ((المجموع)) (٢٢١/٢)، ((تحفة المحتاج)» (٧٧/١).
(٥) انظر بسط المذاهب في ((الأوسط)) (٢٩٧/١) لابن المنذر، ((الطهور)) لأبي
عبيد (٢٦٢ - ٢٦٣ بتحقيقي)، ((طرح التثريب)) (٣٩/٢ - ٤٠)، ((التمهيد))
(١٤ / ١٦٥).
(٦) لا يسلَّم بذلك، كما بيّناه، والحمد لله.
(٧) به قال أبو الخطاب وابن عقيل من الحنابلة، وإليه ميل المجد ابن تيمية في
((المنتقى)) (رقم ١٦)، وينظر ((شرح الزركشي على الخرقي)) (٣٠١/١)،
والتعليق عليه .
(٨) قدمه الخطابي في ((المعالم)) (١/ ٨٠) ورجحه على غيره، وبالنظر إلى التطبيق
العملي آنذاك نرى ضعف هذا القول، فلم يكن الصحابة يجمعون ما تقاطر من
الماء.
=
٣٤٤
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تخذله
قوله: ((عن عاصم عن أبي حاجب عن الحكم بن عَمرو هو الأقرع)).
أما عاصم فهو الأحول، وأما أبو حاجب فاسمه سوادة بن عاصم
العنزي، وقوله: ((الأقرع)) هو لقب(١) لعمرو لا للحكم، ويقال: الحكم
ابن الأقرع.
والذي أراه راجحًا: الجواز، كما تراه في تعليقي على ((الإشراف)) (١٢٤/١)
للقاضي عبد الوهاب، وهو الذي نصره أئمة التحقيق، منهم: ابن المنذر في
((الأوسط)) (١٩٥/١)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (١٦٥/١٤)، وهو مذهب
غير واحد من الصحابة والتابعين.
(١) لم يذكره ابن الجوزي في ((كشف النقاب))، ولا الذهبي في ((ذات النقاب))،
ولا ابن حجر في ((نزهة الألباب))، وينظر ((تهذيب الكمال)) (١٢٤/٧)،
((الإصابة)) (٣٤٣/١)، («أسد الغابة» (٣٦/٢).
٣٤٥
٤٠ - باب: الوضوء بماء البَخْر
٤٠ - باب: الوضوء بماء البَخْر
٨٣ - (صحيح) حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن صفوان بن
سُليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق، قال: إن المغيرة بن أبي
بُردة - وهو من بني عبد الدار - أخبرهُ، أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل
رجلٌ رسول الله وَله، فقال: يا رسول الله؛ إنا نركب البحر، ونحمل معنا
القليل من الماء، فإن توضأنا به عَطِشنا، أفنتوضأُ بماء البحر؟ فقال
رسول الله وَله: ((هو الطَّهور ماؤه الحِلُّ مَيْتَتُهُ))(١).
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٢٢/١) رقم (١٢)، ومن طريقه الشافعي في
(الأم)) (١٦/١)، و((المسند)) (٣٣٥/٨ - مع الأم)، ومحمد بن الحسن في
(الموطأ)) رقم (٤٦)، وابن أبي شيبة (١٣١/١)، وفي ((المسند)) كما في
(نصب الراية)) (٩٦/١)، وأحمد (٢٣٧/٢ و٣٦١ و٣٩٣)، والبخاري في
((التاريخ الكبير)) (٤٧٨/٣)، والنسائي في المجتبى (١٧٦/١) (٢٠٧/٧)،
وفي ((الكبرى)) رقم (٦٧)، والترمذي (١٠٠/١ - ١٠١) رقم (٦٩)، وابن
ماجه (٣٨٦)، والدارمي (١٨٦/١)، (٩١/٢)، وابن خزيمة (١١١)، وأبو
عبيد في ((الطهور)) (رقم ٢٣١ - بتحقيقي)، وابن حبان رقم (١١٩ - موارد
الظّمان)، وابن المنذر في «الأوسط)» (٢٤٧/١)، وابن الجارود (٤٣)،
والدارقطني (٣٦/١)، والحاكم (١٤٠/١ - ١٤١)، وفي ((معرفة علوم
الحديث)) (ص ٨٧)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣/١)، و((السنن
الصغرى» (٣٦/١) رقم (١٥٥)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٢ /٥٥ - ٥٦)
رقم (٢٨١)، والجوزقاني في ((الأباطيل والمناكير)) (٣٤٦/١)، وقال: ((إسناده
متّصل ثابت)). وقال الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح)). ونقل =
٣٤٦
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني آله
حديث الباب صحيح، والسائل عن ماء البحر اسمه عُبَيْدٌ، وقيل:
عَبْد، وممن حكى الوجهين فيه الحافظ أبو موسى الأصبهاني(١)، وأما
عن البخاري تصحيحه لهذا الحديث، وصححه المصنف هنا وفي ((المجموع))
=
(٨٢/١)، وفي ((خلاصة الأحكام)) (١/ ٦٣).
وصححه ابن خزيمة وابن حبان وابن السّكن وابن المنذر والخطّابي
والطحاوي وابن منده وابن حزم والبيهقي وعبد الحق وابن الأثير وابن الملقّن
والزّيلعي وابن حجر والشوكاني والصنعاني وأحمد شاكر وشيخنا الألباني.
(لطيفة) قال ابن ماجه (٣٢٤٦): ((بلغني عن أبي عبيد الجواد أنه قال: ((هذا
نصف العلم؛ لأن الدنيا بر وبحر، فقد أفتاك في البحر وبقي البر)).
انظر: ((التمهيد)) (٧٧/٢)، و((نصب الراية)) (٩٥/١)، و((التلخيص الحبير))
(٩/١)، و((خلاصة البدر المنير)) رقم (١)، و((تحفة المحتاج)) رقم (٣)،
و((البناية شرح الهداية)) (١/ ٢٩٧)، وتعليق شاكر على ((جامع الترمذي)) (١/
١٠١)، و((نيل الأوطار)) (٧١/١)، و((سبل السلام)) (٥١/١)، و((إرواء الغليل))
(٤٢/١)، و((البدر المنير)) (٢ - ٥).
وقال الإمام الشافعي في هذا الحديث: ((هذا الحديث نصف علم الطهارة)).
انظر: ((المجموع)) (١/ ٨٤).
(١) قال المصنّف في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٣١٥/٢): ((اسم هذا السائل:
عبيد، وقيل: عبد، قال أبو موسى الأصبهاني في كتابه ((معرفة الصحابة)): قال
ابن منيع: بلغني أن اسمه عبد، وأورده الطبراني فيمن اسمه عبيد، وذكره أبو
نعيم الأصبهاني في كتابه ((معرفة الصحابة)) فيمن اسمه عبيد)) انتهى، وبنحوه
في ((الإشارات)) (ص ٥٩٢ رقم ٢٤٤)، له، وهو من استدراكه على الخطيب.
وقول ابن منيع عند ابن الأثير في ((أسد الغابة)) (٣٣٦/٣)، ووصف في رواية
عند ابن بشكوال في ((غوامض الأسماء المبهمة)) (٥٥٦/٢) بأنه (عبد العركي)
وترجمه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (١٩١٤/٤) ترجمة رقم (١٩٦٢):
((العركي)) وقال: ((قيل: إن اسمه عُبيد، أخرجه الطبراني فيمن اسمه عبيد)»
وأورد هذا الحديث من (مسنده)، ولا يوجد في مطبوع ((المعجم الكبير))
للطبراني هذه الترجمة، وفي دار الكتب المصرية: ((البدر المنير بترتيب
أحاديث المعجم الكبير)) للهيثمي، وأورد فيه أسانيد الطبراني، وهو قيد =
٣٤٧
٤٠ - باب: الوضوء بماء البَخْر
قول ابن السَّمعاني في ((الأنساب))(١) اسمه: العَرَكي - بفتح العين والراء -
ففيه إيهامٌ أنه اسم عَلَم له، وليس كذلك، بل العركي وصف له، وهو
ملَاح السفينة(٢).
وسُمِّي البحر لسعته واتساعه(٣)، وقيل: لأنه مشقوق(٤)، وَمَيْتَتُهُ:
بفتح الميم.
التحقيق من قبل مجموعة من الطلبة في بعض الجامعات المغربية.
=
وسمي في رواية عند ابن بشكوال (٥٥٦/٢) رقم (١٨٥) بـ (عبد الله
المدلجي)، وأخرجها الطبراني في ((الكبير))، وفي إسناديهما عبد الجبار بن
عمر، ضعفه البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والنسائي،
ووثقه ابن سعد، وانظر («مجمع الزوائد» (٢٢٥/١) وقال ابن حجر في
((الإصابة)) (١٩٤/٤): ((قال البغوي: بلغني أن اسمه عبدود)).
(١) ((الأنساب)) (٤/ ١٨٢).
(٢) قال النووي في ((الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات)) (ص ٥٩٢/ رقم
٢٤٤): ((لم يذكر الخطيب هذا الحديث. قال السمعاني في ((الأنساب)): اسم
هذا الرجل (العركي) - بفتح العين والراء - كذا قاله السمعاني، وغلط في
قوله: اسمه (العركي)، وإنما (العركي) وصف، وهو ملاح السفينة، وإنما
اسمه عبيد، قاله الطبراني وأبو نعيم. وقال ابن منيع: بلغني أن اسمه عبيد)».
وعبارته في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٣١٥/٢) أدق وألين - من هنا -
ومستند هذا القول: ما أخرجه الطبراني - وعنه أبو نعيم في ((المعرفة)) (٤/
١٩١٢) - بسنده إلى العركي أنه سأل النبي صلو ... الحديث، وإسناده حسن،
كما في ((المجمع)) (٢١٥/١).
وانظر: ((تجريد أسماء الصحابة)) (٣٦١/١)، ((المستفاد من مبهمات المتن
والإسناد» (١٦٣/١) وفيه تعقب السمعاني بمثل عبارة النووي السابقة في
الهامش وأثبت ناسخ أصله على ((غلط)) ما نصه: ((يمكن أن نقول: إنه - أي
العركي - اشتهر به، حتى صار علمًا له بالغلبة)).
(٣) انظر ((التوقيف على مهمات التعريف)) (١٦٦/١).
(٤) قال المصنف في ((تحرير ألفاظ التنبيه)) (١٧١) ((البحر: من البحر وهو =
٣٤٨
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تكلّثم
وفي هذا الحديث فوائد، منها: جواز الطهارة بماء البحر(١)،
وبه قال جميع العلماء(٢) إلَّا ابن عمر(٣) وابن عمرو (٤)
الشَّقّ، ومنه: البحيرة: مشقوقة الأذن، وقيل: من الاتساع، ومنه: فلان
=
بحر؛ أي: واسع العطاء والجود، والفرس بحر؛ أي: الجري)).
وانظر: ((العين)) (٢٢٠/٣)، ((لسان العرب)) (٤٤١/٤ - ٤٤٣)، ((والقاموس
المحيط)» (٤٤٢/١) جميعها مادة (بحر).
(١) قال البغوي في ((شرح السنة)) (٥٦/٢): ((في هذا الحديث فوائد، منها: أن
التوضؤ بماء البحر يجوز مع تغير طعمه ولونه، وهو قول أكثر أصحاب
النبي 8* وعامة العلماء، وكذلك على ما نبع من الأرض على أي لون وطعم
كان، جاز الوضوء، وكذلك ما تغير بطول المكث في المكان)).
قال أبو عبيدة: نعم، هو كذلك ما لم يسلب خواص الماء كالبحر الميت،
فإنه ملح أجاج، وفي استخدامه في الوضوء نظر، فليتأمل.
(٢) حكى الإجماع جمع، منهم: ابن المنذر في ((الإجماع)) (٣٣)، وابن عبد البر
في («التمهيد» (٢٢١/١٦)، وابن دقيق العيد في ((الأحكام)) (٢٢/١)، وابن
القطان في ((الإقناع)» (١٦٠/١).
(٣) صح عنه قوله: ((التيمم أحب إلي من ماء البحر))، أخرجه ابن أبي شيبة (١/
١٢٢)، وعبد الرزاق (٣/٨)، وأبو عبيد في ((الطهور)) (٢٤٨)، وابن المنذر
في ((الأوسط)) (٢٤٩/١).
وكأني بابن العربي يردُّه في ((القبس)) (١٤٢/١)، لما قال: ((قد ركبت
الصحابة البحر من عهد النبي 3 8* ركوبًا، فما روي عن أحد منهم أنه احتمل
ترابًا للتيمم)» .
(٤) صح عنه قوله: ((ماء البحر لا يجزئ من وضوء ولا جنابة)) أخرجه ابن أبي
شيبة (٢٢/١)، وعبد الرزاق (٩٣/١)، وابن المنذر (٢٥٠/١)، وأبو عبيد
في ((الطهور)) (٢٤٧)، والجوزقاني في ((الأباطيل)) (٣٤٥/١)، والبيهقي في
((السنن الكبرى)) (٣٣٤/٤)، وأعلّه الجوزقاني بمحمد بن المهاجر! وكذا صنع
ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٢٧٩/٣) وهو لم ينفرد به، ولذا تعقبه غير
واحد، وانظر: ((اللآلئ المصنوعة)) (٢/٢ -٣)، ((تنزيه الشريعة)) (٦٩/١)،
((الفوائد المجموعة)) (ص ٦) والتعليق عليه.
٣٤٩
٤٠ - باب: الوضوء بماء البَخْر
وسعيد بن المسيب(١).
ومنها: أنَّ الماء إذا خالطه ما أزال عنه اسم الماء المطلق لم
تَجُزْ الطهارة به(٢)، هذا مذهب الشافعي والجمهور(٣)، وجوَّزه أبو
(١) حكى المصنف في ((المجموع)) (١٣٧/١)، وابن قدامة في ((المغني)) (١٥/١ -
١٦)، وابن العربي في ((القبس)) (١٤١/١)، وابن الملقن في ((البدر المنير))
(٤٤/٢)، وابن الأثير في ((الشافي)) (٦٦/١) وغيرهم مذهب السابقين، وعند
بعضهم - كالمصنف - مذهب ابن المسيب. وأخرج ابن أبي شيبة (١/ ١٢٢)،
وابن المنذر في ((الأوسط)) (١/ ٢٥٠) عنه: ((إذا أُلجئت إلى البحر فتوضأ منه،
أو فلا بأس به))، وفي هذا دلالة على أنه طاهر عنده.
وحكي هذا المذهب عن أبي هريرة، فأسنده ابن أبي شيبة (١٢٢/١)، وأبو
عبيد في ((الطهور)) (٢٤٦)، والجوزقاني في ((الأ باطيل)) (٣٤٤/١ - ٣٤٥)،
وسعيد بن منصور في ((سننه)» - كما في ((إعلام الموقعين)) (٤/ ٤٠٥ - ٤٠٦ -
بتحقیقي) ۔۔ وفیہ راوٍ مبهم، فهو مما لم یثبت عنه.
وانظر: ((الموضوعات)) (٢٧٩/٣)، ((اللآلئ المصنوعة)) (٢/٢ -٣)، ((تنزيه
الشريعة)) (٦٩/١)، ((الفوائد المجموعة)) (ص٦ - ٧).
وأثر هذا المذهب عن أبي العالية رفيع بن مهران، كما عند ابن أبي شيبة
(١٢٢/١) وفي إسناده من تكلم فيه.
ويعجبني كلام الزرقاني في (شرح الموطأ)) (٥٢/١): ((التطهير بماء البحر
حلال كما عليه جمهور السلف والخلف، وما نقل عن بعضهم من عدم
الإجزاء به مزيّف أو مؤوَّل، بأنه أراد بعدم الإجزاء على وجه الكمال
عنده))، وارتضاه المباركفوري في ((تحفة الأحوزي)) ١/ ١٩٢) وقال قبله:
((لم يقم على الكراهية دليل صحيح)). وانظر: ((المعيار في علل الأخبار))
(٥٩/١).
(٢) ينظر: لو نقل ماء من البحر، فوجد فيه طعم زبل، أو لونه، أو ريحه، هل
يحكم بنجاسته؟ قال البغوي في (تعليقه)) بنجاسته، وانظر: ((الإقناع))
(٨١/١)، ((حاشية البجيرمي)) (٢٨١/١).
(٣) انظر: ((الأم)) (٣/١)، ((المجموع)) (١٢٤/١ - ١٢٥)، ((نهاية المحتاج)) =
٣٥٠
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني كواشه
حنيفة(١)، وموضع الدلالة للجمهور أنه شكّوا في جواز الطهارة بماء
البحر من أجل ملوحته، فسألوا عنه؛ فلو لم يكن التغير في الجملة
مؤثرًا لم يسألوا(٢).
(٥٢/١)، ((قوانين الأحكام الشرعية)) (ص ٤٩)، ((بداية المجتهد)) (٢١/١)،
=
((الإنصاف)) (٢٢/١)، ((شرح منتهى الإرادات)) (١٤/١).
(١) انظر: ((البداية)) (١٨/١)، ((شرح فتح القدير)) (١٦٩/١)، ((بدائع الصنائع))
(٨٤/١)، ((البحر الرائق)) (٢٣٣/١)، (تبيين الحقائق)) (٦٩/١)، ((فتح باب
العناية)) (٢٣٧/١)، ((حاشية ابن عابدين)) (٣٠٩/١). والمسألة مبسوطة مع
أدلتها في ((الخلافيات)) (١٢٧/١ - ١٩٢) للبيهقي.
(٢) ويستفاد ذلك أيضًا، من قوله وَله: ((هو الطهور ماؤه))، ولم يجب بقوله -
مثلًا -: (نعم))، وأوضح ابن الأثير في ((الشافي في شرح مسند الشافعي))
(٦٤/١) وجهة الدلالة بكلام بديع، وتبعه جمع، منهم: الزرقاني في ((شرحه
على الموطأ)) (٥٣/١) والسهارونفوري في ((بذل المجهود)) (٣١٥/١) والعظيم
آبادي في ((عون المعبود)) (١٥٣/١) والمباركفوري في ((تحفة الأحوذي))
(٢٢٥/١ - ٢٢٦)، ونص كلام ابن الأثير:
((وفي جواب النبي و # هذا السائل بقوله: ((هو الطهور ماؤه، الحل ... ))
بلاغة معروفة من كلامه، وفصاحةٍ خاصةٍ بألفاظه، فإنه لو قال له في
الجواب: نعم. لم يحل للسائل غرضه، لكنه وَ ﴿ عدل عن هذا الجواب إلى
الجواب الذي أتى بالغرض على أكمل وجه مقرونًا بعلة الجواز، وهي
الطهورية المتناهية في مائه، ثم إنه قدم الطهارة على الماء، فقال: ((هو
الطهور ماؤه)) ولم يقل: ماؤه الطهور؛ لأنه في هذا المقام أشد عناية بذكر
الوصف الذي اتصف به الماء، وجاز الوضوء به، وهو الطهورية، دون ذكر
الماء، فقدّم في الذكر الأهم عنده والأحوج إليه. فانظر إلى ما في هذا
الجواب السديد من الفائدة التي في قوله: ((نعم)»، هذا إلى ما كان يجوز أن
يحمل لفظة ((نعم)) عليه من أن ذلك إنما أجازه رخصة لهذا السائل ولمن كان
في حاله ممن معه القليل من الماء، وأنه مع كثرة الماء لا يجوز الوضوء به،
وهذا الاحتمال من النبي و 8* منتف بذكر العلّة في جواز الوضوء به، وأن ذلك
وصف لازم له، سواء قلَّ الماءُ مع المسافرين فيه أو كثر)).
٣٥١
٤٠ - باب: الوضوء بماء البَخْر
ومنها: أن الطهور هو المطهّر، وهو مذهب الشافعي والجمهور(١)،
وقال أصحاب أبي حنيفة: هو الطاهر(٢). حجة الجمهور: أنهم سألوا
عن طهوريته لا عن طهارته.
ومنها: أن ميتات البحر(٣) كلها حلال إلَّا الضُّفْدَع، لدليلٍ
خصَّها(٤)، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا .
ومنها: أن السمك الطافئ: هو الذي مات في البحر بغير سببٍ؛
حلالٌ، وهو مذهب الشافعي والجمهور(٥)، وقال أبو حنيفة: لا يحلُّ (٦).
(١) انظر: ((المجموع)) (١٢٩/١ - ١٣٠)، و((التحقيق)) (٣٦) كلاهما للنووي،
((المغني)) (١٨/١)، ((الشافي في شرح مسند الشافعي)) (٦٢/١ - ٦٣)،
((إحكام الأحكام)) (٢٢/١) لابن دقيق العيد.
(٢) ولذا يرون جواز إزالة النجاسات بما سوى الماء من المائعات، وأنه يطهر
كذلك.
انظر: ((الهداية)) (١٨/١)، ((مجمع الأنهر)) (٢٧/١)، ((بدائع الصنائع)»
(١٨٤/١)، ((تحفة الفقهاء)) (١٢٥/١)، ((حاشية ابن عابدين)) (٣٩/١).
(٣) فيه دليل على أن السمك لا ذبح فيه، لإطلاق اسم الميتة عليه.
(٤) يشير إلى ما ورد عند أبي داود (٣٨٧١، ٥٢٦٩)، والنسائي (٢١٠/٧)،
وأحمد (٤٥٣/٣، ٤٩٩)، والطيالسي (١٠٨٣)، وعبد بن حميد (٣١٣)،
وابن أبي شيبة (٩٢/٨)، والدارمي (٨٨/٢)، والحاكم (٤١٠/٤ - ٤١١)،
والبيهقي (٣١٨/٩)، والخطيب (١٩٩/٥)، وغيرهم - وهو حديث صحيح -
أن طبيبًا سأل النبي وَله عن ضِفْدِع يجعلها في دواء، فنهاه عن قتلها.
قال النووي في ((المجموع)) (٣٥/٩): ((الصحيح المعتمد أن جميع ما في
البحر تحل ميتته إلَّا الضفدع)).
(٥) انظر: ((المجموع)) (٣٣/٩)، ((حاشية الدسوقي)) (٥٧/١)، ((بلغة السالك))
(٢٢/١)، ((كشاف القناع)) (١٩١/١)، ((الفروع)» (٢٥٠/١)، ((المبدع))
(٢٤٧/١).
(٦) انظر: ((بدائع الصنائع)) (١٧٨/٦)، ((البحر الرائق)) (٩٤/١)، =
٣٥٢
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقدّثهُ
ومنها: أن ركوب البحر جائز ما لم يَهج، ويغلب على الظنِّ
الهلاك(١).
ومنها: أن المفتي إذا سُئل عن شيءٍ، وعلم أن بالسائل حاجة إلى
أمرٍ آخر متعلّق بالمسألة؛ يستحب له أن يذكره له ويعلمه إياه؛ لأنه سأل
عن ماء البحر فأجيب بمائه وحكم ميتته؛ لأنهم يحتاجون إلى الطعام
كالماء، وإذا جهلوا كونه مطهرًا فجهالتهم حِلُّ ميتته أَوْلى(٢)، وبها نظائر
((الاختيار)) (٣٤/١)، ((النافع الكبير)) (٧٧، ٧٩)، ((شرح العيني على سنن أبي
داود» (١/ ٣٣٢ - ٣٣٣).
(١) انظر في ركوب البحر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١٣٥/٤ و٣٣٦/٥)،
و((مصنف عبد الرزاق)) (١٤٩/١١)، و((سنن سعيد بن منصور)) (١٨٥/٢ -
١٨٧)، و((السنن الكبرى)) للبيهقي (٣٣٤/٤ - ٣٣٥)، و(«مجمع الزوائد» (٤/
٦٤)، و((فتح الباري)) (٢٩٩/٤)، و((القرى لقاصد أم القرى)) (٦٧ - ٦٨)،
و ((إتحاف السادة المتقين)) (٥١٣/٤)، و((تفسير القرطبي)) (١٩٠/٢ و٧/
٣٤١)، و((أحكام القرآن)) للجصاص (١٣١/١)، و((السلسلة الضعيفة)) (١/
٤٩٢) و((إسعاف أهل العصر بأحكام البحر)) (٤١١ - ٤٢٨)، و((الأحاديث
الواردة في البحر)) (١٤، ٦٨، ١٢١، ١٣٢، ١٤١) وكتابي ((المروءة
وخوارمها» (١٠٨) وغيرها كثير.
(٢) أشار إلى هذه النكتة جماعة قبل النووي، منهم: الخطابي في (معالم السنن))
(٤٣/١ - ٤٤) والرافعي - فيما حكاه المصنف عنه في مقدمة ((المجموع))
(٨٣/١) -، وابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (٨٨/١ -٨٩)، وابن الأثير
في ((الشافي)) (٦٤/١ - ٦٥) - وعبارته: ((لما أجاب ◌َ ﴾ السائل عن سؤاله،
أضاف إليه جوابًا على شيء ولم يسأله عنه، فقال ◌َ﴾: ((الحل ميتته))؛ لأنه
لما سأله عن ماء البحر، فأجابه، رأى من المصلحة لهذا السائل أن يعرفه لهم
في طعام البحر، لعلمه أنهم قد يعرض لهم إذا ركبوا البحر قلّة الزاد، كما
أعوزهم الماء العذب، فلما جمعتهم الحاجة إليهما جمع الجواب عنهما،
وأبان عن الحكم فيهما، ولأن علم طهارة ماء البحر أمر ظاهر عند =
٣٥٣
٤٠ - باب: الوضوء بماء البَخْر
كثيرة في الأحاديث(١).
الأكثرين، وعلم حال ميتة البحر وكونها حلالًا مشكل في الأصل؛ فلما رأى
=
السائل جاهلًا بأظهر الأمرين، علم أن أخفاهما بالبيان أولاهم، ولأن
النبي * لما أعلمهم بطهارة ماء البحر، وقد علم أن في البحر حيوانًا قد
يموت فيه، - والميتة نجس - احتاج أن يظهر أن حكم هذا النوع من الميتة
حلال بخلاف سائر الميتات، وألا يتوسموا أن ماءه ينجس بحلولها فيه، وفي
إضافة النبي * إلى الجواب جوابًا عما لم يسأل عنه دليل على جواز أمثاله
من الزيادات في الأجوبة إذا كانت حال السائل كحال السائل، فإن ذلك
تعريف بطرق الرشاد، وهداية إلى منهاج الصلاح)) ..
وانظر أيضًا: ((المجموع)) (٨٣/١)، ((إعلام الموقعين)) (٤٥/٦ بتحقيقي)،
((فتح الباري)) (٢٧٩/١)، ((فتح العلام)) (٥٠) لزكريا الأنصاري، ((تحفة
الأحوذي)) (٢٢٦/١).
(١) كالمسيء صلاته، فابتدأ ﴿ فعلّمه الطهارة، ثم علمه الصلاة، وذلك - والله
أعلم - لأن الصلاة شيء ظاهر تشتهيه الأبصار، والطهارة أمر يستخلي به
الناس في ستر وخفاء، فلما رآه* جاهلًا بالصلاة حمل أمره على الجهل
بأمر الطهارة، فعلّمه إياها. أفاده الخطابي في ((معالم السنن)) (٤٤/١).
وفي الحديث فوائد أخرى غير المذكورة، مثل: إن العالم إذا تفرد بالجواب
يتعين عليه ذلك، وأنه يجب على كل أحد أن يسأل أهل العلم عما لا يعلمه،
أو يتردد فيه.
٣٥٤
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقدّمه
٤١ - باب: الوضوء بالنبيذ(١)
٨٤ - (ضعيف) حدثنا هناد وسليمان بن داود العتكي، قالا : ثنا
شريك، عن أبي فزارة، عن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود: أن
النبي وَ﴿ قال له ليلة الجِنِّ: ((مَا فِي إِدَاوَتِكَ))؟ قال: نبيذ، قال: ((تمرةٌ
طَيبةٌ، وماءٌ طهورٌ))(٢).
(١) هو أن يُلقى في الماء تميرات، ويبقى رقيقًا يسيل على الأعضاء، ويصير حلوًا
غير مسكر، ولا يكون مطبوخًا، قاله البَنُّوري في ((معارف السنن)) (٣٠٩/١).
(٢) أخرجه الترمذي في ((الجامع)) (١٤٧/١) (رقم: ٨٨): ثنا هناد ثنا شريك به.
وأخرجه أبو يعلى في ((المسند)) (٤٥٩/٨) (رقم: ٥٠٤٦): ثنا منصور بن أبي
مزاحم ثنا شريك به مختصرًا، بلفظ: ((إنَّ النبي ◌َ ﴿ توضأ بالنَّبيذ)).
وأخرجه ابن حبان في ((المجروحين)) (١٥٨/٣): أخبرنا الحسن بن سفيان ثنا
منصور به .
وأخرجه الهيثم بن كليب في («مسنده)) (٢٤٨/٢) (رقم: ٨٢٢): ثنا أبو بكر بن
أبي خيثمة نا ابن الأصبهاني نا شریك به.
وأخرجه ابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ)) (رقم: ٩٤): ثنا عبد الله بن محمد
البغوي ثنا أبو الربيع الزهراني ومنصور بن أبي مزاحم قالا : ثنا شريك به.
وساق لفظ أبي الربيع وقال: ((قال أبو الربيع في حديثه: عن زيد أو أبي زيد)).
وأخرجه الطبراني في «الكبير» (٧٨/١٠) (رقم: ٩٩٦٤) - ومن طريقه المزي
في ((تهذيب الكمال)) (٣٣٣/٣٣) -: ثنا أحمد بن عمرو القَطِراني ثنا أبو الربيع
الزهراني ثنا شريك به، وفيه: ((عن أبي زيد)».
وقال ابن عدي في ((الكامل)) (٢٧٤٧/٧): ((وروي عن أبي عبد الله الشَّقَريّ
عن شريك ولم يُقم إسناده)). ثم أخرجه فقال: ((ثناه علي بن سعيد بن بشير =
٣٥٥
٤١ - باب: الوضوء بالنبيذ
ثنا عمران بن موسى ثنا عبد الوارث بن سعيد ثنا أبو عبد الله الشقري عن
=
شريك عن أبي فزارة قال: كان عبد الله بن مسعود، وساق ... نحوه)).
وأسقط منه: ((عن أبي زيد)) وهذا الإسقاط هو الذي جعله يقول: ((لم يُقم
إسناده)) .
وقد أخرجه الطبراني في «الكبير» (٧٨/١٠ - ٧٩) (رقم: ٩٩٦٥): ثنا
أحمد بن عمرو البزار ثنا عمران بن موسى به. وأثبتت ((عن أبي زيد)) وهذا
خطأ، لا أدري منشأه! ويغلب على ظني أنها ساقطة في النسخة الخطيّة منه،
وهي ليست تحت يدي، ثم تيسر لي تصوير نسخة أحمد الثالث منه، وفحصت
هذا الموطن، فوجدته مثبتًا فيها (م ٥/ ق ٢١٣)، ثم أخرجه ابن عدي من
طريق آخر عن عبد الوارث قال: ((حدث أبو عبد الله الشقري ثني شريك عن
أبي زائدة (كذا) عن ابن مسعود ... )) نحوه.
وشريك، هو القاضي بواسط، ثمَّ بالكوفة، صدوق يخطئ كثيرًا، تغيَّر حفظه
منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا، شديدًا على أهل البدع،
رحمه الله تعالى.
أمّا الذي روى عنه الشقري فقيل: هو النخعي. وقيل: هو ابن أبي نمر،
وإسناده ضعيف جدًّا، وفيه ثلاث علل:
* الأولى: جهالة أبي زيد، قال أبو زرعة: ((حديث أبي فزارة ليس بصحيح
أبو زيد مجهول، يعني: في الوضوء بالنَّبيذ)). كذا في ((العلل)) (١٧/١)،
و((الجرح والتعديل)) (٤٨٥/٢/١) لابن أبي حاتم.
وقال أبو زرعة وأبو حاتم - كما في ((العلل)) أيضًا (٤٤/١ - ٤٥)
(رقم: ٩٩) - : ((هذا حديث ليس بقوي؛ لأنَّه لم يروه غير أبي فزارة عن أبي
زيد .. وأبو زيد شيخ مجهول لا يعرف)».
وقال البخاري: ((أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود، رجل مجهول، لا
یعرف بصحبة عبد الله)).
وقال الترمذي: ((أبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث، لا يعرف له رواية
غير هذا الحدیث».
وقال ابن عدي: ((أبو زيد مولى عمرو بن حريث مجهول، ولا يصح =
٣٥٦
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقدّثه
هذا الحديث عن النبي {$، وهو بخلاف القرآن)».
==
وقال ابن عبد البر: (( ... أمَّا أبو زيد مولى عمرو بن حريث فمجهول
عندهم، لا يعرف بغير رواية أبي فزارة، وحديثه عن عبد الله بن مسعود في
الوضوء بالنَّبيذ منكر لا أصل له، ولا رواه من يوثق به، ولا يثبت)).
وقال ابن حبان: ((أبو زيد يروي عن ابن مسعود ما لم يتابع عليه، وليس يدرى
من هو، لا يعرف أبوه ولا بلده، والإنسان إذا كان بهذا النعت، ثمَّ لم يرو
إلّا خبرًا واحدًا، خالف فيه الكتاب والسنّة والإجماع والقياس والنَّظر
والرَّأي؛ يستحق مجانبته فيها، ولا يحتج به)).
وانظر ترجمته في ((تهذيب الكمال)) وكلام الجوزقاني في ((الأباطيل))
(٣٣١/١).
* الثانية: إنكار كون ابن مسعود شهد ليلة الجن كما في ((صحيح مسلم))
وغيره، وانظر: ((دلائل النبوَّة)) للبيهقي (٢٢٨/٢ - ٢٣٣)، ((الهداية في تخريج
أحاديث البداية)) (رقم: ٥٩) و((نصب الراية)) (١٣٩/١ - ١٤١، ١٤٣ -
١٤٧) .
* الثالثة: التردد في أبي فزارة، هل هو راشد بن كيسان، وهو ثقة، أخرج له
مسلم. وقيل: هما رجلان، وأنَّ هذا ليس براشد بن كيسان، وإنَّما هو رجل
مجهول. وقد نقل ابن الجوزي في ((التحقيق)) (٢٣٠/١ - مع التنقيح)
و((الواهيات)) (٣٥٧/١) عن الإمام أحمد أنَّه قال: ((أبو فزارة - في حديث ابن
مسعود - رجل مجهول)). وذكر البخاري أبا فزارة العبسي غير مسمى،
فجعلهما اثنين.
وفي كلِّ هذا نظر ، فإنه قد روى هذا عن أبي فزارة ستة - على اضطراب وقع
بينهم فيه - ، وبعض هؤلاء ثقات، انظر رواياتهم بتفصيل وتطويل في تحقيقي
لـ ((الخلافيات)) (١٥٧/١ - ١٧٧)، والجهالة عند المحدثين تزول برواية اثنين
فصاعدًا، فأين الجهالة بعد ذلك؟ نعم، إنْ كان المراد جهالة الحال، فصحيح
كلامهم، ولعلَّه المراد، وقد صرّح ابن عدي - فيما سيأتي - أن أبا فزارة هو
راشد بن كيسان، فإنْ صحَّ كلامه، فتزول هذه العلَّة.
وقد تعقب محمد بن عبد الهادي في ((التنقيح)) (٢٣٣/١) ما نقله ابن =
٣٥٧
٤١ - باب: الوضوء بالنبيذ
الجوزي من تجهيل أحمد لأبي فزارة، فقال عنه: «ليس بثابت عنه، والظاهر
=
أنَّ الراوي غلط، وأنَّ قول أحمد إنَّما هو في أبي زيد)»، ونقله ابن حجر عنه
في ((التهذيب)» (٢٢٧/٣) وأقرَّه، وقال ابن عبد الهادي: ((وهو راشد بن
كيسان بلا خلاف)). وذكر من وثقه من الأئمّة.
وعلى كلِّ تبقى العلتان السابقتان، وإحداهما قمين أن يحكم بها بنبذ
الحدیث، وعدم ثبوته، فکیف بهما مجتمعتین؟!
وقد تتابعت كلمة الجهابذة النقاد من أهل هذه الصَّنعة على تضعيف الحديث
على اختلاف أعمارهم وأمصارهم ومشاربهم ومذاهبهم، وعلى رأسهم
الحذَّاق الكبار؛ وإليك ما وقفتُ علیه من ذلك:
* قال البيهقي في ((المعرفة)) (١٤٠/١ - ١٤١): ((وأمَّا حديث ابن
مسعود ... وساقه، ثمَّ قال: فقد روي من أوجه كلها ضعيف، وأشهرها
رواية أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود، وقد ضعَّفها أهل
العلم بالحديث».
ثمَّ ساق مقولة البخاري التي أوردناها في أبي زيد في العلَّة الأولى، وأسندها
في ((الكبرى)) (١٠/١) من طريق ابن عدي في ((الكامل)) (٢٧٤٦/٧).
* وقال ابن المنذر في («الأوسط)) (٢٥٦/١): ((وضعَّف هذا الحديث غير
واحد من أصحابنا، وقالوا: حديث ابن مسعود لا يثبت؛ لأنَّ الذي رواه
أبو زيد وهو مجهول لا يُعرف بصحبة عبد الله ولا بالسماع منه، ولا يجوز
ترك ظاهر الكتاب، وأخبار النبي وَ* لرواية رجل مجهول، مع أنَّ علقمة قد
أنكر أن يكون عبد الله كان مع النبي (َ لّ ليلة الجن)).
* وقد ضعَّفه البخاري وأحمد وأبو زُرعة وأبوٍ حاتم وابن عدي والترمذي
وابن عبد البر وابن حبان، وسقنا كلامهم في العلَّة الأولى فيه.
* وضعَّفه أبو عبيد القاسم بن سلّام، فقال في كتاب ((الطهور)) (ص ٣١٥ -
بتحقيقي): ((وأمَّا الذي روي عن ابن مسعود في ليلة الجن، فإنَّا لا نثبته من
أجل أنَّ الإسناد فيه ليس بمعروف، وقد وجدنا مع هذا أهل الخبرة والمعرفة
بابن مسعود ينكرون أنْ يكون حضر في تلك اللَّيلة مع النَّبِي بَّه منهم: ابنه
أبو عبيدة بن عبد الله، وصاحبه علقمة بن قيس)).
=
٣٥٨
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تأخذشم
* وقال الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٩٥/١): ((وليست هذه الطرق
طرقًا تقوم بها الحجّة عند من يقبل خبر الواحد)). ونقل عنه ابن عبد الهادي
في ((التنقیح)) (١٠/ ٢٣٣) قوله فیه: ((لا أصل له)).
* وقال ابن حزم في ((المحلى)) (٢٠٤/١): ((أمَّا الخبر المذکور فلم يصح،
لأنَّ في جميع طرقه من لا يعرف، أو من لا خير فيه، وقد تكلَّمنا عليه كلامًا
مستقصىّ في غير هذا الكتاب)).
* وضعّفة ابن الجوزي في ((الواهيات)) (٣٥٧/١) بأبي زيد وأبي فزارة، وقال
عنهما: ((مجهولان))، وسبق تعقب ابن عبد الهادي له في تجهيل أبي فزارة،
وغلطه في نقل ذلك عن أحمد.
* وقد أسهب ابن عبد الهادي في ((تنقيح التحقيق)) الكلام على هذا الحديث،
وضعَّفه من حديث ابن مسعود وغيره، ومما قال (٢٣٣/١): ((وأمَّا أبو زيد،
فقد قال فيه أبو بكر بن أبي داود: ((كان نبَّاذًا بالكوفة)). وهذا يحتمل أن يكون
تحسينًا لأمر أبي زيد! فيكون قد ضبط الحديث لكونه نبَّاذا! ويحتمل أن يكون
تضعيفًا له)) .
ثم ذكر مقولة البخاري، وابن عدي به، ثمَّ قال: ((حكى بعضهم الإجماع على
ضعفه)) .
قلت: وممن حكى الإجماع بعض المتأخرين، منهم:
* المصنف هنا وفي ((المجموع)) (٩٤/١) وعبارته: ((حديث ابن مسعود
ضعيف بإجماع المحدثين)). وقال في ((شرح صحيح مسلم)) (٢/ ٩١):
((ضعيف باتفاق المحدثين، ومداره على أبي زيد مولى عمرو بن حريث؛ وهو
مجهول))، وقال في ((خلاصة الأحكام)) (١/ ٧١) رقم (٢٩): ((أجمعوا على
ضعفه)) .
* الحافظ ابن حجر، قال في ((فتح الباري)) (٣٥٤/١): ((وهذا الحديث أطبق
علماءُ السلف على تضعيفه)).
ويعجبني بهذا الصدد ما نقله ابن عبد الهادي في ((التنقيح)) (٢٣٥/١) عن:
* هبة الله الطبري، قال: ((أحاديث الوضوء بالنَّبيذ وضعت على أصحاب ابن
مسعود عند ظهور العصبيَّة».
=
٣٥٩
٤١ - باب: الوضوء بالنبيذ
قال أبو داود: وقال سُليمان بن داود، عن أبي زيد، أو زيد،
[قال]: كذا قال شريك، ولم يذكر هنَّاد: ليلة الجن.
٨٥ - (صحيح) حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا وهيب، عن
داود، عن عامر، عن علقمة، قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان
منكم مع رسول الله وَّ﴿ ليلة الجنّ؟ فقال: ما كان معه مِنَّا أحد (١).
٨٦ - (صحيح) حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال:
ثنا بشرُ بن منصورٍ، عن ابن جريج، عن عطاء قال: إنّه كَرِهَ الوضوء
باللبن والنبيذ، وقال: إنَّ التيمم أعجبُ إليَّ مِنه(٢).
٨٧ ۔ (صحیح) حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن
[يعني ابن مهدي]، حدثنا أبو خَلْدَةَ، قال: سألتُ أبا العالية عن رجلٍ
أصابته جنابةٌ وليس عنده ماءٌ وعنده نبيذٌ، أيغتسل بهِ؟ قال: لا(٣).
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((منهاج السنَّة النبويَّة)) (٤٢٥/٣):
=
((والجمهور يضعِّف هذا الحديث)).
* وقال مغلطاي في ((الدر المنظوم)) (رقم ٤٦): ((وفي إسناده أبو زيد مولى
عمرو بن حريث وهو مجهول، قاله البخاري)).
* وقال ابن رشد في بداية المجتهد)) (٣٠٧/١ - مع الهداية): ((ردَّ أهل
الحديث هذا الخبر، ولم يقبلوه لضعف رواته، ولأنَّه قد روي من طريق أوثق
من هذه الطرق أنَّ ابن مسعود لم يكن مع رسول الله وَل و ليلة الجز)).
(تنبيه): قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٣٨/١): ((ووهم شيخنا علاء الدين
فعزاه للأربعة، والنسائي لم يروه أصلًا)).
(١) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٤٥٠).
(٢) علّقه البخاري (٣٥٣/١)، ووصله عبد الرزاق (٦٩٥)، والبيهقي من طريق
المصنف في ((السنن الكبرى)) (١٢/١) وإسناده صحيح.
(٣) علّقه البخاري (٣٥٣/١)، ووصله ابن أبي شيبة (٢٦/١)، وأبو عبيد في
((الطهور)) (٢٦٥ - بتحقيقي)، والدارقطني (٧٨/١)، والبيهقي (٩/١)، =
٣٦٠
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تخافه
فيه حديثان عن ابن مسعود، أحدهما :
حديث: ((تمرة طيبة وماء طهور)).
والثاني: قوله: ((لم يكن مع النبي (* ليلة الجن مِنّا أحدٌ)). أما
الثاني فصحيح، رواه مسلم، وأما الأوّل(١) فأجمع الحفاظ على أنه
ضعيف، وينضمُّ إلى ضعفه من حيث الإسناد، كونه منابذًا للحديث الثاني
الصحيح.
واختلف العلماء في النبيذ؛ فقال مالك والشافعي وأبو يوسف
وأحمد والجمهور: لا يجوز الوضوء به بكل حال(٢)، وعن أبي حنيفة
أربع روايات: إحداهن: جواز الوضوء بنبيذ التمر المطبوخ إذا كان في
السفر وعُدِم الماء. والثانية: يجب الجمع بينه وبين التيمم، وبه قال
محمد بن الحسن. والثالثة: يُستحبُّ الجمع بينهما. الرابعة: إنه رجع عن
جواز الوضوء به، وقال: يتيمم، وهو الذي استقرَّ عليه مذهبه(٣). وممن
= وابن حجر في ((تغليق التعليق)) (١٤٦/٢) من طريق أبي خلدة به، وإسناده
صحيح، وجوده العيني في ((عمدة القاري)) (٦١/٣).
(١) في الأصل: ((الأولى))، ولا يناسب السياق.
(٢) انظر: ((الأم)) (٤/١)، ((المجموع)) (١٣٩/١ -١٤٠)، ((مغني المحتاج))
(١٧/١)، ((الشرح الصغير)) (٢٩/١)، ((قوانين الأحكام الشرعية)) (٤٩)،
((المغني)) (٩/١)، ((الإنصاف)) (٢٢/١)، ((شرح منتهى الإرادات)) (١٤/١).
وأما مذهب أبي يوسف فهو كالجمهور كما قال المصنف، واختاره
الطحاوي، وانظر المراجع الآتية.
(٣) في ((الأصل)) (١/ ٧٥): ((روى نوح الجامع عن أبي حنيفة أنه رجع عن هذا،
وقال: يتيمم ولا يتوضأ به))، وانظر: ((أحكام القرآن)) (٢٧/٤)، ((بدائع
الصنائع)) (١٦٥/١ - ١٦٨)، ((شرح فتح القدير)) (١٦٩/١)، ((البناية)) (١/
٤٧١)، ((البحر الرائق)) (٢٣٣/١)، (تبيين الحقائق)) (٦٩/١)، ((مجمع الأنهر))
(٢٧/١)، ((تحفة الفقهاء)) (١٢٥/١)، ((فتح باب العناية)) =