Indexed OCR Text

Pages 361-380

ومسألته في وجهه خموش ، أو خدوش ، أو كدوح )) ، وفي بعض نسخ
((السنن)): ((خموشاً)) بالنصب، وكذلك ((كدوحاً)) و((خدوشاً))
فوجهه - إن صح - أن يكون حالاً من الضمير الذي في (( جاءت )) الذي
هو عبارة عن المسألة، وهنا وجه آخر، وهو أن يكون ((جاءت )) مسندة
إلى قوله: ((خموش))، ويكون ارتفاع ((خموش)) على الفاعلية،
ويكون / التأنيث باعتبار المسألة؛ لأن المسألة هي التي تكون (( خموشاً)) [٢٥٢/٢ -ب]
يوم القيامة [ ... ] (١) وهو الظاهر ، يقال : خمشت المرأة وجهها
تخمشه خمشاً وخموشاً إذا خدشته بظفر أو حديد ، وأما إذا كان الخموش
جمع (( خمش))، فحينئذ يكون تأنيث الفعل لتأنيث الفاعل، و((الكدُوح))
بضم الكاف : الخدوش ، وكل أثر من خدش ، أو عض فهو كدح ،
ويجوز أن تكون (( الكدوح )) مصدراً سمي به الأثر ، وأن تكون جمع
كدح ، فافهم . والحديث أخرجه : الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ،
وقال الترمذي : حديث حسن ، وقال : والعمل على هذا عند بعض
أصحابنا ، وبه يقول الثوري ، وعبد الله بن المبارك ، وأحمد ، وإسحاق،
قالوا : إذا كان عند الرجل خمسون درهماً لم تحل له الصدقة ، قال :
ولم يذهب بعض أهل العلم إلى حديث حكيم بن جبير ، ووسعوا في
هذا، وقالوا : إذا كان عنده خمسون درهماً ، أو أكثر وهو محتاج فله أن
يأخذ من الزكاة ، وهو قول الشافعي ، وغيره من أهل الفقه والعلم .
قلت : مذهب أبي حنيفة : أن دفع الزكاة لا يجوز على من يملك قدر
نصاب فاضل عن مسكنه ، وخادمه ، وفرسه ، وسلاحه ، وثیاب بدنه ،
وما يتأثث (٢) به ، وكتب العلم إن كان من أهله ، وما ذكره صاحب
((المنظومة)) من أن من ملك خمسين درهماً يحرم عليه أخذ الزكاة عند
الشافعي ، فليس بمعتمد مذهبه .
ص - قال يحيى : فقال عبد الله بن عثمان لسفيان : حفظي أن شُعبةً لا
(١) طمس في الأصل قدر ست كلمات .
(٢) في الأصل: ((يتأثت)).
- ٣٦١-

يَرْوِي عن حَكِيمٍ بنِ جُبير ، فقال سفيانُ : فقدْ حَدَّثَنَاهُ زُبيدٌ، عن محمدِ بنِ
عَبدِ الرحمنِ بنِ یزید .
ش - أي : قال يحيى بن آدم : فقال عبد الله بن عثمان بن خثيم
القاريّ - من القارة حليف بني زهرة - لسفيان الثوري : حفظي أن شعبة
ابن الحجاج لا يروي عن حكيم بن جبير ، فقال سفيان : فقد حدثناه ،
أي : الحديث ، زبيد بن الحارث الكوفي ، عن محمد بن عبد الرحمن
ابن يزيد النخعي الكوفي .
وقال الخطابي (١) : وضعفوا هذا الحديث للعلة التي ذكرها يحيى بن
آدم، قالوا : أما ما رواه سفيان فليس فيه بيان أنه أسنده ، وإنما قال : فقد
حدثناه زبيد ، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد ، حسب .
وحكى الإمام أحمد بن حنبل ، عن يحيى بن آدم : أن الثوري قال
يوماً : قال أبو بسطام : يحدث - يعني شعبة - هذا الحديث عن حكيم
ابن جبير ، قيل له : قال : حدَّثني زبيد ، عن محمد بن عبد الرحمن ،
ولم يزد عليه ، قال أحمد : كأنه أرسله ، أو كره أن يحدث به ، أما
يعرف الرجل كلاماً نحو ذا ؟ وحكى الترمذي : أن سفيان صرح بإسناده ،
فقال : سمعت زبيداً يحدث بهذا عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد ،
وحكاه ابن عدي أيضاً ، وحكى أيضاً : أن الثوري قال : فأخبرنا به زبيد،
وهذا يدل على أن الثوري حدَّث به مرتين ، مرة لا يصرح فيه بالإسناد ،
ومرة يسنده فتجمع الروايات ، وقال أبو عبد الرحمن النسائي : لا نعلم
أحداً قال في هذا الحديث : زبيد ، غير يحيى بن آدم ، ولا نعرف هذا
الحديث إلا من حديث حكيم بن جبير ، وحكيم ضعيف ، وسئل شعبة
عن حديث حكيم ؟ فقال : أخاف النار ، وقد كان روى عنه قديماً ،
وسئل يحيى بن معين : يرويه أحد غير حكيم ؟ فقال يحيى : نعم ، يرويه
يحيى بن آدم ، عن سفيان ، عن زبيد ، ولا أعلم أحداً يرويه إلا يحيى بن
(١) معالم السنن (٤٨/٢).
-٣٦٢-

آدم ، وهذا وهم ، لو كان كذا لحدث الناس به جميعاً عن سفيان ، ولكنه
حديث منكر ، هذا الكلام قاله يحيى ، أو نحوه .
١٧٤٧ - ص - نا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم، عن
عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد، أنه قال: (( نزلتُ أنا ، وأَهلِي ببقيعِ
الغَرَقَد، فقال لي أهلي : اذهبْ إلى رسولِ الله - عليه السلام - فَسَلْهُ لنا شيئاً
نأكُلُهُ، فجَعَلُوا يذكرونَ من حَاجَتَهم ، فذهبتُ إلى رسول الله - عليه
السلام - فوجدتُ عندَه رجلاً يسألُهُ، وَرسولُ الله - عليه السلام - يقول : لا
أجدُ ما أُعْطِيكَ، فتولَّى الرجلُ عنه وهو مُغْضَبٌ، وهو يقولُ: لَعَمْرِي إِنكَ
لَتُغَطِي مَن شئتَ ، فقالَ رسولُ الله - عليه السلام - بغضب (١) عَلَيَّ أن لا
أَجدُ ما أُعطيَه: مَن سأَلَ منكم ولَه أُوقِيَّةٌ، أو عدْلُهَا فقد سَأَلَ إلَحَافاً ، قال
الأَسَدِيُّ: فَقَلَتُ: لقحةٌ (٢) لنا خيرٌ منَ أوقية، وَالوَقِيةُ(٣): أربعونَ درهماً،
قال: فرجعتُ، ولم أَسأَلُهُ ، فَقدمَ على رسولَ الله - عليه السلام - بعدَ ذلك
شعيرٌ (٤)، وزبيبٌ، قَسَمَ (٥) لنا منه / [ أو كما قال: حتى أغنانا الله عَزّ
وجَلَّ](٦)، (٧) .
[٢ /٢٥٣-أ]
ش - ((بقيع الغرقد)): بالباء الموحدة: مدفن أهل المدينة ، و((البقيع)):
المكان المتسع من الأرض ، وقيل : لا يسمى بقيعاً إلا إذا كان فيه شجر ،
أو أصول شجر من ضروب شتى، و((الغرقد)) بفتح الغين المعجمة ،
وسكون الراء ، وفتح القاف ، وفي آخره دال مهملة من شجر الغضاة ،
والغضاة : شجر له شوك ، وقيل : الطلح ، والسدر ، وكان فيه غرقد
فذهب وبقي اسمه .
(١) في سنن أبي داود: ((يغضب)).
(٢) في سنن أبي داود: ((لَلُقحة))، وسيذكر المصنف أنها نسخة.
(٣) في سنن أبي داود: ((والأوقية)). (٤) في سنن أبي داود: ((أو شعير)).
(٥) في سنن أبي داود: ((فقسم)).
(٦) طمس في الأصل ، وأثبتناه من سنن أبي داود .
(٧) النسائي : كتاب الزكاة ، باب : الإلحاف في المسألة (٩٩/٥).
-٣٦٣-

قوله: ((وهو مغضب)) جملة حالية، و((مغضب)) بفتح الضاد مفعول
من الإغضاب، وكذلك قوله: (( وهو يقول )) جملة حالية .
قوله: ((لعمري)) ((العمر)) بالفتح : العمر ، ولا يقال في القسم إلا
بالفتح ، ومعنى قوله: ((لعمري )) : وحق بقائي وحياتي ، وكذا معنى
قوله: ((لعمر الله))، أحلف ببقاء الله ، واللام فيه للتأكيد .
قوله: ((أو عدلها)) بفتح العين ، يريد قيمتها ، يقال : هذا عدل الشيء
أي : ما يساويه في القيمة ، وهذا عدله - بكسر العين - أي : نظيره ،
ومثله في الصورة والهيئة .
قوله (١): ((لقحة لنا)) اللقحة: الناقة المرية، وهي التي تمرأ ، أي :
تحلب، وجمعها لقاح، وفي بعض النسخ: (( للقحة )) بلام التأكيد ،
وارتفاعها بالابتداء ، وتخصص بالصفة ، وخبره قوله: (( خير)).
قوله: (( والوقية)) بفتح الواو، وهي لغة في ((أوقية))، وقد مر تحقيق
الكلام فيه ، وذهب أبو عبيد القاسم بن سلام في تحديد الغِنى إلى هذا
الحديث ، وزعم أن من وجد أربعين درهماً حرمت عليه الصدقة .
والحديث أخرجه النسائي .
ص - قال أبو داود: هكذا رَواهُ الثوريَّ، كما قال مالك .
ش - أي : هكذا روى الحديثَ المذكور سفيانُ الثوريَّ كما قال مالك
ابن أنس - رضي الله عنه - .
١٧٤٨ - ص - نا قتيبة بن سعيد ، وهشام بن عمار، قالا : نا عبد الرحمن
ابن أبي الرجال ، عن عمارة بن غزية ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد
الخدري، عن أبيه، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: ((مَنْ سَأَلَ
وله قيمةُ أُوقية فقد أَلْحَفَ ، فقلتُ : نَاقَتِي اليَاقُوتةُ هي خيرٌ من أُوقية )) قال
هشامٌ: ((خيرٌ من أربعين درهماً، فرجعتُ ولم أسأله )) (٢) زادَ هشامٌ
(١) مكررة في الأصل .
(٢) في سنن أبي داود: (( فلم أسأله شيئاً ».
-٣٦٤-

في حديثه: ((وكانتْ الوَقيةُ على عهد النبيِّ - عليه السلام - أربعينَ
درهماً))(١).
ش - اسم أبي الرجال : محمد بن عبد الرحمن ، وقد مر بيانه ،
واسم أبي سعيد : سعد بن مالك الأنصاري ، وقد مر مرة .
قوله: ((فقد ألحف)) يقال: ألحف في المسألة إذا بالغ فيها ، وألح ،
يقال : ألح ، وألحف ، وقيل : ألحف شمل بالمسألة، ومنه اشتق اللحاف.
قوله: ((ناقتي الياقوتة)) مبتدأ، وقوله: ((هي)) مبتدأ ثان ، وخبره
قوله: ((خير))، والجملة خبر المبتدأ الأول، و((الياقوتة)) اسم تلك
الناقة، وفيه جواز تسمية البهائم ، وقد كان خيل رسول الله - عليه
السلام- وغيرها من دوابه لها أسماء ، والحديث أخرجه النسائي .
١٧٤٩ - ص - نا عبد الله بن محمد النفیلي ، نا مسکین ، نا محمد بن
المهاجر ، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي كبشة السلولي ، نا سهل ابن الحنظلية ،
قال: (( قَدِمَ عَلَى رسول الله - عليه السلام - عُبَيْنَةُ بنُ حصْن ، والأقرعُ بنُ
حَابس، فسأَلاهُ، فَأَمَرَ لهما بما سَأَلاهُ، فَأَمَرَ (٢) مُعاويَةَ ، فَكَتَبَ لهما بما
سأَلاءُ(٣) ، فأمَّ الأَقرعُ فأخْذَ كِتَابَهُ فَفَّهُ في عِمامَتَهِ وانطلقَ ، وأمَّا عيينةُ فأخذ
كِتَابَهُ، وأَتَى النبيَّ - عليه السلام - مكانه فقال: يا محمدُ، أَثْرَانِي حَامِلاً إلى
قَومِي كِتَاباً لا أَدْرِي ما فيه كَصحيفةِ المُتَلَمِّسِ؟ فأخبرَ معاويةُ بقوله رسولَ الله
- عليه السلام - فقال رسولُ اللهِ - عليه السلام -: مَنْ سَأَلَ، وعَنَدَه ما يُغنِيهَ
فإنما يَسْتَكْثِرُ من النارِ))، وقال النفيليُّ في موضعٍ آخَرَ: « مِن جَمْرٍ جَهنمَّ،
فقالوا : يا رسولَ الله، وما يُغْنيه؟ )) وقال النفيليُّ في موضع آخرَ: (( وما
الغِنَى الذي لا ينبغي (٤) معه المَسأَلَةُ؟ قال: قَدْرَ ما يُغَدِّيه، ويُعُشِّيه))، وقال
التفيليُّ في موضعٍ آخَرَ: ((أن يكونَ له شِبَعُ يومٍ وليلةٍ، أوَ ليلةٍ ويومٍ)) (٥) .
(١) النسائي: كتاب الزكاة، باب: الإلحاف في المسألة (٩٨/٥).
(٢) في سنن أبي داود: ((سألا وأمر)).
(٣) في سنن أبي داود: ((سألا)).
(٤) في سنن أبي داود: (( تنبغي)).
(٥) تفرد به أبو داود .
-٣٦٥-

ش - مسكين بن بكير الحراني الحذاء .
ومحمد بن المهاجر بن دينار بن أبي مسلم الأنصاري الأشهلي الشامي
مولى أسماء بنت يزيد الأشهلية . روى عن : أبيه ، وأخيه ، وكيسان
مولى معاوية ، وربيعة بن يزيد ، وغيرهم . روى عنه : الربيع بن نافع
الحلبي ، والوليد بن مسلم ، ومسكين ، وابن عيينة ، وغيرهم . قال ابن
معين ، وأبو زرعة ، ويعقوب بن سفيان : هو ثقة ، مات سنة سبعين
ومائة . روى له : أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١) .
[٢٥٣/٢-ب]
وربيعة بن يزيد / الدمشقي ، وأبو كبشة السلولي ، مذكور في الكنى ،
وقد مر ذكره ، وسهل بن الربيع بن عمرو الأنصاري الأوسي ، والحنظلية
أمه ، وعيينة بن حصن بن بدر الفزاري ، كنيته : أبو مالك ، من المؤلفة
قلوبهم ، أسلم بعد الفتح ، وقيل : قبل الفتح ، وقيل : إن الأقرع ،
وعيينة شهدا مع رسول الله - عليه السلام - فتح مكة ، وحنيناً ،
والطائف، والأقرع لقب ، واسمه : فراس بن حابس ، تميمي مجاشعي ،
قدم على رسول الله - عليه السلام - في أشراف بني تميم بعد فتح مكة ،
وكان هو أيضاً أحد المؤلفة قلوبهم .
قوله: ((أتراني حاملاً)) بفتح الهمزة ، وضم التاء .
قوله: ((كصحيفة المتلمس)) المتلمس هو: جرير بن عبد المسيح
الضبعي، الشاعر المشهور الجاهلي ، وسمي المتلمس ببيت قاله هجاء هو
وطرفةُ عمرو بن هند ملك الحيرة ، فكتب إلى عامله له ولطرفة بن العبد
كتابين ، أوهمهما أنه أمر لهما بجوائز ، وكتب فيه يأمره بقتلهما ، والقصة
مشهورة عند العرب ، وأن المتلمس لما علم بما فيها رمى بها وهرب،
فضربت العرب المثل بصحيفته بعد، ولما وافى طرفة بصحيفته قتل .
قوله: (( ما يغديه ويعشيه )) اختلف الناس في تأويله ، فقال بعضهم :
من وجد غداء يومه وعشاء ، لم تحل له المسألة على ظاهر الحديث .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٦٣٦/٢٦).
-٣٦٦-

قلت : قال أصحابنا : ومن له قوت يوم فسؤاله حرام ، وقال بعضهم :
إنما هو فيمن وجد غداء وعشاء على دائم الأوقات ، فإذا كان عنده ما
يكفيه لقوته المدة الطويلة حرمت عليه المسألة . وقيل : هذا منسوخ بما تقدم
من الأحاديث ، والغداء والعشاء يُحَرِّمُ سؤال اليوم ، والأوقية تحرم مقدار
ما يسد من المناقر للسائل . ويجوز لصاحب الغداء والعشاء أن يسأل الجبة
والكساء ، ويجوز لصاحب الأوقية والخمسين درهماً أن يسأل ما يحتاج
إليه من الزيادة على ذلك ، وقيل : إنما أعطاهما رسول الله - عليه
السلام- من سهم المؤلفة ، فإن الظاهر أنهما ليسا فقيرين ، وهما رئيسا
قبائلهما ، وسيدا قومهما .
ص - وكان حدَّثنا به مختصراً على هذه الألفاظ التي ذكرت .
ش - هذا من كلام أبي داود ، أي : كان النفيلي حدَّثْنا به .
قوله: ((التي ذكرت))، وفي بعض النسخ: ((التي ذكرها)) أي :
ذكرها النفيلي .
١٧٥٠ - ص - ثنا عبد الله بن مسلمة ، نا عبد الله - يعني : ابن عمر بن
غانم - عن عبد الرحمن بن زياد ، أنه سمع زياد بن نعيم الحضرمي ، أنه
سمعٍ زياد بن الحارث الصدائي ، قال: (( أَتيتُ رسولَ الله - عليه السلام -
فَبَايَعْتُه))، فذكر حديثاً طويلاً(١): ((فأتاه رجلٌ ، فقال : أعطني من الصدقة،
فقال له رسولُ الله - عليه السلام -: إن اللهَ لم يرضَ بحكْمٍ نَبيِّ ولا غيره في
الصدقات ، حتى حَكَمَ فيها هو ، فَجَزَّأَهَا ثمانيةَ أَجزاء ، فإن كنتَ من تلك
الأجزاء أعطيتُكَ حَقَّكَ)) (٢) .
ش - عبد الرحمن بن زياد الإفريقي فيه مقال ، وقد مر غير مرة ، وزياد
ابن نعيم الحضرمي البصري ، ذكره ابن حبان في (( الثقات)).
قوله: ((فجزأها)) أي: الصدقات، ((ثمانية أجزاء)) أي : ثمانية
(٢) تفرد به أبو داود .
(١) في سنن أبي داود: ((طويلاً قال)).
-٣٦٧-

أقسام، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين﴾ (١)
الآية .
وقال الخطابي (٢) في قوله: ((فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك
حقك)) دليل على أنه لا يجوز جمع الصدقة كلها في صنف واحد ، وأن
الواجب تفرقتها على أهل السهمان : بحصصهم ، ولو كان في الآية بيان
الحمل (٣) دون بيان الحصص ، لم يكن للتجريد معنى ، ويدل على صحة
ذلك قوله: ((أعطيتك حقك))، فبين أن لأهل كل جزء على حدة حقا ،
وإلى هذا ذهب : عكرمة ، وهو قول الشافعي . وقال إبراهيم النخعي :
إذا كان المال كثيراً يحتمل الأجزاء قسمه على الأصناف ، وإذا كان قليلاً
جاز أن يضع في صنف واحد . وقال أحمد بن حنبل : تفريقه أَوْلى ،
ويجزئه أن يجعله في صنف واحد . وقال أبو ثور : إن قسمه الإمام قسمه
على الأصناف الثمانية ، وإن تولى قسمه رب المال فوضعه في صنف واحد
رجوت أن يسعه . وقال مالك بن أنس : يجتهد ، ويتحرى موضع الحاجة
منهم ، ويقدم الأولى فالأولى من أهل الفاقة والخلة ، فإن رأى الخلة في
الفقراء في عام أكثر قَدَّمهم ، وإن رآها في أبناء السبيل في عام آخر حولها
إليهم . وقال أصحاب الرأي : هو خبير / يضعه في أي [ الأصناف شاء،
وكذلك قال سفيان الثوري ] (٤) ، وقد روي ذلك عن ابن عباس ، وهو
قول الحسن البصري ، وعطاء بن أبي رباح )) .
[٢ /٢٥٤-١]
قلت: (((٥) روى الطبري (٦) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ﴾ الآية ، أخبرنا عمران بن عيينة ، عن عطاء ، عن
سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ
للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكين﴾ الآية، قال: في أي صنف وضعته أجزاك، وقال ابن
١
(١) سورة التوبة: (٦٠).
(٢) معالم السنن (٥٠/٢ - ٥١) .
(٣) في معالم السنن: ((المحمل)).
(٤) طمس في الأصل، وأثبتناه من معالم السنن (٥١/٢).
(٥) انظر: نصب الراية (٣٩٧/٢ - ٣٩٨). (٦) تفسير الطبري (١١٦/١٠).
- ٣٦٨-

أبي شيبة في ((مصنفه)): أخبرنا جرير ، عن ليث ، عن عطاء ، عن عمر
ابن الخطاب ، أنه قال: ﴿ إنما الصدقات للفقراء ﴾ الآية ، قال : أيما
صنف أعطيته من هذا أجزأك .
حدَّثنا حفص، عن ليث، عن عطاء، عن عمر: (( أنه كان يأخذ
الفرض في الصدقة ، فيجعله في صنف واحد )).
وروي أيضاً : عن الحجاج بن أرطاة ، عن المنهال بن عمرو ، عن زر
ابن حبيش، عن حذيفة، أنه قال: ((إذا وضعتها في صنف واحد أجزاك))
وأخرج نحو ذلك عن : سعيد بن جبير ، وعطاء بن أبي رباح ، وإبراهيم
النخعي ، وأبي العالية ، وميمون بن مهران ، بأسانيد حسنة ، واستدل ابن
الجوزي في ((التحقيق)) على ذلك بحديث معاذ: ((فأعلمهم أن الله تعالى
افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ، وترد في فقرائهم » ، قال :
والفقراء صنف واحد ، ولم يذكر سواهم . وقال أبو عبيد القاسم بن
سلام في كتاب ((الأموال)): (( ومما يدل على صحة ذلك أن النبي - عليه
السلام - أتاه بعد ذلك مال فجعله في صنف واحد سوى صنف الفقراء ،
وهم : المؤلفة قلوبهم : الأقرع بن حابس ، وعيينة بن حصن ، وعلقمة
ابن علاثة ، وزيد الخيل قسم فيهم الذهبة التي بعث بها إليه علي من
اليمن، وإنما تؤخذ من أهل اليمن الصدقة ، ثم أتاه مال آخر فجعله في
صنف آخر ، وهم : الغارمون ، فقال لقبيصة بن المخارق حين أتاه وقد
تحمل حمالة: (( يا قبيصة ، أقم حتى تأتينا الصدقة ، فنأمر لك بها))،
وفي حديث سلمة بن صخر البياضي: (( أنه أمر له بصدقة قومه ))، ولو
وجب صرفها إلى جميع الأصناف لم يجز دفعها إلى واحد))، وبهذا
سقط قول الخطابي : لا يجوز جمع الصدقة كلها في صنف واحد ، ولا
تمسك للشافعي بالآية أيضاً ؛ لأن المراد بها بيان الأصناف التي يجوز الدفع
إليهم دون غيرهم ، وكذا المراد بآية الغنيمة فافهم )) (١).
(١) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
٢٤ • شرح سنن أبي داوود ٦
-٣٦٩-

وقال الخطابي أيضاً (١): وفي قوله: ((إن الله لم يرض بحكم نبي ولا
غيره في الصدقات ، حتى حكم فيها )) دليل على أن بيان الشريعة قد يقع
من وجهين ، أحدهما : ما تولى الله بيانه في الكتاب العزيز وأحكم فرضه
فيه ، فليس به حاجة إلى زيادة من بيان النبي - عليه السلام - وبيان شهادة
الأصول ، والوجه الآخر : ما ورد ذكره في الكتاب مجملاً ، ووكل بيانه
إلى النبي - عليه السلام - فهو تفسيره قولاً وفعلاً ، أو يتركه على إجماله
ليبينه فقهاء الأمة ، ويستدركوه : استنباطاً ، واعتباراً بدلائل الأصول ،
وكل ذلك بيان مصدره عن الله تعالى ، وعن رسوله - عليه السلام - ولم
يختلفوا في [ أن ] السهام الستة ثابتة مستقرة لأهلها في الأحوال كلها ،
وإنما اختلفوا في سهم المؤلفة ، فقالت طائفة من أهل العلم : سهمهم
ثابت ، يجب أن يعطوه ، هكذا قال الحسن البصري ، وقال أحمد بن
حنبل : يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك ، وقالت طائفة : انقطعت
المؤلفة بعد رسول الله - عليه السلام - روي ذلك عن الشعبي ، وكذلك
قال أصحاب الرأي ، وقال مالك : سهم المؤلفة يرجع على أهل السهام
الباقية ، وقال الشافعي : لا يُعطى من الصدقة مشرك يتألف على الإسلام،
وأما العاملون وهم : السعاة ، وجباة الصدقة فإنما يعطون عمالة قدر أجر
مثلهم ، فأما إذا كان الرجل هو الذي يتولى إخراج الصدقة وقسمها بين
أهلها فليس فيها للعاملين حق)) .
١٧٥١ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب قالا : نا جرير ،
عن الأعمش ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وقالآخر:
((ليسَ المسكينُ الذي تَرُدُّه التمرةُ والتمرتان، والأُكْلَةُ والأُكْلَتَان ، ولكنّ
المسكين الذي لا يَسْأَلُ الناسَ شيئاً، ولا يَفْطِئُونَ بِهِ فَيُعْطُونَهُ)) (٢).
(١) معالم السنن (٥١/٢ - ٥٢).
(٢) البخاري : كتاب الزكاة ، باب: قول الله تعالى: ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً﴾
(١٤٧٦) ، مسلم : كتاب الزكاة ، باب : المسكين الذي لا يجد غنى ولا يفطن
له فيتصدق عليه (١٠٣٩) ، النسائي : كتاب الزكاة ، باب : تفسير المسكين
(٨٥/٥) .
- ٣٧٠-

ش - جرير بن عبد الحميد ، وسليمان الأعمش ، وأبو صالح ذكوان
الزيات .
قوله: ((ليس المسكين)) هو مفعيل / وهو من صيغ المبالغة ((كمنطيق))، [٢٥٤/٢ -ب]
واشتقاقه من السكون ، [ ويستوي في هذا المذكر والمؤنث] (١) ، يقال :
رجل مسكين ، وامرأة مسكين ، ويقال : مسكينة أيضاً ، وجمعه : مساكين
ومسكينون ، وقال الجوهري : والمسكين الفقير ، وقد يكون بمعنى الذلة
والضعف ، يقال : تسكن الرجل وتمسكن ، كما قالوا : تمدرع ، وتمندل،
من المدرعة ، والمنديل على تمفعل وهو شاذ، وقياسه تسكن وتدرع وتندل،
مثل : تشجع وتحلم ، وكان يونس يقول : المسكين أشد حالاً من الفقير ،
قال : وقلت لأعرابي: أفقير أنت ؟ فقال : لا والله ، بل مسكين .
وقال الخطابي (٢): وقد اختلف الناس في المسكينٍ والفقير ، والفرق
بينهما ، فروي عن ابن عباس، أنه قال: (( المساكين هم : الطوافون ،
والفقراء: فقراء المسلمين))، وعن مجاهد، وعكرمة، والزهري: ((إن
المسكين الذي يسأل، والفقير الذي لا يسأل))، وعن قتادة: ((إن الفقير
هو الذي به زمانة ، والمسكين الصحيح المحتاج)) ، وقال الشافعي :
((الفقير من لا مال له ولا حرفة ، تقع منه موقعاً ، زَمِناً كان ، أو غير
زَمِنٍ، والمسكين من له مال أو حرفة ، ولا يقع منه موقعاً ، ولا تغنيه ،
سائلاً كان، أو غير سائل)). وقال بعض أهل اللغة: (( المسكين الذي لا
شيء له ، والفقير من له البلغة من العيش ، واحتج بقول الراعي :
وَفَقَ العيال فلم يترك له سَبد
أما الفقير الذى كانت حلوبته
قال : فجعل للفقير حلوبة ، وقال غيره من أهل اللغة : إنما اشترط له
الحلوبة قبل الفقر ، فلما إنتزعت منه ، ولم يترك له سبد صار فقيراً لا
شيء له ، قال: والمسكين أحسن حالاً من الفقير، واحتج بقول الله تعالى:
(١) طمس في الأصل ، ولعل الجادة ما أثبتناه .
(٢) معالم السنن (٥٢/٢ - ٥٣).
- ٣٧١-

﴿ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (١) ، فأثبت لهم مع
المسكنة ملكاً وكسباً وهما : السفينة ، والعمل بها في البحر ، وقال بعض
من ينصر القول الأول : إنما سماهم مساكين مجازاً على سبيل الترحم
والشفقة عليهم ، إذ كانوا مظلومين .
قلت: قال صاحب ((الهداية)): ((والفقير من له أدنى شيء، والمسكين
من لا شيء له ، وهذا مروي عن أبي حنيفة ، وقد قيل على العكس ،
وقالت الشراح : وهو قول الشافعي ، ولكل وجه ، والأول أصح ،
ووجهه قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾ (٢) أي: لاصقاً بالتراب من
الجوع والعُري ، ووجه الثاني أن الفقير مشتق من انكسار فقار الظهر ،
فيكون أسوأ حالاً من المسكين ، وقال الخطابي (٣) : وقيل: إن الفقير
مشبه بمن أصيب فقاره فانقصف ظهره ، من قولهم: (( فقرت الرجل)) إذا
أصبت فقاره، كما تقول: ((بطنته)) إذا أصبت بطنه، و((رأسته )) إذا
أصبت رأسه ، إلى ما أشبه ذلك من نظائر هذا الباب .
فإن قيل : فائدة هذا الخلاف تظهر في ماذا ؟ قلت : يظهر ذلك في
الوصايا والأوقاف ، وأما في الزكاة فلا يظهر الخلاف فيها عندنا ، فافهم .
ثم اعلم أنه - عليه السلام - نفى المسكنة عن الذي ترده التمرة ، أو
التمرتان ، الذي هو السائل الطواف ؛ لأنه بمسألته تأتيه الكفاية ، وقد
تأتيه زيادة عليها ، فيسقط عنه اسم المسكنة ، والحديث حجة قوية لما قال
أبو حنيفة من أن المسكين من لا شيء له .
قوله: ((والأكلة)) الأكلة بضم الهمزة : اللقمة، والأكلتان : اللقمتان،
والأكلة بفتح الهمزة هي الواحدة ، والمرة من الأكل .
قوله: (( ولا يفطنون به )) أي : لا يعلمون بحاله ، من فطن يفطن ، من
باب ضرب يضرب . والحديث أخرجه : البخاري ، ومسلم ، والنسائي ،
من حديث عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة .
(١) سورة الكهف : (٧٩) .
(٣) معالم السنن (٥٣/٢).
(٢) سورة البلد : (١٦).
- ٣٧٢-

١٧٥٢ - ص - نا مسدد ، وعبيد الله بن عمر ، وأبو كامل - المعنى -
قالوا: نا عبد الواحد بن زياد ، نا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن
أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله - عليه السلام - مثلَه (١): ((ولكنَّ المسكينَ
المُتَعَفِّفَ)) زاد مسددٌ في حديثه: (( ليس له ما يَسْتَغْنِي به ، الذي لا يَسْأَلُ، ولا
يُعْلَمُ بحاجَتَه فيُتَصَدَّقُ عليه، فذاكَ الَحْرُومُ))، ولم يذكر مسددٌ: (( المتعفف
الذي لا يَسأَلُ)) (٢).
ش - أبو كامل : فضيل الجحدري ، ومعمر بن راشد ، وأبو سلمة :
عبد الله بن عبد الرحمن .
قوله: ((بمثله)) أي : مثل الحديث المذكور .
قوله: ((فيتصدق)) [ ... ] (٣).
[٢٥٥/٢-١]
/ قوله: ((فذاك المحروم)) المحروم: الذي حُرِمَ ، أي: مُنِع من
العطاء، يقال : حرمه الشيء ، يحرمه حرماً ، مثل : سرقه سرقاً بكسر
الراء ، وحرمة وحريمة وحريما ، وأخرجه النسائي بمثله ، وليس فيه : ((فذاك
المحروم )) .
ص - قال أبو داود : روى هذا (٤) محمد بن ثور ، وعبد الرزاق ، عن
معمر ، جعلا المحروم من كلام الزهري (٥) .
ش - أي : روی هذا الحدیث محمد بن ثور ، وعبد الرزاق بن همام،
عن معمر بن راشد، وجعلا لفظ: (( فذاك المحروم )) من كلام ابن شهاب
الزهري ، ولم يجعلاه من متن الحديث .
ومحمد بن ثور الصنعاني ، روى عن : معمر ، وابن جريج . رؤى
(١) في سنن أبي داود: ((مثله. قال)).
(٢) النسائى: كتاب الزكاة، باب: تفسير المسكين (٨٦/٥).
(٣) بياض في الأصل قدر نصف سطر .
(٤) في سنن أبي داود: ((روى هذا الحديث محمد)).
(٥) في سنن أبي داود: ((وجعلا ... الزهري وهو أصح)).
-٣٧٣-

عنه : فضيل بن عياض ، ومحمد بن عبيد بن حساب ، ونعيم بن حماد ،
وجماعة آخرون . قال يحيى بن معين : ثقة . روى له : أبو داود ،
والنسائي (١) .
١٧٥٣ - ص - نا مسدد ، نا عيسى بن يونس ، نا هشام بن عروة ، عن
أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أخبرني رجلانِ: (( أَنهما أَتَيَا النبيِّ
-عليه السلام- في حَجَّةِ الوَدَاعِ، وهو يَقْسِمُ الصدقةَ، فَسَأَلاهُ منها ، فَرَفَعَ
فينا البصرَ وَخَفَضَهُ، فَرَانَا جَلْدَين، فقال: إن شئتُمَا أَعطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فيها
لِغَنِيٌّ، ولا لِقَوِيٌّ مُكْتَسِبٍ)) (٢) .
ش - عبيد الله بن عدي بن الخيار بن نوفل بن عبد مناف بن قصي
القرشي النوفلي المدني ، أدرك النبي - عليه السلام - وكان من فقهاء
قريش ، وروى عن : عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وسمع : عثمان
ابن عفان ، وعليّ بن أبي طالب ، والمقداد بن الأسود ، وكعب الأحبار .
روى عنه : عروة ، وحميد بن عبد الرحمن ، وعطاء بن يزيد ، وغيرهم.
قال ابن سعد : كان ثقة قليل الحديث . روى له : البخاري ، ومسلم ،
وأبو داود ، والنسائي (٣) .
قوله: ((جَلْدين)) بفتح الجيم، وسكون اللام تثنية ((جَلْد »، وهو
الرجل القوي من الجَلَدِ بفتح اللام ، وهو القوة والصبر ، تقول منه :
جَلُدَ الرجل - بالضم - فهو جَلْدٌ وجَلِيدٌ بَيِّنُ الجَلَد ، والجَلادة،
والجُلُودة. وقال الخطابي (٤) : هذا الحديث أصل في أن من لم يعلم له
مال فأمره محمول على العدم، وفيه أنه لم يعتبر في منع الزكاة ظاهر القوة
والجلد ، دون أن يضم (٥) إليه الكسب ، فقد يكون من الناس من يرجع
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥١٠٨/٢٤).
(٢) النسائي: كتاب الزكاة ، باب: مسألة القوي المكتسب (١٠٠/٥).
(٣) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٤٣٦/٢)، وأسد الغابة
(٥٢٦/٣)، والإصابة (٧٤/٣).
(٤) معالم السنن (٥٣/٢).
(٥) في الأصل: (( ضم)).
-٣٧٤-

إلى قوة الكسب ، وقد يكون من الناس من يرجع إلى قوة بدنه ، ويكون
مع ذلك أخرق اليد ، لا يعتمل ، فمن كان هذا سبيله لم يمنع الصدقة
بدلالة الحديث ، وقد استظهر - عليه السلام - مع هذا في أمرهما
بالأنداد، وقلدهما الأمانة فيما يظن من أمرهما )) . والحديث أخرجه:
النسائي .
١٧٥٤ - ص - نا عباد بن موسى الخَتَّلي الأبناوي (١)، نا إبراهيم - يعني:
ابن سعد - أخبرني أبي ، عن ريحان بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو ، عن
النبي - عليه السلام - قال: ((لا تَحِلُّ الصدقةُ لِغَنِيٌّ ، ولا لِذِي مِرَّةٍ
(٢)
سَوِيٍ)(٢) .
ش - قد مر غير مرة أن الخُتَّلِي - بضم الخاء المعجمة ، وتشديد التاء
المثناة من فوق المضمومة - نسبة إلى ختلان ، وهي بلاد مجتمعة وراء بلخ،
والأبناوي نسبة إلى الأبناء ، ويقال لأولاد فارس : الأبناء ، وهم الذين
أرسلهم كسرى مع سيف بن ذي يزن لما جاء يستنجده على الحبشة ،
فنصروه ، وملكوا اليمن ، وتديَّرُوها ، وتزوجوا من العرب ، فقيل
لأولادهم : الأبناء ، وغلب عليهم هذا الاسم ؛ لأن أمهاتهم من غير
جنس آبائهم ، والأبناء في الأصل جمع ابن .
C
وريحان بن يزيد العامري ، روى عن : عبد الله بن عمرو بن العاص .
روى عنه : سعد بن إبراهيم . قال حجاج : نا شعبة ، عن سعد بن
إبراهيم سمع : ريحان - وكان أعرابي صدق - وقال أبو حاتم : هو شيخ
مجهول . وقال عثمان بن سعيد : قلت ليحيى بن معين : ما حاله ؟ قال:
ثقة . روى له : أبو داود ، والترمذي (٣) .
قوله: (( ولا لذي مرة سوي)) ((المرة)) - بكسر الميم - : القوة والشدة ،
(١) في سنن أبي داود: ((الأنباري)) خطأ.
(٢) الترمذي : كتاب الزكاة ، باب: من لا تحل له الصدقة (٦٥٢).
(٣) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (١٩٤٤/٩).
- ٣٧٥-

و((السوي)): الصحيح الأعضاء ، وبه تمسك الشافعي أن من يجد قوة
يقدر بها على الكسب لا تحل له الصدقة ، وبه قال إسحاق ، وأبو عبيد ،
وقال أصحابنا : يجوز له ذلك ما لم يملك مائتي درهم فصاعدا ؛ لأن المراد
من الغنى هو : الغنى الشرعي ، وهو أن يملك نصاباً ، وما فوقه ،
وأجابوا عن قوله: ((ولا لذي مرة سوي)) أن المراد به : أن يسأل مع
[٢٥٥/٢ -ب] قدرته على اكتساب القوت ، وأما إذا / أُعطي من غير سؤال ، فلا يحرم
له أخذه لدخوله في الفقراء، [ ... ] (١). والحديث أخرجه :
[الترمذي] عن سفيان ، عن سعد به ، وقال : حديث حسن ، وقد رواه
شعبة ، عن سعد فلم يرفعه .
ص - قال أبو داود : رواه سفيانُ ، عن سعد بنِ إبراهيمَ ، كما قال
إبراهيمُ، ورواه شعبةُ، عن سعدٍ ، قال: ((لِذِي مِرَّةٍ قَوِيٍّ)) .
ش - أي : روى هذا الحديث سفيان الثوري ، عن سعد بن إبراهيم ،
كما قال إبراهيم بن سعد، وهو: (( لا تحل الصدقة لغني ، ولا لذي مرة
سوي )) .
(((٢) وكذا رواه : النسائي ، وابن ماجه ، عن أبي حصين ، عن سالم
ابن أبي الجعد ، عن أبي هريرة بنحوه ، ورواه ابن حبان في (( صحيحه ))
في النوع السابع والسبعين من القسم الثاني، قال صاحب ((التنقيح)):
رواته ثقات إلا أن أحمد بن حنبل قال : سالم بن أبي الجعد لم يسمع من
أبي هريرة .
وطريق آخر أخرجه الحاكم في ((المستدرك)» (٣)، عن ابن عيينة ، عن
منصور ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، فذكره ، وقال : حديث
صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .
وطريق آخر أخرجه البزار في (( مسنده )) ، عن إسرائيل ، عن منصور ،
(١) طمس في الأصل قدر نصف سطر .
(٢) انظر: نصب الراية (٣٩٩/٢ - ٤٠٠).
(٣) (٤٠٧/١) .
-٣٧٦-

عن سالم بن أبي الجعد ، عن أبي هريرة ، وقال البزار : وهذا الحديث
رواه ابن عيينة ، عن منصور ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ،
والصواب حديث إسرائيل ، وقد تابع إسرائيل على روايته أبو حصين ،
فرواه عن سالم ، عن أبي هريرة ، ثم أخرجه كذلك ، وهذا مخالف
لكلام الحاكم .
وروى الترمذي (١) : نا علي بن سعيد الكندي ، نا عبد الرحيم بن
سليمان ، عن مجالد، عن الشعبي ، عن حُبشيٍّ (٢) بن جنادة السلولي،
قال : سمعت رسول الله - عليه السلام - وهو واقف بعرفة في حجة
الوداع، وقد أتاه أعرابي فسأله رداءه، فأعطاه إياه، قال: (( إن المسألة لا
تحل لغني ، ولا لذي مرة سوي ))، وقال : غريب من هذا الوجه .
ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٣): حدّثنا عبد الرحيم به، ومن
طريقه الطبراني في (( معجمه)) (٤) .
قوله : (( ورواه شعبة ، عن سعد )) أي : روى الحديث المذكور شعبة ،
عن سعد بن إبراهيم، قال: ((لذي مرة قوي))، (( (٥) وأخرج
الطبراني(٦) في ((سنته))، عن الوازع بن نافع ، عن أبي سلمة ، عن
جابر بن عبد الله، قال: (( جاءت رسول الله صدقة ، فركبه الناس ،
فقال : إنها لا تصلح لغني ، ولا لصحيح سوي ، ولا لعامل قوي)).
انتهى. والوازع بن نافع قال ابن حبان في كتاب ((الضعفاء »: يروي
الموضوعات عن الثقات على قلة روايته ، ويشبه أنه لم يتعمدها ، بل وقع
ذلك في روايته لكثرة وهمه ، فبطل الاحتجاج به . انتهى كلامه .
(١) كتاب الزكاة، باب: ما جاء من لا تحل له الصدقة (٦٥٣).
(٢) تصحف في جامع الترمذي إلى ((حبيشي)).
(٣) (٥٦/٣).
(٤) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية .
(٥) انظر: نصب الراية (٤٠٠/٢).
(٦) كذا، وفي نصب الراية: ((وأخرج الدارقطني))، والحديث في سنن الدارقطني
(١١٩/٢)، ولم أجده في معاجم الطبراني الثلاثة ، فالله أعلم.
-٣٧٧-

ورواه أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في (( تاريخ جرجان )) من
حديث محمد بن الفضيل (١) بن حاتم : حدَّثنا إسماعيل بن بهرام
الكوفي، حدَّثني محمد بن جعفر ، عن أبيه ، عن جده ، عن جابر
مرفوعاً: (( لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي)).
ورواه أبو يعلى الموصلي في ((مسنده )): من حديث إسماعيل بن يعلى
ابن أمية الثقفي، عن نافع، عن أسلم مولى عمر، عن طلحة بن عبيد الله،
عن النبي - عليه السلام - قال: (( لا تحل الصدقة لغني ، ولا لذي مرة
سوي )) .
ورواه ابن عدي في ((الكامل)) (٢)، وقال: لا أعلم أحداً رواه بهذا
الإسناد غير أبي أمية بن يعلى ، وضعفه عن : ابن معين ، والنسائي ،
ولينه عن البخاري ، ووثّقه عن شعبة ، ثم قال : وهو من جملة الضعفاء
الذين يكتب حديثهم )) (٣).
ص - قال: والأحاديثُ الأُخَرُ، عن النبيِّ - عليه السلام - بعضُها : ((لذي
مِرَّةٍ قَوِيٌّ))، وبعضُها: ((لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ)).
ش - أي : قال أبو داود -رحمه الله- ، وقد ذكرنا اختلاف الطرق فيه.
ص - قال عطاء بن زهير: إنه لقي عبد الله بن عمرو، فقال: ((إن الصدقة
لا تحل لقوي ، ولا لذي مرة سوي )» .
ش - أشار بهذا التعليق إلى أن هذا الحديث موقوف عند البعض ،
وعطاء بن زهير ذكره ابن حبان في (( الثقات))، وقال : عطاء بن زهير بن
الأصبع العامري . روى عن: ابن عمر [ و] . روى عنه : الأخضر بن
عجلان ، وهو الذي يقال له ابن الأصبع .
(١) كذا، وفي ((تاريخ جرجان)) (ص/٣٦٧)، و((نصب الراية)): ((الفضل)).
(٢) (٥١٤/١، ترجمة إسماعيل بن يعلى بن أمية).
(٣) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
-٣٧٨-

٢٣ - باب : من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني
أي : هذا باب في بيان حكم من يجوز له أخذ الصدقة ، والحال أنه
غني .
١٧٥٥ - ص - نا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن زيد بنٍ أسلم ،
/ عن عطاء بن يسار، أن رسولَ الله - عليه السلام - قال: ((لا تَحلّ الصدقةُ
لِغَنِيٌّ إلا لخمسة: لغازي (١) في سبيلِ الله، أو لعامل عليها، أو لغارمٍ ، أو
لرجل اشتراها بماله، أو رجل (٢) كان له جارٌ مسكينٌّ فتصدقَ على المسكين
فَأَهْدَاهًا المسكينُ للَغَنِيِّ)) (٣).
[٢٥٦/٢-٢].
ش - هذا مرسل ، به استدل الشافعي أن الزكاة يجوز دفعها إلى الغازي
- وإن كان غنيا- وهو قول مالك ، وأحمد ، وإسحاق . وقال أبو حنيفة،
وأصحابه: لا يجوز ذلك لإطلاق، لقوله - عليه السلام -: (( لا تحل
الصدقة لغني))، والمراد من قوله: ((لغازي في سبيل الله )) هو الغازي
الغني بقوة البدن ، والقدرة على الكسب لا الغني بالنصاب الشرعي ،
بدليل حديث معاذ: (( وردها في فقرائهم)).
قوله: ((أو لعامل عليها)) أي: على الزكاة ، وقال أصحابنا : العامل
يدفع إليه الإمام إن عمل بقدر عمله ، فيعطيه ما يسعه وأعوانه ؛ لأن
استحقاقه بطريق الكفاية ، ولهذا يأخذ - وإن كان غنيا - ويستثنى منه
العامل الهاشمي تنزيهاً ، لقرابة الرسول عن شبهة الوسخ .
وقال الخطابي (٤) : وأما العامل فإنه يعطى منها عمالة على قدر عمله
وأجرة مثله ، فسواء كان غنيا أو فقيراً ، فإنه يستحق العمالة إذا لم يفعله
متطوعاً)).
ونقل صاحب ((الهداية)) عن الشافعي أن الذي يعطى للعامل مقدر
بالثمن .
(١) في سنن أبي داود: ((لغازِ)).
(٣) تفرد به أبو داود .
(٢) في سنن أبي داود: ((لرجل)).
(٤) معالم السنن (٥٥/٢).
-٣٧٩-

قوله: (( أو لغارم)) الغارم : من لزمه دين ، ولا يملك نصاباً فاضلاً عن
دينه، كذا فسره صاحب ((الهداية))، ثم قال : وقال الشافعي : من
تحمل غرامة في إصلاح ذات البين ، وإطفاء النائرة بين القبيلتين .
وقال الخطابي (١) : وأما الغارم الغني فهو : الرجل يتحمل الحمالة
ويدان في المعروف ، وإصلاح ذات البين ، وله مال إن يقع فيها افتقر فيُوَفَّرُ
عليه ماله ، ويعطى من الصدقة ما يقضي به دينه ، وأما الغارم الذي يدان
لنفسه وهو معسر ، فلا يدخل في هذا المعنى ؛ لأنه من جملة الفقراء.
انتهى .
فإن قيل: ما فسره صاحب ((الهداية)) لا يطلق إلا على الفقير ، وهو
ليس له دخل في هذا الباب ؛ لأن الكلام في الغارم الغني ، كما دل عليه
عبارة الحديث ، وكما بينه الخطابي . قلت : ليس الأمر كما ذكرتم ؛ لأن
الغارم الذي فسره صاحب ((الهداية)) إنما هو فقير بالنظر إلى نفس الأمر،
أعني عند مقابلة موجوده وما يملكه بسائر ديونه ، وأما بالنظر إلى الظاهر
فيطلق عليه أنه غني غارم فح (٢) يصح الاستثناء ، ويكون المعنى: تحمل
الصدقة للغارم الغني في الصورة ، وإن كان فقيراً في نفس الأمر بالمعنى
الذي ذكرناه - كما قلنا - : إن المراد بالغازي الغني : الغني بالقوة والقدرة
على الكسب ، فافهم .
قوله: (( أو لرجل اشتراها)) أي: اشترى الصدقة بماله، والمعنى : إن
المتصدق إذا تصدق بالشيء ، ثم اشتراه من المدفوع إليه ، فإن البيع جائز،
وقد كرهه أكثر العلماء مع تجويزهم البيع في ذلك . وقال مالك : إن
اشتراه فالبيع مفسوخ ، وقد مر الكلام فيه مرة مستوفى .
قوله: ((أو رجل كان له جار مسكين)) برفع («مسكين)) على أنه
صفة للجار ، الذي ارتفع بأنه اسم كان ، وإنما جاز في هذه الصورة
لأن المهدي له الصدقة إذا ملكها ، فقد خرجت أن تكون صدقة ،
(١) نفسه .
(٢) أي: ((فحينئذ)).
-٣٨٠-