Indexed OCR Text

Pages 221-240

الصحيح ، وقيل : حلي من الحجارة ، وقيل : الأوضاح الخلاخل ، وهذا
الحديث من جملة الأحاديث التي استدلت بها أصحابنا في وجوب الزكاة
في حلي النساء من الذهب، والفضة (١) وأخرجه الحاكم في
((المستدرك))(٢): عن محمد بن مهاجر ، عن ثابت به ، وقال: صحيح
على شرط البخاري، ولم يخرجاه ولفظه: (( إذا أدیت زكاته فليس بكنز))
وكذلك رواه الدارقطني (٣)، ثم البيهقي في ((سننهما)) (٤) ، قال
البيهقي: تفرد به ثابت بن عجلان، قال في (( تنقيح التحقيق )): وهذا لا
يضر ، فإن ثابت بن عجلان روى له البخاري ، ووثقه ابن معين ، وقال
ابن الجوزي في (( التحقيق)) : محمد بن مهاجر ، قال ابن حبان : يضع
الحديث على الثقات، قال في ((التنقيح)): وهذا وهم ، فإن محمد بن
مهاجر الكذاب ليس هو هذا ، فهذا الذي يروي عن ثابت بن عجلان،
ثقة شامي ، أخرج له مسلم في « صحيحه )) ، ووثقه أحمد ، وابن معين،
وأبو زرعة ، ودحيم ، وأبو داود وغيرهم ، وقال النسائي : ليس به بأس،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال : كان متقنا ، وأما محمد بن
مهاجر الكذاب ، فإنه متأخر في زمان ابن معين ، وعتاب بن بشير وثقه
ابن معين ، وروى له البخاري متابعة (٥) .
٤ - باب : في زكاة الحلي
أي : هذا باب في بيان (٦) زكاة الحلي، الحُلِيُّ - بضم الحاء ، وكسر
/ اللام، وتشديد الياء - جمع حَلْي - بفتح الحاء، وسكون اللام - وهو [٢٢٥/٢ -ب]
اسم لكل ما يزين به من مصاغ الذهب ، والفضة ، وأما الحليةُ فجمعها
حِلَى مثل لحية ولحى .
(١) نصب الراية (٣٧٢/٢).
(٣) (١٠٥/٢).
(٢) (١/ ٣٩٠).
(٤) (٨٣/٤، ١٤٠).
(٥) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية .
(٦) في الأصل (( بيان في)).
- ٢٢١ -

١٦٨٤ - ص - نا أبو كامل ، وحميد بن مسعدة - المعنى - أن خالد بن
الحارث حدثهم، قال : نا حسين ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده
((أَنَّ امرأةٌ أَنْتْ رسولَ اللهِهِ ومعها بنتٌ(١) لها ، وفي يد ابْنَتَهَا مَسَكَتَان
غليظَتَان من ذَهب ، فقال لها: أَتُعْطين زكاةَ هذا؟ قالتْ: لا، قال: أَيَسُرُّكَ
أن يُسَوِّرَك اللهُ بهما يومَ القيامة سوَارَين من نَار؟ قال: فَخَلَعَتْهُمَا ، فَأَلْقَتْهُما
إلى النبيِّ - عليه السلام - وقالَتَّ: هُمَاَ هِ (٢) وَلَرَسُولِهِ)) (٣).
ش - أبو كامل فضيل بن الحسين الجحدري ، وحميد بن مسعدة الشامي
أبو علي ، والحسين بن ذكوان المعلم .
قوله: (( مسكتان)) تثنية مسكة، والمسكَةُ - بفتح الميم ، وفتح السين
والكاف - : السوار من الدبل ، وهي قرون الأوعال ، وقيل : جلود دابة
بحرية ، والجمع : مسك ، وقيل : أسورة من دبل ، أو عاج ، والدبل :
ظهر السلحفاة البحرية .
قوله: ((أيسرك ؟)) الهمزة فيه للاستفهام ، وهذا تأويل قوله - عز
وجل-
: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ
وَجُنُوبُهُمْ﴾ (٤) .
قوله: ((بهما)) أي: بسببهما، أو بمقابلتهما، والحديث حجة لأبي حنيفة
وأصحابه في وجوب الزكاة في الحلي .
(((٥) وقد اختلف الناس فيه ، فروي عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله
ابن مسعود ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس : أنهم أوجبوا فيه
الزكاة، وهو قول ابن المسيب ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، وابن سيرين،
وجابر بن زيد ، ومجاهد ، والزهري ، وإليه ذهب الثوري وأبو حنيفة
(١) في سنن أبي داود: (( ابنة)).
(٢) في سنن أبي داود (( عز وجل)).
(٣) النسائي: كتاب الزكاة، باب: زكاة الحلي (٣٨/٥).
(٤) سورة التوبة : (٣٥) .
(٥) انظر: معالم السنن (١٥/٢).
٠٫٠٪
- ٢٢٢-

وأصحابه ، ورُوي عن ابن عمر ، وجابر بن عبد الله ، وعائشة ، وعن
القاسم بن محمد ، والشعبي أنهم لم يروا فيه الزكاة ، وإليه ذهب :
مالك، وأحمد ، وإسحاق ، وهو أظهر قولي الشافعي ، والحديث حجة
عليهم ، وقال الخطابي : الظاهر من الكتاب يشهد لقول من أوجبها ،
والأثر يؤيده ، ومن أسقطها ذهب إلى النظر ، ومعه طرف من الأثر ،
والاحتياط أداؤها)).
قلت: (((١) روى ابن الجوزي في ((التحقيق)) بسنده عن عافية بن
أيوب ، عن ليث بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي
-عليه السلام - قال: ((ليس في الحلي زكاة)) قال البيهقي في ((المعرفة)) :.
وما يروى عن عافية بن أيوب ، عن الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر
مرفوعاً: (( ليس في الحلي زكاة )) فباطل ، لا أصل له ، إنما يروى عن
جابر ، عن قوله ، وعافية بن أيوب مجهول ، فمن احتج به مرفوعا كان
مغرورا بدينه ، داخلا فيما يعيب به المخالفين من الاحتجاج برواية
الكذابين، وروى عبد الرزاق : أنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ،
قال: ((لا زكاة في الحلي)).
وروى مالك في ((الموطأ)) (٢): عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن
أبيه : ((أن عائشة كانت تلي بنات أختها ، يتامى في حجرها ، فلا تخرج
من حليهن الزكاة )) .
وأخرج الدارقطني (٣): عن شريك، عن علي بن سليمان، قال :
((سألت أنس بن مالك عن الحلي ؟ فقال: ليس فيه زكاة )).
وروى الشافعي (٤) ، ثم البيهقي (٥) من جهته : أنا سفيان ، عن
(١) انظر: نصب الراية (٣٦٧/٢: ٣٧٥).
(٢) كتاب الزكاة، باب: ما لا زكاة فيه من الحلي والتبر والعنبر (١٠).
(٤) كتاب الأم (٣٥/٢).
(٣) (١٠٩/٢).
(٥) السنن الكبرى (١٣٨/٤).
- ٢٢٣-

عمرو بن دينار ، قال : سمعت ابن خالد ، يسأل جابر بن عبد الله عن
الحلي، أفيه زكاة؟ فقال جابر: ((لا، وإن كان يبلغ ألف دينار)).
وأخرج الدار قطني (١) : عن هشام بن عروة ، عن فاطمة بنت المنذر ،
عن أسماء بنت أبي بكر (( أنها كانت تحلي بناتها الذهب ولا تزكيه ، نحوا
من خمسين ألفاً » .
ولنا أحاديث عامة ، وأحاديث خاصة ، فالعامة حديث الخدري : ((ليس
فيما دون خمس أواق صدقة)) أخرجاه في (( الصحيحين)) - كما مر -
ولمسلم عن جابر نحوه .
وحديث علي: (( هاتوا صدقة الرقة ، من كل أربعين درهما درهم ))
رواه أصحاب السنن الأربعة ، قال ابن قتيبة : الرقة : الفضة ، سواء كانت
دراهم، أو غيرها ، وفي كتاب عمرو بن حزم: (( وفي كل خمس أواق
من الورق خمسة دراهم ، وفي كل أربعين دينارا دينار )) رواه النسائي ،
وابن حبان ، والحاكم ، وغير ذلك من الأحاديث .
وأما الخاصة : فمنها الحديث المذكور - أعني حديث عمرو بن شعيب -
[٢٢٦/٢-١) ورواه النسائي أيضا بنحوه، وقال (٢): ولا يصح في هذا الباب / عن
النبي - عليه السلام - شيء [ .... ] (٣).
قال المنذري في (( مختصره )) : إسناده لا مقال فيه ، فإن أبا داود رواه
عن أبي كامل الجحدري ، وحميد بن مسعدة ، وهما من الثقات احتج
بهما مسلم ، وخالد بن الحارث إمام فقيه احتج به البخاري ، ومسلم ،
وكذلك حسين بن ذكوان المعلم ، احتجا به في الصحيح ، ووثقه ابن
المديني ، وابن معين ، وأبو حاتم ، وعمرو بن شعيب ، فهو ممن قد
علم، وهذا إسناد تقوم به الحجة - إن شاء الله تعالى - وأخرجه النسائي
عن المعتمر بن سليمان ، عن حسين المعلم، عن عمرو، قال: (( جاءت
(١) (١٠٩/٢) .
(٢) يعني : الترمذي .
(٣) طمس في الأصل قدر نصف سطر .
-٢٢٤-

امرأة)) فذكره مرسلا ، قال النسائي : وخالد أثبت عندنا من معتمر ،
وحديث معتمر أولى بالصواب . طريق آخر : أخرجه الترمذي ، عن ابن
لهيعة ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: ((أتت
امرأتان رسول الله - عليه السلام - وفي أيديهما سواران من ذهب ، فقال
لهما : أتؤديان زكاة هذا ، قالتا : لا ، فقال : أتحبان أن يسوركما الله
بسوارين من نار ؟ قالتا : لا ، قال : فأديا زكاته )) قال الترمذي : ورواه
المثنى بن الصباح ، عن عمرو بن شعيب ، نحو هذا ، وابن لهيعة ،
والمثنى بن الصباح يضعفان في الحديث ، ولا يصح في هذا الباب عن النبي
- عليه السلام - شيء ، انتهى .
قال المنذري : لعل الترمذي قصد الطريقين اللذين ذكرهما ، وإلا فطريق
أبي داود لا مقال فيها ، انتهى .
وقال ابن القطان بعد تصحيحه لحديث أبي داود : وإنما ضعف الترمذي
هذا الحديث ، لأن عنده فيه ضعيفين : ابن لهيعة ، والمثنى بن الصباح ،
انتهى .
وبسند الترمذي رواه أحمد ، وابن أبي شيبة ، وإسحاق بن راهويه في
((مسانيدهم))، وألفاظهم: ((قال لهما : فأديا زكاة هذا الذي في أيديكما))
وهذا اللفظ يدفع تأويل من يحمله على أن الزكاة المذكورة فيه شرعت
للزائد فيه على قدر الحاجة .
ومنها ما رواه أبو داود من حديث أم سلمة ، وقد ذكرنا .
ومنها ما رواه من حديث عائشة ، على ما نذكره الآن .
ومنها ما رواه أحمد في ((مسنده)) (١) : نا علي بن عاصم، عن عبدالله
ابن عثمان بن خثيم ، عن شهر بن حوشب ، عن أسماء بنت يزيد،
قالت: (( دخلت أنا وخالتي على النبي - عليه السلام - وعلينا أسورة من
بـ
(١) (٦/ ٤٦١) .
١٥ • شرح سنن أبي داوود ٦
-٢٢٥-

ذهب ، فقال لنا : أتعطيان زكاته ؟ فقلنا : لا ، قال : أما تخافان أن
يسوركما الله أسورة من نار ؟ ! أديا زكاته )).
قال ابن الجوزي : وعلي بن عاصم رماه يزيد بن هارون بالكذب ،
وعبد الله بن خثيم ، قال ابن معين : أحاديثه ليست بالقوية ، وشهر بن
حوشب ، قال ابن عدي : لا يحتج بحديثه وقال ابن حبان : کان يروي
عن الثقات المعضلات)) (١).
قلت : ذكر في ((الكمال)): وسئل أحمد بن حنبل عنه ؟ أي : علي
ابن عاصم ، فقال : هو والله عندي ثقة ، وأنا أحدث عنه ، وعبد الله بن
خثيم ، قال ابن معين : هو ثقة حجة ، وقال أحمد بن عبد الله : ثقة ،
وشهر بن حوشب ، قال : قال أحمد : ما أحسن حديثه ، ووثقه ، وقال
أحمد بن عبد الله : هو تابعي ثقة ، وعن يحيى : هو ثقة ، وقال أبو
زرعة : لا بأس به ، وقال محمد : شهر حسن الحديث ، وقوى أمره ،
وقال : إنما يتكلم فيه ابن عون ، وقال يعقوب بن شيبة : هو ثقة ، فظهر
بهذا الكلام سقوط كلام ابن الجوزي، وصحة الحديث. (((٢) ومنها ما
رواه الدارقطني في «سننه)) (٣): عن نصر بن مزاحم ، عن أبي بكر
الهذلي ، نا شعيب بن الحبحاب ، عن الشعبي ، قال : سمعت فاطمة
بنت قيس، تقول: (( أتيت النبي - عليه السلام - بطوق فيه سبعون مثقالا
من ذهب ، فقلت : يا رسول الله ، خذ منه الفريضة ، فأخذ منه مثقالا ،
وثلاثة أرباع مثقال )) قال الدارقطني : أبو بكر الهذلي متروك ، ولم يأت به
غيره .
ومنها ما رواه الدار قطني (٤) أيضاً ، عن يحيى بن أبي أنيسة ، عن حماد ،
عن إبراهيم ، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: (( قلت للنبي - عليه
السلام - : إن لامرأتي حليا من ذهب عشرين مثقالا ، قال : فأد زكاته
نصف مثقال )) .
(١) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(٢) انظر: نصب الراية (٣٧٣/٢ - ٣٧٤).
(٣) (١٠٦/٢ - ١٠٧) .
(٤) (١٠٨/٢) .
-٢٢٦-

ثم أخرجه (١) عن قبيصة ، عن علقمة، عن عبد الله ((أن امرأة أتت
النبي - عليه السلام - فقالت : إن لي حليا ، وإن زوجي خفيف (٢) ذات
اليد أفيجزئ عني (٣) أن أجعل زكاة الحلي؟ قال: نعم)).
قال الدارقطني : والحديثان وهم، والصواب: عن إبراهيم، عن عبد الله
مرسل موقوف، وقال / ابن القطان في (( كتابه)): وروى من هو أحفظ [٢٢٦/٢ -ب]
منه فوقفه ، وقال الشيخ في ((الإمام)): وقبيصة بن عقبة مخرج له في
الصحيح ، وقد أکثر البخاري عنه في « صحيحه » .
ومنها ما رواه الدارقطني (٤) أيضا ، عن أبي حمزة ، عن الشعبي ، عن
فاطمة بنت قيس ، أن النبي - عليه السلام - قال: (( في الحلي زكاة)) قال
الدارقطني : وأبو حمزة هذا ضعيف الحديث ، وقال ابن الجوزي في
((التحقيق)): وقال أحمد: وهو متروك ، وقال ابن معين: ليس بشيء ،
وقال النسائي : ليس بثقة .
-٠١٠ ٫٣
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٥) : حدثنا وكيع ، عن
مساور الوراق ، عن شعيب بن يسار ، قال: (( كتب عمر بن الخطاب إلى
أبي موسى : أن مر من قبلك من نساء المسلمين أن يزكين حليهن ، ولا
يجعلن الزيادة والهدية بدين تعارضا)) قال البخاري في ((تاريخه)): هو
مرسل .
ومنها ما رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) : عن ابن مسعود ، قال : ((في
الحلي الزكاة)) ومن طريقه رواه الطبراني في (( معجمه)).
ومنها ما رواه الدارقطني (٦) ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن
جده عبد الله بن عمرو: (( أنه كان يكتب إلى سالم أن يخرج زكاة حلي
بناته كل سنة )) .
-
(١) نفسه .
(٢) في الأصل: (( حصرف)).
(٣) في الأصل: ((أفيجز عني عني)) كذا .
(٤) (٢/ ١٠٧) .
(٦) (١٠٧/٢).
(٥) (٢٧/٣) .
-٢٢٧-

ورواه ابن أبي شيبة : نا وكيع ، عن جرير بن حازم ، عن عمرو بن
شعيب، عن عبد الله بن عمرو: (( أنه كان يأمر نساءه أن يزكين حليهن)).
وأخرج عن عطاء ، وإبراهيم النخعي ، وسعيد بن جبير ، وطاوس ،
وعبد الله بن شداد، أنهم قالوا : (( في الحلي الزكاة )) زاد ابن شداد :
(حتى في الخاتم)).
وأخرج عن عطاء أيضا ، وإبراهيم النخعي ، أنهم قالوا : (( مضت
السنة أن في الحلي: الذهب، والفضة، الزكاة )) (١).
١٦٨٥ - ص - نا محمد بن إدريس (٢) الرازي ، نا عمرو بن الربيع بن
طارق ، نا يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، عن محمد بن عمرو
ابن عطاء أخبره ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، أنه قال: (( دَخَلْنَا على
عَائشَةَ زَوجِ النبيِّ - عليه السلام - فقالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ الله فَرآی فِي
يَدِي فَتَخَات من وَرَق ، فقال: ما هذا يا عائشةُ؟ فقلتُ: صَنَعْتُهُنَّ، أَنَزَّيَّنُ
لكَ يا رسولِ الله، قالَ: أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهُنَّ؟ قلتُ: لا، أو مَا شاءَ اللهُ، قال: هو
حَسْبُكِ من النّارِ)) (٣) (٤)
ش - يحيى بن أيوب الغافقي المصري، وعبيد الله بن أبي جعفر أبو بكر
الفقيه المصري .
قوله: ((فتخات)) بفتح التاء ، وبالخاء المعجمة جمع فتخة بالتحريك ،
حلقة من فضة لا فص لها ، فإذا كان فيها فص فهي الخاتم ، وقال
(١) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(٢) في الأصل ((محمد بن عمرو)) خطأ ، ولعله انتقل نظره إلى محمد بن عمرو
الآتي في السند .
(٣) جاء في سنن أبي داود بعد هذا الحديث حديث (١٥٦٦) ولم يأت في نسخة
المصنف ، وهو : حدثنا صفوان بن صالح ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا
سفيان ، عن عمر بن يعلى ، فذكر الحديث نحو حديث الخاتم . قيل لسفيان:
كيف تزكيه ؟ قال : تضمه إلى غيره .
(٤) تفرد به أبو داود .
-٢٢٨-

عبد الرزاق : هي الخواتيم العظام ، وقال غيره : الفتحة : حلقة من
ذهب، أو فضة ، لا فص لها ، وربما اتخذ لها فص كالخاتم ، وقيل :
خواتيم عراض الفصوص ، ليست بمستقيمة ، وقيل : جُلْجُلٌ لا جرس
له، والفتخ يلبس في الأيدي ، وقيل : يلبس في الأرجل .
قوله: (( من ورق)) أي : من فضة ، وفيه ثلاث لغات : ورَق ،
وورق، ووَرْق ، ككبد ، وكبد ، وكبد ، والورق الدراهم المضروبة ،
وكذلك الرقة ، وقيل : الورق المسكوك خاصة ، والرقة : الفضة ، كيفما
كانت ، وقيل : الورق والرقة سواء يقعان على مسكوك وغير مسكوك ،
وقيل : لا يقال لما لم يضرب من الدراهم ورق ، وإنما يقال له : فضة .
قوله: ((هو حسبك)) أي: كافيك، و((١١) الحديث أخرجه : الحاكم
في ((المستدرك)) (٢): عن محمد بن عمرو بن عطاء به ، وقال : صحيح
على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه، وأخرجه الدارقطني في «سننه»(٣)،
عن محمد بن عطاء به . نسبه إلى جده دون أبيه ، ثم قال : ومحمد بن
عطاء مجهول ، قال البيهقي في ((المعرفة )) : هو محمد بن عمرو بن
عطاء لكنه لما نسب إلى جده ظن الدارقطني أنه مجهول ، وليس كذلك ،
انتهى .
وتبع الدارقطني في تجهيل محمد بن عطاء : عبد الحق في ((أحكامه))،
وتعقبه ابن القطان ، فقال : إنه لما نسب في سند الدار قطني إلى جده خفِي
على (٤) الدارقطني أمره ، فجعله مجهولا ، وتبعه عبد الحق في ذلك ،
وإنما محمد بن عمرو بن عطاء أحد الثقات ، وقد جاء مبينا عند أبي داود،
بَيَّنَهُ شيخُهُ محمد بن إدريس الرازي ، وهو : أبو حاتم الرازي إمام الجرح
والتعديل ، وقال الشيخ في ( الإمام )) : ویحیی بن أيوب أخرج له مسلم،
وعبيد الله بن أبي جعفر من رجال الصحيحين ، وكذلك عبد الله بن
شداد، والحديث على شرط مسلم )) .
(١) انظر: نصب الراية (٢/ ٣٧١).
(٢) (٣٨٩/١).
(٣) (١٠٥/٢ - ١٠٦)، والبيهقى كذلك (١٣٩/٤).
(٤) في الأصل (( إلى)) وما أثبتناه من نصب الراية.
-٢٢٩-

قلت : فعلى هذا قول الترمذي : ولا يصح في هذا الباب عن النبي
[٢٢٧/٢-١١ - عليه السلام - شيء ، / معناه فيما أخرجه هو في كتابه ، ولا يلزم من
عدم ثبوت الصحة عنده عدم ذلك عند غيره ، فافهم .
٥ - باب : في زكاة السائمة
أي : هذا باب في بيان وجوب الزكاة ، وكيفيتها في السائمة ،
والسائمة: هي التي تكتفي بالرعي في أكثر حولها ، فإن علفها نصف
الحول أو أكثر فليست بسائمة ، لأن أربابها لابد لهم من العلف أيام الثلج،
والشتاء ، فاعتبر الأكثر ، ليكون غالبا ، وعند الشافعي : إذا أعلفها ثلاثة
أيام ينقطع السوم ، وعند مالك : لا يشترط السوم في المواشي .
١٦٨٦ - ص - نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، قال: أَخذتُ من ثُمامةً
ابنِ عبدِ اللهِ بنِ أنسٍ كتاباً ، زَعَمَ أنَّ أبا بكر كَتَبَهُ لأنس ، وعليه خَاتَمُ
رسول الله - عليه السلام - حين بَعَثَهُ مُصَدَّفاً، وكَتَبَهُ له، فإذا فيه: (( هَذه
فَرِيضَةُ الصَدَقَةِ التي فَرَضَهَاَ رسولُ الله - عليه السلام - عَلَى المسلمينَ ، التي
أَمَّرَ اللهُ بها نَبِيَّهُ - عليه السلام - فَمَنْ سُئِلَهَا من المسلمينَ على وَجْهِهَا
فَلْيُعْطِهَا ومَن سُئُلَ فَوقَها فلا يُعْطِيه (١) : فيمَا دُونَ خَمْس وعشرينَ من الإبل
الغَتمُ، في كلٌّ خمس ذَود شَاءٌ، فإذا بَّلَغَتْ خمساً وَعشَرِينَ ففيها بِئْتُ
مَخَاضِ إلى أن تَبْلُغَ خمسًاً وثلاثينَ ، فإن لم يكُنْ فيها بنتُ مَخَاضٍ فَابنُ
لُبُون ذَكِّر ، فإذا بَلَغَتْ ستا وثلاثينَ ففيها بنتُ لَبون إلى خمس وأربعينَ ، فإذا
بلَغَتْ ستّا وأربعينَ ففيها حقةٌ طَرُوقةُ الفحلِ إلى ستينَ ، فإذا بلغتْ إحدَى
وستينَ ففيها جَذَعَةٌ إلى خمس وسَبَعِينَ ، فإذا بَلَغتْ ستا وسَبعينَ ففيها ابنتا
لبون إلى تسعينَ، فإذا بلَغتْ إحدَى وتسعينَ ففيها حقَّتَانِ طَرُوقَتَاَ الفَحْلِ إلى
عشرينَ ومائة ، فإذا زَادَتْ على عشرينَ ومائة ففي كلِّ أَرْبَعِينَ بنتُ لبون ،
(١) كذا، وفي سنن أبي داود: ((يعطه)).
- ٢٣٠-

وفي كل خمسينَ حقَّةٌ ، فإذا تَبَايَنَ أَسْنَانُ الإِبلِ فِي فَرائضِ الصَّدَقَاتِ ، فَمَنْ
بَلَغتْ عندَهُ صَدَقَةُ الْجَذَعَة وليستْ عندَه جَذَّعَّةٌ وعندَهَ حقَّةٌ فإنها تُقْبَلُ منْه،
وأن يَجْعَلَ معها شاتين - إن اسْتَيْسَرَتَا له - أو عشرينَ درهماً، ومَن بلَغَتْ
عندَه صَدَقَةُ الحقَّة وليسَتْ عندَهُ حقَّةٌ وعندَهُ جَذَعَةٌ ، فإنهاَ تُقْبَلُ منه ، ويُعطيه
المُصَّدِّقُ عِشرينَ دَرْهَماً، أو شاتينَ ، ومَن بلغتْ عندَهُ صَدَقَةُ الحقَّة ، وليسََّ
عندَهُ حقَّةٌ، وعندهَ بنتُ (١) لبون، فإنها تُقْبَلُ منهُ)).
قال أبو داودَ: ومِنْ ها هنا لم أضْبِطُهُ عن موسى كما أُحِبُّ(( وَيَجْعَلُ مَعها
شَاتين - إن اسْتَيْسَرَتَا له - أو عشرينَ درهماً ، ومَن بلغتْ عندَه صَدَقَةُ بنت
لُبُون، وليستْ عندَهُ إلا حقَّةٌ، فإنها تُقْبَلُّ)) - إلى ها هنا (٢)، ثم أتقنت (٣)-
ويُعَطِيهِ الْمُصَّدِّقُ عشرينَ درهماً، أو شَاتين ، ومَنْ بَلَغَتْ عندَهُ صَدَقَةُ بنت
لَبُونَ وليسَ عِندَهُ إلا بنتُ مَخَاضٍ ، فإنهَ تُقْبَلُ منه ، وشَّتينٍ أو عشرينَّ
درهَمَاً، ومَن بَلَغتْ عندَهُ صَدَقَةُ بنتَ (٤) مَخَاض وليسَ عِندَهُ إلا ابن لُبُون
ذَّكَر ، فإنها تُقْبَلُ منه (٥) وليسَ معه شيءٌ، ومَن لَمّ يكُنْ عِندَهُ إلا أربعٌ فليسٌّ
فيها شيءٌ، إلا أن يشاءَ رَبُّهَا، وفي سَائِمَةِ الغَنَمِ: إذا كانت أربعينَ ففيها شاةٌ
إلى عشرينَ ومائة ، فإذا زَادتْ على عشرينَ ومائة ففيها شَاتَان، إلى أن تَبْلُغَ
مائتين ، فإذا زادتْ على مائتينِ ففيها ثَلاثُ شيَاهَ إلى أن تَبلُغَ ثَلَثَمَائة ، فإذا
زَدتْ على ثَلَئِمَائة ففي كُلِّ مائة شاة شاةٌ ، ولاَ يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَة هَرَمَّةٌ ، ولا
ذَاتُ عَوَارِ مِنَ الغَثِّم ، ولا تَيْسُ الغَنَمِ، إلا أن يَشاءَ المصدِّقُ، وَلَا يُجْمَعُ بينَ
مُتَفَرِّق (٦)، ولا يُفَرَّقُ بينَ مُجْتَمَعِ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وما كانَ مِن خَلِيطَيْنِ
فإنهما يَتَرَجَعَانِ بينهما بالسَِّيَّةِ ، فَإن لم تَبْلُغْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ أربعينَ فليسَ
(١) في سنن أبي داود: ((ابنة)).
(٢) في سنن أبي داود: ((تقبل منه. قال أبو داود: إلى ها هنا)).
(٤) في سنن أبي داود: (( ابنة)).
(٣) في سنن أبي داود: (( أتقنته )).
(٥) في سنن أبي داود: ((فإنه يقبل منه)). (٦) في سنن أبي داود: ((مفترق))
- ٢٣١-

فيها شيءٌ إلا أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وفي الرِّقَةِ رُيُعُ العُشْرِ، فإن لم يكُنْ المالُ إلا
تسعينَ ومائة فليسَ فيها شيءٌ، إلا أنْ يشَاءَ رَبُّهَا)) (١) .
ش - حماد بن سلمة .
وثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري قاضيها ،
سمع: أنس بن مالك ، روى عنه : عبد الله بن عون ، ويزيد بن حميد
الضبعي ، ومعمر بن راشد ، وحماد بن سلمة ، وغيرهم ، قال أحمد بن
حنبل : ثقة ، وقال ابن عدي : له أحاديث عن أنس ، وأرجو أنه لا بأس
به ، وأحاديثه قريبة من غيره ، وهو صالح فيما يرويه عن أنس عندي ،
روى له الجماعة (٢) .
[٢٢٧/٢ -ب) قوله: ((وعليه خاتم رسول الله - عليه السلام -)) / أي : طابعه،
وعلامته ، لأن خاتم الكتاب يصونه ، ويمنع الناظرين عما في باطنه ،
وتفتح تاؤه وتكسر ، لغتين .
قوله: ((مصدقا)) نصب على الحال من الضمير المنصوب في ((بعثه))،
والمصدِّق : بكسر الدل المشددة ، وهو : عامل الزكاة الذي يستوفيها من
أربابها ، يقال : صدقهم ، يصدقهم ، فهو مصدق ، وقد جاءت اللغة
بتشديد الصاد والدال معا ، وكسر الدال في طالب [ ... ] (٣) وأنكره
[بعضهم ] (٤).
وقال الخطابي : المصدق بتخفيف الصاد : العامل .
قوله: (( هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله - عليه السلام - ))
ومعنى الفرض : الإيجاب ، وذلك أن الله تعالى قد أوجبها ، وأحكم
(١) البخاري: كتاب الزكاة، باب: العرض في الزكاة (١٤٤٨)، النسائي:
كتاب الزكاة ، باب : زكاة الإبل (١٩/٥، ٢٧)، ابن ماجه : كتاب الزكاة ،
باب: إذا أخذ المصدق سنا دون سن أو فوق سن (١٨٠٠) .
(٢) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٨٥٤/٤).
(٣) غير واضح في الإلحاق قدر كلمة .
(٤) غير واضحة في الإلحاق .
- ٢٣٢-

فرضها في كتابه العزيز ، ثم أمر رسوله بالتبليغ ، فأضيف الفرض إليه
بمعنى الدعاء إليه ، وحمل الناس عليه ، وقد فرض الله طاعته على الخلق،
فجاز أن يُسميَ أمره ، وتبليغه عن الله فرضا على هذا المعنى ، وقيل :
معنى الفرض هنا بيان التقدير ، ومنه فرض نفقة الأزواج ، وفرض أرزاق
الجند ، ومعناه راجع إلى قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١)،
وقيل : معنى الفرض هنا : السنة ، وعن ثعلب ، عن ابن الأعرابي :
الفرض : الواجب ، والفرض : القراءة ، يقال : فرضت حزبي ، أي :
قرأته ، والفرض : السنة ، ومنه ما روي أنه - عليه السلام - فرض كذا ،
أي : سنه .
قوله: (( فمن سئلها )) أي : فمن سئل الصدقة ، أي : الزكاة من
المسلمين ((على وجهها)) أي : على حسب ما سن رسول الله من فرض
مقاديرها ((فليعطها)).
قوله: ((ومن سئل فوقها)) أي فوق الفريضة (( فلا يعطيه)) والمعنى : لا
يعطي الزيادة على الواجب ، وقيل : لا يعطي شيئا من الزكاة لهذا
المصدق، لأنه خان بطلبه فوق الواجب ، فإذا ظهرت خيانته سقطت
طاعته، قال الخطابي (٢): ((وفي هذا دليل على أن الإمام ، والحاكم إذا
ظهر فسقهما بطل حكمهما )) .
قوله: ((فيما دون خمس وعشرين)) إلى آخره ، شروع في بيان كيفية (٣)
الفريضة ، وكيفية أخذها .
قوله: (( الغنم)) مبتدأ وخبره قوله : (( فيما دون خمس وعشرين )) وكلمة
((من)) في قوله: (( من الإبل)) بيانية.
قوله : (( في كل خمس ذود شاة )) بيان كون الغنم فيما دون الخمس
والعشرين، وارتفاع (( شاة)) على الابتداء، وخبره قوله: (( في كل خمس
ذود )) وتفسير (( الذود)» مر مستوفى.
(١) سورة النحل: (٤٤). (٢) معالم السنن (١٧/٢). (٣) في الأصل: ((أكيفية)).
-٢٣٣-

قوله: ((ففيها بنت مخاض)) (((١) المخاض : اسم للنوق الحوامل ،
واحدتها ((خَلفَة»، لا واحد لها من لفظها ، وبنت مخاض ، وابن
مخاض ما دخل في السنة الثانية ، لأن أمَّه لحقت بالمخاض ، وهي الحوامل
وإن لم تكن حاملا ، وقيل : هو الذي حملت أمه ، أو حملت الإبل التي
فيها أمه ، وإن لم تحمل هي ، وهذا هو المعنى في قولهم : ابن مخاض ،
لأن الناقة الواحدة لا تكون بنت نوق ، فالمراد أن يكون وضعتْهَا أمها في
وقت قد حملت النوق التي وضعن مع أمها ، وإن لم تكن أمها حاملا ،
فنسبتها إلى الجماعة بحكم مجاورتها أمها ، وإنما سمي ابن مخاض في
السنة الثانية ، لأن العرب إنما كانت تحمل الفحول على الإبل بعد وضعها
بسنة ليشتد ولدها ، فهي تحمل في السنة الثانية ومخض ، فيكون ولدها
ابن مخاض )) .
قوله: (( فابن لبون)) أي : ففيها ابن لبون ، وابن اللبون هو ولد الناقة
إذا استكمل الثانية ، ودخل في الثالثة ، لأن أمه قد وضعت غيره ، فصار
لها ابن وهو نكرة ، ويعرف بالألف واللام ، قال الشاعر :
لم يستطع صولة البُزْلِ القناعيس
وابن اللبون إذا ما لَزَّ في قَرَن
لزه يلزه لزا ، ولززا ، أي : شده وألصقه ، والقرن بفتح الراء : الحبل
الذي يقرن به البعيران ، والبزل بضم الباء الموحدة ، وسكون الزاي جمع
بازل ، وهو البعير الذي فطر نابه ، أي (٢) : انشق ذكرا كان أو أنثى ،
وذلك في السنة التاسعة ، وربما بزل في السنة الثامنة والقناعيس جمع
قنعاس ، والقنعاس من الإبل : العظيم .
قوله: (( ذكر)) مرفوع ، لأنه صفة للابن ، وإنما ذكر هذا تأكيدا ،
وقيل: احترازا من الخنثى ، فقد أطلق عليه الاسمان ، وقيل : تنبيها على
[٢٢٨/٢-١) نقص الذكورية في الزكاة مع ارتفاع السن، وقيل: لأن / الولد يقع على
-
(١) انظر: النهاية (٣٠٦/٤).
(٢) مكررة في الأصل .
-٢٣٤-

الذكر ، والأنثى ، ثم قد يوضع الابن موضع الولد فيتعين به عن الذكر
والأنثى، فعينه بذكر ليزول الالتباس، وقيل: لأن (( ابن)) يقال لذكر
بعض الحيوانات ، وإناثه ، كابن آوى ، وابن عرس ، لا يقال : بنت
آوى، ولا بنت عرس ، فرفع الإشكال بذكر الذكر .
قوله: (( حقة)) الحقة ، والحق هو الذي استكمل السنة الثالثة ، قاله
الهروي ، وقال غيره : هو ما كان ابن ثلاث سنين ، وقد دخل في
الرابعة، وقيل : هو ما دخل في السنة الرابعة إلى آخرها ، وسميت :
حقة، لأنها استحقت أن يضربها الفحل ، وقيل : لأنها تستحق الحمل
والركوب ، وقيل : لأن أمها استحقت الحمل من العام المقبل .
قوله: (( طروقة الفحل)) بالرفع ، لأنه صفة للحقة ، ومعناها : زوجة
الفحل ، وكل امرأة طروقة زوجها ، وكل ناقة طروقة فحلها ، واشتقاقها
من الطرق وهو ماء الفحل ، وقيل : هو الضراب ثم سمي به الماء ،
واستطراق الفحل استعارته للضراب ، وإطراقه إعارته .
قوله: (( ففيها جذعة)) الجذع من الإبل ما دخل في السنة الخامسة ،
والجذع اسم له في زمن ليس سن .
قوله: (( فإذا زادت على عشرين ومائة)) إلى هنا لا خلاف فيه بين الأئمة،
وعليها اتفقت الأخبار عن كتب الصدقات التي كتبها رسول الله - عليه
السلام - والخلاف فيما إذا زادت على مائة وعشرين ، فعندنا تستأنف
الفريضة ، فتكون في الخمس شاة مع الحقتين ، وفي العشر شاتان، وفي
خمس عشرة ثلاث شياه ، وفي العشرين أربع شياه ، وفي خمس وعشرين
بنت مخاض إلى مائة وخمسين ، فيكون فيها ثلاث حقاق، ثم تستأنف
الفريضة ، فيكون في الخمس شاة ، وفي العشر شاتان ، وفي خمس
عشرة ثلاث شياه ، وفي عشرين أربع شياه ، وفي خمس وعشرين بنت
مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون ، فإذا بلغت مائة وستا وتسعين
ففيها أربع حقاق إلى مائتين ، ثم تستأنف الفريضة أبدا كما تستأنف في
الخمسين التي بعد المائة والخمسين ، وهو قول إبراهيم النخعي ، وقد روي
-٢٣٥-

عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: (( إذا زادت الإبل على عشرين ومائة
استؤنفت الفريضة)) وقال الشافعي: ((إذا زادت على مائة وعشرين واحدة
ففيها ثلاث بنات لبون ، فإذا صارت مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون ،
ثم يدار الحساب على الأربعينات ، والخمسينات ، فيجب في كل أربعين
بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة )) وبه قال إسحاق بن راهويه ، وقال
أحمد: (( ليس في الزيادة شيء حتى يبلغ ثلاثين )) وجعلها من الأوقاص
التي تكون من الفرائض ، وهو قول أبي عبيد ، وحُكي ذلك عن مالك ،
وعن مالك، وأحمد في رواية: (( لو زادت عشرة على مائة وعشرين
ففيها حقة، وبنتالبون)) وعن مالك ((لو زادت واحدة على مائة وعشرين
فالخِيرةُ للساعي بين حقتين وثلاث بنات لبون )) وقال محمد بن جرير
الطبري: (( هو مخير ، إن شاء استأنف الفريضة إذا زادت الإبل على مائة
وعشرين وإن شاء أخرج الفرائض ، لأن الخبرين جميعاً قد رويا))،
واستدل الشافعي بهذا الحديث ، لأنه ذكر فيه: (( فإذا زادت على عشرين
ومائة ففي كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة )) .
واستدل أصحابنا بما رواه أبو داود في ((المراسيل)»، وإسحاق بن
راهويه في ((مسنده))، والطحاوي في ((مشكله))، عن حماد بن سلمة،
قلت لقيس بن سعد : خذ لي كتاب محمد بن عمرو بن حزم ، فأعطاني
كتابا ، أخبر أنه من أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، أن النبي -عليه
السلام - كتبه لجده ، فقرأته ، فكان فيه ذكر ما يخرج من فرائض الإبل ،
فقص الحديث إلى أن تبلغ عشرين ومائة (( فإذا كانت أكثر من عشرين ومائة
فإنه يعاد إلى أول فريضة الإبل ، وما كان أقل من خمس وعشرين ففيه
الغنم ، في كل خمس ذود شاة)) .
وأما الذي استدل به الشافعي فنحن قد عملنا به ، لأنا أوجبنا في
الأربعين بنت لبون ، فإن الواجب في الأربعين ما هو الواجب في ست
وثلاثين ، وكذلك أوجبنا في خمسين حقة ، وهذا الحديث لا يتعرض لنفي
[٢٢٨/٢ -ب] الواجب عما دونه، وإنما هو عمل / لمفهوم النص ، فنحن عملنا
بالنصين، وهو أعرض عن العمل بما روينا .
-٢٣٦-

فإن قيل : قال ابن الجوزي : هذا الحديث مرسل ، وقال هبة الله
الطبري : هذا الكتاب صحيفة ليس بسماع ، ولا يعرف أهل المدينة كلهم
عن كتاب عمرو بن حزم إلا مثل روايتنا ، رواها الزهري ، وابن المبارك ،
وأبو أويس ، كلهم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ،
عن جده ، مثل قولنا ، ثم لو تعارضت الروايتان عن عمرو بن حزم ،
بقيت روايتنا عن أبي بكر الصديق ، وهي في الصحيح ، وبها عمل
الخلفاء الأربعة ، وقال البيهقي : هذا حديث منقطع بين أبي بكر بن حزم
إلى النبي - عليه السلام - وقيس بن سعد أخذه عن كتاب ، لا عن سماع
وكذلك حماد بن سلمة أخذه عن كتاب ، لا عن سماع ، وقيس بن
سعد، وحماد بن سلمة وإن كانا من الثقات فروايتهما هذه تخالف رواية
الحفاظ عن كتاب عمرو بن حزم ، وغيره ، وحماد بن سلمة ساء حفظه
في آخر عمره ، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه ، ويتجنبون ما ينفرد
به، وخاصة عن قيس بن سعد ، وأمثاله .
قلنا: الأخذ من الكتاب حجة، صرح البيهقي في كتاب ((المدخل)):
إن الحجة تقوم بالكتاب وإن كان السماع أولى منه بالقبول ، والعجب من
البيهقي أنه يصرح بمثل هذا القول ، ثم ينفيه في الموضع الذي يقوم عليه
الحجة، وقوله: (( وبها عمل الخلفاء الأربعة )) غير مسلم ، لأن ابن
أبي شيبة روى في (( مصنفه)) : نا يحيى بن سعيد ، عن سفيان ، عن
أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، قال: ((إذا زادت الإبل
على عشرين ومائة يستقبل بها الفريضة )) ونا يحيى بن سعيد ، عن سفيان،
عن منصور ، عن إبراهيم مثله .
فإن قيل : قال البيهقي: قال الشافعي في (( كتابه القديم)): راوي هذا
مجهول ، عن علي - رضي الله عنه - وأكثر الرواة عن ذلك المجهول
يزعم أن الذي روى هذا عنه غلط عليه ، وأن هذا ليس في حديثه . قلنا :
الذي رواه عن علي - رضي الله عنه - هو عاصم بن ضمرة - كما ذكرناه-
وهو ليس بمجهول ، بل معروف ، روى عنه : الحكم ، وأبو إسحاق
-٢٣٧-

السبيعي ، وغيرهما ، ووثقه ابن المديني ، والعجلي ، وأخرج له أصحاب
السنن الأربعة، وإن أراد الشافعي بقوله: (( يزعم أن الذي روى هذا عنه
غلط عليه أبا إسحاق السبيعي )) فلم يقل أحد غيره أنه غلط ، وقد ذكر
البيهقي ، وغيره ، عن يعقوب الفارسي وغيره من الأئمة ، أنهم أحالوا
بالغلط على عاصم ، وأما قول البيهقي: (( وحماد بن سلمة ساء حفظه
في آخر عمره ، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه )) فصادر عن تعسف ،
وتمحل ، لأنه لم يُرَ أحد من أئمة هذا الشأن ذكر حمادا بشيء من ذلك ،
والعجب منه أنه اقتصر فيه على هذا المقدار ، لأنه ذكره في غير هذا
الموضع بأسوأ منه ، وقوله : (( وخاصة عن قيس بن سعد )) باطل ، وما
لقيس بن سعد ؟! فإنه وثقه كثيرون ، وأخرج له مسلم . على أن روايتهم
التي يستدلون بها غير سالمة عن النزاع ، فإن الدارقطني ذكر في كتاب
((التتبع على الصحيحين)) أن ثمامة لم يسمعه من أنس، ولا سمعه عبد الله
ابن المثنى من ثمامة انتهى .
وكيف يقول البيهقي : وروينا الحديث من حديث ثمامة بن عبد الله بن
أنس، عن أنس من أوجه صحيحة، وفي (( الأطراف )) للمقدسي : قيل
لابن معين : حديث ثمامة ، عن أنس في الصدقات ؟ قال : لا يصح ،
وليس بشيء ، ولا يصح في هذا حديث في الصدقات ، وفي إحدى
روايات البيهقي : عبد الله بن المثنى قال الساجي : ضعيف ، منكر
الحديث، وقال أبو داود : لا أخرج حديثه ، وذكره ابن الجوزي في
((الضعفاء))، وقال: قال أبو سلمة : كان ضعيفاً في الحديث .
قوله : ((فإذا تباين أسنان الإبل)) أي: إذا اختلف أعمارها في الصغر ،
والكبر .
قوله : «فمن بلغت عنده صدقة الجذعة)) إلى آخره، تفسیر حکم التباين،
والمعنى من كان عنده من الإبل النصاب الذي تجب فيه الجذعة ، وليست
عنده جذعة، والواو فيه للحال، ((وعنده حقة )) والواو فيه أيضا للحال.
قوله: ((فإنها تقبل منه)) جواب قوله: ((فمن بلغت)) أي : فإن الحقة
-٢٣٨-

تقبل منه ، والمعنى أخذها يجزئ عن الجذعة ، مع دفع الشاتين معها - إن
وجد ذلك - وهو معنى قوله: ((وأن يجعل / معها )) أي : مع الحقة
((شاتين)) إن استيسرتا له ، أي : كانتا موجودتين في ماشيته ، وقال
الخطابي (١): وفيه دليل على أن الخيار في ذلك إلى رب الإبل ، أيهما
شاء أعطى .
[٢٢٩/٢-١]
قلت: ظاهر ما في (( الهداية )) يدل على أن الخيار إلى المصدق وهو
قوله: (( ومن وجب عليه مسن فلم يوجد أخذ المصدق أعلى منها ، ورد
النفل ، أو أخذ دونها ، وأخذ الفضل )).
وقال محيي الدين في ((المبسوط )) : الصواب أن الخيار إلى من عليه ،
لأن الخيار شرع رفقا لمن عليه الواجب ، والرفق إنما يتحقق بتخييره .
قوله: ((أو عشرين درهما)) أي: أو يجعل عشرين درهما بدلا عن
الشاتين ، وفيه دليل على أن دفع القيم جائز خلافا للشافعي ، وأيضا فإن
قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢) جعل فيه محل الأخذ ما
يسمى مالا ، ثم التقييد بأيها : شاة أو نحوه ، زيادة على كتاب الله ، وأنه
يجري مجرى النسخ ، فلا يجوز ذلك بخبر الواحد ، والقياس ، وأما ما
ورد من ذكر عن الشاة وذكر عين صنف من أصناف الإبل ، والبقر فلبيان
الواجب بما سمي ، وتخصيص المسمى لبيان أنه أيسر على صاحب الماشية،
ألا ترى أنه - عليه السلام - قال: (( في الخمس من الإبل شاة )) وحرف
((في)) حقيقة للظرف ، وعين الشاة لا توجد في الإبل ، عرفنا أن المراد
قدرها من المال .
قال الخطابي (٣) : وفيه من الفقه أن كل واحدة من الشاتين والعشرين
درهما أصل في نفسه ، ليست ببدل ، وذلك أنه قد خيره بحرف (( أو )) .
قلنا : لا دليل له على هذا الكلام ، بل التخيير يدل على أن الأصل
(١) معالم السنن (٢١/٢).
(٣) معالم السنن (١٩/٢).
(٢) سورة التوبة: (١٠٣).
-٢٣٩-

قدرها من المال - كما قررناه - ثم قال (١): ((وقد اختلف الناس في
ذلك، فذهب إلى ظاهر الحديث إبراهيم النخعي ، والشافعي ، وإسحاق
ابن راهويه ، وقال الثوري : عشرة دراهم وشاتان ، وإليه ذهب أبو عبيد،
وقال مالك : يجب على رب المال أن يبتاع للمصدق السن الذي یجب له،
وقال أصحاب الرأي : يأخذ قيمة الذي وجب عليه ، وإن شاء تقاصا
بالفصل الدراهم )) .
قوله: (( عن موسى )) أي : عن موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي
شیخ أبي داود .
قوله : « فإنها تقبل منه ، وليس معه شيء » أي : مع ابن لبون لا يجب
شيء من الشاء والدراهم ، وظاهر هذا اللفظ أن ابن لبون يقبل منه سواء
كانت قيمته قيمة ابنة مخاض ، أو لم يكن ، وفيه دليل على أن ابنة
المخاض ما دامت موجودة فإن ابن اللبون لا يجزئ عنها .
وقال الخطابي (٢): ((ولو كانت القيمة مقبولة لكان الأشبه أن يجعل
بدل ابنة مخاض قيمتها ، دون أن يؤخذ الذكران من الإبل ، فإن سُنة الزكاة
قد جرت بأن لا يؤخذ فيها إلا الإناث، إلا ما جاء في البقر من التسع)).
قلنا : إنما أخذ ابن لبون هاهنا موضع ابنة مخاض رفقا بصاحب المال،
لأن غالب أموال العرب كانت الإبل ، والدراهم عندهم قليل جدا ،
فجعل ذلك بناء على الرفق بهم ، لا أن أخذ القيمة لم يجز ، وتنصيص
الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه ، ولا في اللفظ ما يمنع جواز أخذ
القيمة صريحاً ، فافهم .
قوله: (( ومن لم يكن عنده إلا أربع)) أي: إلا أربع من الإبل (( فليس
فيها شيء))، أي: صدقة، لعدم كمال النصاب، ((إلا إن يشاء ربها))،
أي : صاحبها، بأن أراد أن يتصدق تبرعا فله ذلك، و﴿ مَا عَلَى
الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ (٣).
(١) المصدر السابق. (٢) المصدر السابق (٢/ ٢٠). (٣) سورة التوبة: (٩١).
- ٢٤٠-