Indexed OCR Text
Pages 381-400
٢٠٢ - بَابُ: التخلّف عن الجماعة في الليلة البَاردة (١) أي : هذا باب في بيان التخلف عن الحضور إلى الجماعة في الليلة الباردة . ١٠٣١ - ص - نا محمد بن عبيد: نا حماد بن زيد : نا أيوب ، عن نافع أن ابن عمر نَزل بضَجْنَانَ في ليلة باردة فأمر المنادي فنادى : أن الصلاة في الرحال . قال أيوب : وحدّث نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا كانت ليلة باردة أو مَطيرةٌ أمر المنادي فنادى : الصلاة في الرحال (٢). ش - ضَجْنان - بفتح الضاد المعجمة ، وبعدها جيم ساكنة ، ونون مفتوحة ، وبعد الألف نون أيضاً - : وهو جبلٌ على بريد من مكة . وقال ابن الأثير : هو موضع أو جبل بين مكة والمدينة . قوله: ((قال أيوب)) أي: السختياني. وأخرج ابن عدي ، عن أبي هريرة : كان رسول الله - عليه السلام - إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة أمر المؤذن فأذن الأذان الأول ، فإذا فرغ نادى : الصلاة في الرحال أو في رحالكم . وفي سنده : محمد بن جابر اليمامي ، وهو ضعيف . وفي (شرح البخاري)): الرحال : المنازل والدور والمساكن جمع رحل ، وسواء كانت من حجر أو مدر أو خشب أو شعر أو صوف أو وبرٍ وغيرها . قال ابن سيده : والجمع : أرحلٌ . ١٠٣٢ - ص - نا مؤملُ بن هشام: نا إسماعيل ، عن أيوب ، عن نافع قال: نادی ابن عمر بالصلاة بضجنان ثم نادَى أن صَلُوا في رحالكم . قال فیه: ثم حدّث عن رسول الله أنه كان يأمر المُنادي فيُنادي بالصلاة ثم ينادي: (أن صلوا في رحالكم)) في الليلة الباردة وفي الليلة المطيرة في السفر (٣). (١) في سنن أبي داود: (( الليلة الباردة أو الليلة المطيرة)). (٢) ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة والسّنّة فيها ، باب : الجماعة في الليلة المطيرة (٩٣٧) . (٣) ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : الجماعة في الليلة المطيرة (٩٣٧). -٣٨١- ش - إسماعيل : ابن علية . قوله: (( قال فيه )) أي : قال نافع في الحديث المذكور : ثم حدّث ابن عمر عن رسول الله - عليه السلام - . والحديث : أخرجه ابن ماجه . ص - قال أبو داود : رواه حماد بن سلمة ، عن أيوب ، وعبيد الله قال فيه: في السفر في الليلة القَرّةِ أو المطيرةِ . ش - أى : روى الحديث : حماد بن سلمة ، عن أيوب السختياني وعبيد الله بن عُمرَ العُمري . قوله: ((في الليلة القَرّة )) أي: الباردة ؛ القرُّ: البردُ ، يقال : قرّ يومنا يقَرّ قرَّةً، ويوم قَر - بالفتح - أي : بارد ، وليلة قرّةٌ . ١٠٣٣ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة [ نا ] أبو أسامة ، عن عُبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه نادى بالصلاة بضَجْنانَ في ليلة ذاتَ بَرْدٍ وربح ، فقال في آخر ندائه : أَلا صَلُوا في رحالكم ، ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله - عليه السلام - كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلةً باردةً أو ذاتُ مطر في سفرٍ يقولُ: ((ألا صلوا في رحالكم)) (١) . ش - في هذه الأحاديث تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار ، وأنها متأكدة إذا لم يكن عذر ، وأنها مشروعة في السفر ، وأن الأذان مشروع في السفر . والحديث : أخرجه مسلم ، والبخاريّ ، والنسائي . [٧٥/٢-١] ١٠٣٤ - ص - نا القعنبي ، عن مالك، عن نافع / أن ابن عمر - يعني : أذن بالصلاة في ليلة ذات بَرْد وربح فقال : ألا صلُّوا في الرحال ثم قال : إن رسول الله كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلةً باردةً ذات مطر يقولُ: ((ألا صَلُوا في الرحال)) (٢) . (١) انظر التخريج السابق. (٢) البخاري : كتاب الأذان ، باب : الأذان للمسافر إذا كان جماعة والإقامة ، وكذلك بعرفة وجمع، وقول المؤذن: ((الصلاة في الرحال)) في الليلة الباردة= -٣٨٢- ش - أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي . ١٠٣٥ - ص - نا عبد الله بن محمد النفيلي : نا محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : نَادی منادي رسول الله -عليه السلام - بذلك في المدينة في الليلة المطيرة، والغداة القَرّة (١). ش - ((بذلك)) أي: بقوله: ((أَلا صلُوا في الرحال)). ص - قال أبو داود : روى هذا الخبر : يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن القاسم، عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام - قال فيه: (( في السفر)). ش - أشار بهذا إلى تضعيف رواية محمد بن إسحاق ؛ لأن الثقات مثل يحيى الأنصاري والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق رويا هذا الحديث وفيه : (( في السفرِ )) . ١٠٣٦ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا الفضل بن دکین : نا زهير ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : كنا مع النبي - عليه السلام - في سفر فمطرنا فقال رسولُ الله: (( ليُصلِ مَنْ شاء منكم في رَحْلُه)) (٢). ش - زهير : ابن معاوية ، وأبو الزبير : محمد بن مسلم ، وجابر : ابن عبد الله . والحديث : أخرجه مسلم ، والترمذي . وعند الطبراني -بسند صحيح- عن نُعَيم بن النحام قال : أذن مؤذن رسول الله ليلة فيها برد وأنا تحت لحافي ، فتمنيتُ أن يُلْقِي اللهُ على لسانه: ولا حرجَ ، فلما فرغ قال : ولا حرج . وعند البيهقي : فلما قال : الصلاة خير من النوم قال : ومنْ قعد = أو المطيرة (٦٣٢)، مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : الصلاة في الرحال في المطر (٦٩٧/٢٢)، النسائي : كتاب الأذان، باب : الأذان في التخلف عن شهود الجماعة في الليلة المطيرة (١٥/٣). (١) تفرد به أبو داود . (٢) مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : الصلاة في الرحال في المطر (٦٩٨/٢٥)، الترمذي: كتاب الصلاة، باب : ما جاء إذا كان المطرُ فالصلاة في الرحال (٤٠٩). -٣٨٣- فلا حرج . وعند أحمد : فلما بلغ حي على الفلاح قال : صلوا في رحالكم ، ثم سألت عنها فإذا النبي - عليه السلام - قد أمره بذلك . ١٠٣٧ - ص - نا مسدد : نا إسماعيل : أخبرني عبد الحميد صاحب الزيادي : نا عبد الله بن الحارث - ابن عم محمد بن سيرين - أن ابن عباس قال لمؤذنه في يوم مطير : إذا قلت : أشهد أن محمداً رسول الله فلا تقل : حي على الصلاة، قل : "صلوا في بيوتكم. قال : فكأن الناس استنكرُوا ذلكَ فقال : قد فعل ذَا مَنْ هو خير مني ؛ إن الجمعة عَزْمةٌ وإني كرهتُ أن أُحرجَكُم فتمشون في الطين والمطر (١) . ش - إسماعيل : ابن علية . وعبد الحميد : ابن دینار ، وهو عبد الحميد بن گُرْدید صاحب الزيادي، سمع : أنس بن مالك ، وأبا الوليد عبد الله بن الحارث ، وثابتا البناني ، روى عنه : شعبة ، وحماد بن زيد ، وابن علية . روى له : البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي (٢). قوله: ((استنكروا ذلك)) أي: ذلك القول من المؤذن، وكذلك ((ذا)) إشارة إليه . قوله: (( عزْمة)) - بفتح العين وإسكان الزاي - أي : واجبة متحتمة ، فلو قال المؤذن: ((حي على الصلاة)) لتكلّفتم المجيء إليها ولحقتكم المشقةُ. ثم إنه جاء في حديث ابن عباس هذا: (( صلوا في بيوتكم )) في وسط الأذان ، وفي حديث ابن عمر في آخر ندائه ، والأمران جائزان ، نصّ عليها الشافعي في (( الأمّ)) في كتاب الأذان، وتابعه جمهور الشافعية (١) البخاري : كتاب الأذان ، باب : الكلام في الأذان (٦١٦)، مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : الصلاة في الرحال في المطر (٢٦ / ٦٩٩)، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة والسُّنَّة فيها ، باب : الجماعة في الليلة المطيرة (٩٣٩) . (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٧١٢/١٦). - ٣٨٤- فيجوز بعدَ الأذان وفي أثنائه لثبوت السُّنَّة فيهما ؛ لكن قوله بعدَه أحسن لَيَبقى نظمُ الأذان على وَضْعُه . قال الشيخ محيي الدين (١) : ومن أصحابنا من قال : لا يقوله إلا بعد الفراغ ؛ وهذا ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس ، ولا منافاة بينه وبين حديث ابن عمر ؛ لأن هذا جرى في وقت وذاك في وقت ؛ وكلاهما صحيح . قوله : (( أن أُحرجكم)) - بالحاء المهملة - أي : أشق عليكم بإلزامكم السَّعى إلى الجماعة في الطين والمطر، وفي رواية: ((كرهتُ أن أُوثمكم )) أي : أكون سبب اكتسابكم الإثم عند ضيق صدُوركم ، فربما يتسخط ويتكلم به . وروي بالخاء المعجمة ، من الخروج . والحديث : أخرجه البخاريّ ، ومسلم ، وابن ماجه . ٢٠٣ - بَابُ: الجُمعة للمَمْلُوكِ وَالمرأة أي : هذا باب في بيان الجمعة للمملوك والمرأة . ١٠٣٨ - ص - نا عباس بن عبد العظيم : حدَّثني إسحاق بن منصور : نا هُريم ، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب، عن / النبي - عليه السلام - قال: (( الجمعة حقّ واجب على كل [٧٥/٢ - ب] مسلمٍ في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبيّ أو مريض)) (٢). ش - إسحاق بن منصور : السُّلمي ، روى عن : هُرَيم ، روى عنه : عباس بن عبد العظيم ، روی له : أبو داود (٣) . وهريم : ابن سفيان البجلي الكوفي ، روى عن : عبيد الله بن عُمر ، ومنصور بن المعتمر ، وليث بن أبي سليم ، والأعمش ، وغيرهم . روى (١) شرح صحيح مسلم (٢٠٧/٥). (٢) تفرد به أبو داود . (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢/ ٤٨٠ هامش ٣). ٢٥ • شرح سنن أبي داوود ٤ - ٣٨٥- عنه : الأسود بن عامر ، وعبد الحميد بن صالح ، وإسحاق بن منصور ، وغيرهم . قال ابن معين : ثقة . روى له : الجماعة إلا النسائي (١) . وهريم : بضم الهاء وفتح الراء . وإبراهيم بن محمد بن المنتشر : ابن الأجدع ، ابن أخي مسروق بن الأَجْدع الهمداني الكوفي ، يَرْوي عن : أبيه . روى عنه : شعبة وأهل العراق، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، واحتج به الشيخان في «صحیحیھما)) (٢) . وقيس بن مُسلم : الجدلي العَدْواني ، أبو عمرو الكوفي . روى عن : طارق بن شهاب ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى . روى عنه : الأعمش ، ومسعر ، والثوري، وشعبة، وغيرهم. قال ابن معين وأبو حاتم : ثقة . مات سنة عشرين ومائة . روى له الجماعة (٣) . وطارق بن شهاب : ابن عبد شمس بن سلمة بن هلال بن عوف بن جُشم البجلي الأَحْمسي ، أبو عبد الله ، رأى النبي - عليه السلام - ، وأدرك الجاهلية وغزا في خلافة أبي بكر وعمر ثلاثاً وثلاثين أو ثلاثاً وأربعين من غزوة إلى غُزية . روى عن : أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليّ بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وسلمان الفارسي ، وخالد بن الوليد ، وحذيفة بن اليمان ، وأبي موسى الأشعري، وأبي سعيد الخدري، أخرج له البخاري ، عن أبي بكر الصِّدِّيق وعبد الله بن مسعود ، وأخرج له مسلم ، عن أبي سعيد الخدري ، وأخرج له أبو داود ، والنسائي، عن النبي -عليه السلام - . روى عنه: قيس بن مسلم، ومخارق بن عبد الله، وعلقمة بن مرثد ، وغيرهم . توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة (٤) . (١) المصدر السابق (٣٠ /٦٥٦٢). (٢) المصدر السابق (٢٣٥/٢). (٣) المصدر السابق (٤٩٢١/٢٤). (٤) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٢٣٧/٢)، وأسد الغابة (٧٠/٣)، والإصابة (٢٢٠/٢). -٣٨٦- قوله: ((الجمعة حق واجب)) أى : فرض عين لا يجوز التخلف عنها. قوله: ((في جماعة)) لأنه إذا لم تكن جماعة لا تجب الجمعة ؛ وأقلها : ثلاثة سوى الإمام عند أبي حنيفة . وبهذا الحديث استدل أصحابنا ، وقال صاحب (( الهداية)) : ولا تجب - أي : الجمعة - على مسافرٍ ولا امرأةٍ ولا مريض ولا عبد ولا أَعْمی . وقال الخطابي (١) : أجمع الفقهاء على أن النساء لا جمعة عليهن ، فأما العبيد : فقد اختلفوا فيهم ، فكان الحسن وقتادة يوجبان على العبد الجمعة إذا كان مُخارجاً ، وكذلك قال الأوزاعي ، وأحسب أن مذهب داود: إيجاب الجمعة عليه . وقد روي عن الزهري أنه قال : إذا سمع المسافر الأذان فليحضر الجمعة . وعن إبراهيم النخعي نحو من ذلك . ص - قال أبو داود : طارق بن شهاب قد رأى النبي - عليه السلام - ولم يسمع منه شيئاً . ش - هذا غير قادح في صحة الحديث ؛ فإنه يكون مرسل صحابيّ وهو حجة ، وكذا قال النووي في (( الخلاصة))، وقال : والحديث على شرط الشيخين. انتهى. ورواه الحاكم في ((المستدرك)) عن هريم بن سفيان به، عن طارق بن شهاب ، عن أبي موسى مرفوعاً ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وقد احتجا بهريم بن سفيان . ورواه ابن عيينة ، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، فلم يذكر فيه أبا موسى ، وطارق بن شهاب يُعدّ في الصحابة . وقال البيهقي في (سننه)): هذا الحديث وإن كان فيه إرسال فهو مُرسل جيد ، وطارق من كبار التابعين، وممن رأى النبي - عليه السلام - وإن لم يسمع منه ، ولحديثه شواهد . وقد صرح ابن الأثير في ((جامع الأصول )) بسماعه من النبي - عليه السلام - حيث قال : رأى النبي - عليه السلام - وليس له سماع منه إلا شاذا ، ويؤيّدُ هذا قول الزهري في ((التهذيب)) : صحابي (١) معالم السنن (٢١٠/١). -٣٨٧- أدرك الجاهلية وصحب النبي - عليه السلام - ، وعقد له المزي في ((أطرافه)) مُسنداً ، وذكر له عدة أحاديث . وقال أبو بكر بن أبي شيبة : نا حميد بن عبد الرحمن الرقاشي ، عن حسن ، عن أبيه ، عن أبي حازم ، عن مولى لآل الزبير قال : قال رسول الله - عليه السلام -: (( الجمعة واجبة على كل حالمٍ إلا أربعة : الصبي ، والعبد ، والمرأة، والمريض)). نا هشيم ، عن ليث ، عن محمد بن كعب القرظي قال : قال رسول الله - عليه السلام -: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا على امرأة أو صبي أو مملوك أو مريض)) . وأخرج عن مجاهد : ليس على العبد جمعة . وكذا عن الحسن . ٢٠٤ - بَابُ: الجُمعَةِ فِي القُرَى أى : هذا باب في بيان إقامة الجمعة في القرى جمع قريةٍ . [٧٦/١-أ] / ١٠٣٩ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله المخرمي لفظُه قالا : نا و کیع ، عن إبراهيم بن طهمان ، عن أبي جمرة ، عن ابن عباس قال : إن أوّلَ جمعة جُمّعت في الإسلام بعد جُمعةِ جُمّعت في مسجد رسول الله بالمدينة لجمعةٌ جمّعت بجُواثًا قرية من قُرَى الْبُحْرِين . قال عثمان : قرية من قُرى عبد القيس (١) . ش - أبو جَمْرة - بالجيم - نَصْر بن عمران بن عاصم بن واسع الضبعي البصري . سمع : ابن عباس ، وابن عمر ، وجارية بن قدامة ، وغيرهم. وروى عن : أنس بن مالك . روى عنه : أيوب ، وإبراهيم بن طهمان ، وهشام بن حسان ، وشعبة ، وغيرهم . قال ابن معين وابن (١) البخاري: كتاب الجمعة، باب: الجمعة فى القرى والمدن (٨٩٢). -٣٨٨- حنبل وأبو زرعة : ثقة . توفي سنة ثمان وعشرين ومائة . روى له الجماعة (١) . قوله : ((لجمعةٌ)) بلام التأكيد خبر (( إنّ )) . قوله : (( بجواثا)) أي : في جواثا - بضم الجيم وواو مخففة ، ومنهم مَن يَهْمزها . قوله: ((قرية)) بالجرّ على أنها بدل من قوله: ((بجواثا)). وقال الزمخشري : جُواثا : حِصْن بالبحرَيْن . وقال البكري : هو بضم أوله على وزن فُعالى مَدينة بالبحرين لعَبْد القيس ؛ قال امرئ القيس : يُعَالى النعاج بين عِدْلٍ ومُحقَّب ورحنا كأنا في جُواثا عشية يُريد كأنا من تُجّار جُواثا لكثرة ما معهم من الصيد ، وأراد كثرة أمتعة تجار جُواثا. وهو معنى قوله: ((قال عثمان)) أي : عثمان بن أبي شيبة: قرية من قرى عَبْد القيس . وبهذا الحديث استدلت الشافعية أن الجمعة تقامُ في القرية إذا كان فيها أربعون رجلاً أحراراً مقيمين، حتى قال البَيْهقي: (( باب العدد الذين إذا كانوا في قرية وجبت عليهم )) ثم ذكر فيه إقامة الجمعة بجُواثا . قلنا : لا نُسلم أنها قريةٌ ؛ بل هي مدينةٌ كما قال البكري ، حتى قيل : كان يَسكنُ فيها فوق أربعة آلاف نفس ، والقرية لا تكون كذلك ، والقرية - أيضاً - تطلق على المدينة، قال تعالى: ﴿عَلَى رَجُل مِّنَ الْقَرْيَتَيْن﴾(٢) وهما : مكة والطائف ، وتسمى مكة أم القرى ، ولئن سلمنا أنها قريةٌ فليس في الحديث أنه - عليه السلام - اطلع على ذلك وأقرّهم عليه . والحديث : أخرجه البخاريّ . وقد اختلف العلماء في الموضع الذي تقام فيه الجمعة ؛ فقال مالك : (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٤٠٨/٢٩). (٢) سورة الزخرف : (٣١). -٣٨٩- كل قرية فيها مسجد أو سوق فالجمعة واجبة على أهلها ، ولا تجب على أهل العمود وإن كثروا ؛ لأنهم في حكم المسافرين . وقال الشافعي ، وأحمد : كل قرية فيها أربعون رجلاً أحراراً بالغين عقلاء مقيمين بها ، لا يظعنون عنها صيفاً ولا شتاء إلا ظعن حاجة ، فالجمعة واجبة عليهم ، وسواء كان البناء من حجر أو خشب أو طين أو قصب أو غيرها ، بشرط أن تكون الأبنية مجتمعة ، فإن كانت متفرقة لم تصح ، وأما أهل الخيام فإن كانوا ينتقلون من موضعهم شتاء أو صيفاً لم تصح الجمعة بلا خلاف ، وإن كانوا دائمين فيها شتاء وصيفاً وهي مجتمعة بعضها إلى بعض ، ففيه قولان أصحهما : لا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم ؛ وبه قال مالك، والثاني : تجب عليهم وتصح منهم ؛ وبه قال أحمد ، وداود . ومذهب أبي حنيفة : لا تصح الجمعة إلا في مِصرٍ جامع ، أو في مصلى المِصر ، ولا تجوز في القرى ، وتجوز في مِنَى إذا كان الأمير أمير الحاج ، أو كان الخليفة مسافراً . وقال محمد : لا جمعة بمِنَى ، ولا تصح بعرفات في قولهم جميعاً . وقال أبو بكر الرازي في كتابه (( الأحكام )) : اتفق فقهاء الأمْصار على أن الجمعة مخصوصة بموضع لا يجوز فعلها في غيره ؛ لأنهم مجتمعون على أنها لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب . وذكر ابن المنذر عن ابن عمر أنه كان يرى على أهل المناهل والمياه أنهم يجمّعون . ثم اختلف أصحابنا في المصر الذي تجوز فيه الجمعة ؛ فعن أبي يوسف: هو كل موضع يكون فيه كل محترف ، ويوجد فيه جميع ما يحتاج الناس إليه في معايشهم عادةً ، وبه قاضٍ يقيم الحدود . وقيل : إذا بلغ سكانه عشرة آلاف ، وقيل : عشرة آلاف مقاتل ، وقيل : بحيث أن لو قصدهم عدو لأمكنهم دفعُه ، وقيل : كل موضع فيه منبر وقاضٍ يقيم الحدود ، وقيل : أن لو اجتمعوا إلى أكبر مساجدهم لم يَسعهم ، وقيل : أن يكون [٧٦/٢- ب] بحال يَعيش / فيها كل محترف بحرفته من سنة إلى سنةٍ من غير أن يشتغل بحرفة أخرى . وعن محمد : كل موضع مَصّره الإمام فهو مصر ، حتى إنه لو بعث إلى قرية نائباً لإقامة الحدود والقصاص يَصير مصراً ، فإذا عزله - ٣٩٠- ودعاه يُلحق بالقرى ، ثم استدل أبو حنيفة على أنها لا تجوز في القرى بما رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) : أخبرنا معمر ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن عليّ - رضي الله عنه - قال : لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع. ورواه ابن أبي شيبة في (( مصنفه )) : ثنا عباد بن العوام ، عن حجاج ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن عليّ قال : لا جمعة ولا تشريق ، ولا صلاة فطر ، ولا أضحى إلا في مصر جامع ، أو مدينة عظيمة . وروى - أيضاً - بسند صحيح : نا جرير ، عن منصور ، عن طلحة ، عن سعد بن عَبيدة ، عن أبي عبد الرحمن قال : قال عليّ : لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع . ولا التفاتَ إلى قول النووي : حديث عليّ ضعيف متفق على ضعفه ، وهو موقوف عليه بسند ضعيف منقطع ، فكأنَّه عثر على حديث عليّ من طريق حجاج بن أرطأة ، ولم يَعثر على طريق جرير ، عن منصور ؛ فإنه سند صحيح، ولو اطلع عليه ما ادّعى هذه الدعوى. وأما قوله: (( متفق على ضعفه )) فزيادة من عنده ، ولا يُدْرى من سلَفُه في ذلك ، على أن أبا زَيْد زعم في ((الأَسْرار)) أن محمد بن الحسن قال : رواه مرفوعاً: معاذٌ، وسراقةُ بن مالك . وروى أبو بكر بن أبي شيبة ، عن ابن فضيل ، عن عطاء بن السائب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو أنه كان يشهد الجمعة في الطائف وهو في قرية يُقال لها : الوَهْطُ على رأس ثلاثة أميال. وروى عن عبد الأعلى ، عن معمر ، عن الزهري أنهم كانوا يشهدون الجمعة مع النبي - عليه السلام - من ذي الحليفة . وعن وكيع ، عن أبي البُحْتري قال : رأيتُ أنساً شهدَ الجمعةَ مِنَ الزاوية؛ وهي فرسخان من البصرة . وعن أزهر ، عن ابن عون قال : كان أبو المليح عاملاً على الأبلة ، فكان إذا أتت الجمعة جمّع منْها . - ٣٩١- وجه الدلالة من هذه الآثار : أن الجمعة لو أقيمت في القرى لما احتاجوا أن يأتوا إليها من مسيرة أميال . فإن قيل : إنها لم تُقَم في قرى المدينة لينالوا فضيلة الصلاة معه - عليه السلام - . قيل له : كان يأمر بها في القرى النائية عن المدينة ؛ لأنه يشق عليهم الحضور ، ويتعذر عليهم إدراك الفضيلة ، فلما لم يأمر بها دلّ على عدم الجواز ؛ إذ لو جاز لأمر بها كما أمر بإقامة الجماعة في مساجد المدينة مع فوات فضيلة الصلاة معه ؛ وإلى هذا القول ذهب سحنون . فإن قيل: (( في سنن سعيد بن منصور )) عن أبي هريرة أنهم كتبوا إلى عمر بن الخطاب من البحرين يسألونه عن الجمعة ؟ فكتب إليهم : اجمعوا حيث ما كنتم . وذكره ابن أبي شيبة بسند صحيح بلفظ : جمّعوا . وفي (المعرفة)) : أن أبا هريرة هو السائل ، وحسن سنده . وروى الدار قطني بإسناده عن أم عبد الله الدوسيّة قالت : قال رسول الله وَّله: ((الجمعة واجبة على أهل كل قرية فيها إمام وإن لم يكونوا إلا أربعة)). زاد أبو أحمد الجرجاني: حتى ذكر النبي - عليه السلام - ثلاثةً . وفي ((المصنّف )) عن مالك: كان أصحاب النبي - عليه السلام - في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمّعون . وفي (( صحيح ابن خزيمة )) عن ابن كعب بن مالك ، عن أبيه أنه كان إذا سمع الأذان للجمعة صلى على أبي أمامة أَسْعد بن زرارة فسألته فقال : أي بُنيَّ! كان أول مَنْ جمّع بنا بالمدينة في هَزْم النَّبيت من حَرّة بني بياضة يُقال له : نَقيع الخَضِمَات ، قلتُ : وكم كنتم يومئذ ؟ قال : أربعون رجلاً. وعند البيهقي : قبل مقدم النبي - عليه السلام - . وفي ((المعرفة)) : قال الزهري : لما بعث النبي - عليه السلام - مُصْعب بن عمير إلى المدينة ليقرئهم القرآن جمّع بهم ، وهما اثنا عشر رجلاً ، فكان مُصعب أول مَن جمّع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمها -٣٩٢ - [٧٧/٢-أ] رسول الله - عليه السلام - . قال البيهقي : يُريدُ : الاثني عشر النقباء الذين خرجوا به إلى المدينة / وكانوا له ظَهراً . وفي حديث كعْب : جمَّع بهم أَسْعدُ وهم أربعون ، وهو يُريد جميع مَنْ صلى معه ممن أسلم من أهل المدينة مع النقباء . وعن جعفر بن برقان قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي : أما أهل قرية ليسوا بأهل عَمود ينتقلُون فأمِّرْ عليهم أميراً يُجمّع بهم ؛ رواه البيهقي . قلنا : أما الجواب عن الأوّل : فمعناه : جَمّعوا حيث ما كنتم من الأَمْصار ، ألا ترى أنها لا تجوز في البراري . وعن الثاني : أن رواته كلهم عن الزهري متروكون ، ولا يصح سماع الزهري من الدوسية . وقال عبد الحق في ((أحكامه)) : لا يصح في عدد الجمعة شيء . وعن الثالث: إنه ليس فيه دليل على وجوب الجمعة على أهل القُرى. وعن الرابع : نذكره الآن ؛ لأن أبا داود رواه مثل ما روى ابن خزيمة . وعن الخامس : أن النبي - عليه (١) السلام - لم يأمرهم بذلك ولا أقرهم عليه . وعن السادس : أن رأي عمر بن عبد العزيز ليس بحجة ، ولئن سلمنا فلیْس فیه ذکر عددٍ . وأما قول ابن حزم مستدلاً لمذهبه: (( ومن أعظم البرهان : أن النبي -عليه السلام - أتى المدينة ، وإنما هي قرى صغار متفرقة، فبنى مسجده في بني مالك بن النجار ، وجمّع فيه في قرية ليست بالكبيرة ولا مصر هناك )) فغير جيد من وجوه ؛ الأول : هو قد صحح قول عليّ بن أبي طالب -كرَّم الله وجهه (٢) - الذي هو من أعلم الناس بأمر المدينة (( لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع )) ، الثاني : الإمام أيّ موضع حلّ جمّع ، الثالث : التمصير هو للإمام ، فأيّ مَوضع مَصّرَه مصِّر . (١) في الأصل: ((عليهم)). (٢) تقدم التعليق على خطأ هذه الكلمة (١/ ١٨٢). -٣٩٣- ١٠٤٠ - ص - نا قتيبة بن سعيد : نا ابن إدريس ، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي أمامة بن سَهْل ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك - وكان قائد أبيه بعد ما ذهَب بصرُه - ، عن أبيه كعب بن مالك (١) أنه كان إذا سمعَ النداء يوم الجمعة ترحّم لأَسْعد بن زرارة فقلت له : إذا سمعت النداء ترَحمتَ لأسعد بن زرارة ؟ قال : لأنه أول مَنْ جمّعْ بِنَا فِي هَزْم النَبيت من حَرّة بني بياضة في نقيع يقال له : نقيع الخَضِمَات ، قَلتُ: كم أنتم يومئذ ؟ قال : أربعون (٢). ش - ابن إدريس : عبد الله بن إدريس الكوفي . ومحمد بن أبي أمامة : أسعد بن سَهْل بن حُنيف الأنصاري الأوسي . روى عن : أبيه . روى عنه : محمد بن إسحاق بن يَسار . روى له : أبو داود ، وابن ماجه (٣). وأسعد بن سَهْل : الصحابي الأنصاري . وعبد الرحمن بن كعب بن مالك: الأنصاري السلمي المدني أبو الخطاب . سمع : أباه ، وجابر بن عبد الله . روى عنه : أبو عامر صالح بن رستم، والزهري ، وإسحاق بن يسار - والد محمد . توفي في خلافة سليمان بن عبد الملك . وقال الواقدي : في خلافة هشام(٤) . روى له الجماعة (٥). وكعب بن مالك : ابن أبي كعب - واسمه : عمرو - ابن القين بن كعْب ، أبو عبد الرحمن ، أو أبو محمد ، أو أبو بشير ، وهو أحد (١) في الأصل: ((عن أبيه، عن كعب بن مالك)) خطأ. (٢) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: في فرض الجمعة (١٠٨٢). (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٤/ ٥٠٨٠). (٤) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (٢٥٩/٦): إنما قال ذلك الواقدي في عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب المتقدم ، وأما هذا فقال ابن سعد : توفي في خلافة سليمان ، وكذا ذكر خليفة ويعقوب بن سفيان وغير واحد . (٥) المصدر السابق (٣٩٤١/١٧). - ٣٩٤- الثلاثة الذين تاب الله عليهم وأنزل فيهم: ﴿ وَعَلَى الثَّلاثَة الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ (١) ، روي له عن رسول الله ثمانون حديثاً؛ اتفقا على ثلاثة أحاديث ، وللبخاري حديث واحد ، ولمسلم حديثان ، شهد العقبة مع السبعين ، والأصح أنه لم يشهد بدراً . روى عنه : بنوه : عبد الله ، وعبيد الله ، وعبد الرحمن ، ومحمد بنو كعب ، وعبد الله بن عباس ، وأبو أمامة الباهلي ، وغيرهم . مات بالمدينة قبل الأربعين ، وقيل : سنة خمسين . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (٢). وأسعد بن زرارة : كُنيته أبو أمامة ، وكان عقبياً نقيباً ، وقيل : إنه أول مَنْ بايع النبي - عليه السلام - ليلة العقبة ومات قبل بدر ، ودفن بالبقيع ، وهو أول مدفون به ، وقيل : عثمان بن مظعون ، وقيل : توفي أسعد في شوال من السنة الأولى ، وقيل : مات قبل قدوم النبي - عليه السلام - المدينة ؛ والصحيح : الأول (٣). قوله: ((في هَزْم النَّبِيت )) الهَزْم - بفتح الهاء ، وسكون الزاي ، وبعدها ميم - : موضع بالمدينة ؛ والنَبِيت - بفتح النون ، وكسْرِ الباءِ الموحدة ، وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة ، وبعدها تاء ثالث الحروف - : حي من اليمن . قوله: (( من حَرّة بني بياضة)) - بالحاء المهملة - هي قرية على ميل من المدينة ، وبنو بياضة / بطن من الأنصار منهم: سلمة بن صَخْر البياضي، [٧٧/٢ -ب] له صحبة . قوله: (( في نَقيع )) النقيع - بفتح النون ، وكسر القاف ، وسكون الياء (١) سورة التوبة: (١١٨). (٢) انظر ترجمته في: الاستيعاب (٢٨٦/٣)، وأسد الغابة (٤/ ٤٨٧)، والإصابة (٣٠٢/٣) . (٣) انظر ترجمته في: الاستيعاب (٨٢/١)، وأسد الغابة (٨٦/١)، والإصابة (٣٤/١) . -٣٩٥- آخر الحروف ، وفي آخره عين مهملة - بَطْن من الأرض يُستنقَعُ فيه الماء مُدةً ، فإذا نضب الماء أنبتَ الكلاَ ، ومنه حديث عمر - رضي الله عنه - أنه حَمَى النَّقِيع لخيل الْمُسْلمين . وقد يُصحِّفُه بعض الناس فيَرْوونه بالباء ، والبَقيعُ بالباء بالمدينة موضع القبور ، وهو بقيع الغرقد . قوله: (( يُقال له نقيع الخضمات)) الخضمات : بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين . قال ابن الأثير : نقيع الخَضِمات موضع بنواحي المدينة . والحديث : أخرجه ابن ماجه ، وابن خزيمة ، والبَيْهقي ، ثم العجبُ من البيهقي صحّح هذا الحديث ، وفيه ابن إسحاق ، فقال : إذا ذكر سماعَه وكان الراوي ثقةً استقام الإسناد ، وقال في (( باب تحريم قتل ما له روحٌ )): الحُفاظ يتوقّون ما يَنْفردُ به ابن إسحاق، والحالُ أنه قد تفرّد به هاهنا فكيف يكون هذا الإسناد صحيحاً ؟ فليت شعري البيهقي ينسَى تعارُضَ كلامه أو يَتغافلُ ؟ ولو كان الحديث عليهم كان يجعل إسنادَه أضعفَ الأسانيد ، وكان يتكلم في ابن إسحاق بأنواع الكلام . فإن قيل : قد قال الحاكم : إنه على شرط مسلم . قلت : هو مردود ؛ لأن مداره على ابن إسحاق ، ولم يخرج له مسلم إلا متابعةً ، ثم إنه ليس في الحديث اشتراط الأربعين ، وأن الجمعة لا تجوز بأقل منهم ، وإنما وقع الأربعون اتفاقاً . وقال الخطابي : حرّة بني بياضة على ميل من المدينة فتكون من توابعها . وعند الحنفية : تجوز الجمعة فيها . قال القدوري في ((التجريد)) : عندنا تجوز أن تقام في مصلى المدينة وإن كان بينهما أكثر من ميل . ٢٠٥ - بَابٌ: إذَا وَفق يومُ الجُمعةِ يَوْمَ العِيدِ (١) أي : هذا باب في بيان ما إذا وافق يوم الجمعة يوم العيد . ١٠٤١ - ص - نا محمد بن كثير: أنا إسرائيل: نا عثمان بن المغيرة، عن (١) في سنن أبي داود: ((عيد)). -٣٩٦- إياس بن أبي رَمْلة الشامي قال : شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يَسألُ زَيَدَ ابن أرقم قال : شهدت مع رسول الله عيدَيْن اجتمعاً في يَوْم؟ قال: نعَمْ قال: فكيفَ صَنَعَ ؟ قال : صَلّى العيدَ ثم رَخّصَ في الجُمعة فقال: ((مَنْ شاء أن يُصلي فليُصَلّ)) (١). ش - إسرائيل : ابن يونس . وعثمان بن المغيرة : الثقفي ، أبو المغيرة الكوفي ، مولى ابن عقيل . روى عن : عليّ بن ربيعة الوالبي ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وغيرهم. روى عنه : إسرائيل ، والثوري ، وشعبة ، وغيرهم . قال أحمد : ثقة ، وكذا قال ابن معين . روى له الجماعة (٢). وإياس بن أبي رَمْلة الشامي : سمع : معاوية بن أبي سفيان يسأل هذا الحديث عن زيد (٣). روى عنه: عثمان بن المغيرة . روى له : أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٤) . قوله: ((شهدت)) أي: هل شهدت؟ وكذا في بعض النسخ: ((قال : هل شهدت؟)). والحديث: رواه أحمد - أيضاً - ولفظه: ((من شاء أن يجمّع فليجمّع)) . وبهذا الحديث استدل أصحاب أحمد أن العيد إذا اتفق يوم الجمعة سقط حضور الجمعة عمن صلى العيد إلا الإمام ؛ فإنها لا تسقط عنه، وقيل: فيه روايتان. وفي ((المغني)): وممن قال بسقوطها: الشعبي ، والنخعي ، والأوزاعي ، وقيل : هذا مذهب عمر ، وعثمان ، وعليّ ، وسعد ، وابن عمر ، وابن عباس ، وابن الزبير . وقالت عامة الفقهاء : تجب الجمعة لعموم الآية والأخبار الدالة على (١) النسائي : كتاب صلاة العيدين ، باب : الرخصة في التخلف عن الجمعة لمن شهد العيد (١٩٤/٣)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة ، باب : ما جاء فيما إذا اجتمع العيدان في يوم (١٣١٠) . (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٨٦٤/١٩). (٣) كذا، والجادة: ((يسأل زيداً عن هذا الحديث)) كما في تهذيب الكمال . (٤) المصدر السابق (٥٨٩/٣). -٣٩٧- وجوبها ؛ ولأنهما صلاتان واجبتان فلم تسقط إحداهما بالأخرى كالظهر مع العيد . ١٠٤٢ - ص - نا محمد بن طريف البجلي : نا أسباط ، عن الأعمش ، عن عطاء بن أبي رباح قال : صلى بنا ابنُ الزُبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار، ثم رُحْنا إلى الجُمعة فلم يَخرُج إلينا، فصَلّينا وُحْداناً ، وكان ابن عباس بالطائف فلما قدم ذكرنا له ذلك فقال: أصابَ السُّنَّةَ (١) . ش - محمد بن طريف : ابن خليفة ، أبو جعفر البجلي الكوفي . سمع : أبا معاوية ، ووكيعاً ، والفضل بن صالح (٢) ، وغيرهم . روى عنه : مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، وغيرهم . قال الخطيب : وكان ثقةً . مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين (٣). وأسباط : ابن محمد الكوفي . قوله: (( وحدانا )) أي : متوحدين منفردين . وقال الخطابي (٤) : أما صنع ابن الزبير : فإنه لا يجوز عندي أن يُحملَ [٧٨/٢-١١ / إلا على مذهب من يرى تقديم صلاة الجمعة قبل الزوال ، وقد روي ذلك عن ابن مسعود ، وروي عن ابن عباس أنه بلغه فعل ابن الزبير فقال: أصاب السنةَ وقال (٥) : كل عيد حين يمتد الضحى : الجمعةُ . وحكى إسحاق بن منصور ، عن أحمد بن حنبل أنه قيل له : الجمعة قبل الزوال أو بعده ؟ قال : إن صُلّيت قبل الزوال فلا أعيبه ، وكذلك قال (١) النسائى: كتاب العيدين ، باب : الرخصة في التخلف عن الجمعة لمن شهد العيد (١٩٤/٣). (٢) قال محقق تهذيب الكمال : جاء في حواشي النسخ من تعقبات المؤلف على صاحب ((الكمال)) قوله: ((كان فيه الفضل بن صالح، وهو خطأ)). (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٣٠٩/٢٥). (٤) معالم السنن (٢١٢/١) . (٥) في ((المعالم)) أن القائل هو عطاء، ولفظه: ((قال عطاء: كل عيد حين يمتد الضحى الجمعة والأضحى والفطر)) . -٣٩٨- إسحاق ، فعلى هذا يُشبهُ أن يكون ابن الزبير صلى الركعتين على أنهما جمعة وجعل العيد في معنى التبع لها . قلت: قول الصحابة: (( ثم رحنا إلى الجُمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانا)) يُنافي تأويل الخطابي من قوله: (( يُشبه أن يكون)) إلى آخره ؛ لأنهم لو لم يتحققوا أن الّتي صلاها عيدٌ لما راحُوا إلى الجمعة بَعْدها ، ولم يُصلوا الظهر بعدها وُحْدانا ، وأيضاً حديث زيد بن أرقم يؤيدُ ما قلنا؛ لأن قضية ابن الزبير مثل قضية النبي - عليه السلام - بعينها وذكر زيدٌ فيها: ((صَلّى العيدَ)) ثم رخّصَ في الجُمعة. وأيضاً قول ابن عباس: (( أصاب السُّنَّة)) أراد بها هذه . وقال ابن العربي : اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن الجمعة لا تجب حتى تزول الشمس ، ولا تجزئ قبل الزوال ، إلا ما روي عن أحمد أنها تجوز قبل الزوال . ونقله ابن المنذر ، عن عطاء وإسحاق ، والماوردي عن ابن عباس ، وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة (١) ، عن مصعب بن سعد قال : كان سَعْد يقيل بعد الجمعة . وعن سهل بن سَعْد قال : كنا نتغدى (٢) ونقيل بعد الجمعة . وعن سعد الأنصاري : كنا تجمّع مع عثمان بن عفان ثم نرجع فنقيل . وعن أنس : كنا نجمّع فنرجع فنقيلُ . وعن ابن عمر قال : كنا نجمّع ثم نرجع فنقِيل . وعن امرأة قالت: جاورت مع عمر سنةً فكانت القائلة بعد الجمعة . وعن الزبرقان قال : كنا نجمّع مع أبي وائل ثم نرجع ونقيل . وعن سويد بن الغفلة قال: كنا نصلي الجمعة ثم نَرْجع فنقِيل . وعن زيد بن وهب قال : كنا نصلي مع عبد الله الجمعة ثم نرجع فنقيل . وعن عبد الله بن سيدان السُّلمي قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر الصِّدِيق فكانت خطبته وصلاته قبلَ نصف النهار، ثم شهدنا مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول : انتصف النهار ، ثم شهدنا مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول : زال النهار ، فما رأيت أحداً عَابَ ذلك ولا أنكره . وعن عطاء قال : كان مَن (١) انظره وما بعده في المصنف (١٠٦/٢ - ١٠٩). (٢) في الأصل: ((نتغذى)). -٣٩٩- قبلكم يصلون الجمعة وإن ظل الكعبة كما هو . وعن عبد الله بن سلمة قال: صلى بنا عبد الله الجمعة ضُحىَ وقال : خشيت عليكم الحرّ . وعن سعيد بن سُويد قال: صلى بنا معاوية الجمعة ضُحَى . فالجميع أخرجه ابن أبي شيبة في (( باب من كان يَقيلُ بعد الجمعة ويقولُ : هي أول النهار )) . فهذه الآثار كلها تدل على أن الجمعة تصح قبل الزوال . ثم أخرج -أيضاً - حجة من يقول: وقتها زوال الشمس وقت الظهر، فقال : نا زيد ابن حُباب : نا فُلَيح بن سليمان : أخبرني عثمان بن عبد الرحمن أنه سمع أنس بن مالك يقول : كنا نُصلي مع رسول الله الجمعة إذا مالت الشمس. ونا وكيع ، عن يحيى بن الحارث ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه قال : كنا نُصلي مع النبي - عليه السلام - الجمعة إذا زالت الشمس ، ثم نرجع نتتبّعُ الفيء . ونا وكيع ، عن أبي العنبس عمرو بن مروان ، عن أبيه قال : كنا نجمّع مع عليّ إذا زالت الشمس . ويمكن أن يُجابَ عن الآثار التي فيها القيلولة : بأن القيلولة هي الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم ، وكانوا يُجمّعون حين زالت الشمس من غير تأخير ، ثم يقيلون بمعنى يَستريحُون . وأما حديث عبد الله بن سيدان : فقد رواه الدارقطني وغيره - أيضاً - فهو حديث ضعيفٌ. قال النووي في ((الخلاصة)): اتفقوا على ضَعف ابن سيدان - بكسر السين المهملة . وأما حديثُ عبد الله ومعاوية الذي فيه ((ضُحى)) فمعناه: صلّى قريباً من الضحى من (( كما زالت الشمس))، فأطلق الضحى على وقت زوال [٧٨/٢ -ب] الشمس باعتبار القرب، كما أطلق العشي على ما بعد الزوال . / وأخرج النسائي من حديث وهب بن كيسان ، عن ابن عباس نحو حديث عطاء مختصراً . ١٠٤٣ - ص - نا يحيى بن خلف : نا أبو عاصم، عن ابن جريج قال : - ٤٠٠ -