Indexed OCR Text
Pages 141-160
ثُوِّب بالصلاة - يعني : صَلاةَ الصَّبْحِ - فجعلَ رسولُ الله يُصلِّي وهو يَلْتَفتُ إلى الشِّعْب (١) . ش - زيد : ابن سلام بن أبي سلام الحبشي الدمشقي وقع إلى اليمامة، أخو مُعاوية ، روى عن : جدّه : أبي سلام ممطور الحبشي ، وعبد الله بن زيد الأزرق ، وعدي بن أرطاة . روى عنه : أخوه : معاوية ، ويحيى بن أبي كثير . قال الدارقطني : زيد بن سلام ، عن جدّ ثقتان . وقال يعقوب بن شيبة : ثقة صدوق . روى له : الجماعة إلا البخاريّ (٢). وأبو سلام : ممطور بن الأعرج الباهلي الحبشي - نُسِب إلى حيّ من حمير من اليمن لا إلى الحبشة - الدمشقيّ . روى عن : عليّ بن أبي طالب ، وثوبان مولى النبي - عليه السلام - ، وأبي سلمة راعي النبي - عليه السلام - ، وغيرهم . روى عنه : ابنا ابنه : معاوية وزيد ابنا سلام ، ومكحول ، والأوزاعي ، وغيرهم . قال أحمد بن عبد الله : تابعي ثقة . وقال البرقاني : زيد وجده ثقتان . روى له : الجماعة إلا البخاريّ (٣). والسَّلُولي : أبو كبشة ، روى عن : عبد الله بن عَمْرِو ، وسهل ابن الحنظلية ، وثوبان مَوْلى رسول الله . روى عنه : أبو سلام المذكور ، وحسان بن عطية . وقال أحمد بن عبد الله : تابعيّ شامي ثقة . وقال عبد الغني بن سعيد في (( الأوهام)) التي أخذها على الحاكم أبي عبد الله: قال : قال أبو كبشة السَّلُولي : اسمه : البراء بن قيس ؛ وهذا وهم ؛ لأن أبا كبشة السلولي يُعد في الشاميين ، وهو من هوازن ، وهوازن ترجع إلى مضر ، والبراء بن قيس كوفي من السكون ، والسكون من اليمن ، والبراء ابن قيس يكنى أبا كيسة مثلها في الخط إلا أنه بالياء باثنتين من تحتها والسين المهملة . روى له : البخاريّ ، وأبو داود ، والترمذي (٤). (١) تفرد به أبو داود . (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢١١١/١٠). (٤) المصدر السابق (٣٤/ ٧٥٨٣). (٣) المصدر السابق (٦١٧٢/٢٨). - ١٤١- وسهل : ابن الربيع بن عمرو بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة ، وهو سهل ابن الحنظلية ؛ وهي أُمّه ، شهد بَيْعة الرضوان مع رسول الله - عليه السلام - ، وروى عن النبي - عليه السلام - ، وكان متعبداً متوحداً لا يُخالط الناس ، سكن دمشق وكانت داره بها في حَجَرِ الذهب. روى عنه : أبو كبشة السلولي ، وقَيْس بن بشر التغلبي ، والقاسم بن عبد الرحمن . مات بدمشق في أول خلافة معاوية ، ولا عقب له . روى له : أبو داود ، والنسائي (١) . قوله: ((ثُوب بالصلاة )) أي : أقيم لها . قوله: (( وهو يَلْتفتُ)) جملة حالية . قوله: ((إلى الشِّعْب)) - بكسر الشين المعجمة ، وسكون العين المهملة - وهي الطريق في الجبل ، وجمعها : شعاب . وبهذا قالت العلماء : إذا التفت المصلي في صلاته لأجل ضرورة أو حاجة شديدة ، لا بأس به ، ولا يضرّ ذلك صلاته ، وبغير الضرورة يكره - لما قلنا - ولو نظر بمؤخر عينه يمنةً أو يسرةً من غير أن يَلْوي عنقه لا يكره ؛ (((٢) لما روى الترمذي ، والنسائي بإسنادهما إلى ابن عباس قال: (( كان رسول الله يلحظ في الصلاة يميناً وشمالاً ، ولا يَلْوي عنقه خلف ظهره)) . قال الترمذي : حديث غريب . ورواه ابن حبان في « صحيحه )) في النوع الأول من القسم الرابع مرفوعاً، والحاكم في ((المستدرك)) (٣) وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه . ورواه الدارقطني في ((سننه)). وقال ابن القطان في كتابه : هذا حديث صحيح ؛ وإن كان غريباً . وروى البزار في ((مُسنده )) بإسناده إلى ابن عباس أن النبي - عليه السلام - كان إذا صلى يُلاحظ أصحابه في الصلاة يميناً وشمالاً ولا يلتفت . ورواه (١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٩٥/٢)، وأسد الغابة (٤٦٩/٣)، والإصابة (٨٦/٢). (٢) انظر: نصب الراية (٨٩/٢ - ٩٠). (٣) (٢٢٦/١، ٢٥٦). - ١٤٢- ابن عدي في (( الكامل)) . وقال أبو بكر بن أبي شيبة : حدّثنا وكيع ، عن عبد الله بن سعيد ، عن رجل من أصحاب عكرمة أن رسول الله كان يلحظ في الصلاة من غير أن يثني عنقه . قلت : فيه مجهول وانقطاع . وحدّثنا هشيم قال : أنا خالد ، عن أنس بن سيرين قال : رأيتَ أنسَ ابن مالك يَتشرفُ إلى الشيء ، يَنَظرُ إليه في الصلاة . وحدَّثنا وكيع ، عن الوليد بن عبد الله بن جميع قال : رأيتُ إبراهيم يَلحظُ يميناً وشمالاً . ص - قال أبو داود : يعني : وكان أرسلَ فارساً إلى الشِّعْبِ مِن الليلِ يَحْرسُ. ش - أي : كان رسولُ الله - عليه السلام - أرْسلَ فارساً إلى الشِّعْب من الليْلِ يَحْرسُ [ ... ] (١) /. [٢٧/٢ -ب] ١٦٠ - بَابُ: العَمَلِ فِي الصَّلاةِ أي : هذا بابٌ في بيان حكم العمل في الصّلاة . ٨٩٣ - ص - نا القعنبي : نا مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن عَمرو بن سُليم، عن أبي قتادةَ أن رسولَ الله كان يُصَلِّي وهو حَامِلٌ أُمَامَةً بنتَ زينبَ ابنةَ (٢) رسول الله، فإذا سجَدَ وضَّعَها وإذا قَامَ حَملَها (٣). ش - أبو قتادة : الحارث بن رِبْعي ، وقد ذكرناه . وأمامة - بضم (١) بيض له المصنف قدر ثلاثة أرباع سطر. (٢) في سنن أبي داود: ((بنت)). (٣) البخاري : كتاب الصلاة ، باب : إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة (٥١٦) ، مسلم : كتاب المساجد ، باب : جواز حمل الصبيان في الصلاة (٥٤٣)، النسائي: كتاب السهو ، باب : حمل الصبايا في الصلاة ووضعهن في الصلاة (١٠/٣). -١٤٣- الهمزة - بنت زينب - رضي الله عنها - ، وكانت زينب أکبر بنات رسول الله - عليه السلام - ، وكانت فاطمة أصغرَهن وأحبهنّ إلى رسول الله - عليه السلام - ، وكان أولاد النبي - عليه السلام - كلها من خديجة سوى إبراهيم ، فإنه من مارية القبطية ، وتزوّج النبي - عليه السلام - خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصَيّ بن كلاب القرشية قبل البعثة. وقال الزهري : وكان عمر رسول الله - عليه السلام - يومئذ إحدى وعشرين سنةً ، وقيل : خمساً وعشرين سنةً زمان بُنيت الكعبة، قاله الواقدي ، وزاد : ولها من العمر خمس وأربعون سنةً ، وقيل : كان عمره - عليه السلام - ثلاثين سنة وعمرها أربعين سنةً ، وقال ابن جريج : كان - عليه السلام - ابن سبع وثلاثين سنةً ، فولدت له القاسم - وبه كان يكنى - والطاهر - وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ، وتزوجَ بزينب أبو العاص بن الربيع فولدَت منه عليا وأُمامة ، وهي التي كان رسول الله يحملها في الصلاة ، ولعل ذلك كان بعد موت أمها سنة ثمان من الهجرة على ما ذكره الواقدي وقتادة ، وكأنها كانت طفلةً صغيرةً، وقد تزوجها عليّ بن أبي طالب بعد موت فاطمة ، فولدت منه محمداً ، وكانت وفاة زينب في سنة ثمان، قاله الواقدي ، وقال قتادة عن ابن حزم: في أول سنة ثمان . قوله: ((وهو حامل)) جملة اسميّة وقعت حالاً من الضمير الذي في (يُصلي))، ثم تكلم الناسُ في حكم هذا الحديث ، فقال الشيخ محيي الدين (١) : هذا يدل لمذهب الشافعي ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي والصبيّة وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض وصلاة النفل ، ويجوز ذلك للإمام والمأموم والمنفرد . قلت : أما مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة فقد قال صاحب ((البدائع)) في بيان العمل الكثير الذي يفسد الصلاة والقليل الذي لا يفسد : فالكثير (١) شرح صحيح مسلم (٣٢/٥). - ١٤٤- ما يحتاج فيه إلى استعمال اليدين ، والقليل ما لا يحتاج فيه إلى ذلك ، حتى قالوا : إذا زَرّر قميصه في الصلاة فسدت صلاته ، وإذا حلّ إزراره لا تفسد ، وقال بعضهم : كلُّ عمل لو نظر إليه الناظرُ من بعيد لا يَشك أنه في غير الصلاة فهو كثير ، وكل عمل لو نظر إليه الناظرُ بما يَشتبه عليه أنه في الصلاة فهو قليل ، وهذا أصح ، وعلى هذا الأصل يخرجُ ما إذا قاتل في صلاته في غير حالة الخوف أنه تفسدُ صلاته ؛ لأنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة ، وكذا إذا أخذ قوساً ورمى فسدت صلاته ، وكذا لو دَهَن أو سرَّح رأسه ، أو حملت امرأة صبيها فأرضعته لوجود العمل الكثير على العبارتين ، فأما حملُ الصبيّ بدون الإرضاع فلا يُوجب الفساد ؛ لما روي أن النبي - عليه السلام - كان يُصلي في بيته وقد حمل أمامة بنت أبي العاص على عاتقه ، فكان إذا سجد وضعها ، وإذا قام رفعها ، ثم هذا الصنيع لم يكره منه - عليه السلام - لأنه كان محتاجاً إلى ذلك لعدم من يحفظها ، أو لبيانه الشرع بالفعل ، وهذا غيرُ موجبٍ فسادَ الصلاةِ ، ومثل هذا - أيضاً - في زماننا لا يكره لواحد منا لو فعل ذلك عند الحاجة، أما بدون الحاجة فمكروهٌ . انتهى . وذكر أشهب عن مالك أن ذلك كان من رسول الله - عليه السلام - في صلاة النافلة ، وأن مثل هذا الفعل غير جائز في الفريضة . قال أبو عُمر : حَسْبك بتفسير مالك ، ومن الدليل على صحة ما قاله في ذلك أني لا أعلم خلافاً أن مثل هذا العمل في الصلاة مكروه . وقال الشيخ محيي الدين (١): هذا التأويل فاسدٌ ؛ لأن قوله: (( يؤم الناسَ)) صريح أو كالصريح في أنه كان في الفريضة . قلت : هو ما رواه سفيان بن عيينة يُسنِدُه إلى أبي قتادة الأنصاري قال : رأيت النبي - عليه السلام - يؤم الناسَ / وأُمامة بنت أبي العاص وهي [٢٨/٢-١] (١) المصدر السابق . ١٠• شرح سنن أبي داوود ٤ -١٤٥- بنت زينب ابنة رسول الله - عليه السلام - على عاتقه ؛ ولأن الغالب في إمامة رسول الله - عليه السلام - كانت في الفرائض دون النوافل . وقال الشيخ محيي الدين (١) : وادعى بعض المالكيّة أنه منسوخ . وقال الشيخ تقي الدين : وهو مروي عن مالك - أيضاً . وقال أبو عمر : ولعل هذا نسخ بتحريم العمل والاشتغال بالصلاة . وقد ردّ هذا بأن قوله - عليه السلام -: ((إن في الصلاة لشغلاً)) كان قبل بدر عند قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة ، وأن قدوم زينب وابنتها إلى المدينة كان بعد ذلك ؛ ولو لم يكن الأمر كذلك لكان فيه إثبات النسخ بمجرد الاجتهاد . وروى أشهب ، وابن نافع ، عن مالك : أن هذا كان للضرورة . وادعى بعض المالكية أنه خاصّ بالنبي - عليه السلام - ، ذكره القاضي عياض . وقال الشيخ محيي الدين (٢) : وكل هذه الدعاوى باطلة ومردودة ؛ فإنه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها ؛ بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع ؛ لأن الآدمي طاهر وما في جوفه من النجاسة معفو عنه لكونه في معدته ، وثياب الأطفال وأجسادهم على الطهارة ودلائل الشرع متظاهرة على أن هذه الأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قَلَّتْ أو تفرقت ، وفعل النبي - عليه السلام - هذا بياناً للجواز وتنبيهاً به عليه . قلت : وقد قال بعض أهل العلم : إن فاعلاً لو فعل مثل ذلك لم أر عليه إعادة من أجل هذا الحديث ، وإن كنت لا أُحب لأحد فعله . وقد كان أحمد بن حنبل يُجيز هذا . قال الأثرم : سئل أحمدُ : أيأخذ الرجلُ ولده وهو يُصلي ؟ قال : نعم ، واحتج بحديث أبي قتادة . وقال الخطابي (٣) : يُشبه أن يكون هذا الصنيع من رسول الله - عليه السلام - لا عن قصدٍ وتعمّد له في الصلاة ولعل الصبية لطول ما ألفته واعتادته من ملابسته في غير الصلاة ، كانت تتعلق به ، حتى تلابسه وهو (١) المصدر السابق . (٣) معالم السنن (١٨٨/١). (٢) نفسه . -١٤٦- في الصلاة فلا يدفعها عن نفسه ولا يُبْعدها ، فإذا أراد أن يَسْجد وهي على عاتقه وضعها بأن يَحُطها أو يُرسلها إلى الأرض حتى يَفرغ من سجوده ، فإذا أراد القيامَ وقد عادت الصبيةُ إلى مثل الحالة الأولى لم يدافعها ولم يَمْنعها ، حتى إذا قام بقيت محمولةً معه . هذا عندي وجه الحديث ، ولا يكاد يتوهم عليه - عليه السلام - أنه كان يتعمد لحملها عليه ووضعها وإمساكها في الصلاة تارةً بعد أخرى ؛ لأن العمل في ذلك قد يكثر فيتكرّر، والمصلي يشتغل بذلك عن صلاته ، ثم ليس في شيء أكثر من قضائها وطراً من لعب لا طائل له ، ولا فائدة فيه، وإذا كان علم الخميصة يُشْغلهُ عن صلاته حتى يستبدل بها الأنبجانيّة ، فكيف لا يشتغل عنها بما هذا صفته من الأمْر ؟ وفي ذلك بيان ما تأولناه ، والله أعلم . وقال الشيخ محيي الدين (١) : بعد أن نقل ملخّص كلام الخطابي : هذا الذي ذكرناه وهو باطلٌ ودعوى مجردة، ومما يَرُدُّ قولَه في (( صحيح مسلم)): ((فإذا قام حملها))، وقوله: ((فإذا رفع من السجود أعادَها))، وقوله في غير رواية مسلم: (( خرج علينا حاملاً أمامة فصلّى)) ، وذكر الحديث . وأما قضية الخميصة : فلأنها تشغل القلب بلا فائدة ، وحمل أمامة لا نسلم أنه يُشغلُ القلبَ ، وإن شغله فيترتبُ عليه فوائد وبيان قواعد مما ذكرناه وغيره ، فاحتمل ذلك الشَّغْل لهذه الفوائد بخلاف الخميصة ؛ فالصواب الذي لا معدل عنه : أن الحديث كان لبيان الجواز والتنبيه على هذه الفوائد ، فهو جائز لنا وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين . قلت : الصواب مع الشيخ محيي الدين ؛ لأن الحديث صحيح ، والنسخ والخصوصيّة والتقييدُ بالفعل وغير ذلك لم يثبت ، فوجب العمل به، ولا حاجة إلى تكثير الكلام الذي ليس تحته طائل ولا منفعة . والحديث : أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي . ٨٩٤ - ص - نا قتيبةُ: نا الليث ، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عمرو بن (١) شرح صحيح مسلم (٣٢/٥ - ٣٣). -١٤٧ - سُليم الزرقي سمع أبا قتادةَ يقولُ : بينا نحنُ في المسجد إذ خَرِجَ علينا [٢٨/٢ -ب] رسولُ الله يَحمِلُ أُمَامة بنتَ أبي العاصِ بنِ الربيعِ، وأمَّهَاَ زِينبُ بنتُ / رسول الله - عليه السلام - وهي صَبِيةٌ يَحَمَلُهَا على عاتقه، فَصَلَّى رسولُ الله وهي عَلَىَ عَائِقِه يَضَعُها إذَا رَكَعَ وَيُعِيدُها إذا قَامَ حتى قَضَى صَلَاتَه، يَفْعلُ ذلك بها (١) . ش - (( بينا)) أصله (( بَيْن)) زيدت فيه الألف للإشباع؛ وقد مر الكلام فيه غير مرة . قوله: (( بنت أبي العاص بن الربيع)) (((٢) هو الصحيح المشهور في كتب أسماء الصحابة وكتب الأنساب وغيرهما ، أنه أبو العاص بن الربيع، ورواه أكثر رواة ((الموطأ)) عن مالك فقالوا : ابن ربيعة ، وكذا رواه البخاريّ من رواية مالك . قال القاضي عياض : وقال الأصيلي : هو ابن ربيع بن ربيعة ؛ فنسبه مالك إلى جَدّه . قال القاضي : وهذا الذي قاله غير معروف ، ونسبه عند أهل الأخبار والأنساب باتفاقهم : أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف ، واسمُ أبي العاص : لقيط ، وقيل: هشيم، وقيل: مهشم)). وقال الزبير ، عن محمد بن الضحاك ، عن أبيه : اسمُهُ : القاسم . وقال أبو عُمر : والأكثر : لقيط ويُعرفُ بجرْو البطحاء ، وربيعة عَمّه ، وأم أبي العاص : هالة ، وقيل : هنْد بنت خويلد ، أخت خديجة - رضي الله عنها - لأبيها وأمها . وقال ابن إسحاق : وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالاً وأمانةً وتجارةً وكانت خديجة هي التي سألت رسول الله أن يُزوجه بابنتها زينب ، وكان لا يخالفها ، وذلك قبل الوحي ، وكان عليه السلام قد زَوّج ابنته رُقية من عُتُبة بن أبي لهب ، فلما جاءه الوَحِيُ قال أبو لهب : اشغلوا محمداً بنفسه، وأمَر ابنه عُتْبة فطلق ابنة رسول الله قبل الدخول ، فتزوجها عثمان (١) البخاري : كتاب الصلاة ، باب: إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة (٥١٦)، مسلم : كتاب المساجد، باب : جواز حمل الصبيان في الصلاة (٥٤٣)، النسائي: كتاب المساجد، باب: إدخال الصبيان المساجد (٤٥/٢)، وكتاب الإمامة، باب: ما يجوز للإمام من العمل في الصلاة (٩٥/٢) و (١٠/٣). (٢) انظر: شرح صحيح مسلم (٣٣/٥). - ١٤٨- ابن عفان - رضي الله عنه - ومَشوا إلى أبي العاص فقالوا له : فارقْ صاحبتك ونحنُ نُزوجك بأيّ امرأة من قريش شئتَ . قال : لا والله ، إذا لا أفارق صاحبتي ، وما أُحبّ أن لي بامرأتي امرأةً من قريش ، وكان رسول الله يُثْني عليه في صهْره ، وكان رسول الله لا يُحِلّ بمكة ولا يُحرّم مغلوباً على أَمْره ، وكان الإسلام قد فرّق بين زينب وبين أبي العاص ، فكان لا يقدرُ على أن يُفُرّق بينهما . وقال ابن كثير : إنما حرّم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست من الهجرة . انتهى . وكان أبو العاص في غزوة بدر مع المشركين ووقع في الأَسْرى . قال ابن هشام : وكان الذي أسَره خِراشُ بن الصِّمّة أحد بني حَرَام . وقال ابن إسحاق ، عن عائشة - رضي الله عنها - : لما بعث أهل مكة في فداء أسْراهم بعثت زينب بنت رسول الله في فداء أبي العاص بمالٍ ، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها ، قالت : فلما رآها رسول الله رقّ لها رقةً شديدةً وقال: ((إن رأيتم أن تُطلقوا لها أسيرَها ، وتردّوا عليها الذي لها فافعلوا )) قالوا : نعم يا رسول الله ، فأطلقوه ، وردّوا عليها الذي لها . قال ابن إسحاق : وقد كان رسول الله قد أخذ عليه أن يخلّي سبيل زينب - يعني : أن تهاجر إلى المدينة - فوَفَى أبو العاص بذلك . وقال ابن إسحاق : ولما رجع أبو العاص إلى مكة أمَرها باللحوق إلى أبيها فخرجت ولحقت بأبيها - عليه السلام - ، وأقام أبو العاص بمكة على كفره ، واستمرت زينب عند أبيها بالمدينة ، حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص في تجارة لقريش ، فلما قفل من الشام لقيته سريةٌ فأخذوا ما معه وأعجزهم هرباً ، وجاء تحت الليل إلى زوجته زينب ، فاستجار بها فأجارته فلما خرج رسول الله لصلاة الصبح وكبّر وكبّر الناسُ خرجت من صُفة النساء : أيها الناسُ ، إني قد أجرتُ أبا العاص بن الربيع ، فلما سلم رسول الله أقبل على الناس فقال: ((أيها الناسُ، هل سمعتم الذي سمعتُ؟)) قالوا : نعم ، قال: ((أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء حتى سمعتُ ما سمعتم ، وإنه يجيرُ على المسلمين أدناهم)) ، ثم انصرف رسول الله -١٤٩- فدخل على ابنته زينب، فقال: ((أيْ بُنّة، أكرمي مثواه ولا يخلصُ إليك؛ فإنك لا تحلين له )) قال : وبعث رسول الله فحثهم على رَدّ ما كان معه ، فردّوه بأَسْره لا يفقد منه شيئا ، فأخذه أبو العاص ورجع به إلى مكة، فأعطى كل إنسان ماله ثم قال : يا معشر قريش ، هل بقي لأحد [٢٩/٢-١] معكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا : لا ، فجزاك الله خيراً / فقد وجدناك وفيا كريماً ، قال : فإني أشهد أنْ لا إله إلا الله ، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، والله ما منعني عن الإسلام عنده إلا تخوّف أن تظنوا أني إنما أردتُ أن آكل أموالكم ، فلما أدّى الله إليكم ، وفرغت منها أسلمتُ ، ثم خرج حتى قدم على رسول الله . قال ابن إسحاق : فحدثني داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : وردّ عليه رسول الله ابنته زينب على النكاح الأول ، لم يُحدث شيئاً . وسنذكر حقيقة هذا الكلام في موضعه إن شاء الله تعالى . قوله: ((يضعها إذا ركع )) إلى آخره أي: يَضع أمامة إذا أراد الركوع . فإن قيل : أليس هذا بعمل كثير ؟ والعمل الكثير يُفسد الصلاة ؟ قلت : هذه الأفعال وإن تعددت ولكنها غير متوالية في كل ركن من أركان الصلاة، فلا يضر ذلك ، فصار ذلك الفعل منه - عليه السلام - بياناً للتشريع والجواز في حمل الحيوان الطاهر ، وأن ثياب الأطفال وأجسادهم طاهرة حتى تتحقق نجاستها ، وأن دخولهم المساجد جائز . وقال الخطابيّ (١) : وفي الحديث دلالة على أن لَمْس ذوات المحارم لا ينقض الطهارة ؛ وذلك لأنها لا تلابسُه هذه الملابسة إلا وقد تمسّه ببعض أعضائها . قلت : قال الشيخ تقي الدين : أجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون من وراء حائل ، وهذا يُستمدَّ من أن حكايات الأحوال لا عموم لها . وقال القرطبي : حكم من لا تُشتَهى منهنّ بخلاف حكم من تُشتَهى . (١) معالم السنن (١٨٨/١). - ١٥٠- قلت : ويُستفادُ من هذا الحديث فائدة أخرى وهي عظيمة ؛ وهي أن حمل الجارية على العُنُق إذا لم تضرّ الصلاة ، فمُرُورُها بَيْن يدي المُصلّي أَوْلی وأجدر أن لا تقطعَ صلاته ، فافهم . ٨٩٥ - ص - نا محمد بن سلمة المرادي : نا ابن وهب ، عن مخرمة ، عن أبيه ، عن عمرو بن سُليم الزرقي قال : سمعتُ أبا قتادةَ الأنصاريَّ يَقولُ: رأيتُ رسولَ الله يُصلِّي للناسِ وأُمَامةُ بنتُ أبي العاصِ على عَنْقِهِ ، فإذا سَجَدَ وَضَعَهَا (١) . ش - مخرمة : ابن بكير بن عبد الله بن الأشج المخزومي مولاهم أبو المسور المدني . روى عن : أبيه . روى عنه : مالك بن أنس ، وعبد الله بن المبارك ، وعبد الله بن وهب ، والقعنبي ، وغيرهم . وقال أحمد بن صالح : كان مخرمة من ثقات الناس . وقال أحمد : ثقة . وقال عباس(٢)، عن ابن معين : هو ضعيف ، وحديثه عن أبيه كتاب. وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به . روى له : البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٣) . وأبوه : بكير بن عبد الله ، قد ذكرناه . قوله: ((فإذا سجد )) أي: إذا أراد أن يَسْجد وضع أمامة . ص - قال أبو داود: مخرمةُ لم يَسْمعْ (٤) من أبيه إلا حديثاً واحداً. ش - أشار بهذا الكلام إلى أن مخرمة لم يَسْمع هذا الحديث من أبيه : بكير بن عبد الله ، ويُناقض هذا : ما روي عن مالك : قلتُ لمخرمة : ما حدثتَ عن أبيك سمعتَه منه؟ فحلف بالله لقد سمعتُه . وما قال أبو حاتم: صالح الحديث إن كان سمع من أبيه ، فكلُّ حدیث عن أبيه إلا (١) انظر التخريج المتقدم. (٢) في الأصل: ((ابن عباس)) خطأ، وإنما هو عباس الدوري. (٣) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٥٨٢٩/٢٧). (٤) في سنن أبي داود: ((لم يسمع مخرمة)). -١٥١- حديث يُحدّثُ به عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، وما قال مَعْنُ بن عيسى: مخرمةُ سمع من أبيه . قلتُ : ومما يؤيدُ كلامَ أبي داود : ما رُوي أن أحمد بن حنبل سئل عنه فقال : ثقة ، ولم يسمع من أبيه شيئاً ؛ إنما يَرْوي من كتاب أبيه . ومَا قال ابن أبي خيثمة ويحيى بن معين : وقع إليه كتابُ أبيه ولم يَسْمِعْه منه . وما قال ابن المديني : ولم أجد أحداً بالمدينة يخبرني عن مخرمة ، أنه كان يقول في شيء من حديثه : سمعتُ أبي . ٨٩٦ - ص - نا یحیی بن خلف : نا عبد الأعلى : نا محمد بن إسحاق ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عمرو بن سُليم الزَّرَقِي ، عن أبي قتادةَ صاحب رسول الله - عليه السلام - قال: بينما نحن نَنتظرُ رسولَ الله للصلاة في الظهرِ أو الَعَصَّرِ وقد دَعَاهُ بلالٌ للصلاة إذ خَرَجَ إلينا وأُمََّمَةُ بنتُ أبي العاصَِّ بنتُ ابْتَتَه على عُنْقِهِ، فَقَامَ رسِولُ اللّه في مُصَلَاهُ وقُمْنَا خَلْفَه وهي في مَكَانِهَا الذي هيَ فيه ، قال : فَكَّرِ فَكَبَّنَا قالَ: حتى إذا أَرَادَ رسولُ الله أَنْ يَرْكَعَ أَخَذَهَا فوضَعَها، ثم رَكَعَ وسجدَ، حتى إذا فَرغَ من سُجُودِهِ ثمَ قَامَ أَخَذَهَا فَرَدَّها في مَكَانِهَا، فما زالَ رسولُ اللهِ يَصْنِعُ بها ذلك في كُلِّ رَكعةٍ حتى فَرَغَ من صَلاتِهِ (٢) . ش - يحيى بن خلف : أبو سلمة الباهلي البصري ، يُعرف بالجُوبَاريِّ [٢٩/٢ -ب] / روى عن : معتمر بن سليمان ، وبشر بن المفضل، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي ، وغيرهم . روى عنه : مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، وغيرهم . مات بالبصرة سنة اثنتين وأربعين ومائتين (٢) . قوله: ((في الظهر أو العَصْر )) صريحٌ أنه - عليه السلام - صلى الفرض وهو حامل أمامة ؛ وهذا يردّ قول من يقول : إنه كان في النفل ، وقد ذكرناه . (١) انظر الحديث السابق. (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٨١٩/٣١). -١٥٢- قوله: ((على عنقه)) وفي رواية: ((على عاتقه))، وقد مر الكلام فيه مستوفّى . ٨٩٧ - ص - نا مسلم بن إبراهيم : نا عليّ بن المبارك : نا يحيى بن أبي كثير، عن ضمضم بن جَوْسٍ ، عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ [ الله ] - عليه السلام -: ((اقْتُلُوا الأَسْودَيْنِّ في الصلاة: الحَيَّةَ، والعَقْرِبَ)) (١). ش - علي بن المبارك : الهنائي البصري . وضمضم بن جَوْس : الهِفَّانِيَّ اليماني . سمع : أبا هريرة ، وعبد الله ابن حنظلة بن الراهب . روى عنه : يحيى بن أبي كثير ، وعكرمة بن عمار اليمانيان . قال ابن معين : هو ثقة . وقال أحمد : ليس به بأسٌ . روى له : أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، والترمذي (٢). قوله: ((اقتلوا الأَسْودَين)) الأسود : أَخبث الحيّات وأعظمها ، وهي من الصفة الغالبة حتى استعمل استعمال الأسماء ، وجُمع جمعها ، فيُقال : أسَاودُ، ولو استُعمل استعمالَ الصفة لقِيل: سُودٌ ، ويُقال: أَسَودٌ سالغٌ غيرُ مضاف لأنه ينسلخُ جلده كل عامٍ ، والأنثى: أَسْوَدَةٌ ولا تُوصَفُ بسَالخة ، وإطلاق الأسود على العقرب - أيضاً - من باب التغليب كالعُمرَيْن والقمرين ونحوهما . وبهذا أخذ علماؤنا أن المصلي إذا قتل الحيّة والعقرب لا بأس به ؛ لأن فيه إزالة الشَّغْلِ، فَأَشْبه دَرْء المارّ ، وقد قيل : هذا إذا قتله بضربة ، والأظهر أن الضرب والضربات سواء ؛ لأن القليل والكثير فيما ثبت رخصةً سواء كالمشي بعد الحدث والاستقاء من البئر والتوضؤ به. وقال الخطابيّ" (٣): وفي معنى الحيّة والعقرب كل ضرّر مباح القَتْل ، كالزنابير والشَّبثان ونحوها . (١) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في قتل الحية والعقرب (٣٩٠)، النسائي : كتاب السهو ، باب : قتل الحية والعقرب في الصلاة (١٢٠١) ، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : ما جاء في قتل الحية والعقرب في الصلاة (١٢٤٥) . (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٩٤١/١٣). (٣) معالم السنن (١٨٩/١). -١٥٣- قلت : الشبئان جمع شَبَث ، وهي دُوَيبة تكون في الرمْل ، كثيرة الأرجل ، من أحناش الأرض ؛ وهو بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة ، وفي آخره : ثاء مثلثة - والشِبْثان - بكسر الشين . وقال : ورخص عامّة أهل العلم في قتل الأسودين في الصلاة ، إلا إبراهيم النخعي . قلت : روى أبو بكر بن أبي شيبة وقال : حدّثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم أنه سئل عن قتل العقرب في الصلاة فقال : إن في الصلاة لشغلاً. قلت : لعل السُّنَّة المتبعة لم تبلغه فلذلك منع من ذلك . والحديث : أخرجه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - عليه السلام - ، وغيرهم ، وبه يقولُ أحمد ، وإسحاق . وكره بعض أهلُ العلم قَتلَ الحية والعقرب في الصلاة . وقال إبراهيم : إن في الصلاة لشُغْلا، والقولُ الأول أصحّ. والحديث: رواه ابن حبان في «صحيحه » في النوع السبعين من القسم الأول ، وفي النوع الستين من القسم الرابع ، وأحمد في ((مسنده))، والحاكم في ((مستدركه )) . وقال : حديث صحيح ولم يُخرجاه . ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في (( مصنفه )) ، وقال: وحدَّثْنا معمر ، عن برد ، عن سليمان بن موسى قال : رأى نبي الله - عليه السلام - رجلاً يُصلي جالساً ، فقال النبي - عليه السلام -: ((لِمَّ تُصلي جالساً؟))، فقال: إن عقرباً لسَعَتْني، قال: ((فإذا رأى أحدكم عقرباً وإن كان في الصلاة ، فيأخذ نعله اليُسْرى فليقتلها بها )). حدَّثنا ابن عيينة ، عن عبد الله بن دينار : رأى ابن عمر ريشةً وهو يصلي ، فحسب أنها عقرب فضربها بنعله . ٨٩٨ - ص - نا أحمد بن حنبل ، ومُسدّد - وهذا لفظه - قال : نا بشر - يعني : ابن المفضل - نا بُرْدٌ ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالت: كان رسولُ الله - عليه السلام - قال أحمدُ: -١٥٤- يُصلِّي والبَابُ عليهِ مُغلَقٌ فَجئتُ فاسْتُفتَحتُ. قال أحمدُ : فَمشَى ففتَحَ لي، ثم رَجَعَ إلى مُصَلَاهُ، وذكر أَنّ البابَ كان في القِبلةِ (١). ش - بُرْد : ابن سنان الشامي أبو العلاء . قوله: ((قال أحمد)) أي: أحمد بن حنبل . والحديث : أخرجه النسائي، وفي حديثه: ((يُصَلّي تَطوُّعاً)). وقد قال الترمذي: (( باب ما يجوز من المشي والعمل في صلاة التطوع))، ثم قال: حدّثنا أبو سلمة يحيى بن خلف : نا بشْرُ بن المفضل ، عن بُرد بن سنان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : جئتُ ورسول الله - عليه السلام - يُصلّي في البيت والباب عليه مغلق ، فمشى حتى فتح لي ، ثم رجع إلى مكانه، ووصفت الباب في القِبْلة . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب . قوله: (( ومشى)) محمول على أنه مشى أقل من ثلاث خطوات لقُرْبه من الباب ، وفتحه الباب - أيضاً - محمول على أنه فتحه بيده الواحدة ، وذلك لأن الفتح باليدين عمل كثير ، فتفسد به الصلاة . وعن هذا قال أصحابنا : لو غلق المصلي الباب لا تفسد صلاته ، ولو فتحه (٢) فسدت؛ لأن الفتح يحتاج غالباً إلى المعالجة باليدين بخلاف الغَلْق ، حتى لو فتحه(٢) بيده لا تفسد . / ١٦١ - بَابُ: رَدِّ السَّلام فِي الصَّلاةِ [٢/ ٣٠-١] أي : هذا باب في بيان حكم رَدّ السلام في الصّلاة ، وفي بعض النسخ: ((باب ردّ السلام)). ٨٩٩ - ص - نا محمد بن عبد الله بن نُمير : نا ابن فضيل ، عن الأعمش، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : كنّا نُسلِّم على النبيِّ - عليه (١) أخرجه النسائي: كتاب الافتتاح ، باب: المشي أمام القِبْلة (١١/٣). (٢) في الأصل: (( فتحها)). -١٥٥- السلام - وهو في الصَّلاة فيَرُدُّ علينا، فلما رَجَعْنَا من عند النجاشيِّ سَلِّمنا عليه فلم يرَدَّ علينا وقال: ((إن في الصلاة لشُغْلاً)) (١) . ش - محمد بن عبد الله بن نُمير: أبُو عبد الرحمن الكوفي الهَمْداني الخارفي ، وخارف بَطنٌ من همدان . سمع : أباه ، وأبا معاوية ، وابن فضيل ، وغيرهم . روى عنه : أبو زرعة ، وأبو حاتم ، والبخاريّ ، ومسلم ، وأبو داود ، وابن ماجه ، وأبو يعلى الموصلي ، وغيرهم . وقال أحمد بن عبد الله : كوفيّ ثقة . مات سنة أربع وثلاثين ومائتين في شعبان أو رمضان . وابن فضيل : هو محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي (٢) . قوله: (( فلما رجعنا من عند النجاشي )) ذكر الواقدي أن خروج الصحابة إلى الحبشة كان في رجب سنة خمس ، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلاً وأربع نسوة ، وأنهم انتهوا إلى البَحْر ما بين ماشٍ وراكبٍ ، فاستأجروا سفينةً بنصف دينار إلى الحبشة ، وهم : عثمان بن عفان ، وامرأته : رقية بنت رسول الله ، وأبو حذيفة بن عتبة ، وامرأته : سهْلة بنت سُهيل ، والزبير بن العوام ، ومُصْعب بن عمير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو سلمة بن عبد الأسد ، وامرأته : أم سلمة بنت أبي أميّة ، وعثمان بن مظعون ، وعامر بن ربيعة العنزي ، وامرأته : ليلى بنت أبي حَثْمَة ، وأبو سَبْرة بنُ أبي رُهْم ، وحاطب بن عَمرو ، وسُهَيْل ابن بَيْضاء، وعبد الله بن مَسْعود . وقال آخرون : بل كانوا اثنين وثمانين رجلاً سوى نسائهم وأبنائهم ، ثم بعد ذلك خرج جَعْفر بن أبي طالب ومعه: امرأته: أسماء بنت عُمَيْس، وولدت له بها عبد الله بن جعفر، وتتابع (١) البخاري : كتاب التهجد ، باب : ما ينهى من الكلام في الصلاة (١١٩٩)، مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة (٥٣٨) ، النسائي : كتاب السهو ، باب : الكلام في الصلاة (١٩/٣). (٢) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٥٣٧٩/٢٥). -١٥٦- المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة . وعد ابن إسحاق من خَرج صحبة جَعْفر فبلغ ثلاثة وثمانين رجلاً ، ثم إن عبد الله بن مسعود تعجل في الرجوع حتى أدرك بدراً وشهدها ، وأما جَعْفر : فإنه قدم مع من كان بقي هُنَاك على رَسُول الله وهو مخيّم بخيبر سنة سبع من الهجرة . وأما النجاشي : فهو اسم كل مَنْ ملك الحبشة ، كما أن كل من ملك الشام مع الجزيرة مع بلاد الروم يُسمى ((قيصر))، وكل من ملك الفُرْس سمّي (كسرى))، وكل من ملك مصْر كافراً سمّي ((فرعون))، وقد ذكرناه مرةً. قوله : ((إن في الصلاة لشُغْلا)) أي: لشغلا للمُصلي، معناه: وظيفته أن يشتغل بصلاته فيتدبّر ما يقوله ولا يعرّج على غيرها فلا يردّ سلاماً ولا غيره . واختلف العلماء في هذه المسألة ؛ فقالت جماعة : يَرَدُّ السَّلام فيها نُطقاً ؛ منهم : أبو هريرة ، وجابر ، والحسن ، وسَعيد بن المسيّب ، وقتادة ، وإسحاق . وقيل : يردّ في نفسه . وقال عطاء ، والنخعي ، والثوري : يردّ بعد السلام من الصلاة . وقال الشافعي ، ومالك : يَرُدّ إشارةً ولا يَرَدّ نُطقاً . وقال أبو حنيفة وأصحابُه : لا يردّ لا نطقاً ولا إشارةً بكل حال . أما ردّه بلسانه ؛ فلأنه كلام ، وأما بيده ؛ فلأنه سلام معنّی حتى لو صافح بنيّة التسليم تفسد صلاته . والحديث : أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي . ٩٠٠ - ص - نا موسى بن إسماعيل : نا أبان : نا عاصم، عن أبي وائل ، عن عبد الله قال : كُنَّا نُسلِّم في الصلاة ونَأمُرُ بحاجَتَنَا ، فقدمتُ على رَسُول الله - عليه السلام - وهو يُصلِّي فسَلَّمْتُ عليه فلم يَرُدَّ عَلَيَّ السلامَ، فَأَخَذَنِي مَا قَدُمَ وحَدُث (١) ، فلما قضَى رسولُ الله الصلاةَ قال: ((إن اللهَ تَعالى يُحْدِثُ من أمْرِهِ ما يَشاءُ ، وإنّ اللهَ قد أَحْدَثَّ (٢) أن لا تكَلَّمُوا في الصلاةِ)) فَرَدَّ عَلَيَّ السَلَامَ(٣) . (١) في سنن أبي داود: ((وما حدث)). (٢) في سنن أبي داود: ((قد أحدث من أمره أن لا ... )). (٣) النسائي: كتاب السهو ، باب: الكلام في الصلاة (١٩/٣). - ١٥٧- ش - أبان : ابن يزيد العطار ، وعاصم : ابن بَهدلة الأسدي الكوفي ، وأبو وائل : شقيق بن سلمة . قوله : ((فأخذني ما قدُم وحَدُث )) بضم الدال فيهما . قال ابن الأثير : يعني : همومُهُ وأفكارُه القديمةُ والحديثةُ ، يقال : حدث الشيء بالفتح يحدُث حدوثاً ، فإذا قرن بقَدُم ضمّ للازدواج بقَدُم . قوله : ((أن لا تكَلّمُوا)) أصله : تتكلموا ، فحذفت إحدى التائين للتخفيف كما في ﴿نَاراً تَلَظَّى﴾ (١) أصله: تتلظى. ويُستفاد من الحديث مسائل؛ الأولى: عدم جواز رد السلام في الصلاة. الثانية : عدم جواز الكلام فيها أيضاً . الثالثة : ينبغي أن يَرُد السلام بعد الفراغ من الصلاة . [٣٠/٢ - ب] ثم استدلّ / أصحابنا بهذا الحديث أن من تكلم في صلاته بطلت صلاته سواء كان عامداً أوساهياً لإطلاق قوله: ((وإن الله أَحْدث أن لا تكلموا في الصّلاة )» ، وهو حُجة على الشافعي حَيْث قال : لا تفسد في الخطأ والنسيان . وقال الشيخ محيي الدين (٢): وقالت طائفة منهم الأوزاعي : يجوز الكلام لمصلحة الصلاة ؛ لحديث ذي اليدين ، وأما الناسي : فلا تبطل صلاته بالكلام القليل عندنا ، وبه قال مالك وأحمد والجمهورُ . وقال أبو حنيفة والكوفيون : تبطلُ دليلنا حديث ذي اليدين . فإن كثر كلام الناسي ففيه وجهان مشهوران لأصحابنا أصحهما : تبطل صلاته ؛ لأنه نادر . وأما كلام الجاهل إذا كان قريب عهد بالإسلام فهو ككلام الناسي فلا تبطل صلاته بقليله . وأجابَ بعضُ أصحابنا أن حدیث قصة ذي الیدین منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم ؛ لأن ذا اليدين قُتِلَ يوم بَدرِ ؛ كذا رُوي عن (١) سورة الليل: (١٤). (٢) شرح صحيح مسلم (٢١/٥). -١٥٨- الزهري ، وأن قصّته في الصلاة كانت قبل بدر ، ولا يمنع من هذا كون أبي هريرة رواه وهو متأخِرُ الإسْلام عن بدر ؛ لأن الصحابيّ قد يَرْوي ما لا يَحضره بأن يَسْمعه من النبي - عليه السلام - أو صحابيّ آخر . وقال البيهقي : (( باب ما يستدلّ به على أنه لا يجوز أن يكون حديث ابن مسعود في تحريم الكلام ناسخاً لحديث أبي هريرة وغيره في كلام الناسي )) وذلك تقدّم حديث عبد الله وتأخر حديث أبي هريرة وغيره . قال ابن مسعود فيما روينا عنه في تحريم الكلام: (( فلما رجعنا من أرض الحبشة)) ورجوعه من أرض الحبشة كان قبل هجرة النبي - عليه السلام -، ثم هاجر إلى المدينة وشهد مع النبي - عليه السلام - بدراً ؛ فقصّة التسليم كانت قبل الهجرة . والجواب عن هذا: أن أبا عُمر ذكر في ((التمهيد ) أن الصحيح في حديث ابن مسعود أنه لم يكن إلا بالمدينة ، وبها نُهي عن الكلام في الصلاة ، وقد روي حديث ابن مسعود بما یوافق حدیث زید بن أرقم قال : (( كنا نتكلمُ في الصلاة : يُكلمُ الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُواْ لله قَانتينَ﴾ (١) ، فأُمرنا بالسكوت ، ونهينا عن الكلام)»، وهو حديث صحيح صريح في أن تحريم الكلام كان بالمدينة ؛ لأن صحبة زيد لرسول الله إنما كانت بالمدينة ، وسورة البقرة مدنية ، ثم ذكر حديث ابن مسعود من جهة شعبة ، ولم يقل : إنه كان حین انصرافه من الحبشة ، ثم ذكره من وجه آخر بمعنی حدیث زيد سواء ؛ ولفظه: ((إن الله أحدث أن لا تكلّموا إلا بذكر الله، وأن تقوموا لله قانتين)) ثم ذكر حديثاً ثم قال : ففيه وفي حديث ابن مسعود دليل على أن المنع من الكلام كان بعد إباحته . فإن قيل : حديث ابن مسعود في سنده : عاصم ابن بهدلة. قال البيهقي في كتاب (( المعرفة)) : صاحبا الصحيح توقًيا روايته لسُوء حفظه. وقال أبو عمر في (( التمهيد)) : مَن ذكر في حديث ابن مسعود: ((إن الله أحدث أن لا تكلموا في الصلاة)) فقد وهم ، ولم يقل ذلك غير عاصم ، وهو عندهم سيء الحفظ كثير الخطإ . قلت : (١) سورة البقرة: (٢٣٨). -١٥٩- الحديث رواه ابن حبّان في ((صحيحه))، والنَّسائي في ((سنته)) (١). وقال البيهقي : ورواه جماعة من الأئمة عن عاصم بن أبي النجود ، وتداوله الفقهاء إلا أن صاحبي الصحيح يتوقيان روايته لسُوء حفظه ؛ فأخرجاه من طريق آخر ببعض معناه . وقال أبو عمر : وقد رُوي حدیث ابن مسعود بما يوافق حديث زيد بن أرقم - كما ذكرناه . وهذا القدر كاف في صحة الاستدلال . ثم إن حديث عاصم ليس فيه: (( فلما رجعنا من أرض الحبشة إلى مكة)) بل يحتمل أن يُريد: (( فلما رجعنا من أرض الحبشة إلى المدينة)) لیتفق حديث ابن مسعود وحديث ابن أرقم . وقد ذكر ابن الجوزي أن ابن مسعود لما عاد من الحبشة إلى مكة ، رجع في الهجرة الثانية إلى النجاشي، ثم قدم على رسول الله بالمدينة وهو يتجهزُ لبدرٍ . وذكر البيهقي فيما بعد في هذا الباب من كلام الحميدي ، أن إتيان ابن مسعود من الحبشة كان قبل بدر، وظاهر هذا يؤيد ما قلناه ، وكذا قول صاحب ((الكمال )) وغيره : هاجر ابن مسعود إلى الحبشة ، ثم هاجر إلى المدينة . ولهذا قال [٣١/٢-١] الخطابيّ" (٢): إنما نسخ الكلام بعد الهجرة بمدة / يسيرة، وهذا يدلّ على اتفاق حديث ابن مسعود وابن أرقم على أن التحريم كان بالمدينة كما تقدّم من كلام صاحب (( التمهيد )). وقد أخرج النسائي في (( سننه)) (٣) من حديث ابن مسعود قال : كنت آتي النبي - عليه السلام - وهو يُصلي فأسلّم عليه فيردّ عليَّ، فأتيتُه فسلمت عليه فلم يردّ عليَّ، فلما سلَّم أشار إلى القوم فقال: (( إن الله عَزَّ وجَلَّ أحدث في الصلاة أن لا تتكلموا إلا بذكر الله ، وما ينبغي لكم ، وأن تقوموا لله قانتين)). وظاهر قوله: ((وأن تقوموا لله قانتين )» يدل على (١) كتاب السهو، باب: الكلام في الصلاة (١٩/٣). (٢) معالم السنن (٢٠٣/١) . (٣) كتاب السهو، باب: الكلام في الصلاة (١٩/٣). - ١٦٠-