Indexed OCR Text

Pages 121-140

[٢٣/٢-ب] / وبعدها خاء معجمة مُشدّدة - أي : فتح عضديه عن جَنْبِيْه وجَافَاهما
عنهما، ويروى: (( جَخى )) - بالياء - وهو أشهَرُ وهو مثل جَخَّ ، وقال
بَعضُهم : كان إذا صلى جَخَّ أي : تحوَّل من مكان إلى مكان . وروى
البزار : كان النبي - عليه السلام - إذا صلى جَخًّا ، قال : وقال النضر
ابن شميل : جخا : لا يتمدّدُ في ركوعه ولا سجوده . وقال الحاكم :
صحيح على شَرْط الشيخين ولم يُخْرجاه ، وهو مَعْدود في أَفْراد النضر بن
شميل .
٨٧٧ - ص - نا مسلم بن إبراهيم : نا عبّاد بنِ راشد: ثنا الحسن : نا أحمرُ
ابن جَرِيٌّ صاحبُ رسول الله - عليه السلام - أَنَّ رسولَ الله - عليه السلام -
كان إذاَ سَجَدَ جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ جَنَّبَهِ حَتَى نَأْوِيَ له (١) .
ش - عباد بن راشد : التميمي مولى بني كُليب بن يربوع البصري .
سمع : الحسن البصري . وروى عن : سعيد بن أبي خيرة (٢) . روى
عنه : عبد الرحمن بن مهدي ، وأبو عامر العقدي ، ووكيع ، وغيرهم .
قال أحمد : ثقة صدوق صالح . وقال ابن معين : صالح . وقال
أبو حاتم : صالح الحديث . وأنكر على البخاريّ إدخال اسمه في كتاب
((الضعفاء)) وقال : يحول من هناك. روى له : البخاريّ ، ومسلم ،
وأبو داود ، وابن ماجه (٣) .
وأحمرُ بن جَرِيِّ بن ثعلبة بن زيد بن مالك بن سنان ، عداده في
البصريين . روى عنه : الحسن البصري ، ولم يرو عنه غيرُه ، روى عن
النبي - عليه السلام - حديثاً واحداً . روى له : أبو داود ، وابن ماجه (٤)
وأحمرُ بالحاء والراء المهملتين ، وجَري : بفتح الجيم ، وكسر الراء ، وقيل
(١) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: السجود (٨٨٦).
(٢) في الأصل: ((حمزة عنه )) خطأ.
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٠٧٧/١٤).
(٤) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٩٤/١)، وأسد الغابة
(٦٦/١)، والإصابة (٢٢/١).
- ١٢١-

بالتصغير ، وقيل : حري - بالحاء المهملة ، وقيل : جزء - بفتح الجيم
وسكون الزاي ، وفي آخره همزة (١) .
قوله : (( نأوي له )) أي : نرِقّ له ونُرْنِي ؛ يقال : أَوَيْتُ للرجل آوِي له
إذا أصابه شيء ، فرثيت له . والحديث : أخرجه ابن ماجه .
وقال أبو بكر بن أبي شيبة : نا وكيع ، عن عباد بن راشد ، عن الحسن
قال : حدَّثني أحْمرُ صاحب رسول الله قال : إن كُنا لنَاوِي لرسول الله
-عليه السلام - فما يُجافي بفخذيه عن جنبيه إذا سَجد .
٨٧٨ - ص - نا عبد الملك بن شعيب بن الليث : نا ابن وهب قال :
أخبرني الليث ، عن دَرّاج ، عن ابن حُجَيْرة ، عن أبي هريرةَ ، عن النبيِّ
-عليه السلام - قال: ((إذا سَجدَ أَحدُكُم فلا يَفْترِشْ يدَيّهِ افْتِرَاشَ الكَلْبِ ،
وليضمَّ فَخِذَيْه)) (٢) .
ش - درّاج : ابن سَمْعان أبو السَّمْح القرشي السَهْمي ، مولى عبد الله
ابن عَمْرو بن العاص ، قال يحيى بن بكير : هو ابن عم عبد الرحمن ،
رأى عبد الله بن عمرو . وسمع : عبد الله بن الحارث بن جَزْء،
وأبا الهيثم سليمان بن عمرو ، وابن حُجَيرة . ورَوَى عن : السائب مولى
أم سلمة زوج النبي - عليه السلام - . وروى عنه : الليث بن سَعْد ،
وعمرو بن الحارث ، وابن لهيعة ، وغيرهم . قال أحمد : حديثه منكر .
وقال ابن معين : ثقة . وقال الدارقطني : مصري متروك . وقال النسائى :
مصري ليس بالقوي . توفي سنة ست وعشرين ومائة . روى له :
أبو داود ، والترمذي (٣) .
وابن حُجيرة : اسمُهُ : عبد الرحمن بن حُجَيرة أبو عبد الله الخولاني
المصري قاضي مصْر . سمع : عبد الله بن عمرو ، وأبا هريرة ، وعقبة بن
عامر . روى عنه : ابنه : عبد الله ، والحارث بن يزيد ، ودرّاج ،
(١) وحكى الذهبي في ((المشتبه)): (( جَزِي)) بفتح الميم وكسر الزاي.
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٨/ ١٧٩٧).
-١٢٢-

وغيرهم . توفي في المحرم سنة ثلاث وثمانين . روى له : الجماعة إلا
البخاريّ (١) .
قوله : (( افتراش الكلب)) منصوب بنزع الخافض ، أي : كافتراش
الكلب .
١٥١ - بَابُ: الرُّخْصَة في ذَلِك (٢)
أي : هذا باب في بيان الرخصة في افتراش اليدين عند الضرورة .
٨٧٩ - ص - نا قتيبة بن سعيد : نا الليث ، عن ابن عجلان، عن سُمَيّ،
عن أبي صالح، عن أبي هريرة قالٍ : اشْتَكَى أصحابُ النبيُّ - عليه السلام -
إلى النبي - عليه السلام - مَشقَّةَ السَّجودِ عليهم إذا انفرَجُوا ، فقال :
((اسْتَعِينُوا بالرُّكَب)) (٣).
ش - سُمَي : القرشي المدني ، مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ،
وأبو صالح : ذكوان الزيات .
قوله: (( استعينوا بالركب)) قال ابن عجلان: وذلك أن يضع مرفقيه على
ركبتيه إذا طال السجود وأعي . والحديث : أخرجه ابن خزيمة في
(صحيحه)، والحاكم في ((مستدركه)) وقال: صحيح على شرط مسلم .
وفي لفظ: (( قالوا : يا رسول الله ، إن تفريج الأيدي في الصلاة يشق
علينا فأمرهم أن يستعينوا بالركب )) . ورواه الترمذي - أيضاً - وقال : هذا
حديث لا نعرفه / من حديث أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي [٢٤/٢-١]
-عليه السلام - إلا من هذا الوجه من حديث الليث ، عن ابن عجلان ،
وقد روى هذا الحديث سفيانُ بن عيينة وغير واحد ، عن سميّ ، عن
النعمان بن أبي عياش ، عن النبي - عليه السلام - نحو هذا وكأنّ رواية
هؤلاء أصح، وكذا قاله أبو حاتم في كتاب ((العلل)).
(١) المصدر السابق (٣٧٩٤/١٧).
(٢) في سنن أبي داود: (( ... في ذلك للضرورة)).
(٣) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب: ما جاء في الاعتماد في السجود (٢٨٦).
-١٢٣-

وفي ((المصنف )) قال أبو بكر : نا يزيد بن هارون ، عن ابن عون ،
قال: قلت لمحمد : الرجل يَسْجدُ يعتمد بمرفقيه على ركبتيه ؟ قال : ما
أعلم به بأساً .
نا [ أبو ] عاصم ، عن ابن جريج، عن نافع قال : كان ابن عمر يضم
یدیه إلى جنبَيْه إذا سجَد .
نا وكيع ، عن أبيه ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن قيس بن سكن
قال : كل ذلك قد كانوا يفعلون ، وينضمون ويتجافون ، كان بعضهم
ينضم وبعضهم يجافي .
ونا ابن نمير : نا الأعمش ، عن حبيب قال : سأل رجل ابنَ عمر :
أَضَع مرْفقي على فخذي إذا سجدتُ ؟ فقال : اسجد كيف يتيسر عليك .
١٥٢ - بَابُ: التَخصِّر والإقعاء
أي : هذا باب في بيان التخصّر والإقعاء . والتخصّر : وضع اليد على
الخاصرة ، والإقعاء : فسّرناه غير مرة .
٨٨٠ -ص - نا هنّاد بن السريّ، عن و کیع ، عن سعيد بن زیاد ، عن زياد
ابن صُبَيح الحنفي قال : صَلَّيتُ إلى جَنبِ ابنِ عُمر فَوَضعتُ يَدَيُّ على
خَاصرَتَي ، فلما صَلَّى قال : هذا الصَّلْبُ في الصلاةِ، وكان رسولُ الله - عليه
السلام - يَنَّهَى عنه (١) .
ش - سعيد بن زياد : ابن صُبيح الحنفي ، روى عن : ابن عمر ، روی
عنه : وكيع ، روى له : أبو داود ، والنسائي (٢).
(١) النسائى: كتاب الافتتاح، باب: النهي عن التخصر في الصلاة (١٢٧/٢).
(٢) قال الحافظ المزي في تهذيب الكمال (٤٣٩/١٠): ((ومن الأوهام : سعيد بن
زياد بن صُبيح الحنفي ، وهو وهم قبيح ، وخطأ فاحش - يعني : مِن صاحب
((الكمال)) - إنما هو سعيد بن زياد الشيباني ، عن زياد بن صبيح الحنفي ،
وقد كتبنا حديثه في ترجمة زياد بن صبيح)). اهـ . يعني : حديث الباب.
-١٢٤-

وزياد بن صُبَيح - بضم الصاد المهملة - وقال ابن أبي حاتم : بفتح
الصاد ، الحنفي المكي ويقال : البصري . سمع : عبد الله بن عباس ،
وعبد الله بن عُمر . روى عنه : سعيد بن زياد . وقال ابن معين : صالح
ثقة بصري ، وليس بأخي عبد الله بن صُبَيْح . روى له : أبو داود ،
والنسائي (١) .
قوله : ((هذا الصلبُ)) أي : شبه الصَّلْب ؛ لأن المصلوب يمدّ باعه على
الجذع ، وهيئة الصَّلْب في الصلاة : أن يضع يديه على خاصرته ويجافي
بين عضديه في القيام ، وستجيء أحاديث تتعلّق بهذا الباب في (( باب
الرجل يصلي مختصراً)) .
١٥٣ - بَابُ: البُكاء في الصَّلاةِ
أي : هذا باب في بيان البكاء في الصلاة .
٨٨١ - ص - نا عبد الرحمن بن محمد بن سَلام : نا يزيد - يعني : ابن
هارون - : نا حماد - يعني : ابن سلمة - ، عن ثابت ، عن مُطرف ، عن أبيه
قال : رأيتُ النبيَّ - عليه السلام - يُصَلِّي وفي صَوْتِه (٢) أَزِيزٌ كأزِيزِ الرَّحَى
مِنَ الْبُكَاءِ (٣) .
ش - عبد الرحمن بن محمد بن سلام : أبو القاسم البغدادي ، نزيل
طَرسوس . روى عن : يزيد بن هارون ، وريحان بن سعيد . روى عنه :
أبو داود ، والنسائي ، ومحمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي (٤) .
وثابت : البُناني ، ومُطرف : ابن عبد الله بن الشخير .
(١) المصدر السابق (٢٠٥١/٩) .
(٢) في سنن أبي داود: ((صدره))، وسيذكر المصنف أنها نسخة.
(٣) النسائي: كتاب السهو، باب: البكاء في الصلاة (١٢/٣).
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٧/ ٣٩٥٠).
-١٢٥-

قوله : ((أَزِيزٌ)) - بفتح الهمزة وكسر الزاي الأولى - أي : حنينٌ من
الخَوْف - بالخاء المعجمة - وهو صوت البكاء ، وقيل : هو أن تجيش
جَوْفه وتعلى بالبكاء. وفي ((الصحاح)): الأزيز : صوت غليان القدر ،
وقد أزّتِ القدرُ تؤزّ أزيزاً: غَلَتْ، والأَزّ الذي في قوله تعالى: ﴿تَؤْزَّهُمْ
أزا﴾ (١) فهو التهييج والإِغْراء. وفي بعض النسخ: ((وفي صَدْره))
موضع (( وفي صوته)).
قوله: ((كأزيز الرَّحَى)) وهو صوتها وجرجرتها، ويُرْوَى: ((كأزِيز
المِرْجل)) والمِرجل - بكسر الميم - : القِدْر ، وأزيز المرجل : صوت غليانه
وقد سُثُلَ بعضُ الجهلة ممن يَدّعي الفِقه والفضيلة ، في مجلس كبير من
أكابر مصْر عن معنى (( كأزيز المرجل )) فقال : كصَوْت فرخ الحمام ،
فضحك كل من هناك على سخافة عقله ، وقبح جوابه بجهله .
واستدل صاحب ((المحيط)) من أصحابنا بهذا الحديث ، أن المصلي
ينبغي أن يخشع ، ويكون قلبه فيها على الخوف من عدله ، والرجاء في
فضله ، ومن لازم الخوف الشديد في القلب : البكاء عادةً ، فإذا بكى في
صلاته من ذلك الوجه من غير أن يعلو بصوته فلا بأس ، أو بكى من
اشتياقه إلى الجنة ، أو خوفه من النار ، ويكره أن يَيكِي لُصيبة لحقته ، أو
لذكر موتاه ، ونحو ذلك . والحديث : أخرجه الترمذي ، والنَّسائيّ .
١٥٤ - بَابُ: كراهة (٢) الوسوسة وحديث النفس في الصلاة
أي : هذا باب في بيان كراهة الوسوسة ، وحديث النفس بالأمور
الدنياوية في الصلاة .
[٢٤/٢-ب] / ٨٨٢ - ص - نا أحمد بن محمد بن حنبل : نا عبد الملك بن عمرو : نا
هشام - یعني : ابن سعد - ، عن زید ، عن عطاء بن يسار ، عن زید بن خالد
(١) سورة مريم : (٨٣) .
(٢) في سنن أبي داود: (( كراهية)).
-١٢٦ -

الجهني أن النبيّ - عليه السلام - قال: (( من تَوَضَّأَ فَأَحسنَ وُضوءَهُ ثم صَلَّى
رَكَعتينٍ لا يَسْهُو فيهما غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنَبِهِ)) (١) .
ش - عبد الملك بن عمرو : أبو عامر العقدي ، وهشام : ابن سَعْد
أبو سَعيد (٢) المدني، وزيد: ابن أَسْلم أبو أسامة القرشي المدني مولى
عمر بن الخطاب .
قوله: (( فأحسن وضوءه )) إحسان الوضوء : تكميل شروطه وسننه
وآدابه .
قوله : ((لا يَسْهُو)) أعم من أن يكون السَهْو في الأركان أو الأقوال أو
الأفعال ؛ والسهو لا يكون إلا من اشتغال القلب بأمور الدنيا ، فإذا انقطع
عن تعلقات الدنيا ، وتوجه بكليته إلى الله ، غفر له ما تقدّم من ذنبه ما
خلا الكبائر وحقوق العباد .
٨٨٣ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة: نا زيد بن الحباب : نا معاوية بن
صالح ، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن جبير بن نُغيّر
الحَضْرمي ، عن عقبة بن عامر الجهني أن رسولَ الله - عليه السلام - قال :
((مَا مِن أَحد يَتَوضأُ فُيُحسِنُ الوُضُوء، ويُصلِّي رَكعتينِ مُقْبِلٌ (٣) بقلْبِهِ
وَوَجْهِهِ عليهَمَا إِلا وَجَبَتْ لَهَ الجنَّةُ)) (٤).
ش - أبو إدريس : اسمه : عائذُ الله بن عبد الله ، وقد ذكرناه .
والحديث قد تقدم مطولاً في كتاب الطهارة ، في ((باب ما يقول الرجل إذا
توضاً )» (٥) .
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) في الأصل: ((أبو سعد)) خطأ.
(٣) في سنن أبي داود: ((يقبل)).
(٥) تقدم برقم (١٥٧) .
(٤) تفرد به أبو داود .
-١٢٧-

١٥٥ - بَابُ: الفتح على الإمَام في الصّلاة
أي : هذا باب في بيان فتح المصلي على إمامه في الصلاة إذا استَطْعَمَ
ذلك .
٨٨٤ - ص - نا محمد بن العلاء ، وسليمانُ بن عبد الرحمن الدمشقي
قالا : أنا مروان بن معاوية ، عن يحيى الكاهلي ، عن المُسَوِّرِ بن يزيد المالكي
أن رسولَ الله - عليه السلام - . قال يحيى: وربما قال : شَهدتُ رسولَ الله
يَقْرأُ في الصلاة فَتَركَ شَيْئاً لم يَقرأهُ فقال له رجلٌ: يا رسولَ الله، تَرَكْتَ آيَةً
كَذَا وكذا؟ فقالَ له رسولُ الله: ((فَهِلا أَذْكَرْتَنَيهَا))؟ (١).
ش - سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي : ابن بنت شرحبيل .
ويحيى : ابن كثير الكاهلي الأسدي الكوفي . سمع : المُسَوّر بن يزيد.
روى عنه : مروان بن معاوية . قال أبو حاتم : هو شيخ . روى له :
أبو داود (٢) .
والُسوَّرُ - بضم الميم ، وفتح السين المهملة ، وتشديد الواو وفتحها -
ابن يزيد الأسدي المالكي . قال أبو بكر الخطيب : يروى عنه عن النبي
- عليه السلام - حديثٌ واحد . انتهى . وروى له : أبو داود .
والمالكي هذا نسْبةٌ إلى بطن من بني أسد بن خزيمة ، وفي الرُّواة :
المالكي نسبة إلى قبائل عدة ، والمالكي إلى الجدّ ، والمالكي إلى المذهب ،
والمالكي إلى القرية المشهورة على القراءة ، يُقال لها : المالكيّة . وذكره
ابن أبي حاتم وأبو عُمر النمْري وغيرهما في باب من اسمه : مِسور
-بكسر الميم وسكون السين - والذي قيّده الحفاظ فيه ما ذكرناه (٣).
قوله : (( قال يحيى)) أي : يحيى الكاهلي المذكور ، ثم حكم هذا
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٩٠٥/٣١).
(٣) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٤١٨/٣)، وأسد الغابة
(١٧٦/٥)، والإصابة (٤٢٠/٣).
-١٢٨-
٠

الحديث أن العلماء (((١) اختلفوا فيه ؛ فروي عن عثمان بن عفان ، وابن
عمر أنهما (٢) كانا لا يَريان بتلقين الإمام بأساً ؛ وهو قول عطاء
والحسن(٣)، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، ورُوِيَ عن ابن
مَسْعود الكراهة في ذلك ، وإليه ذهب الشعبي والثوري)) .
وقال أصحابنا : إذا فتح على غير إمامه فسدت صلاته ؛ لأنه تعليم
وتعلم ، فكان من كلام الناس ، وفي الأصل : شرط التكرار - أي : في
الفتح - لأنه ليس من أعمال الصلاة فيُعفى القليل منه ، ولم يشترطه (٤)
في ((الجامع الصغير))؛ لأن الكلام نفسه قاطع وإن قلّ ، وإن فتح على
إمامه لم يكن كلاماً استحساناً ، سواء قرأ ما تجوز به الصلاة أو لم يقرأ ؛
هذا هو الصحيح ؛ لجواز أن يجري على لسانه ما يكون مفسداً للصلاة ،
فيكون المقتدي مضطراً إلى الفتح . وقيل : إذا قرأ ما تجوز به الصلاة ففتح
عليه ، فسدت صلاته ؛ لأنه لا يحتاج ح (٥) إلى الإصلاح ، ثم إنه ينوي
الفتح على إمامه دون القراءة هو الصحيح ؛ لأنه مرخص فيه ، وقراءته
ممنوع عنه ، ولو كان الإمام انتقل إلى آية أخرى تفسد صلاة الفاتح ،
وتفسد صلاة الإمام لو أخذ بقوله ، لوجود التلقين والتلقّي من غير
ضرورة، وينبغي للمقتدي أن لا يعجل بالفتح ، وللإمام أن لا يُلجئهم إليه؛
بل يركع / إذا جاء أوانه، أو ينتقلُ إلى آية أخرى، وتفسير الإلجاء : أن [٢٥/٢- ١]
يُردّد الآية ، أو يقف ساكتاً .
ص - قال سليمان في حديثه: قال: كُنْتُ أُرَاها نُسخَتْ.
ش - أي : قال سُليمان بن عبد الرحمن : كنتُ أظنها نُسخت ،
والضمير راجع إلى قصة فتح المصلي على الإمام ؛ ولهذا قال إبراهيم
النخعي : الفتح كلام ، على ما روى أبو بكر بن أبي شيبة قال : نا
(١) انظر: معالم السنن (١٨٧/١).
(٣) في المعالم زيادة: ((وابن سيرين)).
(٥) أي: ((حينئذ)).
(٢) في الأصل: (( أنها )) خطأ.
(٤) فى الأصل: ((يشترط)).
٩ • شرح سنن في داوود ٤
-١٢٩-

شريك، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن عليّ ، وعن مغيرة ، عن
إبراهيم قالا : هو كلام - يعني : الفتح على الإمام .
حدّثنا ابن علية ، عن ميمون أبي حمزة ، عن إبراهيم ، عن ابن
مسعود في تلقين الإمام : إنما هو كلام يلقنه إليه .
ونا حفص ، عن محمد بن قيس ، عن مسلم بن عطية أن رجلاً فتح
على إمام شريح وهو في الصلاة ، فلما انصرف قال له : اقض صلاتك .
ص - وقال سليمان : حدّثنا يحيى بن كثير (١) .
ش - أشار بهذا أن سليمان روى هذا الحديث من طريقين : طريق مروان
ابن معاوية ، وطريق يحيى بن كثير بإسقاط مروان من البين . ورواه أحمدُ :
في ((مسنده)) عن سريج (٢) بن يونس ، عن مروان بن معاوية ، عن
یحیی بن کثیر ، عن مسور بن یزید .
ص - نا يَزيد بن محمد الدمشقي : نا هشام بن إسماعيل : نا محمد بن
شعیب : أنا عبد الله بن العلاء بن زبر ، عن سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن
عمرَ ، أن النبيَّ - عليه السلام - صَلَّى صَلاةَ فقراً فيها فلُبسَ (٣) عليه، فلمَّا
انصرفَ قال لأَبيَّ: ((أَصلّيتَ مَعنا؟)) قال: نعم، قال: (( فما مَنَعَكَ؟)).
ش - يزيد بن محمد : ابن عبد الصمد بن عبد الله بن يزيد بن ذكوان
القرشي الهاشمي مولاهم الدمشقي أبو القاسم ، روى عن : هشام بن
إسماعيل العطَّار ، وأبي مسْهر ، ويحيى بن صالح ، وغيرهم . روى
عنه: أبو داود ، والنسائي ، وأبو زرعة الدمشقي ، وأبو عوانة الإسفرائيني
وغيرهم . توفي بدمشق سنة سبع وسبعين ومائتين ، وكان ثقة . وقال
النسائي والدارقطني وابن أبي حاتم: هو ثقة (٤).
(١) في سنن أبي داود: (( حدَّنا يحيى بن كثير الأزدي قال : حدَّنا المسور بن يزيد
الأسدي المالكي ) .
(٢) في الأصل: ((شريح)) خطأ .
(٣) ضبب فوقها المصنف .
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧٠٤٤/٣٢) .
- ١٣٠-

وهشام بن إسماعيل : ابن يحيى بن سليمان بن عبد الرحمن العطّار
أبو عبد الملك الحنفي ، وقيل : الخزاعي الدمشقي . سمع : إسماعيل بن
عياش ، ومحمد بن شعيب ، ومروان بن محمد الطاطري ، وغيرهم .
روى عنه : أبو زرعة ، والعباس بن الوليد ، وأحمد بن عبد الواحد
الدمشقيون ، وغيرهم . وقال النسائي : ثقة . وقال أبو حاتم : كان
شيخاً صالحاً . مات سنة عشر ومائتين . روى له : أبو داود ، والترمذي،
والنسائي (١) .
ومحمد بن شعيب : ابن شابور الدمشقي ، وعبد الله بن العلاء بن
رَبْر : الدمشقي أبو زبر الرَّبَعي .
قوله : ((فلُبسَ عليه)) - بضم اللام وكسر الباء المخففة - من اللَّبْس -
بفتح اللام - وهو الخَلْط .
قوله: ((فلما انصرف)) أي : فلما خرج من الصلاة .
قوله: ((قال لأبي )) أي: قال النبي - عليه السلام - لأُبيّ بن كعب :
((أَصليتَ معنا؟)) الهمزة فيه للاستفهام، وفي بَعْض الرواية: ((أُكُنتَ
معنا ؟))، وإنما قال له من بين سائر الأصحاب لأنه كان أقرأهم .
قوله : (( فما يَمنعك)) أي: من الفَتْح ؛ وهذا فيه تصريح على جواز
الفتح على إمامه ، وتقييدٌ بأن الفتح إنما يجوز إذا كان ممن هو في صلاته .
١٥٦ - بَابُ : النَّهِي عَن التَّلقين
أي : هذا باب في بيان النهي عن تلقينِ المصلِّ الإمامَ في الصلاة .
٨٨٥ - ص - نا عبد الوهاب بن نجدة : نا محمد بن يوسف الفريابي ، عن
يُونسٍ بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق، عن الحارث ، عن عليّ قال : قال
رسولُ اللهِوَله: ((يا عليّ، لا تَفتحْ على الإِمَامِ في الصلاة)) (٢)
(١) المصدر السابق (٦٥٦٨/٣٠).
(٢) تفرد به أبو داود .
- ١٣١-

ش - يونس بن أبي إسحاق : عَمرو بن عبد الله السبيعي .
والحارث : ابن عبد الله الأعور ، أبو زهير الهمداني الخارفي الكوفي .
سمع : عليّ بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود . روى عنه : عبد الله
ابن مرة الخارفي ، وأبو إسحاق السبيعي ، والشعبي ، وغيرهم . قال ابن
أبي خيثمة : سمعت أبي يقول : الحارث الأعور كذّاب . وقال
أبو إسحاق السبيعي : زعم الحارث الأعور وكان كذاباً . وقال أبو زرعة :
لا يحتج بحديثه . وقال أبو حاتم : ليس بقويّ ولا ممن يحتج بحديثه .
وقال عليّ بن المديني : الحارث كذاب ، وكان ابن سيرين يَرى أن عامّة ما
يروي عن عليّ باطل . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائيّ ،
وابن ماجه(١)
وهذا الحديث فيه تصريح على عدم جواز الفتح ؛ ولكن فيه مقال من
جهة الحارث .
ص - قال أبو داود : أبو إسحاق لم يسمعْ من الحارث إلا أربعةَ أحاديثَ
ليس هذا منها .
[٢٥/٢ -ب] ش - أي: ابو إسحاق السبيعي / لم يسمع من الحارث الأعور إلا
أربعة أحاديث ليس هذا الحديث منها .
والحاصل : أن هذا الحديث ضعيف ؛ بل هو قريب من البطلان ؛ لأن
أبا إسحاق وإن كان سمع هذا الحديث من الحارث فحال الحارث معلومٌ .
وفي بعض النسخ عقيب هذا الباب : باب السجود على الأنف : نا مؤمل
ابن الفضل : نا عيسى ، عن معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن
أبي سلمة ، عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله رُؤِي على جبهته وعلى
أرنبته أثر طين من صلاة صلاها للناس . قال أبو علي اللؤلؤي : لم يَقرأه
أبو داود في العَرْضة الرابعة .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٠٢٥/٥).
- ١٣٢-

١٥٧ - بَابُ : الالتفات فِي الصَّلاةِ
أي : هذا باب في بيان حكم الالتفات في الصلاة .
٨٨٦ - ص - نا أحمد بن صالح : نا ابن وهب قال : أخبرني يونس ، عن
ابن شهاب قال : سمعت أبا الأحوص يُحدّثُنا في مجلس سعيد بن المسيب
قال: قال أبو ذر: قال رسولُ الله: (( لا يَزَالُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مُقبلاً على العَبْد
وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التَفتَ انصرف عنه)) (١)
ش - يونس : ابن یزید .
وأبو الأحوص هذا : لا يُعرفُ له اسم ، وهو مَولى بني ليث ، وقيل:
مولى بني غفار ، ولم يَرْو عنه غير الزهريّ . قال ابن معين : ليس
بشيء. وقال أبو أحمد الكرابيسي : ليس بالمتين عندهم . روى له :
أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (٢).
قوله: ((مقبلاً)) نصبٌ على أنه خبر (( لا يزال ))، ومعنى إقبال الله على
العَبْد : نظره إليه بالرحمة ، ومعنى انصرافه عنه : ترك ذلك (٣).
والحديث: أخرجه النسائي، ورواه الحاكم في ((مُسْتدركه )) وقال :
صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه . وقال النووي في ((الخلاصة)):
أبو الأحوص فيه جهالة ؛ ولكن الحديث لم يُضعفه أبو داود ؛ فهو حسَن
عنده .
٨٨٧ - ص - نا مسدّد : نا أبو الأحوص ، عن الأشعث - يعني : ابن
سليم - ، عن أبيه ، عن مسروق ، عن عائشةَ قالت : سألتُ رسولَ الله عن
(١) النسائي : كتاب السهو ، باب: التشديد في الالتفات في الصلاة (١١٩٥).
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧١٩٦/٣٣).
(٣) بل المراد من الإقبال إقبالاً حقيقياً يليق به سبحانه ، وكذا انصرافه عن العبد :
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ﴾ اعتقاد أهل السّنّة والجماعة،
وانظر: مجموع الفتاوى (٥٩٣/٥ وما بعدها) .
- ١٣٣-

التفات الرَّجل في صَلاته فقال: ((هو (١) اخْتلاسٌ يَختلسُهُ الشيطانُ من
صَلاة العَبْد)) (٢)، (٣).
ش - أبو الأحوص : سلام بن سُليم الحنفي الجشمي مولاهم الكُوفي .
وأشعث : ابن أبي الشعثاء - سليم - بن أسود المحاربي الكوفي .
سمع : أباه ، وسعيد بن جبير ، والأسود بن يزيد النخعي ، وغيرهم .
روى [ عنه ] : الثوري ، وشعبة ، وأبو الأحوص ، وغيرهم . قال أحمد
وابن معين وأبو حاتم : ثقة . مات سنة خمس وعشرين ومائة . روى له
الجماعة (٤) .
وأبوه : سُليم بن أسود ، ذكرناه .
قوله: ((اختلاسٌ)) من خلستُ الشيءَ واختلستُه إذا سلبته ، والمعنى : أن
المُصلي إذا التفت يميناً أو شمالاً يظفرُ به الشيطان في ذلك الوقت ، ويُشْغله
عن العبادة ، فربما يَسْهو أو يَغلط لعدم حضور قلبه باشتغاله بغير المقصود ،
ولما كان هذا الفعل غير مَرضيّ منه نُسِب إلى الشيطان . وعن هذا قالت
العلماء بكراهة الالتفات في الصلاة . وروى أبو بكر بن أبي شيبة ، عن
وكيع ، عن حطان العصفري ، عن الحكم قال : إن من تمام الصلاة : أن
لا تعرف مَنْ عن يمينك ولا مَن عن شمالك .
(١) في سنن أبي داود: ((إنما هو)).
(٢) البخاري : كتاب الأذان ، باب: الالتفات في الصلاة (٧٥١) ، النسائى :
كتاب السهو ، باب : التشديد في الالتفات في الصلاة (٨/٣).
(٣) جَاء في سنن أبي داود بعد هذا الحديث: ((باب السجود على الأنف: حدّثنا
مؤمل بن الفضل : حدَّثْنا عيسى ، عن معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن
أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله وَ هُ رُؤي على جبهته
وعلى أرنبته أثر طين من صلاة صلاها بالناس)).
قال أبو عليّ: ((هذا الحديث لم يقرأه أبو داود في العرضة الرابعة)). اهـ .
وقد تقدم عندنا هذا الحديث برقم (٨٧١) ، وعند أبي داود برقم (٨٩٤) ، ولم
يتكرر هذا الحديث في نسخة المصنف ، وقد نبه الشارح على هذا (ص/ ١٣٢).
(٤) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٥٢٦/٣).
- ١٣٤-

وقال : نا غندر ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : سمعت أبا هريرة
يقولُ : إذا صليت فإن ربك أَمامك وأنت مُناجيه ، فلا تلتفت . قال
عطاء: ويلغني أن الربّ يقول: (( يا ابن آدم، إلى من تلتفتُ ؟ أنا خير
لك ممن تلتفت إليه )» .
وحديث عائشة : أخرجه البخاري ، والنسائي ، وابن أبي شيبة .
١٥٨ - بَابُ: النَّظَر في الصَّلاة
أي : هذا باب في بيان النظر في الصلاة .
٨٨٨ - ص - نا مسدد : نا أبو معاوية ح ، ونا عثمان بن أبي شيبة : نا
جرير - وهذا حديثه ، وهو أتم - ، عن الأعمش ، عن الُسیّب بن رافع ، عن
تميم بن طرفة الطائي ، عن جابر بن سمرةَ . قال عثمانُ : قال : دخلَ
رسولُ الله - عليه السلام - المسجدَ فَرَأَى فيه نَاساً يُصلُّونَ رافِعِي أيدِيَهُم إلى
السّماء - ثم اتفقا - فقال : لَيَنْتَهِيَنَّ رجَالٌ يَشخصُون أبصارهم إلى السماءِ في
الصلاةَ أو لا يرجعُ (١) إليهم أبَصَارُهُم)) (٢).
ش - أبو معاوية : الضرير ، وجرير : ابن عبد الحميد .
قوله: ((وهذا حديثه)) أي : حديث عثمان، والحال أنه أتم من حديث
مسدّد .
قوله: ((عن الأعمش)) يرجع إلى كل واحد من جرير / وأبي معاوية؛ [٢٦/٢-١]
لأن كلا منهما روى عن الأعمش .
قوله: ((ثم اتفقا)) أي : مُسدّد وعثمان .
(١) في سنن أبي داود: ((إلى السماء. قال مسدد: في الصلاة، أو لا ترجع)).
(٢) مسلم : كتاب الصلاة ، باب : النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة
رقم (٤٢٨) ، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : الخشوع في الصلاة رقم
(١٠٤٥) .
- ١٣٥-

قوله: ((يَشْخصُون أبصارهم)) من شخص بصرَه فهو شاخصٌ إذا فتح
عَيْنيْه وجعل لا يطرف ، وهو بفتح العين ، وشخُص - بالضم - فهو
شخيص أي : جسيم ، وهذه الجملة في محل الرفع ؛ لأنها وقعت صفةً
للرجال .
قوله: ((أو لا يرجع إليهم أَبْصارُهم)) والمعنى: إن لم ينتهوا ، وأحد
الأمرين واقع : إما الانتهاء ، أو عدم رجوع أبصارهم إليهم ، وفيه النهي
الأكيد ، والوعيد الشديد ، وقد نقل الإجماع في النهي عن ذلك . وقال
القاضي عياض : واختلفوا في كراهة رفع البصر إلى السماء في الدعاء في
غير الصلاة ، فكرهه شريح وآخرون ، وجوزه الأكثرون ، قالوا : لأن
السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة ، فلا ينكر رفع الأبصار
إليها، كما لا يكره رفع اليد ، قال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا
تُوعَدُونَ﴾ (١) . والحديث : أخرجه مسلم ، والنسائي ، وأخرج ابن
ماجه طرفاً منه .
٨٨٩ - ص - نا مسدّد: نا يحيى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أَنّ
أنس بن مالك حدّثهم قال: قال رسول الله - عليه السلام -: (( ما بَالُ أقوامٍ
يَرفَعُونَ أَبصارَهم في صلاتهم؟)) فاشْتَدَّ قولُه في ذلك فقال: ((لَيَنْتَهِيَنَّ عن
ذلك أو لتُخْطَفَنَّ أَبصارُهم)) (٢) .
ش - أي: ما شأن أقوام؟ وذكر الجوهري ((البَالَ)) في الأجْوف
الواوي ، وقال : البال : الحالُ .
قوله: (( فاشتدّ قولُه في ذلك ) أي : قول النبي - عليه السلام - في رفع
البصر إلى السماء في الصلاة .
(١) سورة الذاريات: (٢٢) .
(٢) البخاري: كتاب الأذان، باب: رفع البصر إلى السماء في الصلاة (٧٥٠) ،
النسائي : كتاب السهو ، باب : النهي عن رفع البصر إلى السماء (٧/٣)،
ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : الخشوع في الصلاة (١٠٤٤).
-١٣٦-

قوله: (( أو لتخطفن)) على صيغة المجهول ، والمعنى مثل ما ذكرنا إن لم
ينتهوا عن ذلك فأحدُ الأمرين واقع . والحديث : أخرجه البخاري ،
والنسائي ، وابن ماجه . وذكر الواحدي في (( أسباب النزول )) من حديث
ابن عليّة ، عن أيوب ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، أن فلاناً كان إذا
صلى رفع بصرَه إلى السماء فنزلت : ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ
خَاشِعُونَ﴾(١). وروي عن ابن عباس: كان النبي - عليه السلام - إذا
استفتح الصلاة لم ينظر إلا إلى موضع سجوده .
وروى أبو بكر قال : نا هشيم ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين قال :
كان رسول الله مما يَنظر إلى الشيء في الصلاة ، فيرفع بصرَه حتى نزلت
آية، إن لم تكن هذه فلا أدري ما هي ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ
خَاشِعُونَ﴾ قال : فوضع النبي - عليه السلام - رأسه .
ونا هشيم ، عن حصين ، عن إبراهيم ، عن عبد الله ، أنه رأى رجلاً
رافعاً بصره إلى السماء ، فقال عبد الله : ما يدري هذا لعل بصره سيكتمع
قبل أن يرجع إليه .
فإن قيل : إذا غمض عينيه في الصلاة ما حكمه ؟ قلت : قال
الطحاوي: كرهه أصحابنا . وقال مالك : لا بأس به في الفريضة والنافلة.
وقال النووي : والمختار : أنه لا يكره إذا لم يخف ضرراً ، لأنه يجمع
الخشوع ، ويمنع مِن إرسال البصر وتفريق الذهن .
٨٩٠ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ،
عن عروة، عن عائشة قالت: صَلَّى رسولُ الله - عليه السلام - في خَميصة
لها أَعْلامٌ فقال: (( شَغَلَتْنِي أَعلامُ هذه ، اذهبُوا بها إلى أَبِي جَهْمِ بنِ حُذيفةً
وائتُوني بأنبجَانيّة)) (٢).
(١) سورة المؤمنون: (٢) .
(٢) البخاري : كتاب الأذان ، باب : الالتفات في الصلاة (٧٥٢)، مسلم : كتاب
المساجد ، باب : كراهية الصلاة في ثوب له أعلام (٥٥٦/٦١)، النسائي : =
-١٣٧-

ش - (( الخميصة)): كساء مُرُبّع من صوف ، وقال ابن حبيب في
(شرح الموطإ)): الخميصة: كساء صوف أو مِرْعِزَيّ مُعْلم الصَّنِفة.
قوله: ((شغلتني أعلام هذه)) يعني : عن كمال الحضور في الصلاة
وتدبر أذكارها وتلاوتها ومقاصدها من الانقياد والخضوع ، ففيه الحث على
الحضور والتدبّر ، ومنع النظر من الامتداد إلى ما يُشْغِل ، وإزالة ما يخاف
اشتغال القلب به ، وكراهة تزويق المحراب وحائط المسجد ونقشه ، وغير
ذلك من الشاغلات ؛ لأنه - عليه السلام - جعل العّة في إزالة الخميصة
هذا المعنى ، وفيه : أن الصلاة تصح وإن حصل فيها فكر ، وفيه : صحة
الصلاة في ثوب له أعلام ، وأن غيره أَوْلى .
قوله : ((إلى أبي جَهْم)) واسمه : عامر بن حذيفة بن غانم القرشي
العدوي المدني الصحابي ، ويقال : عُبيد بن حذيفة ، أسلم عام الفتح ،
وكان مُعظماً في قريش وعالما بالنسبِ ، شهد بنيان الكعبة مَرتين ، وهو
غير أبي جُهيم بالتصغير . وأما بَعثه - عليه السلام - بالخميصة إلى
أبي جهم وطلب أنبجانيهِ فهو من باب الإدلال عليه ، لعلمه بأنه يؤثر هذا
[٢٦/٢ -ب] ويفرح به. / ويقال: إنما خصّه بذلك لأنه كان بعث إلى النبي - عليه
السلام - خميصة لها أعلام ، فلما شغلته في الصلاة قال : ردوها عليه
وائتوني بأنبجانية ، لئلا يؤثر رَدّ الهديّة في قلبه .
وقال ابن الأثير : اختلفوا في هذه الخميصة ؛ فمنهم من قال : إن
رسول الله - عليه السلام - أُتِي بخميصتَيْن سوداوين فلبس إحديهما وبعث
بالأخرى إلى أبي جَهْم ، فلما ألهته بعثها إلى أبي جَهْم ، وطلب التي
كانت عند أبي جهم بعد أن لبسها لبْساتٍ .
قوله: (( وائتوني بأنبجانية)) قال القاضي عياض : رويناه بفتح الهمزة
وكسرها ، وبفتح الباء وكسرها في غير مسلم بالوجهين ذكرها ثعلب ،
= كتاب القِبْلة ، باب : الرخصة في الصلاة في خميصة لها أعلام (٧٧٠) ، ابن
ماجه : كتاب اللباس ، باب: لباس رسول الله - عليه السلام - (٣٥٥٠) .
-١٣٨-

قال: ورويناه بتشديد الياء في آخره وبتخفيفها معاً في غير مسلم ؛ إذ هو
في رواية مسلم: (( بأنبجانية)) مشدد مكسور على الإضافة إلى أبي جهم ،
وعلى التذكير كما قال في الرواية الأخرى كساء له أنبجانيًا. وفي ((مختصر
السنن)) : الأنبجانية - بفتح الهمزة ، وسكون النون ، وكسر الباء
الموحدة، وبعد الألف نون مكسورة ، وياء آخر الحروف مشددة ، وتاء
تأنيث - : هو ما كثُف والتف ، وقيل : إذا كان الكساء ذا علَمين فهو
الخميصة ، وإن لم يكن له علم فهو الأنبجانية ، وقيل : هو منسوب إلى
((منبج)) المدينة المشهورة ؛ وهي بكسر الباء كما قالوا في النسبة إلى سلمة :
سلميّ وغير ذلك .
وقال في ((الصحاح)): إذا نسبت إلى ((منبج)) فتحت الباء ، قلت :
كساء منبجانيّ ، أخرجوه مخرج مخبراني ومنظراني ، قلت : يكون منسوباً
على غير قياس ، وقيل : نسبة إلى موضع يُقال له : أنبجان ، وقال
ثعلب: يقال : كبش أنبجاني - بكسر الباء وفتحها - إذا كان مُلتفاً كثير
الصوف، وكساء أنبجاني كذلك. قال ابن القصار في (( تعريب المدارك)»:
من زعم أنه منسوب إلى منبج فقد وهم .
وفي ((شرح الموطإ)): هي كساء غليظ يُشبه الشملة، يكون سداه :
قطناً غليظاً ، أو كتاناً غليظاً ، ولحمته : صوف ليس بالُبْرم في فتْله لين
غليظ ، يلتحف بها في الفراش ، وقد يُشتمل بها في شدة البرد .
وفي كتاب ((المغيث)) : المحفوظ : كسر باء الإنبجانية . وعند
السفاقسي : رأيت هذا الحرف في بعض الكتب بالخاء المعجمة ، قال :
وسماعي بالجيم . وقال الأصمعي : هو كساء من صوف أو خِزِّ مُعلم
بسُودٍ . وقال غيره : كساء رقيق أصفر أو أحمر أو أسود ، ويجمع على
خمائص ؛ وسُميت خميصةً للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طُوِيت .
والحديث : أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي ، وابن ماجه ،
ومالك في ((الموطأ))، والطحاوي - أيضاً - بسند صحيح ، عن المزني ،
عن الشافعي : حدَّثنا مالك ، عن علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه ، عن
-١٣٩-

عائشة قالت : أهدى أبو جَهْم إلى النبي - عليه السلام - خميصة شاميةً
لها علَم يشهد فيها النبي - عليه السلام - الصلاة ، فلما انصرف قال :
((ردي هذه الخميصة إلى أبي جَهْم، فإنها كانت تَفْتِنُي)).
٨٩١ - ص - نا عبيد الله بن معاذ: نا أبي : نا عبد الرحمن - يعني : ابن
أبي الزناد - قال : سمعتُ هشاماً يُحدِّثُ عن أبيه ، عن عائشةَ - رضي الله
عنها - بهذا الخبر قالَ: وأُخذَ كَرْدِيٌّ (١) كان لأبي جهْم ، فقيل : يا رسولَ
الله، الخَميصَةُ كانَتْ خَيراً مِنَ الكَرْدِيُّ (٢) .
ش - هشام : ابن عروة بن الزبير .
قوله: ((بهذا الخبر)): أي: الخبر المذكور .
قوله: ((وأُخذ كرديٌّ)) على صيغة المجهول ، وفي بعض الرواية وهي
الصحیحة : ( وأخذ كردیا » أي : أخذ رسول الله کردیا کان لأبي جهم ،
والكَردي - بفتح الكاف - كساءٌ ساذج ليس لها أَعْلامٌ ولا حَرِير .
قوله: (( فقيل : يا رسول الله، الخميصة كانت خيراً من الكردي)) يعني :
من حيث النفاسة والقماش ، ألا ترى أن هذه الخميصة كانت لها أعلام من
حرير ، ولأجل هذا قال بعضهم : إنما كرهها لما فيها من الحرير .
فإن قيل : كيف يَبْعث - عليه السلام - إلى غيره بشيء يكرهُه ؟ قلت:
هذا كما أَرْسل إلى عمر - رضي الله عنه - بالحلّة ليبيعها ، وينتفع بها ،
لا ليَلْبسها .
١٥٩ - بَابُ: الرُّخْصَةِ فِي ذَلِك
أي : هذا باب في بيان الرخصة في النظر والالتفات لضرورة .
٨٩٢ - ص - نا الربيع بن نافع: نا معاوية (٣) - يعني: ابن سلام - ، عن
[٢٧/٢- ١] زيد أنه سمع أبا سلام قال: / حدّثني السَّلُولي، عن سَهْل ابن الحنظلية قال:
(١) في سنن أبي داود: ((وأَخَذَ كرديا))، وسيشير المصنف إلى أنها نسخة .
(٣) في الأصل: ((أبو معاوية)) خطأ.
(٢) تفرد به أبو داود .
- ١٤٠-