Indexed OCR Text

Pages 481-500

وأصبغ المخزومي القرشي مولى عمرو بن الحارث ، روى عنه :
إسماعيل المذكور . قال ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم : شيخ . روى
له : أبو داود .
قوله: ((﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾)) أراد به أنه كان يقرأ سورة: ﴿إِذَا
الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وهي مكية ، وتسع وعشرون آية . زاد أبو جعفر :
﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ ومائة وأربعون كلمة ، وخمسمائة وثلاث وثلاثون حرفاً،
والخنس : النجوم التي تخنس بالنهار فلا ترى ، وتكنس بالليل إلى
مجاريها ، أي : تستتر ، كما تكنس الظباء في المغار ، وهي الكنائس ،
ويقال : سميت خنساً لتأخرها ؛ لأنها الكواكب المتحيزة التي ترجع ،
وتستقيم . وقال الفراء : إنها النجوم الخمسة : زحل ، والمشترى ،
والمريخ، والزهرة ، وعطارد. وفي (( تفسير السجاوندي)) : وقيل : هي
الأنجم الخمسة : بهرام ، وزحل ، وزهرة ، وبرجيس ، وعطارد ، وهو
مثل قول الفراء ، ولكن الأسماء تختلف لفظاً . والحديث أخرجه : ابن
ماجه ، وأخرجه مسلم من حديث الوليد بن سَرِيع ، مولى عمرو بن
حريث ، عن عمرو بن حريث ، بنحوه أتم منه ، وعند مسلم (١) أيضاً
عن قطبة بن مالكٍّ، سمع النبي - عليه السلام - يقرأ في الصبح :
﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتِ لَّهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾. وعند ابن حبان: ((قرأ النبي - عليه
السلام - في صلاة الصبح: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ
النَّاس﴾))، وصحَّحه أبو زرعة في ((تاريخه الكبير)). وقال الحاكم (٢):
صحيح على شرط الشيخين، وفي ((الأوسط)) (٣): ((كان يقرأ في
الصبح بياسين))، وفيه أيضاً (٤): ((كان يقرأ بالواقعة ونحوها من السور))
(١) كتاب الصلاة، باب: القراءة في الصبح (١٦٦/٤٥٧).
(٢) المستدرك (١/ ٢٤٠) من حديث عقبة بن عمرو .
(٣) (٣٩٠٣/٤) من حديث جابر بن سمرة.
(٤) (٤٠٣٦/٤) من حديث جابر بن سمرة بلفظ: ((كان رسول الله وَله يقرأ في
الصبح بالواقعة ... )) .
٣١ + شرح سنن أبي داوود ٣
- ٤٨١ -

وفي ((علل ابن أبي حاتم)) بسند ضعيف: ((صلى النبي - عليه السلام -
بالناس في سفر، فقرأ: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾،
ثم قال: قرأت لكم ثلث القرآن، وربعه ))، وفي (( مسند السراج )) بسند
صحيح ، عن البراء: (( صلى بنا النبي - عليه السلام - صلاة الصبح ،
[٢٧٧/١-١] فقرأ بأقصر / سورتين في القرآن)). وعن ابن سابط: (( قرأ النبي - عليه
السلام - في الفجر في أول ركعة بستين آية ، فلما قام ، سمع صوت
صبي ، فقرأ ثلاث آيات )) رواه عن سفيان ، عن أبي السوداء النهدي ،
عنه. وفي ((الأوسط)) (١) بسند صحيح، عن أنس، قال: (( صلى بنا
رسول الله الفجر بأخصر سورتين من القرآن ، وقال : إنما أسرعت لتفرغ
الأم إلى صبيها، وسمع صوت صبي)). وفي ((سنن البيهقي)) (٢):
((صلى أبو بكر في صلاة الصبح بسورة البقرة في الركعتين كلتيهما)). وقال
الفُرافصة بن عمير: (( ما أخذت سورة يوسف إلا من قراءة عثمان إياها في
الصبح من كثرة ما كان يرددها)) (٣). وفي ((الموطأ)) (٤) : قال عامر بن
ربيعة: (( قرأ عمر في الصبح بسورة الحج ، وسورة يوسف قراءة بطيئة)).
وقال أبو هريرة: (( لما قدمت المدينة مهاجراً صليت خلف سباع بن عرفطة
الصبح ، فقرأ في الأولى سورة مريم ، وفي الأخرى سورة ﴿ ويل
للمطففين﴾ ذكره ابن حبان في ((صحيحه))، ولم يسم سباعاً . وعن
عمرو بن ميمون: (( لما طُعن عمرُ - رضي الله عنه - صلى بهم ابنُ عوف
الفجر، فقرأ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله﴾ و((الكوثر)). وقال ابن بطال:
ذكر أن عمر قرأ في الصبح بيونس ، وبهود ، وقرأ عثمان بيوسف ،
والكهف، وقرأ علي بالأنبياء ، وقرأ عبد الله بسورتين ، إحديهما بنو
إسرائيل ، وقرأ معاذ بالنساء ، وقرأ عبيدة بالرحمن ، وقرأ إبراهيم بياسين،
(١) (٨٨٨٩/٨).
(٢) السنن الكبرى (٣٨٩/٢) بسنده إلى مالك في ((الموطأ)»: كتاب الصلاة،
باب: القراءة في الصبح (٣٥) عن هشام بن عروة ، عن أبيه به .
(٣) الموطأ رقم (٣٧) .
(٤) رقم (٣٦) .
- ٤٨٢ -

وقرأ عمر بن عبد العزيز بسورتين من طوال المفصل ، وفي ((كتاب الصلاة))
لأبي نعيم ، عن الحارث بن فضيل، قال: ((أقمت عند ابن شهاب
عشراً، فكان يقرأ في صلاة الفجر: ﴿تبارك﴾ و﴿ قل هو الله أحد))).
وقال أبو داود الأودي: (( كنت أصلي وراء عليّ الغداة، فكان يقرأ ﴿إِذَا
الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و﴿ إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾، ونحو ذلك من السور)).
١٢٨ - باب : الرجل يعيد سورة واحدة في الركعتين
أي : هذا باب في بيان شأن الرجل الذي يقرأ في صلاته في الركعة
الأولى سورة ، ثم يقرأها بعينها في الركعة الثانية ، وفي غالب النسخ
الحديث الذي في هذا الباب بحذاء الحديث الذي في الباب الماضي من غير
ذكر باب ، ولا فصل، ولكني وجدته في (( مختصر السنن )) لعبد العظيم،
فلذلك ذکرته اتباعاً له .
٧٩٤ - ص - نا أحمد بن صالح ، أنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو ،
عن ابن أبي هلال ، عن معاذ بن عبد الله الجهني ، أن رجلاً من جهينة أخبره:
((أنه سَمعَ النبيَّ - عليه السلام - يَقرأُ فِي الصُّبْحِ ﴿إِذَا زُلْزِلَت ﴾ في
الركْعتينِ كِلْتَيِّهِمَا، فلا أَدرِي، أنسيَ رسولُ اللهِوَِّ أُمَ قَرَأَ ذَلَك عَمْداً؟))(١).
ش - ابن وهب : عبد الله بن وهب ، وعمرو بن الحارث ، وابن
أبي هلال هو سعيد بن أبي هلال الليثي المصري .
وبهذا الحديث قال بعض مشايخنا : إنه إذا كرر سورة في ركعتين لا
يكره، وقيل: يكره، وفي ((الأصل)): إذا قرأ سورة واحدة في ركعتين
اختلف المشايخ فيه ، والأصح أنه لا يكره ، ولكن ينبغي أن لا يفعل ،
ولو فعل لا بأس به ، وكذا لو قرأ وسط السورة ، أو آخر سورة أخرى ،
والأفضل أن يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب ، وسورة كاملة في المكتوبة ،
(١) تفرد به أبو داود .
- ٤٨٣ -

وإن جمع بين السورتين في ركعة واحدة لا ينبغي أن يفعل ، ولو فعل لا
بأس به .
وذكر في ((الخلاصة)): وإن قرأ في ركعة سورة ، وفي ركعة أخرى
سورة فوق تلك السورة ، أو فعل ذلك في ركعة مكروه ، وهذه كلها في
الفرائض ، أما في النوافل لا يكره شيء .
١٢٩ - باب: من ترك القراءة في صلاته (١)
أي : هذا باب في بيان من ترك القراءة في صلاته ، وفي بعض النسخ:
((باب ما جاء فيمن ترك القراءة في صلاته))، وفي بعضها: ((باب
القراءة بفاتحة الكتاب)) .
[٢٧٧/١ - ب] ٧٩٥ - ص - نا أبو الوليد الطيالسي، نا همام، عن قتادة، / عن أبي نضرة،
عن أبي سعيد، قال: «أُمِرْنَا أَنْ نَقْرَأَ بفاتِحَةِ الكِتابِ، وما تَيَسَّرَ )) (٢).
ش - أبو الوليد : هشام بن عبد الملك الطيالسي ، وهمام : ابن يحيى،
وأبو نضرة : المنذر بن مالك البصري .
(((٢) والحديث رواه ابن حبان في «صحيحه )) في النوع السادس
والأربعين من القسم الأول، ولفظه: (( أمرنا رسول الله أن نقرأ بفاتحة
الكتاب ، وما تيسر))، ورواه أحمد ، وأبو يعلى الموصلي في ((مسنديهما))
وراه البزار في «سننه))، وقال : لا نعلم رواه عن قتادة ، عن أبي نضرة،
عن أبي سعيد إلا همام في الصلاة. وقال الدارقطني في ((علله)): هذا
يرويه قتادة ، وأبو سفيان السعدي ، عن أبي نضرة مرفوعاً ، ووقفه
أبو مسلمة ، عن أبي نضرة ، هكذا قال أصحاب شعبة عنه ، ورواه ربيعة،
عن عثمان ، عن عمر ، عن شعبة ، عن أبي سلمة مرفوعاً ، ولا يصح
رفعه عن شعبة)) .
(١) في سنن أبي داود: ((باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب)).
(٣) انظر: نصب الراية (٣٦٤/١).
(٢) تفرد به أبو داود .
- ٤٨٤ -

ويستفاد من هذا الحديث مسألتان ، الأولى : وجوب قراءة الفاتحة ؛ لأن
مطلق الأمر للوجوب ، ومن أثبت الفرضية فقد زاد على مطلق النص ،
وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَسَّرَ منَ الْقُرْآن﴾ (١) بخبر الواحد ، وذا
لا يجوز ؛ لأنه نسخ .
الثانية : وجوب ضم شيء من القرآن إلى الفاتحة ، لقوله: (( وما
تيسر)) وهو يطلق على سورة ، أي سورة كانت ، وعلى آية ، أي آية
كانت طويلة ، أو قصيرة .
٧٩٦ - ص - نا إبراهيم بن موسى ، أنا عيسى ، عن جعفر بن ميمون
البصري ، نا أبو عثمان النهدي ، قال : حدَّثني أبو هريرة، قال: قال (٢)
رسول الله - عليه السلام -: ((اخْرُج فنادٍ في المدينة: إنه لا صَلاةَ إلا بقرآن
ولو بفاتحَةِ الكِتَاب ، فما زَادَ)) (٣).
ش - عیسی بن یونس .
وجعفر بن ميمون الأنماطي ، بياع الأنماط أبو علي ، ويقال : أبو العوام
البصري . سمع : أبا عثمان النهدي ، وأبا تميمة الهجيمي ، وخليفة بن
کعب . روى عنه : الثوري ، ویحیی بن سعيد ، وعیسی بن يونس ،
وغيرهم . قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سئل أبي عنه ؟ فقال : ليس
بالقوي في الحديث . وقال ابن معين : ليس بذاك . وقال ابن عدي :
أرجو أنه لا بأس به ، ويكتب حديثه في الضعفاء . وقال النسائي : ليس
بثقة . روى له : أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (٤) .
وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي .
(((٥) والحديث رواه الطبراني في «معجمه الوسط)) (٦) من حديث
(١) سورة المزمل: (٢٠). (٢) في سنن أبي داود: ((قال لي)).
(٣) تفرد به أبو داود .
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٩٥٩/٥).
(٥) انظر: نصب الراية (٣٦٧/١).
(٦) (٩٤١٥/٩).
- ٤٨٥ -

إبراهيم بن طهمان ، عن الحجاج بن أرطاة ، عن عبد الكريم ، عن
أبي عثمان، عن أبي هريرة ، قال: (( أمرني رسول الله أن أنادي في أهل
المدينة : أن لا صلاة إلا بقراءة، ولو بفاتحة الكتاب)) . انتهى . وقال :
لم يروه عن الحجاج بن أرطاة إلا ابن طهمان .
طريق آخر أخرجه أبو محمد الحارثي في (( مسنده )) ، وابن عدي ، عن
أحمد بن عبد الله بن محمد الكوفي ، المعروف باللجلاج ، ثنا نعيم بن
حماد ، ثنا ابن المبارك ، أنا أبو حنيفة ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن
أبي هريرة، قال: ((نادى منادي رسول الله وَله: لا صلاة إلا بقراءة،
ولو بفاتحة الكتاب )) .
وحديث آخر أخرجه أيضاً عن اللجلاج : ثنا إبراهيم بن الجراح
الكوفي، ثنا أبو يوسف ، عن أبي حنيفة ، عن أبي سفيان ، عن
أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - عليه السلام - أنه قال :
((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، أو غيرها)). انتهى . وكلاهما ضعيف
باللجلاج . قال ابن عدي : حدث بمناكير لأبي حنيفة ، وهي بواطيل .
وذكر النووي في ((الخلاصة)) هذين الحديثين، وضعفهما. وعند أبي محمد
ابن الجارود في ((المنتقى))، عن أبي هريرة، قال: (( أمرني رسول الله أن
أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب ، فما زاد)).
وقال البزار في كتاب ((السنن)): هذا إسناد مستقيم، ولفظه: ((أمر
منادياً فنادى))، وفي كتاب ((الصلاة )) لأبي الحسين أحمد بن محمد
الخفاف: ((لا صلاة إلا بقراءة، ولو بفاتحة الكتاب ، فما زاد)). وفي
((الصلاة)) للفريابي: ((أنادي بالمدينة : أن لا صلاة إلا بقراءة أو بفاتحة
الكتاب، فما زاد))، وفي لفظ: (( فناديت أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة
الكتاب))، وعند البيهقي (١): ((إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد))،
(١) السنن الكبرى (٣٧/٢).
- ٤٨٦ -

وفي ((الأوسط)) (١): ((في كل صلاة قراءة، ولو بفاتحة الكتاب)).
/ وهذه الأحاديث كلها لا تدل على فرضية قراءة الفاتحة بل غالبها ينفى [٢٧٨/١-أ]
الفرضية ، فافهم .
٧٩٧ - ص - نا ابن بشار، نا يحيى ، نا جعفر ، عن أبي عثمان ، عن
أبي هريرة قال: ((أُمرني النبيَّ - عليه السلام - أن أُنَادي: إنه لا صَلاةَ إلا
بقراءَةِ فَاتحةِ الكِتابِ ، فما زادَ )) (٢).
ش - ابن بشار هو : محمد بن بشار ، ويحيى القطان ، وجعفر بن
ميمون ، وأبو عثمان : عبد الرحمن النهدي .
قوله: ((إنه)) أي: الشأن، وقد ذكرنا أن هذا الحديث قد روي: ((لا
صلاة إلا بقراءة، أو بفاتحة الكتاب ، فما زاد))، فإن دلت إحدى
الروايتين على عدم جواز الصلاة إلا بالفاتحة ، دلت الأخرى على جوازها
بلا فاتحة ، فنعمل بالحديثين ، ولا نهمل أحدهما ، بأن نقول بفرضية مطلق
القراءة ، وبوجوب قراءة الفاتحة ، وهذا هو العدل في باب إعمال
الأخبار، وأيضاً في هذا الحديث أمران ، أحدهما : أن جعفراً هذا هو ابن
ميمون فيه كلام - كما ذكرناه - حتى صرح النسائي أنه ليس بثقة .
والثاني : أنه يقتضي فرضية ما زاد على الفاتحة ؛ لأن معنى قوله : فما
زاد)) الذي زاد على الفاتحة ، أو بقراءة الزيادة على الفاتحة ، وليس ذاك
مذهب الشافعي .
٧٩٨ - ص - نا القعنبي ، عن مالك ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، أنه
سمع أبا السائب مولىٍ هشام بن زهرة ، يقول : سمعت أبا هريرة يقول : قال
رسول الله: ((مَن صَلَّىِ صَلاةٌ لم يَقرأ فيها بأمِّ القُرآنِ فهي خِدَاجٌ ، فهي
خِدَاجٌ، فهي خِداجٌ، غيرُ تمامٍ ، قال: فقلتُ: يا أبا هريرَةَ، إني أَكونُ أحياناً
وَرَاءَ الإِمامِ ؟ قال: فَغَمَزَ ذِراعِي، وقال: اقرأ بها في نفسِكَ يا فارسيّ (٣) ،
(١) (١٣٠٦/٢) من حديث أبي سعيد، و(٨/ ٨٠٦٦) من حديث أبي هريرة.
(٢) انظر التخريج المتقدم. (٣) في سنن أبي داود: (( يا فارسي في نفسك)).
- ٤٨٧ -

فإني سمعتُ رسولَ الله يقولُ : قال اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - : قَسمتُ الصلاةَ بيني
وبينَ عبدي نصفين ، فنصفُها لي ، ونصفُها لعبدي ، ولعبدي ما سأَلَ ، قال
رسولُ الله: اقرءُواَ، يقولُ العبدُ: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمَينَ﴾ يقولُ اللهُ:
حَمِدَنِي عَبدِي، يقولُ: ﴿الرَّحمنِ الرَّحِيمِ ﴾ يَقولُ اللهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عبدِي ،
يقول العبدُ: ﴿مَالِكِ يومِ الدِّينِ ﴾ يقولُ اللهُ: مَجَّدَفِي عبدِي ، فهذه الآيةُ
بيني (١) وبين عبدي، ولعبدي ما سألَ، يقولُ العبدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ
الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا
الضَّالِّينَ﴾ فهؤلاءَ (٢) لعبدِي، ولعبدي ما سَأَلَ)) (٣).
ش - أبو السائب لا يعرف اسمه ، وهو مدني فارسي ، كان جليساً
لأبي هريرة، وفي (( الكمال )) : أبو السائب الأنصاري المدني مولى هشام
ابن زهرة ، ويقال : مولى عبد الله بن هشام بن زهرة ، ويقال : مولى
بني زهرة . روى عن : أبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري ، والمغيرة بن
شعبة . روى عنه : صيفي مولى أفلح ، وشريك بن عبد الله ، والعلاء
ابن عبد الرحمن ، وبكير بن عبد الله بن الأشج ، وغيرهم . روی له
الجماعة إلا البخاري . وقال الشيخ محيي الدين في ((شرح مسلم)) (٤):
وهو ثقة (٥) .
قوله: (( بأم القرآن)) أم القرآن اسم للفاتحة، سميت به لأنها فاتحته ،
(١) في سنن أبي داود: ((هذه بيني ... )).
(٢) في سنن أبي داود: ((يقول الله: فهؤلاء)).
(٣) مسلم : كتاب الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وإنه إذا لم
يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها (٣٩٥) ، الترمذي :
كتاب تفسير القرآن ، باب : ومن سورة فاتحة الكتاب (٢٩٥٣) ، النسائى :
كتاب الافتتاح ، باب : ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم (١٣٥/٢) ، ابن
ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب: القراءة خلف الإمام (٨٣٨).
(٤) (١٠٢/٤).
(٥) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٣/ ٧٣٨٠).
- ٤٨٨ -

كما سميت مكة أم القرى لأنها أصلها ، أو سميت به لأنها علامته ، قال
الشاعر :
جماعُ أمور لا تعاصي له أمراً
علی رأسه أم لنا يقتدى بها
وقيل : لأنها مقدمه ، والأم العمر الماضي لتقدمه ، قال الشاعر :
لدائك إلا أن تموت طبيب
إذا کانت الخمسون أمك لم یکن
وقيل : لتمامها في الفصل ، ومن أسمائها : السبع المثاني ، والوافية ،
والكافية ، والأساس ، والشافية ، والكنز ، والصلاة ، وسورة تعليم
المسألة ، وسورة الواقية ، وسورة الحمد ، والشكر ، والدعاء ، والفاتحة،
وأول القرآن ، وهي مكية ، وقيل : مكية ومدنية ؛ لأنها نزلت بمكة مرة ،
وبالمدينة أخرى ، وهي سبع آيات بالاتفاق ، إلا أن منهم من عد ﴿ أَنعمتَ
عَليهم ﴾ دون التسمية ، ومنهم من مذهبه على العكس ، وسبع وعشرون
كلمة ، ومائة واثنان وأربعون حرفاً .
قوله: ((فهي خداج)) بكسر الخاء : النقصان ، يقال : خدجت الناقة ،
إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج ، وإن كان تام الخلق ، وأخدجته إذا ولدته
ناقصاً ، وإن كان لتمام الولادة ، ومنه قيل لذي الثَّدَيَّةِ : مخدج اليد أي :
ناقصها ، ومعنى قوله: (( فهي خداج )) أي : ذات خداج ، أو يكون
وصفها بالمصدر مبالغة .
قوله: ((غير تمام)) تفسير لقوله: ((خداج)).
/ قوله: ((اقرأ بها في نفسك)) قال محيي الدين: ((ومما يؤيد وجوب [٢٧٨/١ -ب]
قراءة الفاتحة على المأموم قول أبي هريرة هذا ، ومعناه : اقرأها سرا بحيث
تسمع نفسك )) .
قلت : هذا لا يدل على الوجوب ؛ لأن المأموم مأمور بالإنصات ،
لقوله تعالى: ﴿وَأَنصتُواْ﴾ والإنصات : الإصغاء ، والقراءة سرا بحيث
(١). شرح صحيح مسلم (١٠٣/٤).
٠٣٢ شرح سنن أبي داوود ٣
- ٤٨٩ -

يسمع (١) نفسه يخل بالإنصات فح (٢) يحمل هذا على أن المراد تدبر ذلك
وتذكره ، ولئن سلمنا القراءة حقيقة ، فلا يدل ذلك على الوجوب ، على
أن بعض أصحابنا استحسنوا ذلك على سبيل الاحتياط في جميع الصلوات،
ومنهم من استحسنها في غير الجهرية ، ومنهم من رأى ذلك إذا كان الإمام
لحاناً .
قوله: (( يا فارسي)» خطاب لأبي السائب .
قوله: ((قسمت الصلاة)) المراد بها الفاتحة ، وقد ذكرنا أن من جملة
أسماء الفاتحة الصلاة ، سميت بها ؛ لأنها تقرأ دائماً في سائر الصلوات .
وقال الشيخ محيي الدين (٣): ((ففيه دليل على وجوبها بعينها في
الصلاة، سميت بذلك لأنها لا تصح الصلاة إلا بها ، كقوله - عليه
السلام -: ((الحج عرفة)).
قلت : لا نسلم أن يلزم من تسميتها صلاة وجوبها بعينها ؛ لأن تسميتها
بذلك باعتبار أنها تقرأ في سائر الصلوات ، لا باعتبار أنها فرض بعينها ،
ولا يلزم من قراءتها في سائر الصلوات فرضيتها ، كالتسميع والتحميد ،
ونحوهما، فإن صلاة لا تخ (٤) عن شيء من ذلك ، وليس ذاك بفرض،
وقياسه على قوله: (( الحج عرفة)) ليس بصحيح ؛ لأن معنى هذا الكلام
معظم أركان الحج الوقوف بعرفة ، وليست العرفة بعينها عبارة عن الحج ؛
لأن العرفة لا تخ (٤) إما أن تكون اسماً لليوم المعهود ، أو للموضع
المعهود ، وكل منهما ليس بحج ولا داخل في أركان الحج فافهم ، ثم
معنى قوله: ((قسمت )) قسمتها من جهة المعنى ؛ لأن نصفها الأول :
تحميد الله تعالى وتمجيده ، وثناء عليه ، وتفويض إليه ، والنصف الثاني :
سؤال ، وتضرع ، وافتقار ، وهذا من جملة ما احتج به أصحابنا على أن
البسملة ليست من الفاتحة ؛ لأنها سبع آيات بالإجماع ، فثلاث في أولها
(١) في الأصل: ((تسمع)).
(٢) أي: ((فحينئذ)).
(٣) شرح صحيح مسلم (١٠٣/٤). (٤) كذا، ولعلها بمعنى: ((لا تخرج)).
- ٤٩٠ -

ثناء ، أولها : ﴿ الحمد﴾ وثلاث دعاء، أولها: ﴿اهدنا الصراط﴾،
والسابعة متوسطة، وهي: ﴿ إياكَ نعبدُ وإياكَ نستعينٌ﴾ ولأنه قال:
يقول: ﴿ الحمد لله رب العالمين﴾ فلم يذكر البسملة، ولو كانت منها
لذكرها ، وقد مر الكلام في هذا الباب مستوفى .
قوله : (( مجدني عبدي )) أي : عظمني .
قوله: (( فهؤلاء لعبدي )) فيه دليل على أن ﴿ اهدنا﴾ وما بعده إلى آخر
السورة ثلاث آيات، لا آيتان؛ لأن لفظة ((هؤلاء)) إشارة إلى الجمع ،
فإذا كان هذا ثلاث آيات فلا خلاف أن من قوله: ﴿ الحمد لله ﴾ إلى
﴿نستعين﴾ أربع آيات ، فصارت الجملة سبع آيات، ولا خلاف في
ذلك، فلم تكن البسملة منها ، وفي رواية مسلم : (( فهذا لعبدي » ، وهو
إشارة إلى المذكور في ﴿اهدنا﴾ إلى آخره . ذكّر الضمير باعتبار المذكور،
والمذكور ثلاث آيات .
والحديث أخرجه : مسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه . وذكر
ابن عدي بسند ضعيف: (( كل صلاة لا يقرأ [ فيها ] بفاتحة الكتاب وآيتين
فهي خداج )) (١) .
وفي سنن (٢) الطبراني: (( كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي
مخدجة مخدجة مخدجة )) .
وعند الدارقطني مضعفاً من رواية محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير ،
عن عمرو : (( من صلى صلاة مكتوبة أو تطوعاً فليقرأ فيها بأم الكتاب
وسورة معها ، فإن انتهى إلى أم الكتاب فقد أجزأه ، ومن صلى صلاة مع
إمام يجهر فليقرأ بفاتحة الكتاب في بعض سكتاته ، فإن لم يفعل فصلاته
خداج غير تمام )) (٣) .
(١) الكامل (٥٠/٥، ترجمة شبيب بن شيبة) من حديث عائشة. (٢) كذا .
(٣) سنن الدارقطني (٣٢١/١) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده ،
وقال الدارقطني: (( محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير ضعيف)).
- ٤٩١ -

وروى ابن عدي (١) بإسناده إلى ابن عمر قال : قال رسول الله - عليه
السلام -: (( لا تجزئ المكتوبة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات فصاعداً ))
وقال : هذا حديث غير محفوظ .
وهذه الأحاديث كلها لا تدل على فرضية الفاتحة ؛ لأنه فسر في الحديث
بقوله: ((غير تمام))، وهذا يدل على أن الصلاة بدونها صحيحة ، ولكنها
ناقصة ؛ لأن معنى قوله: (( غير تمام)) ناقصة ، ونحن نقول أيضاً : إذا
ترك الفاتحة تكون صلاته ناقصة .
[٢٧٩/١-١]
/ ٧٩٩ - ص - نا قتيبة بن سعيد ، وابن السرح، قالا : نا سفيان ، عن
الزهري ، عن محمود بن الربيع ، عن عبادة بن الصامت ، يبلغ به النبيّ -عليه
السلام - قال: ((لا صَلاةَ لمن لمْ يَقْرَأ بفاتحَة الكتَاب فَصَاعداً » (٢). قال
سفيان : لمن يُصِّي وحده .
ش - محمود بن الربيع بن سراقة بن [ عمرو بن ] زيد بن عبدة بن عامر
ابن عدي بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الخزرجي
الأنصاري، يُكنى : أبا نعيم ، ويقال : أبو محمد ، عقل عن النبي - عليه
السلام - مَجَّةٌ مَجَّهَا في وجههِ من دلوٍ ، من بئر في دارِهم ، وهو ابن
خمس سنين ، وهو ختن عبادة بن الصامت ، نزل بيت المقدس . روى
عن : النبي - عليه السلام - ، وعن عتبان بن مالك ، وعبادة بن
الصامت، وغيرهم . روى عنه : أنس بن مالك ، وابنه أبو بكر بن أنس،
(١) الكامل (٥٥/٦، ترجمة عمر بن يزيد) .
(٢) البخاري : كتاب الأذان ، باب : وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات
كلها في الحضر والسفر وما يجهر فيها وما يخافت (٧٥٦) ، مسلم : كتاب
الصلاة ، باب : وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وإنه إذا لم يحسن الفاتحة
ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها (٣٩٤/٣٤)، الترمذي : كتاب
الصلاة ، باب : ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (٢٤٧) ، النسائى :
كتاب الافتتاح ، باب : إيجاب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة (١٣٥/٢،
١٣٦) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: القراءة خلف الإمام (٨٣٧).
- ٤٩٢ -

ورجاء بن حيوة ، والزهري ، ومكحول ، مات سنة تسع وتسعين ، وهو
ابن ثلاث وتسعين . روى له الجماعة (١) .
والحديث أخرجه : الأئمة الستة ، وليس في حديث بعضهم :
((فصاعداً)). (((٢) ورواه الدَّارقطني (٣) بلفظ: ((لا تُجزئ صلاة لمن لم
يقرأ بفاتحة الكتاب))، وقال: إسناده صحيح . وصحَّحه ابن القطان
أيضاً. وقال صاحب ((التنقيح)): انفرد زياد بن أيوب بلفظ: ((لا تجزئ))
ورواه جماعة: ((لا صلاة لمن لم يقرأ)) وهو الصحيح ، قال : وكأنَّ
زياداً رواه بالمعنى. انتهى. والحديث في ((صحيح ابن حبَّان)» بهذا
اللفظ، بغير هذا الإسناد ، قال ابن حِبَّان : أخبرنا محمد بن إسحاق بن
خزيمة ، ثنا محمد بن يحيى الذهلي ، ثنا وهب بن جرير ، ثنا شعبة ،
عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال
رسول الله ◌َي: ((لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، قلت:
وإن كنتُ خلف الإمام قال : فأخذني بيدي ، وقال : اقرأ في نفسك )) .
قال ابن حبان: لم يقل في خبر العلاء هذا: (( لا تجزئ صلاة)) إلا
شعبة، ولا عنه إلا وهب بن جرير . انتهى . ورواه ابن خزيمة في
((صحيحه )) كما تراه)) (٤) .
واستدل الشافعي ، ومن تبعه بهذا الحديث على فرضية الفاتحة في
الصلاة ، ولأنه - عليه السلام - واظب عليها في كل صلاة ، فيدل على
الفرضية، ولنا قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُ وأْ مَا تَيَسَّرَ منَ الْقُرْآن ﴾ (٥) أمر بمطلق
القراءة من غير تعيينٍ ، فتعيين الفاتحة فرضاً نَسْخُ الإطلاق ، والنسخ بالخبر
المتواتر لا يجوز عند الشافعي ، فكيف يجوز بخبر الواحد ؟! فقلنا:
الحديث في حق الوجوب عملاً حتى تكون الصلاة ناقصة بتركها ،
(١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٤٢١/٣)، وأسد الغابة
(١١٦/٥)، والإصابة (٣٨٦/٣).
(٢) انظر: نصب الراية (٣٦٥/١ - ٣٦٦).
(٣) سنن الدارقطني (٣١٨/١).
(٤) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية .
(٥) سورة المزمل: (٢٠) .
- ٤٩٣ -

ومواظبته - عليه السلام - لا تدل على الفرضية ، فإنه كان يواظب على
سائر الواجبات . وقال الشيخ محيي الدين (١) : ودليل الجمهور قوله -
عليه السلام -: ((لا صلاة إلا بأُمِّ القرآن))، فإن قالوا : المراد : لا
صلاة كاملة ، قلنا : هذا خلاف ظاهر اللفظ . ومما يؤيده حديث أبي
هريرة، قال: قال رسول الله: ((لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة
الكتاب)) رواه أبو بكر بن خزيمة في ((صحيحه )) بإسناد صحيح ، وأما
حديث: ((اقرأ ما تيسر ... )) محمول على الفاتحة فإنها مُتَيَسُرة، أو
على ما زاد على الفاتحة بعدها ، أو على من عجز عن الفاتحة .
قلت: كل هذا فيه نظر، فقوله: (( هذا خلاف ظاهر اللفظ))،
يعارضه قوله: ((وأما حديث: ((اقرأ ما تيسر)) فمحمول على الفاتحة))؛
لأن هذا أيضاً خلاف ظاهر اللفظ؛ لأن (( ما تيسر )) وقع مفعولاً لقوله :
((اقرأ))، وهو عام يتناول قراءة الفاتحة، وغيرها، فقوله: ((محمول على
الفاتحة )) تخصيص بلا مخصص ، وهو باطل ، فليت شعري ، كيف
جوزوا الحمل هاهنا على خلاف ظاهر اللفظ ، ولم يُجَوِّزُوا في قوله :
((لا صلاة إلا بأم القرآن))؟.
وقوله: ((أو على ما زاد على الفاتحة)) بعدها غير صحيح أيضاً ؛ لأنه
لا يمشي على مقتضى مذهبهم ؛ لأن قراءة ما زاد على الفاتحة ، غير فرض
عندهم .
وأما دعواه التأييد بحديث ابن خزيمة لا تُفيدهم ؛ لأن هذا ليس له من
القوة ما يُعارض ما أخرجه الأئمة الستة ، على أن ابن حبان قد ذكر أنه لم
يقل في خبر العلاء: ((لا تجزئ صلاة ... )) إلا شعبة، ولا عنه إلا
وهب كما ذكرناه، وأيضاً فلفظ: ((فصاعداً)) في حديث عبادة يشير
بفرضية قراءة ما زاد على الفاتحة ، على مقتضى دعواهم ، والحال أن هذا
[٢٧٩/١ -ب] ليس مذهبهم ، فظهر من هذا التقرير أن الذي يفهم من / الأحاديث
-
-
(١) شرح صحيح مسلم (١٠٢/٤).
-
- ٤٩٤ -

الواردة في هذا الباب وجوب الفاتحة ليس إلا ، والفرضية لا تثبت بمثل
هذا ، على أنه قد رُوي عن جماعة من الصحابة وغيرهم سُنِّيَةُ مطلق
القراءة في الصلوات ، لما ذكرنا من حديث عمر وغيره في (( باب قدر
القراءة في صلاة الظهر والعصر )).
قوله: ((فصاعداً )) نصبٌ على الحال، والمعنى: لا صلاة كاملةً لمن لم
يقرأ بفاتحة الكتاب ، فزاد القراءة صاعداً على الفاتحة ، كما نقول : أخذت
هذا بدرهم فصاعداً ، أي : فزاد الثمنَ صاعداً على الدرهم ، ولكن
تذكير (( صاعداً )) باعتبار المذكور ، وإلا فالقياس يقتضي أن يقال : فصاعدةً
أو نقول : فصاعداً في مثل هذا الموضع مثل الاسم الجامد ، فاستوى فيه
التذكير والتأنيث ، والفاء فيه زائدة لازمة . وقال البخاري في كتاب
((القراءة خلف الإمام)): وقال معمرٌ عن الزهري: ((فصاعداً))، وعامَّة
الثقات لم يتابع معمراً في قوله: (( فصاعداً )).
قلت : هذا سفيان قد تابع معمراً في هذه اللفظة ، وكذلك تابعه فيها
صالح والأوزاعي ، وعبد الرحمن بن إسحاق ، وغيرهم ، كلهم عن
الزهري .
قوله: ((قال سفيان: لمن يُصَلِّ وحده)) المراد به سفيان بن عيينة ، يعني :
عدم جواز الصلاة لعدم قراءة فاتحة الكتاب في حق من يصلي وحده ، وأمَّا
المقتدي فإن قراءة إمامه قراءة له ، وكذا قال الإسماعيلي إذا كان وحده .
فعلى هذا يكون الحديث مخصوصاً في حق المنفرد ، فلم يبق للشافعية بعد
هذا دعوى العموم .
٨٠٠ - ص - نا عبد الله بن محمد النفيلي ، نا محمد بن سلمة ، عن
محمد بن إسحاق ، عن مكحول ، عن محمود بن الربيع ، عن عبادة بن
الصامت قال: كُنَّا خَلْفَ النبيِّ - عليه السلام - في صَلاة الفَجْر، فَقرأً
رسولُ اللهِ فَتَقُلَتْ عليه القِراءةُ ، فلما فَرِغَ قال: ((لَّعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَّ خَلْفَ
- ٤٩٥ -

إِمَامِكُمْ))؟! قلنا: نعم، هَذا يا رسولَ الله، قال: ((لا تَفْعَلُوا إلا بفَاتحة
الكِتَابِ ؛ فإنه لا صَلاةَ من لم يَقْرَابِهَا )) (١) .
ش - محمد بن سلمة الباهِليَّ الحرّاني ، ومحمد بن إسحاق بن يَسَار ،
ومكحول بن زبر الشامي .
والحديث أخرجه الترمذي عن هَنَّاد ، عن عبدة ، عن ابن إسحاق ،
إلى آخره، وقال: حديث حسنٌ. وفي كتاب الدارقطني (٢): ((لا تقرأ
بشيءٍ من القرآن إذا جهر إلا بأم القرآن ))، وفي المصنَّف (٣) : نا ابن نمير)
نا محمد بن إسحاق ، عن مكحول ، عن محمود بن الربيع ، عن عبادة
ابن الصامت ، قال : صَلَّى بنا رسول الله - عليه السلام - صلاة العشاء،
فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: (( لعلكم تقرءون خلف إمامكم ؟
قال : قلنا : أجل يا رسول الله إنّا لنفعل ، قال : فلا تفعلوا إلا بأُم
القرآن، فإنه لا صلاة إلا بها )).
قوله : ((هَذا)) الهَذُّ: السرعة، أراد : نَهُذُّ القرآن هَذا، فنُسْرِعُ فيه من
غير تَفَكُّرٍ ، ولا ترتيلٍ ، كما في قراءة الشعر ، ونصبه على المصدر ،
وقيل : أراد بالهذِّ الجهرَ بالقراءة ، وكانوا يُلَبِسُون عليه - عليه السلام -
قراءته بالجهر .
قوله: (( لا تفعلوا)) يحتمل أن يكون أراد بالنهي ما زاد من القراءة على
الفاتحة، ويحتمل أن يكون نهاهم عن الْهَذّ، كذا قاله الخطَّابي، بناءً على
مذهبه ، وسنجيب عنه إن شاء الله تعالى ، ولنا أحاديث تدل على أن
(١) الترمذي: كتاب الصلاة ، باب : ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب
(٢٤٧) .
(٢) (٣١٩/١) وفيه: ((فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرتُ إلا بأم القرآن ».
(٣) (٣٧٣/١ - ٣٧٤) .
- ٤٩٦ -

المقتدي لا يقرأ خلف الإمام، ((١) منها ما أخرجه ابن ماجه في ((سننه))(٢)
عن جابر الجُعْفِي ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال
رسول الله: (( من كان له إمام، فإن قراءة الإمام له قراءةٌ ».
والحديث ، وإن كان معلولاً بجابر الجُعْفي ، ولكن له طرق أخرى وهي
وإن كانت مدخولة ، ولكن يَشُدُّ بعضها بعضاً ، منها ما رواه محمد بن
الحسن في ((موطئه)) (٣) : أخبرنا الإمام أبو حنيفة ، ثنا أبو الحسن موسى
ابن أبي عائشة ، عن عبد الله بن شَدَّاد ، عن جابر ، عن النبي - عليه
السلام -، قال: ((من صَلَّى خلف الإمام، فإن قراءة الإمام له قراءة)).
ورواه الدارقُطْني في ((سننه)) (٤)، وأخرجه هو ، ثم البيهقي (٥) ، عن
أبي حنيفة مقروناً بالحسن بن عمارة ، وعن الحسن بن عمارة وحده بالإسناد
المذكور . قال الدارقطني : وهذا الحديث لم يسنده عن جابر بن عبد الله،
غيرُ أبي حنيفة ، والحسنُ بن عمارة ، وهما ضعيفان ، وقد رواه سفيان
الثوري ، وأبو الأحوص ، وشعبة ، وإسرائيل ، وشريك ، وأبو خالد
الدالاني ، وسفيان بن عيينة، / [ وجرير ] بن عبد الحميد، وغيرهم، [١/ ٢٨٠-أ]
عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبد الله بن شداد ، عن النبي مرسلاً ،
وهو الصواب )» (٦).
قلتُ : قد ظهر لك تحامل الدارقطني على أبي حنيفة ، وتعصُّبُهُ
الفاسد، فمن أين للدارقطني تضعيف مثل أبي حنيفة ؟ والحال أنه بهذا
يستحق التضعيف ، ثم هو يُضعِّف حديث أبي حنيفة ، وقد روى هو في
(سننه)) أحاديث سقيمة معلولةً، وأحاديث غريبة منكرةً، وأحاديث
موضوعةً، وكيف يُضَعِّفُهُ، وقد قال يحيى بن معين حين سئل عنه : ثقةٌ،
(١) انظر: نصب الراية (٢/ ٧ - ٩).
(٢) كتاب إقامة الصلاة، باب: إذا قرأ الإمام فأنصتوا (٨٥٠)، ووقع في سنده
اختلاف انظره في ((الإرواء)) (٢٦٨/٢).
(٣) كتاب الصلاة ، باب: القراءة في الصلاة خلف الإمام (رقم ١١٧) .
(٥) السنن الكبرى (١٥٩/٢).
(٤) (٣٢٣/١ : ٣٢٥) .
(٦) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية .
- ٤٩٧ -

ما سمعت أحداً ضَعَّفَهُ . هذا شعبة بن الحجَّاج يكتب إليه أن يُحَدِّث ،
ويأمرُهُ، وشعبةُ شعبةُ (١) ذكره الحافظ أحمد بن الحسن ، عن عبد الله بن
أحمد بن إبراهيم الدورقي. وقال ابن كثير في (( تاريخه )) : قال يحيى بن
معين : كان أبو حنيفة ثقةً ، وكان من أهل الصدق ، ولم يتهم بالكذب ،
ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضياً ، وسئل يحيى بن
معين : هل حدَّث سفيان عن أبي حنيفة ؟ قال : نعم ، كان أبو حنيفة
ثقة صدوقاً في الحديث والفقه ، مأموناً على دين الله تعالى ، وأثنى عليه
ابن المبارك ، وأبو مطيع الحكم بن عبد الله ، وسفيان بن عيينة ، وحمَّادُ
ابن أبي سليمان ، ومِسعر بن كدام ، وأيوب السختياني ، والأعمش ،
ويقال: إنه خرج إلى الحج ، فلما صار بالحيرة ، قال لعليِّ بن مسهر :
اذهب إلى أبي حنيفة حتى يكتب لنا المناسك ، وأثنى عليه شعبة بن
الحجاج ، وسفيان الثوري ، والحسن بن صالح ، وعبد الرزاق ، وسعيدُ
ابن أبي عروبة ، وحمَّاد بن زيد ، وابن جريج ، وشريك القاضي ، وابن
شُبْرُمَة ، ووكيع ، وكان يفتي برأي أبي حنيفة ، ويحيى بن سعيد القطان ،
والإمام الشافعي ، والإمام مالك ، والإمام أحمد ، وخالد الواسطي ،
وعيسى بن يونس ، وأبو عاصم النبيل ، وعبد الله بن داود ، وأبو نعيم
الفضل بن دكين ، وعبد العزيز بن أبي رَوَّاد ، وعبد العزيز الماجشون ،
وأبو معاوية ، وابن أبي ليلى ، وياسين بن الزيات ، وابن السماك ،
ويحيى بن اليمان ، وقيس بن الربيع ، وخلف بن أيوب ، ویحیی بن آدم،
ويوسف بن خالد السَّمْتي ، والنضر بن شميل ، ويحيى بن أكثم ، ومقاتل
ابن حَيَّان، ومقاتل بن سليمان ، ومكي بن إبراهيم ، وجماعةٌ آخرون
كثيرةٌ ، وروى عنه : ابن المبارك ، ووكيع ، ويزيد بن هارون ، وعليّ بن
عاصم ، والقاضي أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن الشيباني ،
وعبد الرزاق ، وأبو نعيم ، وهشيم ، وجعفر الصادق ، وسفيان الثوري ،
وشعبةُ ، وعبد الكريم الجزري ، إمام أهل الجزيرة ، وكان يفتي بقوله ،
(١) كذا بالتكرار .
- ٤٩٨ -

والأحوص بن حكيم ، والحكم بن هشام ، ومعمر بن راشد ، وشريك
النخعي ، والمغيرة بن موسى ، ومقاتل بن حيَّان ، وجماعة آخرون ،
ذكرتهم في ((تاريخي))، مقدار سبعمائة وثلاثين رجلاً ، من العلماء
الأجلاء ، والثقات الأثبات ، وأما عُدَّة مشائخه الذين روى عنهم تبلغ
أربعة آلاف نفس ، فإذا كان الرجل بهذه المثابة ، كيف لا يستحيي
الدارقطني ، وأمثاله ، مثل البخاري ، وابن الجوزي ، والبيهقي ، حتى
يحطون على مثل هذا الإمام ، ويتكلمون في عِرْضِهِ، لأجل حظ الأنفس،
وارتكاب الهَوى الباطل ، ولقد صدق الشاعر في قوله :
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا شأْوَهَ والقوم أعداءٌ له وخصوم
وفي المثل السائر : البحر لا يكدره وقع الذباب ، ولا ينجسه ولوغ
الكلاب .
وأما محمد بن الحسن فإنه أخذ العلم عن أبي حنيفة ، وأبي يوسف ،
وسمع منهما (١) ، وكذلك سمع من مِسْعر ، والثوري ، ومالك ،
والأوزاعي ، وغيرهم ، وأثنى عليه غير واحد من أهل العلم ، وأكثرهم
ثناءً الشافعي ، وكتب عنه الشافعي ببغداد ، وبالغ الشافعي في الثناء عليه.
وقال محمد : ترك لي أبي ثلاثين ألف درهم ، فأنفقت خمسة عشرة ألفاً
على النحو ، والشعر ، وخمسة عشر ألفاً على الحديث والفقه ، وقال :
أقمت على باب مالك ثلاث سنين وكسْراً .
وأما موسى بن أبي عائشة أبو الحسن الكوفي ، فإنه من الثقات
الأثبات. روى عنه : أبو حنيفة ، والثوري ، وغيرهما . وقال ابن عيينة :
كان من الثقات . وقال ابن معين : ثقةٌ . وروى له الجماعة .
/ وأمَّا عبد الله بن شدَّاد فهو من كبار التابعين، وثقاتهم، كما ذكرناه [١/ ٢٨٠ -ب]
في ترجمته ، فإذا كان الأمر كذلك ؛ يكون ما رواه محمد بن الحسن في
(موطئه)) عن أبي حنيفة ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبد الله بن
(١) غير واضحة في الأصل .
- ٤٩٩ -

شَدَّاد ، عن جابر - رضي الله عنه - حديثاً صحيحاً ، بإسناد صحيح ،
مسلسلٍ بسلسلة الذهَب ، فبطل بهذا قول الدارقطني ، ومن تبعه .
ومنها: ما رواه الدارقطني في ((سننه))، والطبراني في «معجمه
الوسط)) (١) ، عن سهل بن عباس المروزي ، ثنا إسماعيل ابن عُلَيَّة،
عن أيوب ، عن أبي الزبير ، عن جابر، قال: قال رسول الله: (( من
كان له إمام فقراءة الإمام له قراءةٌ)) . قال الدارقطني : هذا حديث منكر ،
وسهل بن عباس متروك ، وليس بثقة . وقال الطبراني : لم يرفعه أحد عن
ابن عُلَيَّة إلا سهل بن عباس ، ورواه غيره (٢) موقوفاً .
ومنها : ما رواه أحمد، في ((مسنده)) (٣) عن جابر بن عبد الله ، عن
النبي - عليه السلام: ((من كان له إمامٌ فقراءة الإمام له قراءةٌ)). وفي
((المصنف)): ثنا مالك بن إسماعيل ، عن حسن بن صالح ، عن
أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - عليه السلام - قال: (( كل من كان
له إمامٌ فقراءته له قراءة )» هذا سند صحيح ، وكذا رواه أبو نعيم ، عن
الحسن بن صالح عن أبي الزبير، ولم يذكر جابراً ، كذا في (( أطراف
المزي )) .
ومنها : ما رواه الدارقطني في ((سنته)) (٤) ، عن محمد بن الفضل بن
عطية ، عن أبيه ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه عبد الله بن عمر ،
عن النبي - عليه السلام -، قال: (( من كان له إمامٌ فقراءته له قراءة ))،
قال الدارقطني : محمد بن الفضل متروك ، ثم أخرجه عن حارثة ، عن
أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعاً ، أنه قال في القراءة خلف
الإمام: يكفيك قراءة الإمام ، قال : وهو الصواب .
(١) (٧٩٠٣/٨) بلفظ: ((من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة)).
(٣) (٣٣٩/٣) .
(٢) فى الأصل: ((غير)) خطأ.
(٤) (٣٢٥/١ - ٣٢٦) .
- ٥٠٠ -