Indexed OCR Text

Pages 61-80

عن الزهري غير ابن عيينة ؛ وأخطأ . قلت : تابعه ابن أبي ذئب ؛ فرواها
عن الزهري كذلك ، وكذا أخرج هذا الحديث أبو نعيم في (( المستخرج
على الصحيحين))، وفي ((مسند أبي قرة )) عن ابن جريج : أُخْبِرت عن
أبي سلمة، عن أبيه، عنه بلفظ: (( وليقض ما سبقه))، وكذا في رواية
مسلم : (( واقض)) كما ذكرنا .
قوله: ((وحده)) حال من ابن عيينة ؛ أي : قال ابن عيينة عن الزهري
حال كونه منفرداً بهذه الرواية؛ وهي قوله: ((فاقضوا)) . فإن قيل:
شرط الحال : أن يكون نكرةً وصاحبها معرفة ؛ ولفظ: ((وحده )) معرفة ؛
فكيف وقع حالاً ؟ قلت : مؤول بوجهين ؛ الأول : أنه مصدر بمعنى
الفاعل أي : منفرداً - كما قدرناه - فيكون نكرة من حيث المعنى ؛ ولا
يبعد أن يكون الشيء معرفة لفظاً ، نكرة معنىً ، نحو : مررت برجل
مثلك ، أو نقول : إنه معهود ذهني ؛ والمعهود الذهني باعتبار الوجود نكرة
في المعنى ، كما أن أسامة معرفة باعتبار الذهن ، نكرة باعتبار الوجود .
والثاني : أن تقديره : ينفرد وحده ؛ و((وحده )) مفعول مطلق حذف فعله
للقرينة ، والجملة وقعت حالاً ؛ ومنه : ادخلوا الأول فالأوّل ، ويقال :
وحده مصدر بحذف الزوائد ، أصله : إيحاداً ؛ وقد جاء : وحَد يحدُ
وحدةً وحدةً .
ص - وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، وجعفرُ
ابن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة: (( فأتموا))، وابن مسعود، عن النبي
- عليه السلام - ، وأبو قتادة وأنس ، عن النبي - عليه السلام - كلهم :
((فأتموا)).
ش - أي : قال محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص المدني ، عن
أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة .
قوله: ((وجَعفر)) عطف على قوله: ((محمد)) أي : قال جعفر بن
ربيعة بن شرحبيل ابن حسنة المصْري ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن
أبي هريرة .
- ٦١ -

قوله : ((وابن مسعود )) أي : قال عبد الله بن مسعود ، وفي بعض
النسخ: (( هكذا » .
قوله: ((وأبو قتادة)) أي: قال أبو قتادة الحارث بن ربعي (١) ، وأنس بن
مالك ، عن النبي - عليه السلام - .
قوله: (( كلهم)) راجع إلى أبي هريرة ، وابن مسعود ، وأبي قتادة ،
وأنس .
٥٥٥ - ص - نا أبو الوليد الطيالسي : نا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم قال :
سمعت أبا سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - قال: (( ائتوا
الصلاة وعليكم السكينةُ، فصلوا ما أدركتُم واقضوا ما سبقكم)) (٢).
ش - أبو الوليد: هشام بن عبد الملك الطيالسي ، وسَعْد بن إبراهيم :
ابن عبد الرحمن بن عوف القرشي .
قوله: ((ائتوا)) - بكسر الهمزة - أمر من أتى يأتي إذا جاء .
قوله: (( ما سبقكم )) أي : اقضوا الذي سبقكم به الإمام من ركعة أو
ركعتين أو ثلاث ؛ وهذا حكم المسبوق : أنه يصلي مع الإمام ما أدركه ،
فإذا سلم الإمام يقوم ويقضي ما فاته ، وهو منفرد فيما يقضيه - كما عرف
في الفروع .
ص - قال أبو داود : وكذا قال ابن سيرين عن أبي هريرة: ((ويقضي))(٣)
وكذا قال أبو رافع عن أبي هريرة . وأبو ذر، ورُوي (٤) عنه: (( فأتموا
واقضوا » واختلف عنهم (٥) فيه .
ش - أي : مثل رواية أبي سلمة ، عن أبي هريرة روى محمد بن سيرين
عن أبي هريرة: ((ويقضِي))، و((كذا قال أبو رافع)): إبراهيمُ أو أَسْلمُ.
(١) في الأصل: ((ربعي بن الحارث)).
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) في سنن أبي داود: ((وليقض)).
(٤) في سنن أبي داود: ((روى))، وسيذكر المصنف أنها نسخة.
(٥) غير موجودة في سنن أبي داود .
- ٦٢ -

قوله: ((وأبو ذر)) عطف على قوله: / ((أبو رافع)) إن كانت النسخة [١٩٦/١-١]
بالواو في قوله: ((وروى عنه)) أي: وكذا قال أبو ذر، وفي بعض النسخ:
((روى عنه)) بلا واو؛ فعلى هذا يكون (( أبو ذر)) مبتدأ، وقوله: ( روى
عنه)) خبره أي: أبو ذر روى عن أبي هريرة: ((فأتموا واقضوا))،
والأصح من النسخة أنه بالواو، وأن ((رُوِي)) على صيغة المجهول ، ثم
إن الضمير في ( عنه ) يجوز أن يكون عائداً إلى أبي ذر ، ويجوز أن يكون
عائداً إلى أبي هريرة بمعنى : وروي عن أبي هريرة : ((فأتموا واقضوا)) ،
ولكن رجوعه إلى أبي ذر أنْسب لقُربه . وفي ((المصنف)): نا ابن علية ، عن
أيوب ، عن عمرو ، عن أبي نضرة ، عن أبي ذر قال : إذا أقيمت الصلاة
فامش إليها كما كنت تمشي ، فصَلِّ ما أدركتَ واقضِ ما سَبقك .
ويجوز أن يكون ((ورَوى )) بالواو على صيغة المعلوم ، ويكون التقدير :
وقال أبو ذر: والحال أنه قد رَوى عن أبي هريرة: (( فأتموا واقضوا))،
ويكون ((وروى)) حالاً بتقدير: ((قد)) أو لا يحتاج إلى تقدير ((قد)) لأن
الماضي إذا كان مثبتاً بالواو لا يحتاج إلى ((قد)» - كما ذكرناه غير مرة .
وفي (( المصنف)): حدَّثنا الثقفي ، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة
قال : إذا ثُوب بالصلاة فامشوا وعليكم بالسكينة والوقار ، فصلوا ما
أدركتم واقضوا ما سبقكم .
قوله: (( واختلف عنهم فيه)) أي : اختلف عن المذكورين في لفظ
((قضوا) أو ((أتموا))، وفي أكثر النسخ: ((اختلف عنه)) أي: عن أبي ذر
أو عن أبي هريرة، وأبو ذر أقربُ، وفي بعض النسخ: ((اختلف عليه ))
وليس بصحيح .
٥٠ - بابُ : الجمع في المسجد مرتین
أي : هذا باب في بيان الجمع بين صلاته وصلاة غيره في المسجد ؛ وفي
بعض النسخ : (( باب ما جاء في الجمْع )).
٥٥٦ - ص - نا موسى بن إسماعيل: نا وُهَيْبٌ، عن سليمان الأسود ،
- ٦٣ -

عن أبي المتوكل ، عن أبي سعيد الخدريّ أن النبي - عليه السلام - أبْصرَ
رجلاً يُصلّي وحدَه فقال: ((أَلا رجلٌ يتصدقُ على هذا فيُصلِّي معه)) (١) .
ش - وُهَيْب : ابن خالد. وسليمان الأَسْود : الناجي المصري . روى
عن : أبي المتوكل . روى عنه : وُهيب ، وعبد العزيز بن مختار ، ومرجا
ابن رجاء وغيرهم . قال ابن معين : هو ثقة . روى له : أبو داود ،
والترمذي . وأبو المتوكل : اسمه : عليّ بن داود الناجي ، من بني سامة
ابن لؤي ، وقد ذكر مرةً .
قوله: ((أَبْصَر)) من أبصرتُ الشيء إذا رأيْتُه .
قوله : ((ألا رجلٌ يتصدّق)) أي : يحصّل لنَفْسه خيراً ، وفي رواية
الترمذي: جاء رجلٌ وقد صلى رسول الله فقال: (( أيكم يتّجر على
هذا؟)) فقام رجل فَصلّى معه . انتهى ؛ فكأنّه بصلاته معه قد حصل لنفسه
تجارةً، أي: مكسباً فيوافق قوله: ((فيتصدق)) ؛ لأن معناه : يحصّل
لنفسه خيراً - كما ذكرناه . وقال أبو بكر : نا هشيم : نا خُصَيف بن زيد
التميمي : نا الحسن : أن رجلاً دخل المسجد وقد صلى النبي - عليه
السلام - فقال: ((ألا رجلٌ يقومُ إلى هذا فيُصلي معه؟ )) فقام أبو بكر
وصلّى معه وقد كان صلى تلك الصلاة. وفي (( سنن الدا [ ر ] قطني))
عن أنس : أن رجلاً جاء وقد صلّى النبي - عليه السلام - فقام يُصلي
وحده ، فقال رسول الله: (( من يتجر على هذا فيصلي معه ؟ )) . وقد
بيّن في رواية أخرى أن هذه الصلاة كانت الظهرَ . وروى ابن خزيمة ،
وابن حبان ، والحاكم في صحاحهم مثل رواية أبي داود . وقال الحاكم :
حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . وقال الترمذي : حديث
حسن. وأخرج البزار في (( مسنده )) مثل رواية أبي داود ؛ ولكن عن
سلمان - رضي الله عنه - .
(١) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في الجماعة في مسجد قد صلى فيه
مرة (٢٢٠) .
- ٦٤ -

وحكم هذا الباب : أن تكرار الجماعة في مسجد هل يكره أم لا ؟
فنقول : إن صلى فيه غير أهله بأذان وإقامة لا يكره لأهله أن يُصلوا فيه
جماعةً ، ولو صلى فيه أهله بأذان وإقامة أو بعض أهله يكره لغير أهله ،
وللباقين من أهله أن يصلّوا فيه جماعة . وقال الشافعي : لا يكره . وعن
أبي يوسف : أنه إنما يكره إذا كانت الجماعة الثانية كثيرة ، فأما إذا كانوا
ثلاثة أو أربعة فقاموا في زاوية من زوايا المسجد فصلوا بجماعة لا يكره .
وروي عن محمد / أنه إنما يكره إذا كانت الثانية على سبيل التداعي [١٩٦/١ -ب]
والاجتماع ، فأما إذا لم يكن فلا . واستدل الشافعي بالأحاديث المذكورة
وقال : ولو كان مكروهاً لما أمره به - عليه السلام - ؛ ولأن قضاء حق
المسجد واجب ، والقومُ الأخر ما قضوا ، فيجب عليهم قضاء حقه بإقامة
الجماعة فيه ، وبه قال أحمد ، وإسحاق . ولنا ما روى عبد الرحمن بن
أبي بكر ، عن أبيه: (( أن رسول الله - عليه السلام - خرج من بَيْته
ليصلح بين الأنصار لتشاجر جرى بينهم ، فرجع وقد صُلَِّ في المسجد
بجماعة ، فدخل رسول الله في منزل بعض أهله فجمع أهله ، فصلى بهم
جماعةٌ))، ولو لم يكره تكرار الجماعة في المسجد لصلى فيه . ورُوي عن
أنس : أن أصحاب رسول الله كانوا إذا فاتتهم الجماعة في المسجد صلوا
في المسجد فرادى ؛ وهو قول سفيان ، وابن المبارك ، ومالك . والجواب
عما استدل به الشافعي : أن فيه أمر واحد وهو لا يكره ؛ وإنما يكره إذا
كان على سبيل التداعي والاجتماع ؛ بل ما احتج به حجة عليه ؛ لأنه
-عليه السلام - لم يأمر أكثر من واحدٍ لحاجتهم إلى إحراز الثواب ،
وقُضِي حق المسجد حيث صُلِّي فيه بالجماعة بأذان وإقامة ، وعلى هذا
الخلاف تكرار الأذان والإقامة - كما بُيّن ذلك في الفروع .
٥١ - بَابٌ: فيمَن صَلّى في مَنْزله ثم أدْرك الجماعةَ يُصَلِي معَهُمْ
أي : هذا باب في بيان من صَلّى في منزله ، ثم أدرك الجماعة يصلي
معهم ، وفي بعض النسخ: (( باب فيما جاء فيمن )).
• • شرح سنن أبي داوود ٣
- ٦٥ -

٥٥٧ - ص - نا حفصُ بن عُمر : نا شعبةُ: أخبرني يَعلى بن عطاء ، عن
جابر بن يزيد بن الأسود ، عن أبيه أنه صلى مع رسول الله و ليزر وهو غلام
شابٌّ فلما صلّى إذا رجلان لم يُصليا في ناحية المسجد فَدَعى بهما ترعُدُ (١)
فرائصُهما فقال: (( ما منعكما أن تُصليا معنا؟)) فقالا (٢) : قد صلينا في
رحالنا فقال: (( لا تفعلوا ، إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم
يُصل فليُصلّ معه ؛ فإنها له نافلة )) (٣) .
ش - جابر بن يزيد السلولي الخزاعي . سمع : أباه . روى عنه : يعلى
ابن عطاء . قال ابن المديني : لم يرو عنه غيره . روى له : أبو داود ،
والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (٤).
ويزيد بن الأسود الحجازي ، وقيل : خزاعي ، حليف لقريش ويقال :
العامري، معدود في الكوفيين ، شهد الصلاة مع رسول الله وَلټ ، روى
عنه حدیثاً في الصلاة وهو هذا . روى عنه : ابنه : جابر بن یزید . روی
له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي (٥).
قوله: ((إنه)) أي : يزيد بن الأسود .
قوله: ((وهو غلام شابٌ)) جملة اسميّة وقعت حالاً عن الضمير الذي في
(( صلّى)).
قوله : ((فلما صلى)) أي : رسول الله .
قوله: ((فدعى بهما)) أي : طلبهما .
(١) في سنن أبي داود: ((فدعى بهما ، فجيء بهما ترعد )).
(٢) في سنن أبي داود: ((قالا)).
(٣) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك
الجماعة (٢١٩) ، النسائي: كتاب الإمامة ، باب: إعادة الفجر مع الجماعة
لمن صلى وحده (١١٢/٢).
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٨٧٨/٤).
(٥) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٦٥٥/٤)، وأسد الغابة
(٤٧٦/٥)، والإصابة (٦٥١/٤).
- ٦٦ -

قوله : ((تَرْعُدُ فرائصهما)) فيه حذف أي : فطلبهما فجيء بهما بين
يديْه، وقوله: ((تَرْعد فرائصهما)) حال عن الضمير الذي في ((بهما))،
الفرائص : جمع الفريصة ؛ وهي لحمة وَسْط الجنب عند منبض القلب
يفترص عند الفزع ، أي : يَرْتعد ، وقال ابن الأثير : الفريصة : اللحمة
التي بين جنب الدابة وكتفها لا تزال ترعدُ، وقوله: (( ترعدُ » من باب
نصر ينصر .
قوله: ((في رحالنا)) الرحال: جمع رَحْل ؛ وهو منزل الإنسان ومَسْكنُه.
قوله: (( فإنها له نافلة)) أي : فإن الصلاة التي يصليها مع القوم ثانياً له
تطوع والفرض قد أُدّي بالأولى ؛ وفيه بحث نبينه عن قريب إن شاء الله
تعالى .
وبه استدل الشافعي أن من صلى في رَحْله ثم صادف جماعةً يصلون ،
كان عليه أن يُصلّي معهم أية صلاة كانت من الصلوات الخمس ، وبه قال
أحمد ، وإسحاق ، وهو قول الحسن ، والزهري ، وقال الأوزاعي : لا
يصلي في المغرب والصبح ، وهو قول النخعي . وقال مالك : لا يصلي
في المغرب فقط ؛ وهو قول الثوري . وقال أصحابنا : لا يصلي في
العصر والصَّبْح ، وأما المغرب فإن صلى فيه فعليه أن يضم إليها ركعة رابعةً
لورود النهي عن التنفّل بالبُثيراء .
وقال الخطابي (١) : ظاهر الحديث حجة على مَنْ منع عن شيء من
الصلوات كلها ، ألا ترى يقول: ((إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك
الإمام ولم يصل ، فليصلّ معه )) ؟ ولم يستثن صلاةً دون صلاة . فأما نهيه
- عليه السلام - عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ، وبعد
العصر حتى تغرب الشمس ، فقد تأولوه على وجهين ؛ أحدهما : أن
ذلك على معنى إنشاء الصلاة ابتداء من غير سبب ، فأما إذا كان لها
سبب، مثل أن يُصادف / قوماً يصلون جماعةً فإنه يُعيدها معهم ليحرز [١٩٧/١-١]
(١) معالم السنن (١٤٢/١).
- ٦٧ -

الفضيلة ، والوجه الآخر : أنه منسوخٌ ؛ لأن حديث جابر بن يزيد (١)
متأخرٌ ؛ لأن في قصته أنه شهد مع رسول الله حجة الوداع ، ثم ذكر
الحديث ، وفي قوله: (( فإنها نافلة )» دليل على أن صلاة التطوع جائزة بعد
الفجر قبل طلوع الشمس إذا كان لها سببٌ ، وحجة أصحابنا : قول ابن
عباس - رضي الله عنه - : (( شهد عندي رجال مرضيون ، وأرضاهم
عندي عُمر أن النبي - عليه (٢) السلام - نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى
تشرق الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب )) ، وهذا بعمومه يتناولُ الصورة
التي فيها النزاع . وقد روي عن أبي طلحة أن المراد بذلك كل صلاة .
وعن ابن حزم : إن قوماً لم يروا الصلاة في هذه الأوقات كلها . وقال ابن
بطال : تواترت الأحاديث عن النبي - عليه السلام - أنه نهى عن الصلاة
بعد الصبح وبعد العَصْر .
والجواب عما قال الخطابي: أما قوله: ((إن ذلك على معنى إنشاء
الصلاة ابتداء من غير سبب )) فغير مسلم ؛ لأن هذا تخصيص من غير
مخصصٍ ؛ فنهاية ما في الباب أنهم احتجوا بأنه - عليه السلام - قضى
سنة الظهر بعد العَصْر ، وقاسوا عليها كل صلاة لها سبب ، حتى قال
النووي : هو عمدة أصحابنا في المسألة وليس لهم أصح دلالة منه . ولكن
يخدشه ما ذكره الماورديّ منهم وغيره من أن ذلك من خصوصيّاته وَله .
وقال الخطابي - أيضاً - : كان النبي - عليه السلام - مخصوصاً بهذا دون
الخلق . وقال ابن عقيل : لا وجه له إلا هذا الوجه . وقال الطبري : فعل
ذلك تنبيهاً لأمته أن نهيه كان على وجه الكراهة لا التحريم .
وأما قوله : (( إنه منسوخ )) فغير صحيح ؛ لأن عمر - رضي الله عنه -
ما بَرح مع النبي - عليه السلام - إلى أن توفي ، ولو كان منسوخاً لعمل
بناسخه مع أنه كان يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة
من غير نكيرٍ ، فدل هذا على أن النهي ليس بمنسوخ ، وأن الركعتين بعد
-
(١) في الأصل: ((جابر يزيد بن)) كذا .
(٢) مكررة في الأصل .
- ٦٨ -

العصر مخصوصة به دون أمته . وقال أبو جعفر الطحاوي : ويدل على
الخصوصية : أن أم سلمة هي التي روت صلاتَه إياهما ، قيل لها :
أفنَقْضهما إذا فاتتا بعد العصر ؟ قالت : لا .
وأما قوله: (( دليل على أن صلاة التطوع جائزة بعد الفجر قبل طلوع
الشمس)) فتردّه الأحاديث الصحيحة، منها: (( لا صلاة بعد الصبح حتى
ترتفع الشمس ، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس )) ، وغير ذلك
من الأحاديث التي وردت في هذا الباب ، على أن حديث جابر بن يزيد
هذا حكى البيهقي عن الشافعي فيه أنه قال : إسناد مجهول ، ثم قال
البيهقي : وإنما قال ذلك ؛ لأن يزيد بن الأسود ليس له راو غير ابنه جابر،
ولا لجابر راوٍ غير يعلى بن عطاء .
فإن قيل: الحديث صحَّحه الترمذي، وذكره ابن منده في (( معرفة
الصحابة)) ، ورواه بقية ، عن إبراهيم بن يزيد بن ذي حمامة ، عن
عبد الملك بن عمير ، عن جابر بن يزيد بن الأسود ، عن أبيه ؛ فهذا راوٍ
آخر لجابر غير يعلى ، وهو ابن عُمير . قلت : لو كان ما كان فلا يُساوي
حديث عمر - رضي الله عنه - ويُعارض كلامَ ابن منده : ما قاله عليّ بن
المديني ؛ روى عن جابر بن يزيد يَعْلى بن عطاء ، ولم يَرْو عنه غيره - كما
ذكرنا - ، والنفي مقدّم على الإثبات ؛ فيكون يَعْلَى مُنْفرداً بهذه الرواية فلا
يتابع عليها .
٥٥٨ - ص - نا ابن معاذ: نا أبي : نا شعبة ، عن يعلى بن عطاء ، عن
جابر بن يزيد (١) ، عن أبيه قال: صليتُ مع رسول الله الصَّبْح بمنىَ ،
بمعناه(٢).
ش - ابن مُعاذ : هو عُبيد الله بن معاذ ؛ وقد مر ذكرُهما .
قوله : (( بمعناه )) أي : بمعنى الحديث المذكور . ورواه الترمذي ،
والنسائي ، عن يزيد بن الأسود قال : شهدت مع النبي - عليه السلام -
(١) في الأصل: ((زيد)) خطأ.
(٢) انظر الحديث السابق .
- ٦٩ -

صلاة الصبح في مسجد الخيف ، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين في
أُخْرَى القوم لم يُصلّيا معه فقال: ((عَلَيَّ بهما)) فجيء بهما ترعد
فرائصهما قال: (( ما منعكما أن تصلّيا معنا ؟ )) قالا : يا رسول الله ، إنا
كنا صلينا في رحالنا . قال: (( فلا تفعلا ، إذا صليتما في رحالكما (١)
[١٩٧/١- ب] ثم أتيتما مسجد جماعة فصلّيا معهم؛ فإنها لكما نافلة)). / قال
الترمذي: حديث حسن صحيح (٢).
وفي رواية للدا [ر] قطني والبيهقي: ((وليَجْعل التي صلاها في بَيْتُه
نافلة))، وقالا : إنها رواية ضعيفة شاذّة . قلت : دلت هذه الرواية - وإن
كانت ضعيفة - على أن المراد من قوله - عليه السلام - في الحديث
((فليصل معه )) أن يصلي ناوياً للفريضة ، لا ناوياً للنفل ، لكراهة نية النفل
في هذا الوقت فح (٣) إذا صلى على هذه الهيئة لا يكره عندنا - أيضاً -
ويكون الضمير في قوله: (( فإنها نافلة)) في الرواية الأولى راجعاً إلى
الصلاة التي صلاها في رَحْله، ويمكن أن يكون قوله: (( وليجعل التي
صلاها في بيته نافلةً )) مخصوصاً بوقت الصبح لكراهة النفل بعدها ، يؤيد
ذلك كون القضية في الصبح ، ويكون العصر في معناه لاشتراكهما في
معنى الكراهة ، وغيرهما يخرج عنهما لعدم النهي ، ويستوي فيه نية النفل
ونية الفرض ، فافهم .
٥٥٩ - ص - نا قتيبةُ: نا مَعْن بن عيسى ، عن سعيد بن السائب، عن نوح
ابن صعصعة ، عن يزيد بن عامر قال : جثْتُ والنبي - عليه السلام - في
الصلاة فجلستُ ولم أدخل معهم في الصلاة، قال: فانصرف علينا رسولُ الله
فرأی یزیدَ جالساً فقال : « ألم تُسْلِم یا یَزيدُ ؟ )) قال : بلى يا رسول الله قد
أسلمتُ، قال: (( وما (٤) منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم؟)) قال :
إني كنتُ قد صليتُ في منزلي وأنا أَحْسبُ أن قد صليتم، فقال: (( إذا جئتَ
(١) في الأصل: ((رحالهما)).
(٣) أي: (( فحينئذ)).
(٢) الترمذي (٢١٩).
(٤) في سنن أبي داود: (( فما)).
- ٧٠ -

الصلاة (١) فوجدت الناس فصل معهم ، وإن كنتَ قد صلیت تکنْ لك
نافلةً وهذه مكتوبةٌ)) (٢) .
ش - معن بن عيسى : ابن يحيى بن دينار أبو يحيى القزاز الأشجعي
مولاهم المدني . سمع : مالك بن أنس ، وابن أبي ذئب ، وإبراهيم بن
طهمان ، ومخرمة بن بكير ، ومحمد بن هلال . روى عنه : أحمد بن
حنبل ، وعليّ بن المديني ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وغيرهم . وقال ابن
سَعْد : كان يُعالج القزّ بالمدينة ويشتريه ، وكان له غلمان حاكةُ ، وكان ثقة
كثير الحديث ، ثبتاً مأموناً . مات سنة ثمان وتسعين ومائة . روى له
الجماعة (٣).
وسعيد بن السائب : الطائفي .
ونوح بن صعصعة : يعد من أهل الحجاز . روى عن : يزيد بن عامر
السَّوائي . روى عنه : سعيد بن السائب . روى له : أبو داود ،
والنسائي (٤) .
ويزيد بن عامر: ابن الأسود بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة،
يكنى أبا حاجز السَّوائي ، قيل : إنه شهد حنيناً مع المشركين ثم أسلم بعد
ذلك . روى عنه : السائب بن يزيد ، ونوح بن صعصعة ، وسعيد بن
يسار . روی له : أبو داود (٥) .
قوله: ((أَلم تُسلم ؟)) استفهام على سبيل التقرير ؛ إنما قال ذلك زجراً له
لتخلّفه عن الجماعة ، وانفراده عن الناس وهم يصلون .
(١) في سنن أبي داود: (( جئت إلى الصلاة)).
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦١١٥/٢٨).
(٤) المصدر السابق (٦٤٩٣/٣٠).
(٥) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٦٥١/٣)، وأسد الغابة
(٤٩٨/٥)، والإصابة (٦٥٩/٣).
- ٧١ -

قوله: (( تكن لك نافلة)) أي : يكن الذي قد صليت في رحلك نافلةً ،
واسم (( تكن)) مستتر فيه، و(( نافلة)) نصب على أنه خبره.
قوله: ((وهذه)) إشارة إلى الصلاة التي يصليها مع القوم وهو مبتدأ ،
وخبره: قوله: ((مكتوبة)) . وهذه الرواية تؤيدُ الرواية التي قال
الدارقطني والبيهقي : إنها ضعيفة شاذة . وصريح هذا الحديث يَردُّ كل ما
قاله الخطابي في الحديث السالف من أنه حجّة على أصحابنا ، وأنه حجة
لهم، ويُبيّنُ أن الضمير في قوله في ذلك الحديث: ((فإنها نافلة )» يَرْجع
إلى الصلاة التي صَلاها في رَحْله ، لا إلى الصلاة التي صلاها مع القوم
ويُبْطل - أيضاً - قوله: ((وفيه دليل على أن صلاة التطوع جائزة بعد
الفجر قبل طلوع الشمس إذا كان لها سبب )) لأن صلاة التطوع بعد الفجر
لم توجد في هذا الحديث ؛ لأنه صرّح أن الذي يصليها مع القوم مكتوبة،
فإذا لم يوجد ذلك كيف يكون دليلاً على ما ادّعاه ؟ على أن النوويّ قد
صرّح في (( الخلاصة)) أن إسْناد هذا الحديث ضعيفٌ .
٥٦٠ - ص - نا أحمد بن صالح قال : قرأتُ على ابن وهب قال :
أخبرني عَمْرو ، عن بُكير أنه سمع عَفيف بن عمرو بن المسيب يقول : حدثني
رجل من بني أسد بن خزيمة أنه سأل أبا أيوب الأنصاريّ قال (١): يصلي
أحدنا في منزله الصلاة ، ثم يأتي المسجد وتُقام الصلاةُ فأصلي معهم فأَجدُ
في نفسي من ذلك شيئاً فقال أبو أيوب : سألنا عن ذلك النبي - عليه السلام-
فقال: (( فذلك (٢) له سَهْمُ جَمْعٍ)) (٣) .
ش - عمرو: ابن الحارث ، وبُكير : ابن (٤) / عبد الله بن الأشج .
[١٩٨/١-٢]
وعفيف بن عمرو بن المُسيّب . روى عن : رجل من بني أسد بن
خزيمة، عن أبي أيوب الأنصاري . روى عنه : بكير بن عبد الله بن
الأشج، ومالك بن أنس . روی له : أبو داود (٥) .
(١) في سنن أبي داود: ((فقال)).
(٣) تفرد به أبو داود .
(٢) في سنن أبي داود: ((ذلك)).
(٤) مكررة في الأصل .
(٥) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٠/ ٣٩٦٧).
- ٧٢ -
٠

قوله: ((فذلك له سهمُ جَمْعٍ )) بإضافة السَهْم إلى الجمْع ، يريدُ أنه سهم
من الخير جمع له فيه حظّان . وقال الأخفش : يريدُ سهم الجيش ، وسهم
الجيش هو السهم من الغنيمة ، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ
الْتَّقَى الْجَمْعَانِ﴾ (١)، وبقوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ (٢) ، وبقوله:
فَلَمَّا تَرَاءَىَ الْجَمْعَانِ﴾ (٣). وقيل: مثل أَجْر من شهد جمعاً؛ وهي
المزدلفة ، وقيل : جمع أي جملة .
قلت : قد وقع في خاطري هاهنا من الأنوار الإلهية ، أن معنى قوله :
((له سهم جمع )) له نصيب الجمع بين الصلاتين : سهم الصلاة التي
صلاها في رحله ، وسَهْم الصلاة التي صلاها مع القوم . والجَمْع - بفتح
الميم لا غير - ويمكن أن يكون الجمع صفة للسّهم ، ويكون الجمع بمعنى
الجامع كعدل بمعنى العادل"؛ والمعنى : سهم جامع للخيرات ، أو سهم
جامع لخيري الصلاتين ؛ هذا على تقدير مساعدة الرواية ، وفيه رجل
مجهول .
٥٢ - بَابٌ: إذا صَلّى ثم أدرَكَ جماعةٌ يُعيدُ (٤)
٣
أي : هذا باب في بيان مَنْ إذا صلى صلاة في منزله ، ثم أدرك جماعة
هل يعيد أم لا ؟ وفي بعض النسخ: ((أُيعيد ؟ )) بهمزة الاستفهام .
٥٦١ - ص - نا أبو كامل : نا يزيد - يعني : ابن زُريع - : نا حُسَيْن ، عن
عمرو بن شعيب ، عن سليمان مولى ميمونة قال : أَتَيْتُ ابن عُمر على البلاط
وهم يُصَلَّون قلتُ (٥) : ألا تصلي معهم ؟ قال: قد صليت قد صليتُ (٦)
-
(٢) سورة القمر : (٤٥).
(١) سورة الأنفال: (٤١).
(٣) سورة الشعراء : (٦١).
(٤) في سنن أبي داود: ((باب إذا صلى في جماعة ، ثم أدرك جماعة أيعيد ))؟
(٥) في سنن أبي داود: ((فقلت)).
(٦) في سنن أبي داود: ((قد صليت)) واحدة، وكتب المصنف في الأصل فوقهما:
(((صح)).
- ٧٣ -

إني سمعتُ رسول الله - عليه السلام - يَقُولُ: ((لا تُصلُّوا (١) فِي يَوْم
مَرَتّين)) (٢) .
ش - أبو كامل : فُضيل بن حُسَيْن الجحدري ، ويَزيدُ : ابن زريع
أبو معاوية البصري ، وحُسَيْن : ابن ذكوان المعلّم البصري ، وسليمان
مولى ميمونة هو سليمان بن يسار ، أخو عطاء بن يسار مولى ميمونة زوج
النبي - عليه السلام - .
قوله: ((على البلاط)) البلاط - بفتح الباء الموحدة - : ضرب من
الحجارة تفرش به الأرض ، ثم سمّي المكان بَلاطاً اتساعاً ؛ وهو موضع
مَعْروف بالمدينة .
قوله : ((قلتُ: أَلا تصلي؟)) الهمزة فيه للاستفهام .
قوله: ((قد صلّيتُ، قد صليتُ)) بالتكرار للتأكيد .
قوله: (( لا تصلوا في يَوْم مَرّتين)) محمول على صلاة الاختيار دون ما
لها سببٌ ، كالرجل يدرك جماعةً فيُصلي معهم في غير العصر والصبح ،
وقد كان صلى ليدرك فضيلة الجماعة جمعاً بين الأحاديث؛ كذا قاله
الخطابيّ .
قلت : هذا محمولٌ على أن يصلي الفَرْضِ مَرّتين بنيّة الفَرْض في كل
منهما ، أوْ هو مَحمول على صلاة العَصْر والصَّبْح ؛ لأن تكرارهما مَنْهي،
لورود النهي بعد صلاة العصر والصبح ، ويكون سؤال سليمان عن ابن
عمر ، وجوابه إياه عِنْد صلاة العصر أو الصَّبْح . والحديث : أخرجه
النسائي - أيضاً .
(١) في سنن أبي داود: ((لا تصلوا صلاة)).
(٢) النسائي : كتاب الصلاة ، باب: سقوط الصلاة لمن صلى مع الإمام في المسجد
جماعة (١١٣/٢) .
- ٧٤ -

٥٣ - بَابُ: جِمَاعِ الإِمَامَةِ وفَضْلِها
أي : هذا باب في بيان جماع الإمامة وفضلها ، وفي بعض النسخ :
(باب في جماع الإمامة من فضل الإمامة))، وفي بعضها: ((أبواب
الإمامة)) والأول أصحّ ؛ والجماع - بكسر الجيم وتخفيف الميم - ما يَجْمعُ
عدداً؛ وفي الحديث: (( حدّثني بكلمة تكون جماعاً)) أيْ : كلمةً تجمع
كلمات ، وقال الجوهريّ : وجماع الشيء : جمعُه ، تقول : جماعُ
الخباء: الأخبية ؛ لأن الجماعَ ما جَمعَ عَدداً ، والمعنى هاهنا : ما يَجْمعُ
أبوابَ الإمامة وأَنْواعها .
٥٦٢ - ص - نا سليمان بن داود المهري : نا ابن وهب : أخبرني یحیی بن
أيوب ، عن عبد الرحمن بن حَرْملة ، عن أبي علي الهمْداني قال : سمعت
عقبة بن عامر يقولُ: سمعتُ رسول الله وَ﴿ يقول: (( مَنْ أمَّ الناسَ فأصابَ
الوقْتَ فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئاً فعليه ولا عليهم)) (١) .
ش - سليمان بن داود : أبو الربيع المصري ، وعبد الله : ابن وهب ،
ويحيى بن أيوب : الغافقي المصري .
وعبد الرحمن بن حَرْملة : ابن عمرو الأسلمي أبو حرملة المدني .
سمع : ابن المسيّب ، وأبا علي الهمداني ، وعبد الله بن دينار . روى
عنه: مالك بن أنس ، والثوري ، ويحيى القطان ، ويحيى بن أيوب
المصري ، وغيرهم . قال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به . وقال
ابن معين: / صالح . قال محمد بن عمر: كان ثقة كثير الحديث . [١٩٨/١ -ب]
توفي سنة خمس وأربعين ومائة . روى له : مسلم ، وأبو داود ،
والترمذي ، والنسائي (٢).
وأبو عليّ : اسمُهُ : ثمامة بن شُفي الهمداني ، أبو عليّ ، من
(١) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسُّنَّة فيها ، باب: ما يجب على الإمام
(٩٨٣) .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٧٩٦/١٧).
- ٧٥ -

الأُخْرُوج بطن من هَمْدان ، ويقال : الأَصْبحي المصْري ، وقيل : إنه من
أهل الإسكندريّة ، وقال أبو أحمد : في المصريين ، سكن الإسكندرية .
سمع : عقبة بن عامر ، وفضالة بن عُبيد ، وقبيصة بن ذؤيب . روى عنه:
يزيد بن أبي حبيب ، والحارث بن يعقوب ، وابنه : عمرو بن الحارث ،
وعبد الرحمن بن حرملة ، وغيرهم . روى له : مسلم ، وأبو داود ،
والنسائي (١) .
قوله : (( فله ولكم )) يعني : له ثوابُ إصابته ، ولكم ثواب الطاعة
والسّمْع .
قوله: (( ومن انتقصَ من ذلك شيئاً)) يَعْني : فرضاً من فروض الصلاة .
قوله: ((فعليه ولا عليهم)) يعني: على الإمام إثم ما ضيّع وما نقص ،
ولا على القَوْم شيءٌ ، هذا إذا لم يَعْلِم القومُ أن الإمامَ ضيّعَ فرضاً من
الفروض ، أما إذا علموا يفسد صلاة مَنْ يعلَمُ وعليه أن يُعيدها ، وإذا علم
حال الإمام من الأول لا يجوز اتباعه إلا أن يخاف منه ، فيُصلّي معه بَعْد
أن يُصلي في بَيْته أو يُصلي ثم يُعيدُ . وروى الحاكم على شرط مُسلمٍ ،
عن سهل بن سَعْد: ((الإمام ضامنٌ ، فإن أحسنَ فله ولهم ، وإن أساء
فعليه لا عليهم)) . وروى - أيضاً - على شرط البخاري ، عن عقبة بن
عامرٍ: ((من أَمَّ الناسَ فأتم))، وفي نسخة: ((فأصابَ)) ((فالصلاة لهُ
ولهم ، ومن انتقص من ذلك شيئاً فعليه ولا عليهم )) ، وهذا مثل رواية
أبي داود . وأعلّه الطحاويّ بانقطاع ما بَيْن عبد الرحمن بن حرملة
وأبي عليّ الهمداني الراوي عن عقبة. وفي ((مسند عبد الله بن وهب)):
أخبرني يحيى بن أيوب ، عن العلاء بن كثير ، عن داود بن أيوب ، عن
سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي شريح العذري: (( الإمام جنة ؛
فإن أتم فلكم وله ، وإن نقص فعليه النقصان ولكم التمام )) . وروى
البخاريّ من حديث الفضل بن سهل بإسناده إلى أبي هريرة ، عن النبي
(١) المصدر السابق (٨٥٣/٤).
- ٧٦ -

- عليه السلام - قال: ((يُصلون لكم ، فإن أصابوا فلكم ، وإن أخطأوا
فلكم وعليهم )) .
٥٤ - بَابُ: كراهية التَّدَافُعِ على الإِمامَةِ
أي : هذا باب في بيان كراهة التدافع على الإمامة ؛ والتدافع : أن
يدفع بعضهم إلى بعضٍ. وفي بعض النسخ: (( باب ما جاء في كراهية
التدافع )) .
٥٦٣ - ص - نا هارون بن العبّاد الأزدي: نا مَرْوان قال : أخبرتني طلحة
أم غراب ، عن عقيلة امرأة من بني فزارة مولاة لهم ، عن سلامة بنْت الحرّ
أُخْت خَرَشَة بن الحرّ الفزاري قالت: سمعتُ رسول الله ێ# يقول: «إن من
أشراط الساعة: أن يتدافع أهل المسجد لا يجدون إماماً يُصلِّي بهم)) (١).
ش - مروان : ابن معاوية الفزاري الكوفي .
وطلحة أم غراب . روت عن : عقيلة . روى عنها : وكيع بن الجراح،
وهارون بن عباد . روى لها : أبو داود ، وابن ماجه (٢) .
وعقيلة امرأة من بني فزارة . روت عن: سلامة بنت الحر (٣) . وقال
أبو داود : عقيلة جدّة علي بن غراب . وروى عنها : طلحة أم غراب.
روی لها : أبو داود ، وابن ماجه (٤) .
وسلامة بنْت الحرّ : الأسديّة أخت خرشة بن الحرّ . روت عن : النبي
- عليه السلام - أحاديث ، روى حديثها : وكيع عن أم غراب ، وروى
لها : أبو داود ، وابن ماجه (٥) .
(١) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسُّنَّة فيها، باب: ما يجب على الإمام
(٩٨٢) .
(٢) انظر ترجمتها في: تهذيب الكمال (٣٥/ ٧٨٨٣).
(٣) في الأصل: (( الحارث)) خطأ .
(٤) المصدر السابق (٧٨٩٤/٣٥) .
(٥) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٣٣٣/٤)، وأسد الغابة
(١٤٤/٧)، والإصابة (٤/ ٣٣٠).
- ٧٧ -

قوله : ((إن من أشراط الساعة)) الأشراط : جَمْع شرَط - بفتح الراء -
وهو العلامة ، والأشراط : العلامات ؛ ومنه سمّيت شُرَط السلطان ؛
لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يُعْرفُون بها ، كذا قال أبو عبيد . وحكى
الخطابيّ عن بعض أهل اللغة أنه أنكر هذا التفسير وقال : أشراط الساعة :
ما ينكره الناسُ من صغار أمُورها قبل أن تقوم الساعة ، وشُرَطُ السلطان :
نُخبة أصحابه الذين يُقدّمهم على غيرهم من جُنْده . وقال ابن الأعرابيّ:
هم الشُّرَط - بالفتح - والنسبة إليهم : شُرَطي ، والشّرطة والنِّسبةُ إليهم:
شُرْطي. و((الساعة)) : القيامة ، والساعة : الوقت الحاضر ، والجمع :
[١٩٩/١ - ٢] السَّاعُ / والساعات؛ وأصل ساعة: سَوَعَة؛ قلبت الواو ألفاً لتحركها
وانفتاح ما قبلها ، والدليلُ عليه إذا صغرتها تقول: (( سُوَيْعة)).
قوله: (( أن يتدافع )) من باب التفاعل وهي للمشاركة نحو : تقاسم
القومُ ؛ والمعنى: كل واحد منهم يدفع الإمامة إلى الآخر ، ولا يَرْضى
أحد أن يتقدم إما لجهلهم بأحوال الإمامة ، وإما لاختلافهم وعدم اتفاقهم
على إمامةٍ واحدٍ ، وإما لعدم مَنْ يَؤُم حسْبةً لله تعالى ، أو غير ذلك من
الوجوه . والحديث : أخرجه ابن ماجه - أيضاً .
٥٥ - بَابُ : مَن أحق بالإمامة
أي : هذا باب في بيان من أحقّ بالإمامة ، وفي بعض النسخ: (( باب
ما جاء فيمن أحق بالإمامة)) .
٥٦٤ - ص - نا أبو الوليد الطيالسي : نا شعبة : أخبرني إسماعيل بن
رجاء قال : سمعت أوْس بِن ضَمْعِجٍ يُحدّث عن أبي مَسْعودِ البدريّ قال :
قال رسول الله وَله: ((يؤم القومَ أقرَؤُهُم لكتاب الله وأقدمُهُم قراءةً ؛ فإن
كانوا في القراءة سواءً فليؤمهمٍ أقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً
فليؤمّهم أكبرهم سنا ، ولا يُؤَمَّ الرجلُ فِي بَيْتِهِ ولا في سُلطانِهِ، وَلا يُجلسُ
علی تکرمته إلا بإذنه)) (١) .
(١) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أحق بالإمامة (٦٧٣/٢٩٠)، =
- ٧٨ -

ش - إسماعيل بن رجاء : ابن ربيعة الزبيدي أبو إسحاق الكوفي .
سمع : أباه ، والْعْرور بن سُوَيَد ، وأوس بن ضمعج ، وغيرهم . روى
عنه : الأعمش، وشعبة ، وإدريس ، وغيرهم . قال ابن معين وأبو حاتم:
ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه(١).
وأَوْس بن ضمعج - بفتح الضاد المعجمة ، وإسكان الميم ، وفتح
العين- الحضرمي الكوفي . روى عن : سلمان الفارسي ، وأبي مسعود
البدري، وعائشة . روى عنه : أبو إسحاق السبيعي ، وإسماعيل بن رجاء
الزبيدي ، وابنه : عمران بن أوس ، والسُّدّي . مات سنة أربع وسبعين في
ولاية بشر بن مروان . روى له : الجماعة إلا البخاريّ (٢).
وأبو مسعود : عُقْبة بن عمرو ؛ وقد ذكرناه .
قوله: ((أقرؤهم لكتاب الله )) أي: أعلمهم بعلم القراءة ، يقف في
مواضع الوقف ، ويصل في مَوْضع الوصل ، ونحو ذلك من التشديد
والتخفيف ، وغير ذلك من وجوه القراءة ، وبه تمسك أبو يوسف : إن
الأقرأ مقدم على الأَفْقه ، وبه قال أحمد وإسحاق . وهو وجه عند
الشافعيّة ، وعند أبي حنيفة ومالك والشافعي : الأفقه مقدّم على الأقر! ؛
لأن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط ، والذي يحتاج إليه من الفقه غير
مضبوط ، وقد يعرض في الصلاة أمر لا يَقْدر على مراعاة الصواب فيه إلا
كامل الفقه ؛ قالوا : ولهذا قدم النبي - عليه السلام - أبا بكر في الصلاة
على الباقين (٣) ، مع أنه - عليه السلام - نصّ على أن غيره أقرأ منه ،
قاله النووي . كذا قلتُ : ولأن أبا بكر ممن كان قد جمع القرآن في حياته
الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء من أحق بالإمامة (٢٣٥) ، النسائي:
=
كتاب الإمامة ، باب : من أحق بالإمامة ، وباب : اجتماع القوم وفيهم الوالي
(٢/ ٧٧)، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة والسُّنَّة فيها ، باب : من أحق
بالإمامة (٩٨٠) .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٤٣/٣).
(٢) المصدر السابق (٥٧٩/٣).
(٣) فى الأصل: ((الباقيين)).
- ٧٩ -

- عليه السلام - . ذكر ذلك أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في كتاب
((فضائل الخلفاء)) ، وكذا ذكره أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني المقرئ ،
فقد اجتمع فيه جميع ما قاله رسول الله في هذا الحديث . وفي حديث
مسلم - أيضاً - الذي أخرجه عن (١) أبي مسعود البدري ولفظه: (( يؤمّ
ءُ
القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى ، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم
بالسُّنَّة ، فإن كانوا في السُّنَّة سواء فأقدمهم هجرةً ، فإن كانوا في الهجرة
سواء فأقدمهم سنا)) . وأخرجه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه - أيضاً-
وكذا أبو داود في رواية لما نذكره إن شاء الله تعالى . وأجاب أبو حنيفة
ومن معه عن الحديث : أن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه . لكن
يُشكل على هذا قوله: ((فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسُّنَّة)) فإن
هذا دليل على تقديم الأقرإ مطلقاً . وقد نسب الشيخ محيي الدين مذهب
أبي يوسف إلى أبي حنيفة في (( شرح مسلم )) وليس كذلك ؛ بل مذهب
أبي حنيفة هاهنا : أن الأفقه مقدم - كما ذكرنا- كما هو مذهب الشافعي .
قوله : ((فإن كانوا في القراءة سواءً)) أي: مُتساويين ؛ تقول: هما في
هذا الأمر سواءٌ ، وإن شئت : سواءان ، وهم سَواءٌ للجمع ، وهم
أَسْواء، وهم سَوَاسيةٌ ، أي : أشباه ؛ مثل ثمانية على غير قياس .
قوله : ((أقدمهم هجرةً)) الهجرة في الأصل : الاسم من الهجر ضدّ
الوصل ، وقد هجره هجرا وهجراناً ، ثم غلب على الخروج من أرض
[١٩٩/١ - ب] إلى أرض، وترك الأولى للثانية / تقول منه: هاجر مهاجرة. وقال
الخطابيّ : الهجرة قد انقطعت اليوم إلا أن فضيلتها موروثة ، فمن كان من
أولاد المهاجرين أو كان في آبائه وأسلافه من له قدم أو سابقة في الإسلام أو
كان آباؤه أقدم إسلاماً ، فهو مقدّم على من لا يعدّ لآبائه سابقة أو كانوا
قريبي العهد بالإسلام ، فإذا كانوا متساويين في هذه الخلال الثلاث فأكبرهم
سنا مقدّم على من هو أصغر سنا لفضيلة السن ولأنه إذا تقدم أصحابَه في
(١) في الأصل: ((من)).
- ٨٠ -