Indexed OCR Text
Pages 281-300
٣٩٩ - ص - نا محمود بن خالد : نا الوليد قال : قال أبو عمرو - يعني : الأَوْزاعيّ: وذلك أن تَرى ما على الأرضِ من الشمسِ صَفْراءَ (١). ش - محمود بن خالد : السلمي الدمشقي . والوليد : ابن مُسْلم ، أبو العباس الدمشقي . قوله: ((وذلك)) إشارة إلى الفوات الذي يَدلُّ عليه قوله: ((تفوته)). وقد اختلف العلماء في الفوات ؛ (((٢) فقال عبد الرحمن الأوزاعي : أن يؤخرها إلى أن ترى ما على الأرض من الشمس صَفْراء ؛ والمعنى : إلى أن تَصْفر الشمسُ . وقال ابن وهب : هو فيمَنْ لم يُصلها في وقتها المختار. وقال سحْنون : هو أن تفوته بغروب الشمس . فقيل : ناسيًا . روي ذلك عن سالم ، وقيل : عامدًا ؛ وهو قول الداودي ، والأظهر : أن هذا فيمَنْ تَفُوته بخروج الوقت عامدًا . ويؤيده : ما رواه البخاريّ في ((صحيحه)): (( مَنْ ترك صلاة العَصْر حبط عملُه))، وهذا إنما يكون في العامد)). فإن قيل : ما الحكمة في تخصيصه - عليه السلام - العَصْر بقوله : ((الذي تفوته صلاة العَصْرِ)) ؟ قلت: يحتملُ وجوها ؛ الأول : أن يكون جوابًا لسائل (٣) سأل عن ذلك، الثاني: أنه تأكيدٌ وحَض على المثابرة عليها ؛ لأنها تأتي في وقت اشتغال الناس ، والثالثُ : لأنها على الصحيح : الصلاة الوسطى ، وبها تختم الصلوات ، والرابع : أنها مَشْهودة ، والخامس : أنها صلاة لا يُتنقّلُ بعدها ، فإذا فاته العصر فاته فضل الوقت . فإن قلت : الصُّبْح - أيضا - كذلك ، وهي مشهودة - أيضا - قلت : وقد أوْصى بالصُّبح في الكتاب كما أوصى بها في السُّنَّة ، فافهم . وأما كونها مشهودة : فالكتاب عرّف قدرها كما عرفت السُّنَّة قدر العصر . (١) تفرد به أبو داود . (٢) انظر: شرح صحيح مسلم (١٢٦/٥). (٣) في الأصل: ((لسؤال)). - ٢٨١ - وأما تأويل ما رواه البخاري (( من فاته )) فوات مضيّع متهاون بفضل وقتها مع قدرته على أدائها ، فحبط عمله في الصلاة خاصةً أي : لا يحصل له أجر المصلي في وقتها ، ولا يكون له عمل ترفعه الملائكة . كذا قاله المهلب. وقال غيره : تركها جاحدًا ، فإذا فعل ذلك فقد كفر وحبط عمله. قلت : هذا يُقال في سائر الصلوات ، ويقال هذا على وجه التغليظ . ويُقال : معناه : كاد أن يُحْبط ، ويُقال : يوقف عنه عملهُ مُدة يكون فيها بمنزلة المحبط حتى يأتيه من فضل الله ما يدرك به ثواب عمله . ٥ - بَابٌ: فِي وَقْتِ الْمَغْرب أي : هذا باب في بيان وَقْت المغرب . ٤٠٠ - ص - نا داود بن شبيب : نا حماد، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك قال : كُنَّا نُصَلِّي المغْربَ مع النبيِّ - عليه السلام - ثم نَرْمي فيَرَى أَحدُنًا مَوْضعَ نَبْلِهِ (١) . ش - داود بن شبيب : البصري ، وحماد : ابن سلمة . قوله: (( ثم نَرمي)) أي : نَرْمي النبْل؛ والنبلُ : السهامُ العربيّة ، ولا واحد لها من لفظها ، فلا يُقال : نَبْلة، وإنما يُقال : سهمٌ ونُشَّابَةٌ ؛ والمعنى : أنا نبكر بها في أول وقتها بمجرّد غروب الشمس حتى ننصرف ، ويَرْمي أحدُنا النبل عن قوسه ويُبْصر موقعه لبقاء الضوء . وفي هذا الحديث والأحاديث التي بَعْدها أن المغرب يُعجّل عقيب غروب الشمس ، وهذا مجمع عليه، وقد حُكي عن الشيعة فيه شيء لا التفات إليه ولا أصل له . فإن قيل : ما تقولُ في الأحاديث التي وردت في تأخير المغرب إلى (١) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: وقت المغرب (٥٥٩)، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس ٢١٧ - (٦٣٧) ، النسائي : كتاب المواقيت ، باب : تعجيل المغرب (٢٥٩/١)، ابن ماجه : كتاب الصلاة، باب: وقت صلاة المغرب (٦٨٧). - ٢٨٢ - قريب سقوط الشفق ؟ قلت : تلك لبيان جواز التأخير ، وهذه لبيان الأوقات التي كان - عليه السلام - يُواظب عليها ، لأجل فضيلتها إلا لعُذْرِ ، فافهم . وأخرج البخاريّ ، ومسلم ، وابن ماجه نحوه من حديث / رافع بن خديج ، عن رسول الله - عليه السلام - وأخرج النسائي نحوه [١٤١/١-١] من رواية رجل من أَسْلم من أصحاب النبي - عليه السلام - ، عن النبي - عليه السلام - . ٤٠١ - ص - نا عَمْرو بن عليّ، عن صفوان بن عيسى، عن يزيد بن أبي عُبيد، عن سَلَمةَ بنِ الأْوع قال : كان النبيَّ - عليه السلام - يُصلِّي المغربَ ساعةَ تَغْرِبُ الشمسُ إذا غَابَ حاجِبُها (١) . ش - عَمْرو بن علي : الصَّيْرفي الباهلي البصري ، وصفوان بن عيسى: القرشي البصري . ويزيد بن أبي عُبيد : الأَسْلمي مولى سلمة بن الأكوع . روى عن : سلمة بن الأكوع ، وعمير مولى آبي اللحم . روى عنه : يحيى القطان ، وحفص بن غياث ، وصفوان بن عيسى ، وجماعة آخرون . مات سنة سبع وأربعين ومائة . روى له الجماعة (٢) . وسلمة بن عمرو بن الأكوع - واسم الأكوع : سنان بن عبد الله بن قُشَيْرِ الأَسْلمي ، أبو مُسلم أو أبو عامر ، شهد بيعة الرضوان تحت الشجرة، وبايع رسول الله يومئذ ثلاث مرار ؛ في أول الناس وأوسطهم وآخرهم . رُوِيَ له عن رسول الله - عليه السلام - سَبْعَةٌ وسَبْعُون حديثا؛ اتفقا على ستة عشر ، وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بسَبعة . روى عنه : (١) البخاري : كتاب مواقيت الصلاة، باب: وقت المغرب (٥٦١)، مسلم : كتاب المساجد ، باب : بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس (٦٣٦)، الترمذي: كتاب الصلاة ، باب : ما جاء فى وقت المغرب (١٦٤) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب : وقت صلاة المغرب (٦٨٨). (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧٠٢٨/٣٢). - ٢٨٣ - ابنه : إياس ، ومولاه : يزيد بن أبي عبيد ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وجماعة آخرون . مات بالمدينة سنة أربع وسبعين ، وهو ابن ثمانين سنةً، وكان يسكن الرَّبَذَة، وكان شجاعا راميًا محسناً خيِّرا . وقيل : إنه شهد غزوة مؤتة. روى له الجماعة (١) . قوله: (( ساعة)) نصب على الظرفية ومضاف إلى الجملة . قوله: ((إذا غاب حاجبُها)) بدل من قوله: ((ساعة تغرب الشمس))؛ وحاجب الشمس : حرفها الأعلى من قُرصها وحواجبها : نواحيها . وقيل: سمّ بذلك لأنه أول ما يَبْدو منها كحاجب الإنسان ، وعلى هذا يختص الحاجب بالحرْف الأعلى البادي أولا ، ولا يسمّى جميع نواحيها حواجب. وأخرجه : البخاريّ ، ومسلم ، والترمذي، وابن ماجه بنحوه. ٤٠٢ - ص - نا عُبيد الله بن عُمر : نا يَزيد بن زُرَيْع : نا محمد بن إسحاق: نا يَزيد بنُ أبي حبيب ، عن مَرْثد بن عبد الله قال : قَدمَ (٢) علينا أبو أيوبَ غَازيًا وعقبةُ بنُ عامر يومئذ على مصْرَ ، فأخَّرَ المغربَ ، فقامَ إليه أبو أيوبَ فقال له: مَا هذه الصّلاةُ ياً عقْبة؟! فقال له: شُغُلْنَا ، قال : أما سمعت رسولَ الله - عليه السلام - يَقولُ: ((لا تَزالُ (٣) أُمَّي بخّرِ)) أو قال: (( على الفطرة، ما لم يُؤَخِّرُوا المغربَ إلى أن تَشتبكَ النُّجومُ)) (٤)؟ .. ش - عبيد الله بن عُمر : القواريري ، ويزيد بن زُريع : البصري ، ومحمد بن إسحاق : ابن يَسَار صاحب المغازي . ويزيد بن أبي حبيب - واسم أبي حبيب : سويد المصْري . ومَرَثد بن عبد الله - بفتح الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة - أبو الخير اليَزَني المصْري ، ويَزَن بطن من حميْر . روى عن: سعيد بن زيد (١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٨٧/٢)، أسد الغابة (٤٢٣/٢)، الإصابة (٦٦/٢). (٢) في سنن أبي داود: ((لما قدم)). (٤) تفرد به أبو داود . (٣) في سنن أبي داود: ((لا يزال)). - ٢٨٤ - ابن عمرو بن نفيل ، وأبي أيوب الأنصاريّ ، وعمرو بن العاص ، وابنه : عبد الله بن عمرو ، وزيد بن ثابت ، وأبي نضرة الغفاري ، وغيرهم . روى عنه : عبد الرحمن بن شمّاسة ، ويزيد بن أبي حبيب ،. وجعفر بن ربيعة ، وغيرهم . قال أبو سَعيد بن يونس : كان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان عبد العزيز بن مَرْوان يُحْضِرِهِ فَيُجْلسه للفُتيا . توفي سنة تسعين. روى له الجماعة (١). وأبو أيوب : خالد بن زيد الأَنْصاريّ، مُضيِّف رسول الله . وَعُقْبة بن عامرِ الجُهني . قوله: (( يومئذ)) أي : يوم قدم أبو أيوب مصر ، وكان عقبة والياً على مصر من قِبل معاوية ، سنة أَرْبع وأربعين . قوله: (( أو قال: على الفطرة)) شكّ من الراوي؛ وكذا في رواية ابن ماجه ؛ رواها عن عباد بن العوام ، عن عمر بن إبراهيم ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن الأحنف بن قَيْس ، عن العباس بن عبد المطلب قال : قال رسولُ الله - عليه السلام - : (( لا تزال أمّتي على الفِطْرة مالم يؤخروا الَغْرب حتى تشتبك (٢) النجوم (٣) )). والمرادُ من الفِطْرة : السُّنَّة؛ كما في قوله - عليه السلام -: (( عشر من الفطرة)) . قوله: ((إلى أن تَشتبك النجُوم)) أَنْ: مَصْدرية، والتقدير: إلى اشتباك النجوم. قال ابن الأثير (٤): (( اشتبكت النجوم أي : ظهرت جميعها واختلط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها )) . وجه التمسك بالحديث : أن التأخير لما كان سببًا لزوال الخير كان التعجيل سببًا لاستجلابِه . وقال الشيخ زكي الدين : في إسناده : محمد بن إسحاق بن يسار ، وقد تقدم الكلام عليه . (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٧ / ٥٨٥٠). (٢) في الأصل: ((يشتبك)). (٣) ابن ماجه : كتاب الصلاة ، باب : وقت صلاة المغرب (٦٨٩). (٤) النهاية (٢ / ٤٤١). - ٢٨٥ - قلتُ : كأنه أشار بهذا إلى ضعف الحديث ؛ ولكن ليْسَ الأمر كما [١٤١/١ -ب] زعمه؛ أما أولا: فلأن / محمد بن إسحاق مُوثّق عند الجمهور ، وأما ثانيا: فإن الحاكم رواه في (( مُستدركه (١) )) وقال: صحيح على شرط مُسلمٍ . ٦ - بَابُ: وَقْت عشاء الآخرة أي: هذا باب في بيان وقت عشاء الآخرة ، وفي بَعْض النسخ: (( باب ما جاء في وقت عشاء الآخرة)) بالإضافة، وفي بعضها: ((العشاء الآخرة)) بالصفة ؛ وبالإضافة أصحّ . ٤٠٣ - ص - ثنا مُسدّد : نا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن بَشير بن ثابت ، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بَشير قال: (( أَنا أَعلمُ الناس بوقت هذه الصلاة : صلاة العشاء الآخرة ، كان رسولُ الله ◌َّهِ يُصَلِيها لسُقُوط القَمر الثالثة)» (٢) . ش - أبو عوانة : الوَضَّاحُ، وأَبُو بِشْر هو : جَعْفر بن أبي وَحْشية الواسِطيُّ . وبَشِيْر - بفتح الباء - بن ثابت : الأنصاري . روى عن : حبيب ابن سالم . روى عنه : شعبة وغيره . قال ابن معين : ثقة . روى له : أبو داود ، والترمذي، والنسائي (٣). وحبيب بن سالم : الأنصاري مولى النعمان بن بشير . روى عن : النعمان . روى عنه : محمد بن المنتشر ، وإبراهيم بن مهاجر ، وأبو بشر (١) (١ / ١٩٠) . (٢) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في وقت صلاة العشاء الآخرة (١٦٥)، النسائي : كتاب المواقيت ، باب : ما يستحب من تأخير العشاء (٢٦٤/١) . (٣) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٧١٥/٤). - ٢٨٦ - جَعْفر بن أبي وحشيّة ، وغيرهم . قال أبو حاتم : ثقة . وقال البخاريّ : فيه نظر . روى له : الجماعة إلا البخاريُّ (١) . والنعمان بن بشير بن سَعْد بن ثعلبة بن جُلاس - بالجيم المضمومة - أبو عبد الله ، وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد قدوم النبي - عليه السلام- ؛ ولد هو وعبد الله بن الزبير عام اثنتين من الهجرة . رُوِيَ له عن رسول الله مائة حديث وأربعة عشر حديثا . روى عنه ابنه : محمد بن النعمان ، والشعبي ، وحبيب بن سالم مولاه ، وعروة بن الزبير ، وغيرهم ، قتل غيلةً ما بَين حمص وسلميّة في أول سنة أربع وستين . وقال في ((الكمال)): قتل بقرية من قرى حمص يقال لها : حرب بنفسا (٢). روى له الجماعة (٣) . قوله: ((صلاة العشاء الآخرة)) بدل من قوله: ((الصلاة)) في قوله : (بوقت هذه الصلاة)). قوله: ((لسُقُوط القمر الثالثة)) اللام في الموضعين للتوقيت أي : لوقت سقوط القمرِ لِلَيْلة ثالثة من الشّهر ؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لدُلُوكِ الشَّمْسَ﴾ (٤) أي: لوقت دلوكها، وسقوط القمر: وقوعُه لَلغروبَ: ويَغْرِبُ القمر في الليلة الثالثة من الشهر على مُضيّ ثِنْتين وعشرين درجةً من غروب الشمس . وقال أبو بكر : حدثنا هشيم ، عن أبي بشْر ، عن حَبيب بن سالم ، عن النعمان بن بشير قال : أنا من أعلم الناس ، أو كأعلم الناس بوقت صلاة رسول الله العشاء ، كان يُصليها بعد سقوط القمر ليلة الثانية من أول الشهرِ . انتهى . ويَغْرِبُ القمرُ في الليلة الثانية من الشهرِ على مُضِي ست (٥) عشرة درجةً من غروب الشمس .... (٦). والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائيّ. (١) المصدر السابق (١٠٨٥/٥). (٢) كذا، وفي ((معجم البلدان)) (٢٣٦/٢): ((حَرْ بَنَفْسَا)). (٣) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٣/ ٥٥٠)، أسد الغابة (٣٢٧/٥)، الإصابة (٥٥٩/٣). (٤) سورة الإسراء : (٧٨) . (٥) في الأصل: ((ستة))، وهو خطأ. (٦) بياض فى الأصل قدر سطرين . - ٢٨٧ - ٤٠٤ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا جرير ، عن منصور ، عن (١) الحكم، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر قال: مَكَثْنَا ذاتَ ليلة نَنْظرُ رسولَ الله وَّ لصلاة العشاء، فخرجَ إلينا حينَ ذَهبَ ثُلُثُ الليلِ، أو بعَدَه، فلا نَدْري: أشيءٌ شَغَّلَهُ أَم غيرُ ذلك؟ فقال حينَ خرِجَ : (( أتنتظرونَ هذه الصلاةَ ؟ لولا أن يَثْقُلَ (٢) على أمَّتِي لصلَّيتُ بهم هذه الساعةَ )) ثم أَمرَ المؤذنَ فأقامَ الصلاة))(٣) ش - جرير : ابن عبد الحميد ، ومنصور : ابن المعتمر ، والحكم : ابن عُتَيْبة . ـيبـ قوله: (( ذات ليلة)) قد مرالكلام فيه غير مرة . قوله: (( لصلاة العشاء)) أي : لأجل صلاة العشاء . قوله: ((أو بعده)) أي : أو بعد الثلث . قوله: (( أشيءٌ شغله)) أي : منعه عن الخروج في أول وقتها . قوله : ((هذه الساعةَ)) إشارة إلى الساعة التي تلي الثلث الأول من الليل، وبهذا استدل أصحابنا في فضل التأخير ؛ وهو حجّة على مَنْ فضّل التقديم ، وذلك لأنه نبّه على تفضيل التأخير بقوله: ((لولا أن يَثْقل)» وصرّح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة ، وأنه - عليه السلام - خشي أن يُواظب عليه فيفرض عليهم ، أو يتوهموا إيجابه ، فلهذا تركه كما ترك [١٤٢/١- أ] صلاة التراويح / وعلل تركها بخشية افتراضها والعجز عنها . وقال الخطابيّ وغيره : إنما اسْتحب تأخيرها لتطول مدة انتظار الصلاة ، ومنتظر الصلاة في صلاة . والحديث : أخرجه مسلم ، والنسائي . ٤٠٥ - ص - نا عمرو بن عثمان الحِمْصِي ، [ عن أبيه ] ، نا حَریز ، عن راشد بن سَعْد ، عن عاصم بن حُمَيْد السَّكُوني ، أنه سمع معاذ بن جبل (١) فى الأصل (( بن)) خطأ. (٢) فى سنن أبي داود: ((تثقل)). (٣) مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : وقت العشاء وتأخيره ٢٢٠ (٦٣٩)، النسائي: كتاب المواقيت، باب: آخر وقت العشاء (٢٦٧/١). - ٢٨٨ - يَقول: بَقَينَ (١) النبيَّ - عليه السلام - في صَلَاة العَتْمةِ، فتأخرَ (٢) حتى ظَنَّ و الظانُّ أنه ليسَ بخارج والقائلُ منا يقولُ: صَلَّى ، فإنا لكذلك حتى خَرَج النبيّ - عليه السلام - فقالُوا له كما قالوا، فقال (٣): ((أَعتمُوا بهذه الصلاة؛ فإنكم قد فُضِّلْتُم بها على سائر الأُمَم ، ولم يُصَلِّهَا (٤) أمةٌ قبلَكم)) (٥). ش - عَمرو بن عثمان القرشي الحمصي ، وحَريز : ابن عثمان الحمصي الشامي أبو عون ، وراشد بن سَعْد : المقرائي . وعاصم بن حُمَيْد السكوني - بفتح السين - الحمصي ، شهد خطبة عمر بالجابية . وروى عن : عُمر . وسمع : معاذ بن جبل ، وعوف بن مالك الأشجعي ، وأزهر بن سَعْد وغيرهم . روى عنه : راشد بن سَعْد، وغيره . وقال الدارقطني : ثقة . روى له : أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٦) . قوله: ((بَقَيْنا النبيّ - عليه السلام - )) - بفتح القاف - أي : انتظرناه ؛ يقال : بقَيْت الرجل أَبْقيه إذا انتظرتَه ؛ قال كثير . أُواقِي سُدَى يَغْتَالُهنّ الحوائلُ فما زلتُ أَبْقِي الظُّعْنَ حتى كأنّها قوله: (( في صلاة العتمة)) أي : صلاة العشاء الآخرة ؛ وإنما قال (العتمة)) لأن العرب يُطلقون العشاء على المغرب، ولو قال في صلاة العشاء رُبما توهم أن المراد المغرب . قوله: ((فإنا لكذلك)) اللام المفتوحة فيه للتأكيد أي : فإنا على هذه الحالة حتى خرج علينا النبي - عليه السلام - . قوله: ((أعتموا بهذه الصلاة)) أي : أخروا هذه الصلاة - أي : العشاء الآخرة . (١) في سنن أبي داود: ((أبقينا))، وفي التحفة (١١٣١٩/٨) ((ارتقبنا)). (٢) في سنن أبي داود: ((فأخر)). (٣) في سنن أبي داود: ((فقال لهم)). (٤) في سنن أبي داود: ((ولم تصلها)) . (٥) تفرد به أبو داود . (٦) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٠٠٤/١٣). ١٩ • شرح سنن أبي داوود ٢ - ٢٨٩ - قوله: ((فإنكم)) ((الفاء)) فيه للتعليل. قوله: (( بها)) أي : بصلاة العتمة . فإن قيل : كيف يكون تفضيلهم بهذه الصلاة على سائر الأمم علةً للإِعْتَام ؟ قلتُ: لأن سائر الأمم لم يُعْتموا؛ لأن قوله: ((ولم يُصَلِّها أمة قبلكم )) يحتملُ مَعْنيين ؛ الأول : أنهم لم يُصلّوا العتمة أصلا ؛ وهو الظاهر ، والثاني : أنهم لم يُعْتموا بها وإن كانوا صلّوها ، فيكون تفضيل هذه الأمة على غيرهم ، إما بمعنى أن غيرهم لم يُصلوها أصلا ، أو بمعنى أنهم أعتموا وغيرهم لم يُعْتِموا ؛ والقَرينة تُرجح المعنى الثاني ،. وأَن تَفْضِيلهم على غيرهم بالإعْتام ، وأن الإعْتَامَ أفضلُ من التقديم . فإن قيل : قد نهى عن إطلاق اسم العتمة على العشاء ، كما في (صحيح مسلم)): ((لا يغلبنكم الأعراب على صلاتكم العشاء؛ فإنها في كتاب الله : العشاء ؛ وإنها تعتم بحلاب الإبل )) معناه : أن الأعراب يسمونها العتمة ؛ لكونهم يعتمون بحلاب الإبل . أي : يؤخرونه إلى شدّة الظلام ؛ وإنما اسمُها في كتاب الله: العشاء ، في قوله تعالى: ﴿ وَمِن بَعْد صَلاة العشاء﴾ (١) . فينبغي لكم أن تسموها العشاء . قلت : قَد جاءَ في الأحاديث الصحيحة تمسيتها بالعتمة ؛ كحديث: (( لو يَعْلمون ما في الصبح والعتمة لأتوها ولو حَبْوا )) وغير ذلك . وأما النهي : فهو للتنزيه ؛ لا للتحريم ، ويمكن أن يكون استعمالها - أيضا - لمن لا يَعْرف العشاء ، فيُخاطب بما يعرفه ، أو لأنها أشهر عند العرب من العشاء . ٤٠٦ - ص - نا مسدّد: نا بشرُ بن المُفضّلِ : ثنا داود بن أبي هند ، عن أبي نَضْرة، عن أبي سَعيد الخدَريّ قال: صَلَّيْنَا مع رسول الله صَلَاةَ العَتْمَة فلم يخرجْ حتى مَضى نحْوٌ من شَطْرِ الليلِ فقال: (( خُلُوا مَقَاعَدَكُم)) فأخذناً مَقَاعدَنَا، فقال: ((إن الناس قد صلَّوا وأَخَذُوا مضاجعَهُم، وإنكم لن تَزَالُوا (١) سورة النور: (٥٨). - ٢٩٠ - في صَلاة ما انتظرتُمُ الصلاةَ ، ولولا ضُعْفُ الضَّعيف ، وسقَمُ السّقيم لأخرتُ هذه الصلاةَ إلى شَطْرِ الليْلِ)) (١) . ١ ش - أبو نَضْرة : منذرُ بن مالك العَوَقي - بفتح العين وفتح الواو وبالقاف - العبدي البصري . قوله: (( فلم يخرج )) أي : لم يخرج لصلاة العتمة حتى مَضى نحو من شطر الليل ؛ يَدُل عليه ما روى ابن ماجه هذا الحديث من رواية داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، أن النبي - عليه السلام - صلى المغربَ ثم لم يخرج حتى ذهبَ شَطرُ الليل ، ثم خرج فصلى بهم/ وقال: (( لولا الضَّعِيفُ والسَّقيمُ لأحبَبْتُ أَن أُؤخر هذه الصلاة إلى [١٤٢/١ -ب] شَطر الليل )) . قوله: ((حتى مضى نحوٌ)) أي: مثل ((من شطر الليل)) أي : نصفه وارتفاعه على أنه فاعل مضى . قوله: ((مقاعدكم)) المقاعد : مواضع قعود الناس في دورهم وغيرها . والمضاجع : جمع مضجع ، وهو موضع النوم . قوله: ((إن الناس قد صلَّوا)) المراد منهم : المسلمون الذين لم يحضروا صلاة العتمة في هذه الليلة مع النبي - عليه السلام - ، فلهذا خاطب الحاضرين بقوله : ((إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة)) أي : مادُمتم منتظرين الصلاة . قوله: (( ولولا ضُعف الضعيف وسقم السقيم)) أي : لولا الضعف والسقم مَوْجودان بَيْن الناس لأخرتُ هذه الصلاة - أي : صلاة العتمة - إلى نصف الليل كل وَقْت ؛ ولكن تركه لوجود الضعف والسقم ؛ لأن ((لولا)) لانتفاء الثاني لوجود الأوّل ؛ نحو: لولا زيد لهلك عَمرو ؛ فإن هلاك عَمْرُو مُنْتْفٍ لوجود زَيْدٍ، وأما ((لو)) فإنه لانتفاء الثاني لانتفاء الأول؛ نحو : لو جئتني لأكرمتك ؛ فإن الإكرام منتفٍ لانتفاء المجيء . (١) النسائي: كتاب المواقيت، باب: آخر وقت العشاء (٢٦٨/١)، ابن ماجه : كتاب الصلاة ، باب : وقت صلاة العشاء (٦٩٣) . - ٢٩١ - فإن قيل : ما الفرق بَيْن الضُّعف والسُّقْم ، فهل هما واحد ؟ فما كانت الحاجة إلى ذكرهما معًا؟ قَلت : الضُّعْف والضَّعْف - بالضم والفتح - خلاف القوة ، وقد ضَعُفُ - بالضمّ - فهو ضَعِيف ، والسُّقْم - بالضم - والسَّقَم - بفتحتين : المرضُ ، وكذلك السِّقَامُ ، وقد سَقِمَ - بالكسْر - فهو سقيمٌ ، فالضعيف أعم من السقيم ؛ يتناول مَن به سَقَمٌ وَيَتناولُ مَنْ ذهبت قوته كالشيخ الهرم ، ويتناول كل عاجز عن الحضور سواء كان به سقم أولا ؛ وإنما ذكر رسول الله كليهما ليتناول أنواع الجنْسَيْن ، ويَعمّ أَصْنافهما ، فافهم . وهذا الحديث - أيضا - حجة لأصحابنا على استحباب تأخير العشاء إلى ما قبل نصف الليل ، والحديث الذي تقدم يدل على استحباب التأخير إلى الثلث ؛ وكلاهما سواء ؛ لأن قبل النصف في حكم الثلث . فإن قلت : ينبغي أن تكون سنّة التأخير كسُنيّة السواك ؛ حيث قال -عليه السلام -: (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرتُ العشاء إلى ثلث الليل )) رواه الترمذي ، والنسائي ؛ وذلك لأن الأمر بالسواك وتأخير العشاء كلاهما مُنْتفيان لوجود المشقّة ، ومع هذا السواك : سُنَّة وتأخير العشاء : مُستحبّ . قلت : لم تثبت سنية السواك بعد هذا إلا بمواظبته - عليه السلام - ولولاها لقلنا باستحبابه - أيضا - ولم توجد المواظبة في تأخير العشاء ، فلم تثبت السُّنّة ، فبقي مُستحبا. وجوابٌ آخرُ: أنه قال في السواك: (( لأمرتهم)) وهو للوجوب؛ ولكن امتنع الوجوب لعارض المشقة ، فيكون سُنَّة ، وأما في التأخير فقد قال: ((لأخرتُ)) وفعله مُطلقا يدل على الاستحباب لا على الوجوب. ٧ - بَابٌ: في وَقْت الصبحِ أي : هذا باب في بيان وقت الصبح . ٤٠٧ - ص - ثنا القعنبي ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عَمْرةَ - ٢٩٢ - بنْت عبد الرحمن ، عن عائشة - رضي الله عنها - ، أنها قالت : إنْ كان رسولُ اللهِلَّهِ لَيُصَلِّيِ الصَّبْحَ فيَنْصرفُ النِّساءُ مُتلفِّعاتٌ بُرُوطهنَّ مَا يُعرِفْنَ من الغَكَسِ (١) . ش - ((إنْ)) مخففة عن مثقلة، أصلُه : إنّه كان رسول الله . أي : إن الشأن : كان رسول الله ؛ وذلك لأجل التأكيد ، وكذا اللام في قوله : ((ليصلي الصبح )) للتأكيد . قوله: ((متلفعات)) - بالعين المهملة بعد الفاء - أي : متجللات ، واللفاع : ثوب يجلل به الجسد كله ، كساءً كان أو غيره ، وتلفع بالثوب إذا اشتمل به يعني : تجلل جميع جسده. وروى (( مُتُلفّفات)) - بفائين - والتلفّفُ قد يجيء بمعنى التلفع . والمروط : جمع مِرط - بكسر الميم - ، وهو كساء من صوف أو خزّ أو كتّانِ ، وقد مرّ مرةً . قوله : (( ما يُعْرفن من الغلس)) يَعْني: ما يُعرفن أَنِسَاءٌ هُن أم رجالٌ ؟ قاله الداودي . وقيل : ما يُعْرف أعيانهن . وقال الشيخ محيي الدين (٢): (( وهذا ضعيف ؛ لأن المتلفعة في النهار - أيضا - لا تعرف عينها ؛ فلا يبقى في الكلام فائدة )). قلت : هذا ليس بضعيف ؛ لأنه ليس المراد من قوله: (( ما يُعْرف / أعيانهن)) ما يُشَخّصنَ حقيقة التشخيص؛ بَلْ معناه: ما يُعْرفن أرجال أو [١٤٣/١-أ] صبْيان أو نساء أو بناتٌ ؟ فهو - أيضا - قريب من قول الداودي ، فافهم. و ((الغلس)) - بفتحتَيْن - بقاء ظلام الليل واختلاطه بضياء الصباح ، (١) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة ، باب: وقت الفجر (٥٧٨)، مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب: وقت العشاء وتأخيرها (٦٤٥) ، الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : في التغليس في الفجر (١٥٣) ، النسائي : كتاب المواقيت ، باب : التغليس في الحضر (٢٧١/١) ، ابن ماجه : كتاب الصلاة، باب : وقت صلاة الفجر (٦٦٩). (٢) شرح صحيح مسلم (١٤٤/٥ - ١٤٥). - ٢٩٣ - و((الغَبَس)) قريب منه ؛ إلا أنه دونه . وفيه حجة لمن رأى التغليسَ بالفجر؛ وهو قول مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق بن راهويه . والحديث: أخرجه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وأخرجه ابن ماجه ، وغيره من حديث عروة ، عن عائشة - رضى الله عنها - . ٤٠٨ - ص - ثنا إسحاق بن إسماعيل : ثنا سفيان ، عن ابن عجلان ، عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان ، عن محمود بن لبيدٍ، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله - عليه السلام -: ((أصْبحُوا بالصَّبْحِ ؛ فإنه أعظَمُ لأُجُورِكُمْ )) أَوْ (( أعْظُمُ الأَجْرِ)) (١) . ش - إسحاق بن إسماعيل : الطالقاني ، وسفيان : الثوري ، ومحمد ابن عجلان . وعاصم بن عُمر بن قتادة بن النعمان : ابن زيد بن عامر بن سواد بن كعب ، وهو ظَفَر بن الخزرج بن عمرو ، وهو النَّبِيت (٢) بن مالك بن أوْسٍ الظَّفَرِي الأَوْسي الأنصاري أبو عُمر ، ويقال : أبو عمرو المدني . سمع : جابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك ، ومحمود بن لبيد . وسمع: أباه ، وغيرهم . روى عنه : ابنه : الفضل بن عاصم ، ومحمد بن عجلان ، ومحمد بن إسحاق ، وغيرهم . قال ابن معين ، وأبو زرعة : ثقة . توفي بالمدينة سنة تسع وعشرين ومائة . روى له الجماعة (٣) . ومحمود بن لبيد : ابن عقبة بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأشهلي الأنصاري، يكنى أبا نعيم، ولد في حياة رسول الله، (١) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاءفي الإسفار بالفجر (١٥٤)، النسائي: كتاب المواقيت، باب: الإسفار (٢٧٥/١)، ابن ماجه : كتاب الصلاة ، باب : وقت صلاة الفجر (٦٧٢) . (٢) في الأصل: ((عمرو بن النبيت)) وما أثبتناه من ((تهذيب الكمال)) وعلق محققه في الحاشية بقوله: (( جاء في حواشي النسخ من تعقبات المصنف على صاحب ((الكمال)) قوله: ((كان فيه : ابن عمرو بن النبيت )) وهو خطأ)). (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٠٢٠/١٣). - ٢٩٤ - ولم تصح له رواية ولا سماع من النبي - عليه السلام - ، وقد روى عن النبي أحاديث . وتوفي بالمدينة سنة ست وتسعين . قال ابن سَعْد : وكان ثقة قليل الحديث . وقال الواقدي : مات محمود بن لبيد ، وهو ابن تسع وتسعين . روى له : أبو داود ، والنسائي (١) . ورافع بن خديج : ابن رافع بن عديّ بن يزيد بن جُشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أَوْس الأنصاري الحارثي ، أبو عبد الله . ويقال : أبو رافع ، شهد أحدا والخندق . رُوِيَ له عن رسول الله ثمانية وسبعون حديثًا ؛ اتفقا على خمسة أحاديث ، وانفرد مسلم بثلاثة . روى عنه : عبد الله بن عُمر بن الخطاب ، والسائب بن يزيد، وحنظلة بن قيس ، وغيرهم . مات بالمدينة سنة أربع وسبعين وهو ابن ستّ وثمانين سنة . روى له الجماعة (٢) . قوله : ((أَصْبحوا بالصَّبْح)) أي: نوِّروا به . وبه استدلّ أصحابنا على أن الإسفار بالفجر أفضل ، وبه قال سفيان الثوري وغيرُهُ . واعلم أن الإسفار (((٣) رُوي من حديث رافع بن خديج ، ومن حديث محمود بن لبيد ، ومن حديث بلال ، ومن حديث أنس ، ومن حديث قتادة بن النعمان ، ومن حديث ابن مسعود ، ومن حديث أبي هريرة ، ومن حديث حواء الأنصارية . أما حديث رافع بن خديج : فرواه أصحاب السنن الأربعة من حديث عاصم بن عمر ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع بن خديج قال : قال رسول الله: ((أسفروا بالفجر ؛ فإنه أعظم للأجر)) ؛ الترمذي ، عن محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عُمر ، والباقون : عن محمد بن (١) المصدر السابق (٢٧ / ٥٨٢٠). (٢) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٤٩٥/١)، أسد الغابة (٢/ ١٩٠)، الإصابة (٤٩٥/١). (٣) انظر: نصب الراية (٢٣٥/١: ٢٣٧). - ٢٩٥ - عجلان ، عن عاصم به ؛ قال الترمذي : حديث حسن صحيح ؛ ولفظ أبي داود: ((أصبحوا بالصَّبح)) وفي رواية: ((أصبحوا بالفجر))، قال ابن القطان في (( كتابه)): طريقه طريق صحيح . وعاصم بن عمر : وثقه النسائي ، وابن معين ، وأبو زرعة وغيرهم ، ولا أعرف أحدا ذكره في الضعفاء ولا ضعّفه. ورواه ابن حبان في ((صحيحه )) في النوع الخامس والأربعين من القسم الأول؛ وفي لفظ له: ((أسفروا بصلاة الصبح ؛ فإنه أعظم للأجْر)) وفي لفظ له: « فكلما أصبحتم بالصَّبْح ؛ فإنه أعظم لأجوركم))، وفي لفظ للطبراني: (( فكلما أسفرتم بالفجر ؛ فإنه أعظم للأجر )) . وأما حديث محمود بن لبيد: فرواه أحمد في «مسنده» : حدثنا إسحاق بن عيسى : ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن محمود بن لبيد ، عن النبي - عليه السلام - بنحوه ؛ لم يذكر فيه رافع ابن خديج ، ومحمود بن لبيد صحابي مشهور - كما ذكرنا - فيحتمل أنه سمعه من رافع أولا فرواه عنه ، ثم سمعه من النبي - عليه السلام - فرواه عنه ؛ إلا أن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيه ضعف . [١٤٣/١ -ب] وأما حديث بلال: فرواه البزار في ((مسنده)) /: حدثنا محمد بن عبد الرحيم : ثنا شبابة بن سوار : ثنا أيوب بن سيّار ، عن ابن المنكدر عن جابر ، عن أبي بكر ، عن بلال ، عن النبي - عليه السلام - بنحوه. قال البزار : وأيّوب بن سيّار ليْس بالقويّ ، وفيه ضَعْف . وأما حديث أنس : فرواه البزار- أيضا - : حدثنا محمد بن يحيى بن عبد الكريم الأزدي : ثنا خالد بن مخلد : ثنا يزيد بن عبد الملك ، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك مرفوعا نحوه ؛ ولفظه: (( أسفروا بصلاة الفجر ؛ فإنه أعظم للأجر )) . وأما حديث قتادة بن النعمان: فرواه الطبراني في ((معجمه )) والبزار في ((مسنده)) من حديث فليح بن سليمان : ثنا عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان ، عن أبيه ، عن جده مرفوعا نحوه . - ٢٩٦ - وأما حديث ابن مسعود: فرواه الطبراني في ((معجمه)): حدثنا أحمد ابن أبي يحيى الحضرمي : ثنا أحمد بن سهل بن عبد الرحمن الواسطي : ثنا المعلى بن عبد الرحمن : ثنا سفيان الثوري وشعبة ، عن زبيد ، عن مرة ، عن عبد الله بن مسعود مرفوعا نحوه . وأما حديث أبي هريرة : فرواه ابن حبان في كتاب (( الضعفاء )) من حديث سعيد بن أوس أبي زيد الأنصاري ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة مرفوعا نحوه . وأما حديث حواء: فرواه الطبراني في ((معجمه)) : حدثنا أحمد بن محمد الجُمحي : ثنا إسحاق بن إبراهيم الحُنَيْني : ثنا هشام بن سَعْد ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن بُجَيْد الحارثي ، عن جدته الأنصاريّة - وكانت من المبايعات - قالت : سمعتُ رسول الله يقولُ: ((أسفروا بالفجر ؛ فإنه أعظم للأَجْر)). قال في ((الإمام)): وإسحاق الحُنيني - بضم الحاء بعدها نون ثم ياء آخر الحروف ، ثم نون - . قال البخاريّ : في حديثه نظر . وذكر له ابن عديّ أحاديث ، ثم قال : وهو مع ضَعْفه يكتب حديثه. وابن بُجَيْد - بضم الباء الموحدة وفتح الجيم بعدها [ ياء ] آخر الحروف ساكنة - ذكره ابن حبان في ((الثقات)) . وجدّته : حواء بنت زيد ابن السكن ، أخت أسماء بنت زيد بن السكن . وفيه آثار - أيضا - أخرج الطحاوي (١) ، عن داود بن يزيد الأودي ، عن أبيه قال : كان علي بن أبي طالب يصلي بنا الفجر ونحن نتراءى الشمس ، مخافة أن تكون قد طلعت . انتهى . وعن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد قال : كنا نصلي مع ابن مَسْعود فكان يُسْفِر بصلاة الصُّبْح. رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٢) . وروى - أيضا - عن أبى أسامة ، عن أبي روق ، عن زياد بن المقطع . قال : رأيت الحسين بن (١) شرح الآثار (١٠٦/١). (٢) (٣٢١/١) وإلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. - ٢٩٧ - علي أسفر بالفجر جدا . وروى عن ابن فضيل، عن رضي بن أبي عقيل، عن أبيه قال : كان ربيع بن حنين يقول له - وكان مؤدبه - : يا أبا عقيل ! نَوِّرْ نَوِّرْ. وروى عن وكيع، عن عثمان بن أبي هند أن عمر بن عبد العزيز كان يُسْفر بالفجر . وعن وكيع - أيضا - ، عن سفيان ، عن الأعمش قال : كان أصحاب عبد الله يسفرون بالفجر . وعن وكيع - أيضا - ، عن سفيان ، عن عُبيد المكتب ، عن إبراهيم أنه كان يُنور بالفجر . وعنه - أيضا - ، عن سفيان ، عن حماد ، عن إبراهيم قال : ما اجتمع أصحاب محمد - عليه السلام - على شيء ما أَجْمعوا على التَّنْوير بالفجر. وفي الباب أحاديث وآثار كثيرة غير ما ذكرنا . فإن قيل : قد تأول الإسفار في هذه الأحاديث بظهور الفجر ، وقد قال الترمذي : وقال الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق : معنى الإسْفار أن يُصبح الفجر ولا يُشك فيه ، ولم يَرَوْا أن معنى الإسفار تأخير الصلاة . قلت : هذا التأويل غير صحيح ؛ فإن الغلس الذي يقولون به هو اختلاط ظلام الليل بنور النهار - كما ذكره أهل اللغة - وقبل ظهور الفجر لا تصح . صلاة الفجر ، فثبت أن المراد بالإسفار إنما هو التنوير ؛ وهو التأخير عن الغلس وزوال الظلمة، وأيضا - فقوله: ((أعظم للأجْر)) يقتضي حصول الأجْر في الصلاة بالغلس ، فلو كان الإسْفار هو وضوح الفجْر وظهوره ، لم يكن في وقت الغلس أجرٌ لخروجه عن الوقت ، وأيضا - يُبطل تأويلهم ذلك (((١) ما رواه ابن أبي شيبة ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو داود الطيالسي في ((مسانيدهم)) والطبراني في «معجمه))، قال الطيالسي: [١٤٤/١-١] حدثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني، وقال / الباقون: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين: ثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني: ثنا هرير بن عبد الرحمن ابن رافع بن خديج : سمِعتُ جدّي : رافع بن خديج يقول : قال (٢) رسول الله وَالر لبلال: ((يا بلال! نوِّرْ صلاة الصبح حتى يُبْصر (١) انظر: نصب الراية (٢٣٨/١ - ٢٣٩). (٢) مكررة في الأصل . - ٢٩٨ - القوم مَواقع نّبْلهم من الإِسْفار)). ورواه ابن أبي حاتم في ((علله)) (١) فقال : حدثنا هارون بن مَعْروف وغيره ، عن أبي إسماعيل المؤدب إبراهيم ابن سليمان ، عن هُرير ، به . قال : ورواه أبو نعيم ، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مجمع ، عن (٢) هُرير ، به . ورواه ابن عدي - أيضا - في ((الكامل)) عن أبي إسماعيل المؤدب وأَسْند عن ابن معين أنه قال: أبو إسماعيل المؤدب ضعيف . قال ابن عدي : ولم أجد في تضعيفه غير هذا ، وله أحاديث غرائب حسان تدلُّ (٣) على أنه من أهل الصدْق وهو ممن يُکتب حديثه . وحديث آخر يُبطل تأويلَهم . رواه الإمام أبو محمد القاسم بن ثابت السرقسطي في كتاب ((غريب الحديث)): حدثنا موسى بن هارون : ثنا محمد بن عبد الأعلى : ثنا المعتمر : سمعت بيانا أبا سعيد قال : سمعت أنسًا يقول : كان رسولُ الله يُصلي الصبح حين يفسح البَصرُ . انتهى . قال: يُقال: فسح البصر ، وانفسح إذا رأى الشيءَ عن بُعْدٍ ، يَعْني به إسفار الصبح)) (٤). فإن قيل : قد قيل : إن الأَمْر بالإِسْفار إنما جاء في الليالي المُقْمرة ؛ لأن الصبح لا يتبين فيها جدا ، فأمرهم بزيادة التّبيين استظهار باليقين في الصلاة. قلت : هذا تخصيص بلا مُخصّص ، وهذا باطل ، ويردّه - أيضا- ما أخرجه ابن أبي شيبة (٥) ، عن إبراهيم النخعي: (( ما اجتمع أصحاب محمد )) الحديث ؛ وقد ذكرناه . وكذلك أخرجه الطحاويّ في ((شرح الآثار)) (٥) بسند صحيح، ثم قال: ((ولا يصح أن يجتمعوا على خلاف ما كان رسول الله وَّر عليه))، على أن الطحاويّ قد زعم أن حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس ، وأن حديث التغليس ليس فيه دليل على الأفضل بخلاف حديث رافع ، وأنهم كانوا يدخلون مغلِّسين ويخرجون مُسْفِرِين . (١) (١٤٣/١) . (٢) مكررة فى الأصل . (٣) في الأصل: ((يدل)). (٤) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية . (٥) (١٠٩/١)، وانظره: نصب الراية (٢٣٩/١) وكذلك ما بعده. - ٢٩٩ - فإن قيل : قال الحازمي في كتابه (( الناسخ والمنسوخ)): حديث التغليس ثابت وإنه - عليه السلام - داوَم عليه إلى أن فارق الدنيا ، ولم يكن - عليه السلام - يُداوم إلا على ما هو الأفضل ، ثم روى حديث ابن مسعود أنه - عليه السلام - صلى الصبح بغلسٍ ، ثم صلى مرةً أخرى فأسفر بها ، ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس حتى مات - عليه السلام- لم يَعُد إلى أن يُسْفِر . رواه أبو داود، وابن حبان في ((صحيحه)) - كلاهما - من حديث أسامة بن زيد الليثي . قلتُ : يَردُّ هذا : ما أخرجه البخاريّ ، ومسلم ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن ابن مسعود قال : ما رأيتُ رسول الله - عليه السلام - صلى صلاةٌ لغير وقتها إلا بجَمْعِ ، فإنه يَجمعُ بين المغرب والعشاء بَجمْعٍ ، وصلّى صلاةَ الصُّبح من الغد قبل وقتها . انتهى ، قالت العلماء : يعني : وقتها المعتاد في كل يوم ، لا أنه صلّها قبل الفجر ، وإنما غلّس بها جدا، ويوضحه رواية البخاري: ((والفجر حين نزع)) ؛ وهذا دليل على أنه - عليه السلام - كان يُسْفر بالفجر دائمًا ، وقلما صلاها بغلسٍ . وبه استدلّ الشيخ في ((الإمام)) لأصحابنا ؛ على أن أسامة بن زَيْد قَد تُكلم فيه؛ فقال أحمد : ليس بشيءٍ ، وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتجّ به ، وقال النسائي ، والدارقطني : ليس بالقوي . فثبت بهذا أن زعم الطحاوي صحيح ، وأن رَدَّ الحَازميِّ كلامَ الطحاويِّ مَرْدودٌ والحق أحق أن يتبع؛ وهذه التأويلاتُ البعيدة والدوران البعيدُ كلها من آثارِ التعصب من المتأخرين . ٨ - بَابٌ في المحافظة على الوَقْت (١) أي : هذا باب في بيان المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها . ٤٠٩ - ص - ثنا عمرو بن عون : ثنا خالد، عن داود بن أبي هند ، عن أبي حرب بن أبني الأسود ، عن عبد الله بن فضالة ، عن أبيه قال : علَّمِنِي (١) في سنن أبي داود: (( .. على وقت الصلوات)). - ٣٠٠ -