Indexed OCR Text

Pages 221-240

وكان الأوزاعي يستعمل هذا الحديث على ظاهره وقال : يُجزئه أن يمسح
القذر من نعله أو خفه بالتراب ويصلي فيه . وروى مثله عن عروة بن
الزبير. وكان النخعي يَمْسح النعل والخف يكون فيه السرقين عند باب
المسجد ويصلي بالقوم . وقال أبو ثور في الخف والنعل إذا مسحهما
بالأرض حتى لا يجد له ريحاً ولا أثراً : رجوتُ أن يُجزئه . وقال
الشافعي : لا تطهر النجاسات إلا بالماء سواء كانت في ثوب أو حذاءٍ .
وبه قال مالك وأحمد وزفر ؛ والحديث حجة عليهم . قال المنذريّ : فيه
مجهولٌ .
قلت : قد تأيد بما رواه أبو داود - أيضاً - في الصلاة في حديث طويل
وفيه : ((إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نَعْليه قذراً أو أذًى
فليمسحه وليصل فيهما )) . ورواه ابن حبان في (( صحيحه ))، وعبد بن
حميد ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم بنحو
أبي داود - وسنتكلم فيه إن شاء الله تعالى . وبإطلاق الأحاديث أخذ
أبو يوسف حتى يطهر الخف أو النعل عنده بالمسح سواء كان النجس رطباً
أو يابساً . وقال أبو حنيفة : المراد بالأذى : النجاسة العَيْنية اليابسة ؛ لأن
الرطبة تزداد بالمسح بالأرض انتشاراً وتلوثاً .
فإن قيل : الحديث مطلق فَلِمَ قيده أبو حنيفة بقوله: ((النجاسة العَينيّة))
أي : التي لها جرم ؟ قلت : التي لا جرم لها خرجت بالتعليل وهو
قوله: ((فإن التراب طهور)) أي: يُزيل نجاسته ، ونحن نعلم يقيناً أن النعل
أو الخف إذا تشرّب البول أو الخمر لا يُزيله المَسْحُ ولا يخرجه من أجزاء
الجلد ، فكان إطلاق الحديث مصروفاً إلى الأذى الذي يقبل الإزالة
بالمسح، حتى إن البول أو الخمر لو استجسد بالرمْل أو التراب فجف فإنه
يطهر - أيضاً - بالمسح ؛ على ما قال شمس الأئمة ، وهو الصحيح ؛ فلا
فرق بين أن يكون جرم النجاسة منها أو من غيرها ؛ هكذا ذكر الفقيه
- ٢٢١ -

[١٢٩/١ - ب] أبو جعفر، والشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل / عن أبي حنيفة،
وعن أبي يوسف مثل ذلك إلا أنه لم يشترط الجفاف .
٣٧٠ - ص - نا أحمد بن إبراهيم : حدَّثني محمد بن كثير ، عن
الأوزاعي ، عن ابن عجلان ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن
أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - بمعناه قال: ((إذا وَطِئَّ الأَذَى بخُفَّيْه
فطُهُورُهَا التَّرابُ)) (١) .
ش - أحمد بن إبراهيم : ابن خالد الموصلي .
ومحمد بن كثير : ابن أبي عطاء ، أبو يوسف الصنعاني الثقفي
مولاهم، نزل المصيصة ، سمع : معمر بن راشد ، والأوزاعي ، وحماد
ابن سلمة ، وابن عيينة ، وغيرهم . روى عنه : الحسن بن الربيع ،
وشهاب بن عباد ، والحسن بن الصباح ، وغيرهم . وقال البخاريّ :
ضعّفه أحمد ، وسئل عنه ابن معين فقال : كان صدوقاً في روايته ، ثقة .
وقال ابن سعد : كان من أهل صنعاء ، ونشأ بالشام ، ونزل المصيصة ،
وكان ثقة ، ويذكرون أنه اختلط في آخر عمره ، ومات في آخر سنة ستة
عشر ومائتين (٢).
وابن عجلان : محمد بن عجلان .
ورواه ابن حبّان في ((صحيحه )) في النوع السادس والستين من القسم
الثالث ، والحاكم في ((المستدرك )) وقال : حديث صحيح على شرط
مُسلم ولم يُخرجاه . وقال النووي في (( الخلاصة )) : رواه أبو داود بإسناد
صحيح ، ولا يلتفت إلى كلام ابن القطان . هذا حديث رواه أبو داود من
طريق لا نظن بها الصحة لِما سبق من الكلام .
٣٧١ - ص - ثنا محمود بن خالد : ثنا محمد - یعني : ابن عائذ : نا
يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي ، عن محمد بن الوليد قال : أخبرني -أيضاً-
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) انظر ترجمته فى: تهذيب الكمال (٢٦/ ٥٥٧٠) .
- ٢٢٢ -

سعيد بن أبي سعيد ، عن القَعْقاع بن حكيم ، عن عائشة ، عن رسول الله
بمعناه (١).
ش - محمود بن خالد : أبو علي السُّلَمي الدمشقي.
ومحمد بن عائذ : ابن عبد الرحمن بن عبد الله ، أبو أحمد ، أو
أبو عبد الله الدمشقي القرشي الكاتب، صاحب كتاب ((المغازي))
و((الفتوح)) و((الصوائف)) وغيرها . سمع : يحيى بن حمزة ، والوليد بن
مسلم ، وأبا مسهر ، وغيرهم . روى عنه : أبو زرعة الدمشقي
والرازي (٢)، ويعقوب بن سفيان، وأبو دا [ ود ] ، وغيرهم . وقال
النسائي : ليس به بأس . وقال دحيم : صدوق . وقال ابن معين : ثقة .
توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين ، وولد في سنة خمسين ومائة (٣) .
ويحيى بن حمزة : ابن واقد الحضرمي ، أبو عبد الرحمن الدمشقي
قاضيها ، من أهل بيت لهيا . سمع : محمد بن الوليد ، والأوزاعي ،
وزيد بن واقد ، وغيرهم . روى عنه : محمد بن المبارك الصُّوري ،
والوليد بن مسلم ، ومحمد بن عائذ ، وغيرهم . قال أبو حاتم : كان
صدوقاً . وقال أحمد : ليس به بأس . وقال المفضل بن غسان : كان ثقة.
توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة . روى له الجماعة (٤).
ومحمد بن الوليد : الزبيدي الشامي الحمصي .
قوله: ((بمعناه)) أي : بمعنى الحديث المذكور . وقال الشيخ زكي الدين:
حديث عائشة حديث حسن ؛ غير أنه لم يذكر لفظه .
قلت: رواه ابن عديّ في (( الكامل )) (٥) عن عبد الله بن زياد بن
سمعان القرشي ، عن سعيد المقبري ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبيه ،
١
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) في الأصل: ((الررازي)).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٥١٧/٢٥).
(٤) المصدر السابق (٦٨١٦/٣١).
(٥) (٢٠٣/٥) ((ترجمة عبد الله بن زياد بن سمعان)).
- ٢٢٣ -

عن عائشة قالت : سألتُ النبي - عليه السلام (١) -. : الرجلُ يَطأُ
بنَعْليه في الأذَى، قال: ((الترابُ لهما طهورٌ)). وقال الدارقطني : مدار
الحديث على ابن سَمْعان ؛ وهو ضعيف . قال ابن الجوزي : قال مالك :
هو كذاب . وقال أحمد : متروك الحديث .
قلت: ذكر صاحب ((الكمال)): قال أبو زرعة : حدَّثني أحمد بن
صالح قال : قلت لابن وهب : ما كان مالك يقول في ابن سَمْعان ؟
قال: لا يقبل قول بعضهم في بَعْض . وروى له الترمذي مقروناً بيونس بن
يزيد .
١٣٠ - بَاب: الإِعَادَة منَ النجاسة تكون في الثوب
أي : هذا باب في بيان إعادة الصلاة من النجاسة تكون في الثوب .
٣٧٢ - ص - ثنا محمد بن يحيى بن فارس قال : ثنا أبو معمر : ثنا
عبد الوارث : حدَّتنا أم يونس بنت شداد قالت : حدَّثتني حماتي : أم جَحدر
العامريّةُ قالت : إنها سَأَلَتْ عائشةَ عن دَم المحيضِ يُصيبُ الثوبَ ، فقالتْ:
كنتُ مع رسول الله وعلينا شعارُنًا ، وقد أَلْقَيْنَا فَوقَه كساءً ، فلما أصبحَ رسولُ
الله أَخذَ الكساءَ فَلَبِسَهُ، ثمَ خَرجَ فصلَّى الغَدَاةَ ، ثَم جَلسَ فقال رجلٌ : يا
[١/ ١٣٠- ١] رسولَ الله،َ هذه لمعَةٌ منِ دَم، فَقبضَ رسولُ الله / على ما يليها ، فبعث بها
إِليَّ مَصْرُوَرَةً في يدِ الغُلامَ فقال: ((اغْسِلي هَذَا وأَجفِّيهَا، ثم أَرسلي بها
إليّ) فدعوتُ بِقَصْعَتِي فغسَلتُها ، ثم أجْفَفْتُها، فأَحَرْتُهاَ إليه، فجاء رسولُ الله
بنصف النهارِ وهو علیه (٢) .
ش - محمد بن يحيى : ابن عبد الله بن خالد بن فارس النيسابوري
الإمام . وأَبُو مَعْمر : عبد الله بن عمرو المقعد المنقري البصري .
وعبد الوارث : ابن سعيد العَنْبري .
(١) في الأصل: ((رسول الله))، وبهامش الأصل مصححاً: ((النبي عليه السلام)).
(٢) تفرد به أبو داود .
- ٢٢٤ -

وأم يونس بنت شداد ، روت عن حماتها أم جحدر . روى عنها :
عَبد الوارث بن سعيد . روى لها : أبو داود (١) .
وأم جحدر العامريّة روت عن : عائشة الصديقة . روت عنها :
أم يونس بنت شداد . روى لها : أبو داود (٢).
قوله : ((وعلينا شعارنا)) قد مرّ أن الشعار : الثوبُ الذي يلي الجسد ،
والكساء: واحد الأكسية؛ وأصله: ((كساوٌ))؛ لأنه من كسوتُ ، إلا أن
الواو لما جاءت بعد الألف ◌ُمِزت ، وتكسيتُ بالكساء : لبستُه .
قوله: (( هذه لمعة)) - بضم اللام وسكون الميم - وهي بياض أو سواد أو
حُمرة تَبْدو من بَيْن لون سواها ؛ وهي في الأصل قطعة من النّبْت إذا
أخذت في اليُبْس .
قوله : ((مصرورةٌ)) نصبٌ على الحال ، من صررتُ الصرة شددتُها .
قوله : ( وأجفیھا )) أمر من الإجفاف وثلاثيه جفّ یجفّ من باب ضرب
يضرب ، ويجَفّ بالفتح لغة فيه حكاها أبو زيد ، وردّها الكسائي.
قوله : (( فأحَرَّتُها )) أي: ردَدْتُها إليه ، من أحَار يُحيرُ وثلاثيه حارَ
يحورُ؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّنْ يَحُورَ * بَلَى﴾ (٣) أي : لا
يبعث ولا يرجع إلينا في القيامة للحساب .
قوله: (( وهو عليه)) جملة وقعت حالاً ؛ أي : والحال أن الكساء عليه ؛
وإنما ذكّر الضمير باعتبار المذكور ، أو باعتبار الثوب . وفيه من الفقه
مسائلُ؛ الأولى : وجوب غسل الثوب من الدم ، والثانية : اقتصار الغسل
على المَوْضع المُصاب ، والثالثة (٤) :
(١) انظر ترجمتها في: تهذيب الكمال (٨٠٢١/٣٥).
(٢) المصدر السابق (٧٩٥٦/٣٥).
(٣) سورة الانشقاق: (١٤، ١٥).
(٤) بياض في الأصل قدر سطر وربع السطر .
١٥ • شرح سنن أبي داوود ٢
- ٢٢٥ -

١٣١ - بَاب : البُزاق يُصِيبُ الثَّوْبَ
أي : هذا باب في بيان حكم البزاق الذي يصيب الثوب .
٣٧٣ - ص - ثنا موسى بن إسماعيل: نا حماد، نا ثابت ، عن أبي نضرة
قال : بَزْقَ النبيّ - عليه السلام - في ثوبِهِ وحَكَّ بَعْضَه ببعض (١).
ش - حماد : ابن سلمة ، وثابت : البناني .
وأبو نضرة : هو المنذر بن مالك بن قطيعة (٢) العَوقي - بفتح الواو ،
وبالقاف - منسوب إلى عَوَقَة ؛ بطن من عبد القَّيْسِ العَبْدي البَصْري ،
أدْرك طلحة بن عبيد الله . وسمع : عبدَ الله بن عباس ، وأبا هريرة ،
وجابر بن عبد الله ، وعبد الله بن عامر ، وأبا ذر الغفاري ، وأبا سعيد
الخدريّ، وسمرة بن جندب ، وأنس بن مالك ، وغيرهم . روى عنه :
حميد الطويل ، وقتادة ، وداود بن أبي هند ، وعاصم الأحول ،
وغيرهم. قال ابن معين ، وأبو زرعة : ثقة . مات قبل الحسن بقليل .
روى له الجماعة إلا البخاريّ (٣) . وهذا مُرْسلٌ كما ترى.
٣٧٤ - ص - نا موسى : نا حماد ، عن حميد ، عن أنس ، عن النبي
-عليه السلام - بمثله (٤) .
ش - موسى : ابن إسماعيل ، وحماد : ابن سلمة ، وحُميد :
الطويل، وأنس : ابن مالك - رضي الله عنه .
قوله: ((بمثله)) أي: بمثل الحديث المذكور . وأخرجه البخاريّ ،
والنسائي . واختلفوا في البزاق : هل هو طاهر أم لا ؟ فعن سلمان : إنه
ليس بطاهر ؛ قال أبو بكر بن أبي شيبة : نا ابن علية ، عن هشام ، عن
حماد ، عن ربعي بن حراش قال: قال سلمان: (( إذا حك أحدكم جلده
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) كذا، والمعروف: ((قطعة)).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦١٨٣/٢٨).
(٤) البخاري : كتاب الوضوء، باب: البزاق والمخاط ونحوه في الثوب (٢٤١)،
النسائي : كتاب الطهارة ، باب : البزاق يصيب الثوب (١/ ١٦٢).
- ٢٢٦ -

فلا يمسحه (١) ببزاقه ؛ فإن البزاق ليس بطاهر)). وأسند صاحب الإمام
عن البيهقي أنه قال: ((إذا أصاب البُصاق الثوب أو الجسد فليغسل بالماء)).
ويروى مثل ذلك عن بعض العلماء ؛ ذكره الطحاوي في كتاب ((الاختلاف))
والأصح : ما رواه أبو داود ، والبخاريّ وغيرهما : أنه طاهر . وفي
((المصنف)): حدَّثنا سَعيد بن يحيى الحميري : ثنا أبو العلاء قال: كنا عند
قتادة فتذاكروا قول إبراهيم وقول الكوفيين في البزاق يغسل قال : فحك
قتادة ساقه ، ثم أخذ من ريقه شيئاً ، ثم أمرّه عليه ليرينا أنه ليس بشيءٍ .
والحميري هذا ثقة ؛ أخرج له البخاريّ . وأبو العلاء هو : أيوب بن
مسكين القصاب ؛ وثقه أحمد بن حنبل / وابن سَعْد، والنسائي، [١٣٠/١ -ب]
وغيرهم .
(١) في الأصل: ((تمسحه)).
- ٢٢٧ -

٢ - كتابُ الصَّلاَةِ
أي : هذا الباب في أحكام الصلاة بأنواعها . ولما فرغ عن الطهارة
الصغرى والكبرى بأنواعهما التي هي شرط ، شرع في بيان الصلاة التي
هي مشروط ، والشرط يسبق المشروط . واشتقاقها من تحريك الصَّلَوَيْن .
وهما : العظمان الناتئان عند العجيزة ، وقيل : من الدعاء ؛ فإن كانت
من الأول تكون من الأسماء المغيّرةشرعا ، المقررة لغةً ، وإن كانت من
الثاني تكون من الأسماء المنقولة ، ويقال : أصلها في اللغة : الدعاء ؛
فسمّيت ببعض أجزائها .
وقيل : أصلها في اللغة : التعظيم ، وسميت العبادة المخصوصة صلاة
لما فيها من تعظيم الربّ . والصلاة : اسمٌ وُضع مَوضع المصدر حتى
يقال: صليت صلاةً ، ولا يقال : صليت تصليةً - وإن كان هو القياس .
وفي الشرع : الصلاة عبارة عن الأركان المعلومة ، والأفعال
المخصوصة. وسببها : الوقت ، وشرائطها وأركانها مذكورة في الفقه ،
وحكمها : سقوط الواجب عن الذمة في الدنيا ، وحصول الثواب فى
العقبى ، وحكمتها : تعظيم الله ، يعني : بجميع الأركان والأعضاء
ظاهرِها وباطنها تبرئا عن عبدة الأوثان قولا وفعلا وهيئةً .
٣٧٥ - ص - (١) حدثنا عبد الله بنَ مسلمة ، عن مالك ، عن عمّه
أبي سهيل بن مالك ، عن أبيه ، أنه سمع طلحة بنَ عُبَيِّد الله يقول: جَاءَ رجلٌ
إلى رسولِ اللهِوَ﴿ من أهلِ نَجْدٍ، ثَائرَ الرأسِ يُسمَعُ دويُّ صوتِهِ، ولا يُفْقَهُ ما
يَقُولُ، حتى دَنَى فإذا هو يَسألُ عن الإسلام؟ فقالَ رسولُ الله: (( خمسُ
صَلَواتِ في اليوم واللَّيلةِ)). قال: هل عَلىَّ غيرُهُنَّ؟ قال: (( لا، إلا أن
تَطَّوَعَ)) . قالَ: وذكر له رسولُ الله صيامَ رمضانَ (٢) فقال: هل عليَّ غيرُه ؟
(١) في سنن أبي داود قبل هذا الحديث: ((باب فرض الصلاة)).
(٢) في سنن أبى داود: (( صيام شهر رمضان)).
- ٢٢٩ -

قال : ((لا، إلا أن تَطَّوَّعَ)). قالَ: وذكر له رسولُ الله الصدقَةَ قالَ : فهل عَلَيَّ
غيرُهَا؟ قال: (( لا، إلا أن تَطَّوَّعَ)). قال: فأدْبر الرَجلُ وهو يَقُولُ: والله لا
أَزِيدُ على هذا ولا أَنْقُصُ، فقال رسولُ الله: ((أفْلَحَ إن صَدَقَ )) (١) .
ش - مالك: ابن أنس بن مالك، وعمُّهُ : أَبُو سُهَيْل نافع بن مالك بن
أبي عامر الأصبحي ، أَخو أنس وأُوَيْس والربيع ، حليف بني تميم .
سمع: أنس بن مالك ، وأباه ، وعمر بن عبد العزيز ، والقاسم بن محمد
ابن أبي بكر ، وسعيد بن المسيّب ، وعلي بن الحسين . وروى عن :
عبد الله بن عُمر ، وسهل بن سَعْد . روى عنه : الزهري ، ومالك بن
أنس ، وإسماعيل ومحمد ابنا جَعْفر ، وعبد العزيز الدراورديّ ،
وغيرهم. قال أحمد بن حنبل : هو من الثقات . روى له الجماعة (٢).
وأبوه (٣) : مالك بن عامر ، ويقال : ابن أبي عامر ، وهو مالك بن
أبي حُمْرة - بالحاء والراء المهملتين - أبو عطية الوداعي (٤) الكوفي
الهمداني . سمع : عبد الله بن مَسْعود وعائشة الصديقة . وقال ابن سعد:
روى عن : عمر، وعثمان، وطلحة . روى عنه: خيثمة بن عبد الرحمن،
ومحمد بن سيرين ، وعمارة بن عمير ، والأعمش ، وأبو إسحاق
السبيعي. قال ابن معين ، وابن سَعْد : هو ثقة ، توفي في ولاية مُصعب
ابن الزبير على الكوفة . روى له الجماعة (٥) .
قوله: ((جاء رجل)) هو ضمام (٦) بن ثعلبة أخو بني سَعْد بن بكر .
قوله: (( من أهل نَجْد )) النجد : الناحية التي بين الحجاز والعراق،
ويقال : ما بَيْن العراق وبَيْن وَجْرة وغمرة الطائف نجْدٌ .
(١) البخاري : كتاب الإيمان، باب: الزكاة من الإسلام (٤٦)، مسلم: كتاب
الإيمان ، باب : الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام (٨/١١)، النسائى:
كتاب الصلاة ، باب : كم فرضت في اليوم والليلة (٢٢٦/١) ، وكتاب الصوم
(٤ / ١٢٠)، وكتاب الإيمان (١١٨/٨).
(٢) انظر ترجمته فى: تهذيب الكمال (٦٣٦٨/٢٩).
(٣) كذا ترجم المصنف لراو آخر ، وأما صاحبنا وهو أبو مالك فهو مترجم في
تهذيب الكمال (٥٧٤٥/٢٧) .
(٤) كذا، وفي تهذيب الكمال ((الوادعي)). (٥) المصدر السابق (٧٥١٦/٣٤).
(٦) بهامش الأصل كلمة غير مقروءة .
- ٢٣٠ -

قوله: (( ثائرَ الرأس)» أي: قائم شعره، مُنْتفِشُه. وقال ابن الأثير (١):
((منتشر شعر الرأس قائمه، فحذف المضاف)) .
قلت : مادته واويّة من ثار الغبارُ يثورُ ثورا ، والثائر سَاعة ما يخرج من
التراب ، ويجوز فيه الرفع على أنه صفة لرجل ، ويجوز نَصْبُه على
الحال .
فإن قلت : إذا وقع الحال عن النكرة وجب تقديم الحال على ذي الحال
فكيف يكون هذا حالا ؟ قلت : يجوز وقوع صاحبها نكرة من غير تأخيره
إذا اتصف بشيء كما في المبتدإ ، نحو قوله تعالى: ﴿يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر
حَكِيم * أَمْراً مِّنْ عندنَا﴾ (٢) أو أضيف نحو: جاء غلام رجل قائما، أوّ
وقع بعد نفي كقوله تعالى: ﴿ مَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إلَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾(٣)
وهنا - أيضاً - اتّصف النكرة بقوله: (( من أهل نجد )) فافهم .
قوله : (( يُسْمعُ دَوي / صوته ولا يُفْقِه ما يقولُ)). روي: ((نسمع)) [١٣١/١-أ]
و((نفقه)). بالنون المفتوحة فيهما .. وروي بالياء آخر الحروف المضمومة
فيهما على بناء المجهول ؛ والأول أشهر وأكثر. و ((دَويّ)) - بفتح الدال
وكسر الواو وتشديد الياء - بُعْده في الهواء ، وحكى صاحب ((المطالع))
فيه ضم الدال - أيضًا - ؛ والأول أشهر ، ويشتق منه الفعل يقال : دَوّى
النحل تَدْوِيةً إذا سمعت لهديره دويا ، والُدَوِّي : السحابُ ذو الرَّعْد
المرتجس ، والفقه : الفهمُ ؛ قال تعالى: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (٤) أي:
حتى يفهموا .
قوله : ((فإذا هو يسأل عن الإسلام)) أي : عن أركان الإسلام؛ ولو كان
السؤال عن نفس الإسلام كان الجواب غير هذا ؛ لأن الجَواب ينبغي أن
[يكون ] مطابقا للسؤال ، فلما أجاب النبي - عليه السلام - بقوله:
(خمس صلوات)) عرف أن سؤاله عن أركان الإسلام وشرائعه ، فأجاب
(١) النهاية (٢٢٩/١).
(٢) سورة الدخان : (٤، ٥).
(٣) سورة الحجر: (٤) .
(٤) سورة طه: (٢٨)، وذكرت في الأصل ((حتى يفقهوا قولي)).
- ٢٣١ -

مطابقا لسؤاله ؛ لأن الصلوات الخمس وصيام رمضان وإيتاء الصدقة
المذكورة هاهنا ليْست عَيْن الإسلام ؛ وإنما هي أركان الإسلام وشرائعُه كما
ورد في حديث آخر: (( بني الإسلام على خمس)) الحديث؛ والمبنيّ غير
المبني عليه . وقد تكلمت الناس في حقيقة الإسلام والإيمان ؛ فقال
الزهري: الإسلام : الكلمة ، والإيمان : العمل ، واحتج بقوله تعالى :
قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا (١) أَسْلَمْنَا﴾ (٢). وقال
البغوي : الإسلام : اسم لما ظهر من الأعمال ، والإيمان : اسم لما بطن
من الاعتقاد ؛ لجوابه - عليه السلام - في سؤال جبريل عن الإيمان
والإسلام هكذا . وقال أصحابنا : الإيمان هو التصديق بوجود الله تعالى
وكمالاته وبملائكته وكتبه ورُسُله واليوم الآخر ؛ قال الله تعالى: ﴿آمَنَ
الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَن رَّبِّه﴾ الآية (٣) ، وقال النبى - عليه السلام -
حين سُئِلَ عن الإيمَانَ: ((أنَ تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، واليوم
الآخر ، والقدر خيره وشره من الله تعالى)) والأعمال غير داخلة في ماهيّة
الإيمان ؛ خلافا للأشعرية والمعتزلة والخوارج ، والإيمان والإسلام
متلازمان، لا عبرة للتصديق بدون الانقياد للأوامر والنواهي ، وكذا على
العكس. وأما قول النبي - عليه السلام -: (( أن تشهد بأن لا إله إلا الله
وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة )) الحديث ، فالمراد به : شرائع الإسلام ؛ لا
نفس ماهية الإسلام - كما ذكرنا - ؛ لأن الفاسق مسلم عند أهل السنة .
وقال الشافعي : الإيمان : التصديق بالجنان ، والإقرار باللسان ، والعمل
بالأركان . ونقل ذلك عن عليّ - رضى الله عنه - (٤) . وأما الإسلام:
فهو بمعنى الاستسلام - أي : الانقياد - لغةً ، وفي الشرع : الخضوع ،
(١) في الأصل: ((قوالوا)).
(٢) سورة الحجرات : (١٤).
(٣) سورة البقرة : (٢٨٥) .
(٤) ولا شك أن تعريف الإمام الشافعي للإيمان هو التعريف الذي يرتضيه أهل
العلم، ويعتقده أهل السنة والجماعة قاطبة ، وانظر : العقيدة الطحاوية
(ص/ ٣٣٢ : ٣٥٧).
- ٢٣٢ -

وقبول قول الرسول ؛ فإن وجد معه اعتقاد وتصديق بالقلب فهو الإيمان ،
وإلا فلا ؛ فالإيمان أخصّ من الإسلام ، وإطلاق أحدهما على الآخر جائز
بطريق التجوز .
قلنا : الإيمان هو التصديق بالله ، والإسلام : إما أن يكون مأخوذا من
التسليم ؛ وهو تسليم العبد نفسه لله ، أو يكون مأخوذا من الاستسلام وهو
الانقياد . وكيف ما كان فهو راجع إلى ما ذكرنا من تصديقه بالقلب
واعتقاده أنه تعالى حالته لا شريك له .
وجواب آخر : قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ
مِنْهُ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿إنَّ الدِّين عندَ الله الإسْلاَمُ﴾ (٢) بَيّن أن دين الله
هو الإسلام ، وأن كل دين غير الإسلام غير مقبول ؛ والإيمان دين لا
محالة ، فلو كان غير الإسلام لما كان مقبولاً ؛ وليس كذلك .
وجواب آخر : لو كانا متغايرين لَتُصور أحدهما بدون الآخر ، ولتُصور
مسلم ليس بمؤمن . والجواب عن الآية - أعني : قوله تعالى: ﴿قَالَت
الأَعْرَبُ آمَنَّا﴾ - أن المراد بـ (( أَسْلمنا)): استَسْلمنا أي: انقدنا، وسؤال
جبريل - عليه السلام - ما كان عن الإسلام ؛ بل عن شرائع الإسلام .
قوله : (( خمس صلوات)) مرفوع على أنه خبر مبتدإ محذوف أي : هو
خمس صلوات ، ويجوز الجرّ ؛ على أن يكون بدلا من الإسلام ،
والنصب - أيضاً - على تقدير : خُذ أو هاك أو نحو ذلك . ثم هاهنا
محذوف تقديره : إقامة خمس صلوات ؛ لأن غير الصلوات الخمس ليْست
عَيْن الإسلام ؛ بل إقامتها هي من شرائع الإسلام .
/ قوله: ((إلا أن تطوع)) بتشديد الطاء؛ أصله: تتطوع، فأدغمت [١٣١/١ -ب]
إحدى التاءين في الطاء ، وهذه قاعدَةٌ : أن التاءين إذا اجتمعتا في باب
التفعل تدغم إحداهما في الأخرى طلبا للتخفيف . وقال ابن الصلاح :
محتمل للتشديد والتخفيف على الحذف ، ثم الاستثناء فيه يجوز أن يكون
منقطعا بمعنى (لكن)) ؛ والأصح أن يكون متصلا ، ويستدل به على أن من
(١) سورة آل عمران: (٨٥).
(٢) سورة آل عمران: (١٩).
- ٢٣٣ -

شرع في صلاة نفل أو صوم نفل وجب عليه إتمامُه ، واستدلت الشافعية
بهذا أن الوتر غير واجب . والجواب عن هذا : أنه كان قبل وجوب الوتر
يدل أنه لم يذكر فيه الحج ، وسنتكلم على وجوبيّة الوتر في موضعه إن
شاء الله تعالى .
قوله: ((وذكر له رسول الله الصدقة)) المراد منها : الزكاة ؛ كما في قوله
تعالى : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءَ ﴾ الآية (١).
قوله: (( فأدبر الرجل )) أي: وَلَّى.
قوله: ((وهو يقول)) جملة وقعت حالا عن الضمير الذي في ((أدبر)).
قوله: (( لا أزيد ولا أنقص)) أي : لا أزيد على ما ذكرت ولا أنقص منه
شيئاً .
فإن قيل: كيف قال: ((لا أزيد على هذا)) وليس في هذا الحديث
جميع الواجبات ، ولا المنهيات الشرعية ، ولا السنن المندوبة ؟ قلنا : قد
جاء في رواية البخاريّ في آخر هذا الحديث: قال: (( فأخبره رسول الله
بشرائع الإسلام ، فأدبر الرجل وهو يقولُ : لا أزيد ولا أنقص مما فرض
الله عليّ شيئاً)) فعلى عموم قوله: ((بشرائع الإسلام)) وقوله: (( مما
فرض الله)) يزول الإشكال في الفرائض . وأما النوافل : فقيل : يحتمل
أن هذا كان قبل شرعها ، وقيل : يحتمل أنه أراد أن لا أزيد في الفرض
بتغيير صفته ؛ كأنه يقول : لا أصلي الظهر خمسًا ، ويحتمل أنه أراد أنه لا
يصلي النافلة مع أنه لا يُخلُّ بشيء من الفرائض .
قوله: ((أفلح إنْ صدق)) أي : فاز وظفر بالنجاة إن صدق في قوله .
قيل : هذا الفلاح راجع إلى قوله: ((لا أنقص)) خاصةً .
قلت : الأظهر أنه عائد إلى المجموع ، بمعنى أنه إذا لم يَزد ولم ينقص
كان مفلحا ؛ لأنه أتى بما عليه ، ومَنْ أتى بما عليه فهو مفلح ، ينتج أن
هذا مفلح ، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد لا يكونُ مفلحا ؛ لأنه يُعرف
بالضرورة أن الذي يفلح بالواجب فبالندب أولى وأجدر .
(١) سورة التوبة: (٦٠) .
- ٢٣٤ -
1

فإن قيل : لم يأت فيه ذكر الحج ، قلت : كان هذا قبل فرضية الحج ؛
كما لم يذكر في بعض الأحاديث الصوم ، ولم يذكر في بعضها الزكاة .
ويستفاد من هذا الحديث فوائد ؛ الأولى : أن الصلاة ركن من أركان
الإسلام .
الثانية : أنها خمس مرات في اليوم والليلة .
الثالثة : أن الصوم - أيضاً - ركن من أركان الإسلام؛ وهو في كل سنة
شهر واحد .
والرابعة : أن إيتاء الزكاة - أيضا - ركن من أركان الإسلام .
والخامسة : أن وجوب صلاة الليل منسوخ في حق الأمّة بالإجماع ،
واختلف في حقه - عليه السلام - ؛ والأصح نسخه .
والسادسة : أن صلاة العيد ليست بفريضة ؛ خلافا لأبي سعيد
الإصطخري ؛ فإنها فرض كفاية عنده .
والسابعة : أن صوم عاشوراء - ولا صومَ غيرِه - ليس بواجب ،
واختلفوا أن صوم عاشوراء كان واجبا قبل رمضان أم لا ؟ فعند الشافعي
في الأظهر : ما كان واجبا ، وعند أبي حنيفة : كان واجبًا ؛ وهو وجه
للشافعي .
والثامنة : أنه ليس في المال حق سوى الزكاة على من ملك نصابًا ، وتم
عليه الحول .
التاسعة : أن من يأتي بهذه الخصال ويُواظب عليها صار مفلحا بلا شك.
والعاشرة : أن السفر والارتحال من بلد إلى بلد لأجل تعلم علم الدين ،
والسؤال عن الأكابر أمر مندوب محبوب .
٣٧٦ - ص - نا سليمان بن داود: نا إسماعيل بن جَعْفر المديني ، عن
أبي سُهيل نافع بن مالك بن أبي عامر بإسناده بهذا الحديث قال: ((أَفْلَحَ
وأبيه إن صَدَقَ ، دَخَلَ الجَنَّةَ وأبيه إن صَدَقَ )) (١) .
(١) انظر الحديث السابق.
- ٢٣٥ -

ش - سُليمان بن داود : أبو الرَّبيع الزهراني ، وإسماعيل بن جَعْفر :
ابن أبي كثير المدني الزرقي مولاهم .
قوله : ((أفلح وأبيه)) الواو في ((وأبيه)) للقسم .
فإن قلت : قد نهى رسول الله - عليه السلام - أن يحلف الرجل بأبيه،
[١٣٢/١-١] فكيف هذا؟ قلت (١): / ليس هذا حَلَفًا؛ إنما هو كلمة جرت عادة
العرب أن تُدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف ؛ والنهي إنما
ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المحلوف به ، ومُضَاهاته
بالله سبحانه وتعالى ، وقد يقال : يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن
الحلف بغير الله تعالى ، وقد يحتمل أن يكون - عليه السلام - أضمر فيه
اسم الله كأن قال: ((رب أبيه))، وإنما نهاهم لأنهم لم يكونوا يضمرون
ذلك ؛ وإنما مذهبهم التعظيم لآبائهم .
فإن قيل: لم قال: ((إن صدق)) ولم يقل : إذا صدق ؟ قلت : لأن
صدقه أمر غير مجزوم ، وأصل (( إن )) عدم جزم القائل بوقوع شرطها
ولا(١) وقوعه ؛ بل تجويز كل منهما لكونه غير محقق الوقوع كما في
نحو: ((إن تكرمني أكرمك)) إذ لم يعلم القائل أيكرمه أم لا ؟ وأصل ((إذا))
الجزم بوقوع الشرط إما تحقيقا كما في : إذا طلعت الشمس ، أو خطابيا
كقولك : إذا جاء مُحبّي ، فإن مجيئه ليس قطعيًا تحقيقا كطلوع الشمس ؛
بل تقديرا باعتبار خطابيُّ - أي: ظنّي - وهو أنّ المُحبّ يَزِورُ المُحِبّ .
والحديث أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي .
١ - بَابُ: المواقيت
أي : هذا باب في بيان مواقيت الصلاة ؛ والمواقيت جمع وقت على
غير القياس ، وفي الأصل جمع ميقات . وفي بعض النسخ: (( باب ما
جاء في المواقيت)) (٢)، وفي بعضها: ((باب في المواقيت)). ولما كان
الوقت سببًا للصلاة قَدّمه عليها لتوقف صحتها على معرفة الوقت .
(١) مكررة في الأصل .
(٢) كما في سنن أبي داود .
- ٢٣٦ -

٣٧٧ - ص - نا مُسدّد : نا يحيى ، عن سفيان قال : حدثني عبد الرحمن
ابن فلان بن أبي ربيعة (١) ، عن حکیم بن حکیم ، عن نافع بن جبير بن
مطعم، عن ابن عباس قال : قال رسولُ الله: (( أَمَّنِي جبريلُ عندَ البَيْتِ مَرَّتینِ،
فصلَّى بِي الظُّهرَ حِينَ زالت الشمسُ، وكانتَّ قَدْرَ الشّرَاكِ ، وصَلَّى بِّي
العَصْرَ حينَ كان ظلُّهُ مِثْلَه ، وَصَلَّى بيَ المغربَ حين أفْطَرَ الصائمُ ، وصلَّى
بِيَ العِشَاءَ حين غَابَ الشَّفَقُ، وصَلَّى بي الفجرَ حين حَرُّمَ الطعامُ والشرابُ
على الصائم ، فلما كان الغَدُ صَلَّى بِيَ الظهرَ حين كان ظلُّهُ مثلَه، وصلَّى بي
العَصْرَ حين كان ظُّهُ مِثْلَيْهِ، وصلَّى بيَ المغربَ حين أَفْطَرَ الصائمُ ، وصلَّى
بيَ العشاءَ إلى ثُلُثِ الليلِ، وصلَّى بِيَ الفجرَ فأسْفَر ، ثم التفتَ إِليَّ فقال : يا
محمدٌ! هذا وقتُ الأنبياءِ من قبلِكَ، والوقتُ ما بَيْن هذينِ الوَقْتَينِ)) (٢).
ش - يحيى : القطان ، وسفيان : الثوري .
وعبد الرحمن بن الحارث بن عياش (٣) بن أبي ربيعة؛ واسم أبي ربيعة:
عمرو بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني أبو الحارث.
روى عن : حكيم بن حكيم ، وعمرو بن شعيب ، وزيد بن علي بن
الحسين . روى عنه : الثوري ، وسليمان بن بلال ، وعبد العزيز بن
محمد ، وغيرهم . قال ابن معين ، وأبو حاتم : هو صالح . وقال ابن
سَعْد: كان ثقةً . ولد سنة ثمانين عام الجحاف (٤) ، ومات سنة : ثلاث
وأربعين ومائة . روى له : الترمذي ، وأبو داود ، وابن ماجه (٥) .
وحكيم بن حكيم : ابن عباد بن حنيف بن واهب بن العُكَيم الأنصاري
الأوسي المديني . سمع : أبا أمامة بن سهل ، ونافع بن جبير بن مطعم .
روى عنه : عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة ، وسهيل بن
(١) في سنن أبي داود بعد كلمة ((ربيعة)): قال أبو داود: هو عبد الرحمن بن
الحارث بن عياش بن أبي ربيعة )) .
(٢) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في مواقيت الصلاة (١٤٩).
(٣) مكررة في الأصل .
(٤) هو الطاعون الجارف الذي كان في تلك السنة ، وهو سنة ثمانين .
(٥) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٣٧٨٧/١٧).
- ٢٣٧ -

أبي صالح . قال ابن سعد : كان قليل الحديث ولا يحتجون بحديثه . وقد
روى عنه الكوفيون . روى له : أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (١) .
ونافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف أبو محمد ، أو
أبو عبد الله القرشي النوفلي ، كان ينزل دار أبيه بالمدينة ، وبها مات سنة
تسع وتسعين . سمع : العباس بن عبد المطلب ، وابنه : عبد الله ،
وعليا، والزبير بن العوام ، وأبا هريرة ، وغيرهم . روى عنه : عروة بن
الزبير ، وعمرو بن دينار ، والزهري ، وحكيم بن حكيم ، وغيرهم .
قال أبو زرعة وأحمد بن عبد الله : ثقة . روى له الجماعة (٢).
قوله: ((أمني جبريل)) جبريل ملك ينزل بالوحي على الأنبياء ، وأكثر
نزوله كان علَى نبيّنا محمد - عليه السلام -، ومعنى ((جبْر)): عَبْد،
و((إِيل)): الله ، ومعناه : عبد الله ؛ وفيه تسع لغات حكاهن ابن
الأنباري: جبريل بفتح الجيم وكسرها - وجَبَرِئِل - بفتح الجيم وهمزة
مكسورة وتشديد اللام - وجبرائيل - بألف وهمزة بعدها ياء - وجبراييل
-بيائين بعد الألف - وجبرئيل - بهمزة بعد الراء وياء بعد الهمزة
-وجبرئل- بكسر الهمزة وتخفيف اللام ، وفتح الجيم والراء ، وجبرين
بفتح الجيم وكسرها ، وبدل اللام نون .
[١٣٢/١ - ب] / قوله: ((عند البيت)) أي: بحضرة الكعبة ، وأطلق البيت على الكعبة
بغلبة الاستعمال ، كما أطلق النجم على الثريّا ، والصعق على خويلد بن
نُفِيل بن عمرو بن كلاب .
قوله: ((حين زالت الشمس)) وزوالها: انحطاطها عن كبد السماء يسيرًا.
قوله: ((وكانت قدر الشراك)) الشراك : أحد سيور النعل التي تكون
على وجوهها ؛ (((٣) وقدره هاهنا ليس على معنى التحديد ؛ ولكن زوال
الشمس لا يبينُ إلا بأقل ما يُرى من الظل وكان ح (٤) بمكة هذا القدرُ ،
(١) المصدر السابق (١٤٥٥/٧).
(٢) المصدر السابق (٦٣٥٩/٢٩).
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (٤٦٧/٢ - ٤٦٨).
(٤) كذا، وهي بمعنى (( حينئذ)).
- ٢٣٨ -

والظلُّ يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة ؛ وإنما يتبين ذلك في مثل مكة من
البلاد التي يقل فيها الظلُّ ، فإذا كان أطول النهار ، واستوت الشمس فوق
الكعبة لم يُرَ لشيء من جوانبها ظل ، فكل بلد يكون أقربَ إلى خط
الاستواء ، ومعدّل النهار يكون الظل فيه أقْصر ، وكلما بَعد عنهما إلى
جهة الشمال يكون الظل فيه أطول )) .
قوله: (( حين كان ظله مثْله)) وفي بعض الرواية: (( حين صار كل ظل
مثله )) .
قوله: (( حين غاب الشفق)) وهو البياض المعترض في الأفق عند
أبي حنيفة ، لأنه من أثر النهار . وبه قال زفر ، وداود ، والمزني ،
واختاره المبرّد والفراء ، وهو قول أبي بكر الصديق ، وعائشة ،
وأبي هريرة ، ومعاذ ، وأبيِّ ، وابن زبير ، وعمر بن عبد العزيز ،
والأوزاعي . وقال أبو يوسف ، ومحمد : هو الحمرة . وهو قول مالك،
والشافعي ، وأحمد ، والثوري ، وابن أبي ليلى ، وإسحاق بن راهويه .
وروي ذلك عن ابن عمر ، وابن عباس ، وشداد بن أوس ، وعبادة بن
الصامت ، وحُكِي عن مكحول وطاوس ، وحكي عن أحمد : إنه البياض
في البنيان ، والحمرة في الصحارى . وقال بعضهم : الشفق : اسم
للحمرة والبياض معا ؛ إلا أنه إنما يطلق في أحمر ليْس بقان ، وأبيض ليس
بناصعِ .
قوله: (( حين حرم الطعام والشراب على الصائم)) وهو أوّل طلوع الفجر
الثاني الصادق .
قوله: (( حين كان ظله مثلَيْه)) وهذا آخر وقت الظهر عند أبي حنيفة ؛
لأنه عنده إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى في الزوال يخرج وقت الظهر،
ويدخل وقت العصر . وقال أبو يوسف ، ومحمد : إذا صار ظل كل
شيء مثله يخرج وقت الظهر ، ويدخل وقت العصر ؛ وهو رواية الحسن
ابن زياد عنه . وبه قال الشافعي ، ومالك ، وأحمد ، والثوري ،
وإسحاق ؛ ولكن قال الشافعي : آخر وقت العصر إذا صار ظل كل شيء
مثليه لمن ليس له عذر ، وأما أصحاب العذر والضرورات فآخر وقتها لهم:
غروب الشمس ، قبل أن يصلي منها ركعة .
- ٢٣٩ -

ثم اعلم أن طريق معرفة الزوال أن يُنصب عود مُستوٍ في أرض مُستوية ،
فما دام ظل العُود في النقصان علم أن الشمس في الارتفاع لم تزل بعد ،
وإن استوى الظلّ عُلم أنها حالة الزوال ، فإذا أخذ الظل في الزيادة علم
أنها زالت ، فيخط على رأس الزيادة ، فيكون رأس الخط إلى العود في
الزوال ، فإذا صار العُود مثْليه من رأس الخط ، لا من العُود خرج وقت
الظهر عند أبي حنيفة ، وعندهما : إذا صار مثله من ذلك الخطِّ .
قوله : (( وصلى بي المغربَ حين أفطر الصائم)) يعني : حين غابت
الشمس ، والإجماع على أن أول وقت المغرب : غروب الشمس .
واختلفوا في آخر وقتها ؛ فقال مالك ، والأوزاعي ، والشافعي : لا وقت
للمغرب إلا وقت واحد . وفي كتب الشافعية : قال الشافعي : وقت
المغرب مقدر بمقدار وقوع فعلها فيه مع شروطها ، حتى لو مضى ما يسع
فيه ذلك فقد انقضى الوقت . وقال أبو حنيفة وأصحابه : وقت المغرب :
من غروب الشمس إلى غروب الشفق . وبه قال أحمد ، والثوري ،
وإسحاق بن راهويه، والشافعي في ((القديم)) قال الثوري : هو
الصحيح، واختاره البغويّ، والخطابيّ ، والبيهقي، والغزاليّ . وعن
مالك ثلاث روايات ؛ إحداها : كقولنا ، والثانية : كقول الشافعي في
((الجديد))، والثالثة : يبقى إلى طلوع الفجر ؛ وهو قول عطاء ، وطاوس.
قوله: (( وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل)) يجوز أن يكون ((إلى )) هاهنا
بمعنى (( في)) أي : صلى في ثلث الليل ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنْكُمْ
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (١) أي : في يوم القيامة ؛ وهذا وقت استحباب ؛ أما
[١٣٣/١- أ] وقت الجواز: ما لم يطلع الفجر. وقال الشافعي /، ومالك، وأحمد:
هو وقت الضرورة ، والوقت المختار إلى ثلث الليل . وقولنا مروي عن
ابن عباس ، وإليه ذهب عطاء ، وطاوس ، وعكرمة .
قوله : ((وصلى بي الفجر فأسْفر)) أي: نَوّرَ. ولا خلاف في أول وقت
الفجر ، وأما آخره : فعند أبي حنيفة وأصحابه : مالم تطلع الشمس .
(١) سورة النساء : (٨٧).
- ٢٤٠ -