Indexed OCR Text

Pages 161-180

ش - عياش بن عباس : الأول بالياء آخر الحروف المشددة وبالشين
المعجمة ، والثاني بالباء الموحدة المشددة والسين المهملة ، أبو عبد الرحيم
القِتْباني ، وبكير بن عبد الله الأشج .
قوله : ((رواح الجمعة)) الرواح : الذهاب أي وقت كان ، والحديث
أخرجه النسائي .
ص - قال أبو داود : إذا اغتسلَ الرجلُ بعدَ طُلوعِ الفجرِ أجزأه من غُسلِ
الجُمُعة وإن أَجنبَ .
ش - أشار بهذا إلى أن هذا الغسل لليوم لا للصلاة ، وهو قول الحسن
ابن زياد من أصحابنا . وقال أبو يوسف : للصلاة . وفائدته تظهر فيما
قال أبو داود ، فعندهما إذا اغتسل بعد طلوع الفجر ينال أجر الغسل ؛ لأنه
وجد في يوم الجمعة ، وعند أبي يوسف لا ينال ؛ لأنه لم يصل به
الجمعة، وكذا الخلاف إذا اغتسل بعد صلاة الجمعة .
قوله: (( وإن أجنب)) يعني : وإن كان جنباً واغتسل لأجل الجنابة بعد
طلوع الفجر ، أجزأه من غُسل الجمعة .
٣٢٧ - ص - حدّثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن مَوهَب الرملي
وعبد العزيز بن يحيى الحراني قالا : ثنا محمد بن سلمة . ونا موسى بن
إسماعيل قال : نا حماد - وهذا حديث محمد بن سلمة - عن محمد بن
إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن .
قال : أبو داود : وقال يزيد وعبد العزيز في حديثهما عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن ، وأبي أمامة بن سهل ، عن أبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة
قالا: قال رسول الله وَله : «مَنِ اغْتسَلَ يومَ الجُمُعَةِ، وَبِسَ مِن أحسنِ ثِيَابِه ،
ومَسَّ من طيب إن كان عنده ،َ ثم أتى الجُمُعَةَ فلمَ يَتَخَطَّ أَعَنَاقَ الناسَِ ، ثَم
صلَّى ما كَتَّبَ اللهُ له ، ثم أَنصتَ إذا خَرجَ إِمامُهُ حتى يَفْرُغَ من صَلَاته ،
٠٠
كانتْ كَفَّارةً لما بينها وبَيْن جُمُعَتَه التي قَبْلَها)) (١) .
(١) مسلم : كتاب الجمعة، باب: فضل من استمع وأنصت في الخطبة (٨٥٧/٢٦)
مختصراً .
i
١١ • شرح سنن أبي داوود ٢
- ١٦١ -

ش - حماد بن سلمة ، ومحمد بن إسحاق بن يسار ، ومحمد بن
إبراهيم بن الحارث القرشي التيمي المدني ، وأبو سلمة عبد الله بن
عبد الرحمن .
وأبو أمامة : أسْعد بن سهل بن حنيف الأنصاري المدني ، ولد في حياة
النبي - عليه [السلام] (١)، وهو سماه، حدّث عنه مُرسلاً، وسلّمع
عمر ] بن الخطاب ، وعثمان ، وأبا هريرة ، [ وزيد ] بن ثابت ،
وأبا سعيد . روى عنه : ابناه محمد وسهل ، والزهري ، ويحيى
الأ[نصاري ] ، وغيرهم . مات سنة مائة . روى له : النسائي ، وابن
ماجه عن النبي - عليه السلام - ، وبقية الجماعة عن الصحابة (٢).
قوله : (( ثم أنصت )) أي : سكت .
قوله: ((إذا خرج إمامه)) أي : إذا خرج للخطبة .
قوله: ((كانت)) أي: الخصال المعدودة ((كفارةً))، الكفارة فعّالة
للمبالغة ، كقّالة ، وضرّابة ، وهي من الصفات الغالبة في باب الاسميّة،
وهي عبارة عن الفَعلة والخَصْلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة ، أي :
تسترها وتمحوها ، وأصله من الكفر - بفتح الكاف - وهو التغطية ، وقد
كَفَرَتُ الشيءَ أكفره - بالكسْر - كَفْراً أي : سترته . وأما الكُفْر -بالضم-
فهو ضد الإيمان ، وفعله من كفر يكفُر ، من باب نصر ينصر .
ويستفاد من الحديث فوائد ، الأولى : استحباب الغسل يوم الجمعة .
الثانية : استحباب لبس أحسن الثياب .
الثالثة : استحباب مس الطيب إن وجده، وهو يتناول سائر أنواع الطيب
حتى المسك ، وغيره .
الرابعة : ترك تخطي أعناق الناس، وفيه الإشارة إلى استحباب التبكير.
(١) غير واضح في الإلحاق وكذا ما بعده ، وأثبتناه من مصادر الترجمة .
(٢) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٥/٤)، وأسد الغابة (١٨/٦)،
والإصابة (٩/٤)، وتهذيب الكمال (٤٠٣/٢).
- ١٦٢ -

الخامسة : استحباب التنفل قبل خروج الإمام .
السادسة: أن النوافل المطلقة لا حد لها، لقوله: (( ما كتب الله له)).
السابعة : استحباب الإنصات من حين خرج الإمام إلى أن يفرغ من
صلاته .
واعلم أن قرانه بين غسل الجمعة وبين لُبْسه أحسن ثيابه ، ومسه الطيب،
يدل على أن الغسل مستحب كاللباس والطيب .
وأخرجه مسلم مختصراً من حديث أبي صالح ، عن أبي هريرة ،
وأدرج فيه زيادة (( ثلاثة أيام )) في الحديث .
ص - قال: ويقول أبو هريرة: ((وزيادةُ ثلاثة أيام))، ويقول: ((إن الحسنةَ
بعَشرِ أمثالِهَا » .
ش - أي: قال يزيد بن خالد: يقول أبو هريرة في روايته: (( كانت
كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها، وزيادة ثلاثة أيام))، ويقول: ((إن
الحسنة بعشر أمثالها))، لقوله تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ
أَمْثَالِهَا﴾ (١) /. فإن قلت: ما بين الجمعتين ستة أيام، فإذا ضَمَّيتَ عليه [١١٩/١-٢]
ثلاثة تكون تسعة أيام فما صحت العشرة ، فإن حَسِبْت الجمعتين معها
تكون أحد عشر يوماً فلا يستقيم قوله: ((إن الحسنة بعَشْر أمثالها)) قلت(٢)
((المراد ما بين الساعة التي يُصلي فيها الجمعة إلى مثلها من الجمعة الأُخْرى
على سبيل التكسير لليوم ، فيستقيم الأمر في تكميل العشرة ، وقد اختلف
الفقهاء فيمن أقر لرجل بما بَيْن درهم إلى عشرة دراهم ، فقال أبو حنيفة :
يلزمه تسعة دراهم . وقال أبو يوسف ومحمد : يلزمه عشرة . ويدخل فيه
الطرفان والواسطة . وقال أبو ثور وزفر : لا يلزمه أكثر من ثمانية ويسقط
الطرفان ، وهو قول الشافعي أيضاً )) .
ص - قال أبو داود : حديث محمد بن سلمة أتم، ولم يذكر حماد كلام
أبي هريرة .
(١) سورة الأنعام (١٦٠).
(٢) انظر: معالم السنن (٩٢/١).
- ١٦٣ -

ش - إنما صار حديث محمد بن سلمة أتم ؛ لأنه ذكر في روايته :
((زيادة ثلاثة أيام)) عن أبي هريرة ، ولم يذكرها حماد بن سلمة .
٣٢٨ - ص - ثنا محمد بن سلمة المرادي قال : أنا ابن وهب ، عن عمرو
ابن الحارث : أن سعيد بن أبي هلال ، وبُكَيْر بن الأشج حدّثاه عن أبي بكر
ابن المنكدر ، عن عمرو بن سليم الزرقي ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد
الخدري، عن أبيه، أن رسول الله - عليه السلام - قال: ((الغُسلُ يومَ الجُمُعَة
على كُلِّ مُحتَلِم ، والسِّوَكُ، وَيَمسُّ من الطِّيبِ مَا قُدِّرَ لَهُ)) إلا أن بُكيراً لَمَ
يذكر عبد الرحمن ، وقال في الطِّيب: ((ولو منَ طِيبِ المرأةِ)) (١).
ش - ابن وهب هو : عبد الله بن وهب .
وسعيد بن أبي هلال الليثي ، أبو العلاء المصري ، ويُقال : المدني .
روى عن : محمد بن المنكدر ، وزيد بن أسلم ، ونبيه بن وهب ،
وغيرهم . روى عنه : الليث بن سعد ، وهشام بن سعد ، وخالد بن
يزيد ، وعمرو بن الحارث . قال أبو حاتم : لا بأس به . توفي سنة
ثلاثين ومائة . روى له الجماعة (٢) .
وأبو بكر هذا هو أخو محمد بن المنكدر ، ولم يُعْرف اسمه ، وكنيته
اسمه ، ومن لم يُميّز بينهما ربما يعتقد أن المراد من أبي بكر في هذا
الحديث هو : محمد بن المنكدر .
وعمرو بن سليم بن عمرو بن خلدة بن مخلَّد - بالتشديد - ابن عامر
ابن زريق الزرقي الأنصاري المدني . روى عن : عمر بن الخطاب ،
(١) البخاري : كتاب الأذان ، باب : وضوء الصبيان ومتى يجب عليهم الغسل
والطهور وحضورهم الجماعة والعيدين والجنائز وصفوفهم (٨٥٧) ، وانظر
(٨٩٥) ، (٢٦٦٥)، مسلم : كتاب الجمعة ، باب : وجوب غسل الجمعة على
كل بالغ من الرجال وبيان ما أمروا به (٨٤٦/٥)، النسائي : كتاب الجمعة ،
باب : إيجاب الغسل يوم الجمعة (٩٥/٣)، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة
والسُّنَّة فيها ، باب : ما جاء في الغسل يوم الجمعة (١٠٨٩).
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١١/ ٢٣٧٢).
- ١٦٤ -

وسمع أبا قتادة ، وأبا سعيد الخدري ، وابنه عبد الرحمن بن أبي سعيد ،
وأبا حُمَيْد الساعديّ . روى عنه : سعيد المقبري ، وأبو بكر بن المنكدر ،
وبكير بن عبد الله الأشج ، وغيرهم . قال ابن سعد : كان ثقة قليل
الحديث . روى له الجماعة (١) .
وعبد الرحمن بن سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي
أبو حفص ، أو أبو محمد ، أو أبو جعفر المدني، وهو ابن أبي سعيد
الخدري. روى عن : أبيه ، وأبي حميد الساعدي . روى عنه : عطاء بن
يسار ، وزيد بن أسلم ، وعمرو بن سُليم الزُّرقي ، وغيرهم . مات سنة
ثنتي عشرة ومائة . روى له الجماعة إلا البخاري (٢).
قوله: ((الغُسل)) مبتدأ، و(( يوم الجمعة)) نصب على الظرف .
قوله: ((على كل محتلم)) متعلق بمحذوف ، وهو مع متعلقه خبر المبتدإ.
فإن قيل: ما متعلقه المحذوف؟ قلت: لفظة ((على)) يدل على أن المتعلق
((واجب)) أي : الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم . وذلك لأن
((على)) للإيجاب .
فإن قيل : فعلى هذا ينبغي أن يكون غسل يوم الجمعة واجباً ؟ قلت :
قد مر الكلام فيه مستوفى، ويجوز أن تكون ((على)) هاهنا بمعنى ((منْ))
نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ (٣) ، ويكون
المعنى: الغسل يوم الجمعة من كل محتلم مستحب أو فضيلة .
قوله: ((والسواكُ)) قال الشيخ محيي الدين في ((شرح مسلم)) (٤):
أي : ويُسَن له السواك . قلت : الأولى أن يكون هذا عطفاً على الغسل ،
ويكون التقدير : والسواك أيضاً على كل محتلم . ويكون الكلام فيه مثل
الكلام في الغسل .
قوله : (( ويَمسّ من الطيب )) يجوز فيه الرفع ، ويكون هذا كلاماً بذاته
(١) المصدر السابق (٤٣٧٩/٢٢) .
(٢) المصدر السابق (٣٨٢٩/١٧) .
(٣) سورة المطففين: (٢) .
: (٤) (٦ / ١٣٥) .
- ١٦٥ -

منقطعاً عما قبله ، ويجوز النصب بتقدير (( أن)) ، ويكون حينئذ في قوة
المصدر ، والتقدير : ومَسُّه من الطيب ، ويكون عطفاً على قوله :
((والسواك)).
قوله: (( ما قدر له)) في محل النصب على أنه مفعول ((يَمسُّ)). قال
[١١٩/١ -ب] القاضي : هذا الكلامُ محتمل لتكثيره ، ومحتمل لتأكيده حتى يفعله / بما
أمكنه ، ويؤيده قوله: (( ولو من طيب المرأة )) وهو المكروه للرجال ، وهو
ما ظهر لونه وخفي ريحه ، فأباحه للرجل هنا للضرورة لعدم غيره . وهذا
يدل على تأكده .
قوله: (( إلا أن بكيراً لم يذكر عبد الرحمن )) أي : إلا أن بكير بن
عبد الله الأشج لم يذكر في روايته عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ،
ولكن قال في الطيب: (( ولو من طيب المرأة )) أي : ولو كان الطيب من
طيب المرأة .
والحديث أخرجه مسلم ، والنسائي ، وأخرجه البخاري من حديث
عَمرو بن سليم الزرقي ، عن أبي سعيد الخدري بنحوه .
٣٢٩ - ص - حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي (١) قال: ثنا ابن المبارك،
عن الأوزاعي قال : نا حسان بن عطية قال : حدثني أبو الأشعث الصّنْعاني
قال: حدّثني أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله وَ لي يقول: «مَن
غَسَّلَ يومَ الجُمُعةِ واغتسلَ ، ثم بكّر وابتكَرَ ، ومَشَى ولم يركّبْ ، ودَنَا من
الإِمامِ فاستمعَ ، ولم يَلْغُ ، كان له بكل خُطوة عملُ سنة أَجرُ صيامها
وقيامها))(٢).
(١) في سنن أبي داود: (( ... الجرجرائي، حدَّثنا حبي)) وهو خطأ، وإنما محمد
الجرجرائي معروف بـ (( حبي))، وهو مترجم في تهذيب الكمال (٥١٢٨/٢٥).
(٢) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في فضل غسل يوم الجمعة (٤٩٦)،
النسائي : كتاب الجمعة ، باب : فضل غسل يوم الجمعة (٩٥/٣) ، وباب :
الفضل من الدنو من الإمام (١٠٢/٣)، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة
والسُّنَّة فيها ، باب : ما جاء في الغسل يوم الجمعة (١٠٨٧).
- ١٦٦ -

ش - ابن المبارك : هو عبد الله بن المبارك .
وأبو الأشعث شَرَاحيل بن شُرحبيل بن آدة الصنعاني ، صنعاء دمشق ،
وكانت قرية بالقرب من دمشق ، وهي الآن أرض فيها بساتين تقرب من
الربوة، وقيل: إنه من صنعاء اليمن، و((آدة)) ممدودة . سمع : عبادة
ابن الصامت ، وابن عَمْرو ، وأبا هريرة ، وثوبان ، وأوس بن أوس
الثقفي ، وغيرهم . روى عنه : مسلم بن يسار ، وحسان بن عطية ،
والوليد بن سليمان ، وجماعة آخرون . قال أحمد بن عبد الله العجلي :
تابعي ثقة . روى له الجماعة إلا البخاري (١) .
قوله : (( من غسّل يوم الجمعة واغتسل )) رُوي مخففاً ومشدداً، ومن
خفف قال : معناه وطئ امرأة قبل الخروج إلى الصلاة ؛ لأنه يجمع غض
البصر ، يقال : غسل الرجل امرأته ، وغسلها - مخففاً ومشدداً - إذا
جامعها ، وفحل غُسَله : إذا كان كثير الضِّراب ، ومن شدد قال : معناه :
غسّل غيره ؛ واغتسل هو ؛ لأنه إذا جامع امرأته أحوجها إلى الغُسْل .
وقيل: أراد بـ ((غسّل)) غَسْل أعضائه للوضوء، ثم اغتسل بعد ذلك
للجمعة. وقيل: معنى (( غسّل)) غسل الرأس خاصة ؛ لأن العرب لهم
لم وشعور، وفي غسلها مؤنة، فأُفرد ذكر الرأس لذلك. و((اغتسل))
غسل سائر جسده . وقيل : معناهما واحد ، وكررهما للتأكيد ، كما قال:
((مشى ولم يركب)).
قوله: ((ثم بكر وابتكر)) قيل: معنى (( بكرّ)) يعني إلى الصلاة فأتاها
في أول وقتها، وكل مَنْ أسْرع إلى شيء فقد بكر إليه، ((وابتكر»:
أدرك أول الخطبة ، وأولها باكورتها ، كما يقال : ابتكر الرجل ، إذا أكل
باكورة الفاكهة . وابتكار الجارية: أَخذُ عذرتها . وقيل : (( بكّر)) تصدق
قبل خروجه ، وتأوّل في ذلك قوله في الحديث : (( باكروا بالصدقة ، فإن
البلاء لا يتخطاها)). وقيل: معنى اللفظتين واحد من (( فعل، وافتعل))
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٧١٢/١٢).
- ١٦٧ -

وإنما كرر للزيادة في المبالغة والتأكيد ، ولأن العرب إذا بالغت في الشيء
اشتقت من اللفظة الأولى لفظةً على غير بنائها ، ثم اتّبعوها إعرابها ،
فيقولون : جَادٌ مجد ، وليل لائل .
قوله: ((ولم يركب)) تأكيد لقوله: ((ومشى))، ويحتمل أن لا يكون
تأكيداً ويكون المعنى : ولم يركب بالكلية في الذهاب والإياب ؛ لأنه إذا
مشى في الذهاب فقط ، أو في الإياب فقط ، أو مشى شيئاً يسيراً في
الذهاب ، أو الإياب ، يصدق عليه أنه مشى ، ولم يصدق عليه أنه لم
يركب ، فح (١) لا يكون قوله: (( ولم يركب )) تأكيداً ، فافهم .
قوله: (( فاستمع)) أي : إلى الخطبة .
قوله: ((ولم يلغ)) من اللَّغْو، يقال : لغى الإنسان يلغو، ولغَى يلْغَى،
ولغي يَلْغَى ، إذا تكلم بالمطرّح من القول وما لا يُعنى، وألغى إذا أسقط،
فالأول من باب : نصر ينصر ، والثاني من باب : فتح يفتح ، والثالث من
باب : علم يعلم .
قوله: (( بكل خطوة)) الخُطوة - بالضم - بُعْدُ ما بين القدمَيْن في المشي
- وبالفتح - للمرة ، وجمع الخطوة في الكثرة خُطى ، وفي القلة
خُطوات - بسكون الطاء وضمها وفتحها - .
قوله : ((عملُ سُنَّة)) بالرفع على أنه اسم (( كان)).
قوله: ((أجر صيامها )) بالرفع أيضاً على أنه بدل من العمل / .
والحديث أخرجه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه . وقال الترمذي :
حدیث أوْس بن أوس حديث حسن .
[١/ ٠ ١٢-أ]
٣٣٠ - ص - حدّثنا قتيبة بن سعيد قال : نا الليث ، عن خالد بن یزید ،
عن سعيد بن أبي هلال ، عن عبادة بن نُسِيٌّ، عن أوس الثقفي ، عن رسول
الله - عليه السلام - أنه قال: (( من غسَّلَ رأسَه يومَ الجُمُعةِ واغتسلَ)) ثم
ساق نحوه (٢).
(١) أي: ((فحينئذ)).
(٢) انظر الحديث السابق .
- ١٦٨ -

ش - خالد بن يزيد المصري أبو عبد الرحيم الإسكندراني ، مولى
أبي الصنيع ، وقيل : ابن أبي الصنيع الجمحي مولى عمير بن وهب ،
وكان فقيهاً مفتياً . روى عن : عطاء بن أبي رباح ، وأبي الزبير ، وسعيد
ابن أبي هلال ، والزهري . روى عنه : الليث بن سعد ، وحيوة بن
شريح ، والمفضل بن فضالة ، وابن لهيعة . قال أبو زرعة : مصري ثقة .
وقال أبو حاتم : لا بأس به . توفي سنة تسع وثلاثين ومائة . روى له
الجماعة (١) .
قوله : (( ثم غسل رأسه )) بالتشديد ، وقد قلنا : إنه - عليه السلام -
حرضهم بذلك لكونهم أصحاب لمم وشعور .
قوله: (( ثم ساق)) أي : ثم ساق قتيبةُ الحديث نحو ما ذكر .
٣٣١ - ص - حدّثنا ابن أبي عقيل، ومحمد بن سلمة المصريان (٢) قالا:
ثنا ابن وهب ، قال ابن أبي عقيل : قال (٣) : أخبرني أسامة - يعني : ابن
زيد- عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص ،
عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (( مَنِ اغْتسلَ يَومَ الجُمُعَةِ ، ومَسَّ من
طيب امرأته إن كان لها ، ولَبِسَ من صَالِحِ ثيابِهِ ، ثم لم يَتَخَطَّ رِقَابَ الناسِ ،
ولم يَلْغُ عندَ المَوْعظة ، كانت كفارةً لما بَيْنهما، ومن لَغَى وَتَخَطَّى رِقابَ
الناسِ كانت له ظُهراً» (٤).
ش - اسم ابن أبي عقيل : عبد الغني ، وقد مر بيانه .
قوله: ((عند الموعظة)) أي : الخطبة ؛ لأن فيها الموعظة وغيرها .
قوله: (( لما بينهما)) أي : لما بين الجمعتين .
قوله: (( كانت له ظهراً)) أي : كانت جمعته له ظهراً ، بمعنى : أن
الفضيلة التي كانت تحصل له من الجمعة لم تحصل له ، لفوات شروط هذه
الفضيلة . وهذا الحديث فيه عمرو بن شعيب ، وقد تقدم الخلاف فيه .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٦٦٦/٨).
(٢) في الأصل: ((البصريان)) خطأ
(٤) تفرد به أبو داود .
(٣) كذا ، والجادة حذفها .
- ١٦٩ -

٣٣٢ - ص - حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : نا محمد بن بشر قال : ثنا
زكرياء قال: ثنا مصعب بن شيبة(١)، عن طلق بن حبيب العنزي، عن عبد الله
ابن الزبير، عن عائشةَ أنها حدثته: (( أن النبيَّ - عليه السلام - كان يَغتسلُ
من أربع: من الجنابةِ، ويومَ الجُمُعةِ، ومن الحِجَامةِ، ومن غَسلِ الميت))(٢).
ش - محمد بن بشر العبدي ، وزكرياء بن أبي زائدة .
قوله: (( من أربع)) أي: من أربع خصال. وقال الخطابي (٣): ((قد
يجمع النظم قرائن الألفاظ والأسماء المختلفة الأحكام ، والمعاني تُرتبها
وتنزلها منازلها ، فأما الاغتسال من الجنابة فواجب بالاتفاق ، وأما
الاغتسال للجمعة فقد قام الدليل على أنه كان يفعله ويأمر به استحباباً ،
ومعقول أن الاغتسال من الحجامة إنما هو لإماطة الأذى ، ولما لا يؤمن أن
يكون قد أصاب المحتجم رشاش من الدم ، فالاغتسال منه استظهار
بالطهارة ، واستحباب للنظافة ، وأما الاغتسال من غسل الميت فقد اتفق
أكثر العلماء على أنه على غير الوجوب ، وقد رُوي عن أبي هريرة عن
النبي - عليه السلام - قال: (( مَنْ غسل ميتاً فليغتسل )) (٤) ، ورُوي عن
ابن المسيب ، والزهري معنى ذلك ، وقال النخعي ، وأحمد ، وإسحاق:
يتوضأ غاسلُ الميت . ورُوي عن ابن عمر ، وابن عباس أنهما قالا : ليس
على غاسل الميت غسل . وقال أحمد : لا يثبت في الاغتسال من غسل
الميت حديث )) .
وأبو داود أخرج هذا الحديث في الجنائز وقال : هذا منسوخ . وقال
أيضاً : وحديث مصعب فيه خصال ليس العمل عليه . ورُوي عنه أيضاً :
حديث مصعب بن شيبة ضعيف . وقال البخاري : حديث عائشة من هذا
(١) في سنن أبي داود: ((مصعب بن أبي شيبة)) خطأ، وهو مترجم في تهذيب
الكمال (٥٩٨٥/٢٨) .
(٢) تفرد به أبو داود ، وسيأتي في كتاب الجنائز ، باب : في الغسل من غسل
الميت .
(٣) معالم السنن (٩٤/١) .
(٤) يأتي في كتاب الجنائز ، باب : في الغسل من غسل الميت .
- ١٧٠ -

الباب ليس بذاك . وقال ابن المديني : لا يصح في هذا الباب شيء ،
وكذا قال أحمد . وقال محمد بن يحيى : لا أعلم فيمن غسل ميتاً
فليغتسل حديثاً ثابتاً ، ولو ثبت لزمنا استعماله .
٣٣٣ - ص - حدّثنا محمود بن خالد الدمشقي قال : ثنا مروان قال : ثنا
علي بن حوشب قال : سألت مكحولاً عن هذا القول: (( غسَّلَ واغتسلَ))،
فقال : غسّلَ رأسَه وجسَدَه)) (١) .
[١/ ١٢٠-ب]
ش - مروان بن معاوية / الكوفي .
وعلي بن حوشب الدمشقي أبو سليمان الفزاري ، ويُقال : السَّلمى .
سمع : مكحولاً ، وأبا سلام الأسود ، وأباه حوشباً . روى عنه : مروان
ابن معاوية ، والوليد بن مسلم ، وأبو توبة ، وغيرهم . قال أبو زرعة عن
عبد الرحيم بن إبراهيم : إنه ثقة . روى له أبو داود (٢) .
ومكحول بن زيد الدمشقي .
قوله: ((غسل)) بالتشديد، جعل مكحول ((غسَّل)) راجعاً إلى غسل
الرأس والبدن جميعاً كما ذكرناه .
٠٠
٣٣٤ - ص - حدَّثنا محمد بن الوليد الدمشقي قال : ثنا أبو مسهر قال :
قال سعيد بن عبد العزيز في قوله : ((غسَّلَ واغتسلَ)) قال: ((غَسَّلَ رأسَه
وغَسلَ سائرَ جسَدِهِ)) (٣) .
ش - محمد بن الوليد بن هبيرة : أبو هبيرة القلانسي الهاشمي
الدمشقي . روى عن : أبي مسهر الدمشقي ، ويوسف بن السّفْر . روى
عنه : أبو داود تفسير حديث ، وهو هذا الحديث ، وعبد الله بن محمد بن
مسلم المقدسي (٤) .
وأبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى بن مسهر الغَسَّاني
(١) النسائي: كتاب الجمعة، باب: فضل غسل يوم الجمعة (٩٥/٣).
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٠/ ٤٠٦٢).
(٣) تفرد به أبو داود .
(٤) المصدر السابق (٢٦ / ٥٦٧٧).
- ١٧١ -

الدمشقي . سمع : مالك بن أنس ، وسعيد بن عبد العزيز ، ويحيى بن
حمزة ، وجماعة آخرين . روى عنه : ابن معين ، وأبو نعيم ،
وأبو حاتم ، والبخاري ، وجماعة آخرون كثيرة . توفي ببغداد يوم
الأربعاء ليومين مضيا من رجب ، سنة ثمان عشرة ومائتين ، وهو ابن
سبعين سنة ، ودفن بباب التِّبن . روى له الجماعة إلا البخاري (١).
وسعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى التنوخي أبو محمد ، ويقال :
أبو عبد العزيز الدمشقي ، فقيه أهل الشام ومُفْتِيهم بعد الأوزاعي ، سأل
عطاء بن أبي رباح عن مسألة . وسمع : الزهري ، وعبد العزيز بن
صهيب ، وزيد بن أسلم ، ومكحولاً ، وعطاء الخراساني ، وغيرهم .
روى عنه : الثوري ، والوليد بن مسلم ، ومروان بن محمد الطاطري ،
وأبو مسهر ، ومحمد بن إسحاق الرافعي ، وغيرهم . قال ابن معين
وأبو حاتم : ثقة . مات سنة سبع وستين ومائة ، وهو ابن بضع وسبعين
سنة . روى له : مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٢).
قوله: ((قال: غسّل رأسه)) أي: قال سعيد بن عبد العزيز : معنى قوله
- عليه السلام - : (( غسل واغتسل)) غسل رأسه ، وغسل سائر جسده .
٣٣٥ - ص - حدّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن سُميّ، عن
أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - عليه السلام - قال: « مَنِ
اغْتْسلَ يومَ الجُمُعَةِ غُسلَ الجنابَةِ ، ثم رَاحَ ، فكأنما قَرَّبَ بَدَنةً، ومَن رَاحَ فِي
الساعة الثانية ، فكأنما قَرَّبَ بَقَرَةً ، ومن رَاحَ في الساعة الثالثة فكأنما قَرَّبَ
كبشاً أَقَرنَ، وَمِن رَاحَ في الساعة الرابعة ، فكأنما قَرَّبَ دَجَاجةً ، ومن رَاحَ في
الساعة الخامسة فكأنما قَرَّبَ بَيَّضَةً، فإذا خَرجَ الإمامُ حَضَرَتِ الملائكةُ
يَسْتَمِعُوَّنَ الذِّكْرَ)) (٣).
(١) المصدر السابق (١٦/ ٣٦٩١).
(٢) المصدر السابق (١٠/ ٢٣٢٠).
(٣) البخاري: كتاب الجمعة، باب: فضل الجمعة (٨٨١)، مسلم : كتاب
الجمعة ، باب : الطيب والسواك يوم الجمعة (٢٤ / ٨٥٠) ، الترمذي : كتاب
الجمعة ، باب : ما جاء في التبكير إلى الجمعة (٤٩٩) ، النسائي : كتاب =
- ١٧٢ -

ش - مالك بن أنس ، وسُمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ،
وأبو صالح ذكوان السمان .
قوله: (( غُسل الجنابة)) منصوب بنزع الخافض ، أي : غسلا كغسل
الجنابة في الصفات ، هذا هو المشهور . وقيل : المراد غسل الجنابة حقيقةً،
فلذا قالوا : يستحب له مواقعة زوجته ليكون أغض لبصره ، وأسكن
لنفسه. وهذا ضعيف ، والصواب ما قدمناه .
قوله: (( ثم راح)) المراد بالرواح الذهاب أول النهار . وقال مالك :
المراد بالساعات هنا لحظات لطيفة بعد زوال الشمس ، وبه قال القاضي
حسين ، وإمام الحرمين . والرواح عندهم بعد الزوال ، وادَّعوا أن هذا
معناه في اللغة . وقال جماهير العلماء باستحباب التبكير إليها أول النهار ،
وبه قال الشافعي ، وابن حبيب المالكي ، والساعات عندهم من أول
النهار، والرواح يكون أول النهار وآخره . وقال الأزهري : لغة العرب أن
الرواح الذهاب ، سواء كان أول النهار وآخره أو في الليل . وهذا هو
الصواب الذي يقتضيه الحديث والمعنى ؛ لأن النبي - عليه السلام - أخبر
أن الملائكة تكتب من جاء في الساعة الأولى ، وهو كالْمُهْدِي بدنة ، ثم
من جاء في الساعة الثانية ، ثم في الثالثة ، ثم الرابعة ، ثم الخامسة ،
وفي رواية النسائي: ((السادسة))، فإذا خرج الإمام طووا الصحف ولم
يكتبوا بعد ذلك / واحداً ، ومعلوم أن النبي - عليه السلام - كان يخرج [١٢١/١-أ]
إلى الجمعة متصلاً بالزوال ؛ وهو بعد انقضاء الساعة السادسة ؛ فدلّ على
أنه لا شيء من الهدي ، والفضيلة لمن جاء بعد الزوال ، ولأن ذكر
الساعات إنما كان للحث على التبكير إليها ، والترغيب في فضيلة السبق ،
وتحصيل الصف الأول وانتظارها ، والاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه ،
وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال ، ولا فضيلة لمن أتى بعد الزوال؛
لأن النداء يكون حينئذ ، ويحرم التخلف بعد النداء .
= الجمعة ، باب: ما جاء في التبكير إلى الجمعة (٩٧/٣)، ابن ماجه: كتاب
إقامة الصلاة والسّنّة فيها ، باب : ما جاء في التهجير إلى الجمعة (١٠٩٢).
- ١٧٣ -

قوله: ((فكأنما قرّب )) أي: تصدّق .
قوله: ((بدنةً)) البدنة تطلق على الإبل والبقر ، وخصّصها مالك بالإبل،
وتقع على الذكر والأنثى، و((الهاء)) فيها للوحدة كقمحة وشعيرة
ونحوهما من أفراد الجنس ؛ سميت بذلك لعظم بدنها ؛ ولكن المراد هاهنا
من البدنة الإبل بالاتفاق ؛ لتصريح الحديث بذلك .
قوله : (( كبشاً أقرن )) وصفه بأقرن ؛ لأنه أكملُ وأحسن صورة ؛ ولأن
القرن ينتفع به .
قوله: ((دجاجةً)) بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان ، وتقع على
الذكر والأنثى ، فإن قيل : كيف التقرّبُ بالدجاجة والبيضة ؟ قلنا : قد
ذكرنا أن معنى قوله: ((قرّب)) : تصدّق ؛ ويجوز التصدق بالدجاجة
والبيضة ونحوهما ؛ وفيه دليل على أن التقرّب والصدقة يقع على القليل
والكثير، وقد جاء في رواية النسائي بعد ((الكبش)): ((بطة )) ثم
(دجاجةً)) ثم ((بيضةً))، وفي رواية: بعد ((الكبش)): ((دجاجة)) ثم
((عُصْفور)) ثم (( بيضة)). وإسناد الروايتين صحيح .
قوله: ((فإذا خرج الإمام)) أي: إلى الخطبة (( حضرت الملائكة)) بفتح
الضاد وكسرها لغتان مشهورتان ، والفتح أفصح وأشهر ، وبه جاء القرآن؛
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ (١) ، ثم قالوا: إن هؤلاء
الملائكة غير الحفظة ، ووظيفتهم : كتابة حاضري الجمعة .
قوله: ((يستمعون الذكر)) أي: الخطبة ؛ لأن فيها ذكر الله تعالى،
والثناء عليه ، والموعظة والوصيّة للمسلمين . والحديث أخرجه البخاريّ
ومسلم والترمذي والنسائي . وأخرجه ابن ماجه والنسائي من حديث سعيد
ابن المسيّب ، عن أبي هريرة بنحوه .
(١) سورة النساء: (٨).
- ١٧٤ -

١١٨ - باب : الرُّخْصة في ترك الغسل (١)
أي : هذا باب في بيان الرخصة في ترك غسل الجمعة .
٣٣٦ - ص - حدَّثْنا مسدّد قال : نا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد،
عن عَمْرة ، عن عائشة قالت : كان الناسُ مُهَّانَ أنفُسهم ، فيروحُون إلى
الجُمُعَةِ بهِيئَتِهِم، فقيلَ لهم: لو اغتسلتُم (٢) !
ش - يحيى : القطان ، وعَمْرة : بنت عبد الرحمن الأنصاريّة المدنيّة .
قوله: ((مُهَّان أنفسهم)) بضم الميم وتشديد الهاء جمع ((ماهنٍ ))،
ككُتّاب جمع (( كاتب))، وقال الحافظ أبو موسى : مِهَان - بكسر الميم
والتخفيف - جمع ماهن ، كقيام وصيام جمع قائم وصائم ، وفي رواية :
مَهَنَة بفتح الميم والهاء والنون : جمع ماهن - أيضاً - ككتبَة جمع كاتب.
والماهن : الخادم ، أي : كانوا يخدمون أنفسهم ، ويعملون أعمالهم
بأنفسهم ، لم يكن لهم من يَخْدمهم ، والإنسان إذا باشر العمل الشاق
حمِي بدنُه وعرِق ، لا سيما في البلاد الحارة ، فربما يكون منه الرائحة
الكريهة ، فأمروا بالاغتسال تنظيفاً للبدن وقطعاً للرائحة .
قوله: (( لو اغتسلتم)) جوابه محذوف ؛ والتقدير : لو اغتسلتم لكان
أفضل ، أو أكمل ، أو أحبّ ؛ وهذا اللفظ يقتضي أنه ليس بواجب .
والأحاديث الواردة في الأمر محمولة على الندب ، جمعاً بين الأحاديث .
وأخرجه البخاريّ ومسلم بنحوه .
٣٣٧ - ص - ثنا أبو داود (٣) قال : ثنا عبد الله بن مَسلمة قال : ثنا
عبد العزيز - يعني : ابن محمد - ، عن عمرو - يعني ابن أبي عمرو - ، عن
(١) في سنن أبي داود: ((باب: في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة)).
(٢) البخاري: كتاب الجمعة، باب: وقت الجمعة إذا زالت الشمس (٩٠٣)،
مسلم : كتاب الجمعة ، باب : وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال،
وبيان ما أمروا به (٨٤٧) .
(٣) كذا .
- ١٧٥ -

عكرمة ، أن أُناساً من أهل العراق جاءُوا فقالوا: يا ابنَ عَباس ، أترى الغُسلَ
يومَ الجمعة واجباً ؟ قال : لَا؛ ولكنه أَطهرُ وخيرٌ لمن اغتسلَ ، وَمَن لم يَغتسلْ
فليسَ عليهَ بواجب ، وسأخبرُكُم كيف بَدأَ الغُسلُ، كان الناسُ مجهودين ،
يَلْبِسُون الصوفَ، وَيَعملُونَعَلى ظُهُورِهم، وكان مَسجدُهم ضيِّقاً ، مُقاربَ
السقف ، إنما هو عَريشٌ ، فخرجَ رسولُ اللهِ في يومٍ حَارٍّ ، وعَرِقَ الناسُ في
[١٢١/١ -ب] ذلك الصوف حتى ثَارتْ / منهم رياحٌ، أَذى بذلك بعضُهم بعضاً، فلما
وجَدَ رسولُ الله تلك الريحَ قال : أيها الناسُ ، إذا كان هذا اليومُ فاغتسِلُوا،
وليمسَّ أحدُكمَ أفضلَ ما يجدُ من دُهْنه وطيبه . قال ابنُ عباس: ثم جَاءَ اللهُ
بالخير، ولَبسُوا غيرَ الصوف، وكُفُوا العمَلَ، ووسَّعَ اللهُ مَسْجِدَهم (١)،
وذهبَ بَعْضَُ الذي كان يُؤْذِيَ بعضُهُم بَعْضاً مِن العَرَقِ (٢).
ش - عبد العزيز بن محمد : الدراوردي .
وعمرو بن أبي عمرو : المدني ، واسم أبي عمرو : ميسرة مولى المطلب
أبي عبد الله بن حنطب ؛ روى عن : عكرمة مولى ابن عباس ، وسعيد
ابن جبير ، وسعيد المقبري . روی عنه : مالك بن أنس ، ویزید بن الهاد،
وسليمان بن بلال ، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي ، وغيرهم . قال
أحمد بن حنبل : ليس به بأس ، وقال ابن معين : ضعيف، ليس بالقوي،
وليس بحجّة . وقال أبو زرعة : ثقة . وقال ابن عدي : لا بأس به ؛ لأن
مالكاً قد روى عنه ، ولا يروي مالك إلا عن صدوق ثقة . روى له
الجماعة (٣).
قوله: ((ولكنه أطهر)) أي: للبدن، و((خير لمن اغتسل)) في الثواب.
قوله : (( كيف بدأ الغسل )) يعني : كيف كان ابتداؤه .
قوله: ((مَجْهودين)) من قولهم : جُهدَ الرجل فهو مجهود إذا وجد
مشقة .
(١) في سنن أبي داود: ((ووُسِّعَ مسجدُهم)).
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) انظر ترجمته فى: تهذيب الكمال (٤٤١٨/٢٢) .
- ١٧٦ -

قوله: ((إنما هو عَريشٌ)) العَرِيش: كل ما يُستظَلّ به ؛ والمراد : أنّ
سقفه كان من الجريد والسَّعَف .
قوله : (( حتى ثارت)) أي: هاجت؛ من ثار يثور ثوراً وثوراناً إذا سَطع.
قوله: (( من دُهْنه)) يتناولُ الزيت ودهن السمسم وغيرهما من الأدهان
المطيّبة ، وكذلك الطيب يتناول سائر أنواع الطيب ، مثل المسك والعنبر
والغالية ونحوها .
قوله: (( ثم جاء الله بالخير)) إشارة إلى أن الله تعالى فتح الشام ومصر
والعراق على أيدي الصحابة ، وكثُرت أموالهم وعبيدهم ومواشيهم (١) ،
فغيروا اللُّبْس والبناء ، وغير ذلك .
٣٣٨ - ص - حدّثنا أبو الوليد الطيالسي قال: ثنا همام، عن قتادة، عن
الحسن ، عن سمرة قال : قال النبي - عليه السلام -: (( من تَوضأً فيها
ونعمتْ، ومَنِ اغتسلَ فهو أفضلُ )) (٢) .
ش - اسمُ أبي الوليد الطيالسي : هشام بن عبد الملك ، وهمام : ابن
يحيى العَوْذي ، وقتادة : ابن دعامة ، والحسن : البصري ، وسمرة :
ابن جندب بن هلال بن حريج (٣) أبو سعيد ، أو أبو عبد الله ، أو
أبو عبد الرحمن ، أو أبو محمد ، أو أبو سليمان ؛ رُويَ له عن رسول
الله مائة حديث وثلاثة وعشرون حديثاً ؛ اتفقا على حديثين ، وانفرد
البخاريّ بحديثين ومسلم بأربعة . روى عنه : أبو رجاء العطاردي ،
وعبد الله بن بُريدة ، والحسن البصري . مات بالكوفة في آخر خلافة
معاوية . روى له الجماعة (٤)
.
(١) في الأصل: ((بمشاهم)).
(٢) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في الوضوء يوم الجمعة (٤٩٧)،
النسائي : كتاب الجمعة ، باب : فضل غسل يوم الجمعة (٩٥/٣).
(٣) في الأصل: ((حديج)) خطأ.
(٤) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٢/ ٧٧) ، وأسد الغابة
(٤٥٤/٢)، والإصابة (٧٨/٢).
١٢ • شرح سنن أبي داوود ٢
- ١٧٧ -

قوله: ((فبها)) أي : فبهذه الفعلة أو الخصلة أَخَذَ ؛ قال الأصمعي :
معناه : فبالسُّنَّة أخذ .
قوله : (( ونعْمت)) أي : نعمت الخصلة .
قوله: (( ومن اغتسل فهو أفضل)) أي : الغسل أفضل ، والضمير يرجع
إلى الغسل الذي يدل عليه قوله: ((ومن اغتسل)).
واعلم أن هذا الحديث (((١) رُوِيَ من حديث سمرة ، ومن حديث
أنس، ومن حديث الخدريّ ، ومن حديث أبي هريرة ، ومن حديث
جابر، ومن حديث عبد الرحمن بن سمرة ، ومن حديث ابن عباس .
أما حديث سمرة : فأخرجه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ؛
فأبو داود في الطهارة ، والترمذي والنسائي في الصلاة ، وقال الترمذي :
حديث حسن صحيح . ورواه أحمد في ((مسنده))، والبيهقي في ((سننه)،
وابن أبي شيبة في (( مصنفه )) .
وأما حديث أنس: فرواه ابن ماجه في «سننه » (٢) من حديث
إسماعيل بن مسلم المكي ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك ، عن
النبي - عليه السلام - قال: (( من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ،
يجزئ عنه الفريضة ، ومن اغتسل فالغسل أفضل )) . وهذا سند ضعيف.
وأما حديث الخدريّ: فرواه البيهقي في « سننه » (٣)، والبزار في
((مسنده)) عن أسيد بن زيد الجمال ، عن شريك ، عن عوف ، عن
أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، فذكره .
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه البزار في ((مسنده )) عن أبي بكر
(١) انظر: نصب الراية (٨٨/٢: ٩٣).
(٢) كتاب إقامة الصلاة ، باب: ما جاء في الرخصة في ذلك (١٠٩١).
(٣) السنن الكبرى (٢٩٦/١).
- ١٧٨ -

الهذلي ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه ، ورواه
ابن عديّ في ((الكامل)) (١) ، وأعله بأبي بكر الهذلي ؛ واسمه : سُلْمى
ابن عبد الله .
وأما حديث جابر: فرواه عبد بن حُمَيد في ((مسنده)): حدَّثنا عمر
ابن سعد ، عن الثوري ، عن أبان ، عن أبي نضرة ، عن جابر مرفوعاً
نحوه، ورواه عبد الرزاق في ((مصنفه)): أخبرنا الثوري، / عن رجل
عن أبي نضرة به ، ورواه إسحاق بن راهويه في (( مُسْنده ))، وأخرجه ابن
عديّ في (( الكامل)) (٢).
[١٢٢/١- أ]
وأما حديث عبد الرحمن بن سمرة: فرواه الطبراني في ((معجمه
الوسط)) (٣) من حديث حفص بن عُمر الرازي : ثنا أبو حُرَّةً ، عن
الحسن ، عن عبد الرحمن بن سمرة مَرْفوعاً نحوه .
وأما حديث ابن عباس: فرواه البيهقي في ((سننه)) (٤) : أخبرنا
أبو عبد الله الحافظ : ثنا أبو أحمد محمد بن (٥) إسحاق الصفّار : ثنا
أحمد بن نصر : ثنا عمرو بن طلحة القناد : ثنا أَسْباط بن نصر ، عن
السديّ ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله ... ، فذكر
نحوه .
واعلم - أيضاً - أن في سماع الحسن من سمرة ثلاثة مذاهب ؛ الأول:
أنه سمع منه مطلقاً ؛ وهو قول ابن المديني ، ذكره عنه البخاريّ في أول
((تاريخه الوسط)) فقال: حدَّثنا الحُميدي ، ثنا سفيان ، عن إسرائيل قال:
سمعت الحسن يقول : ولدتُ لسنتين بقيتا من خلافة عمر ؛ قال عليّ :
سماع الحسن من سمرة صحيح . ونقله الترمذي في كتابه ؛ قال في (( باب
(١) (٤/ ٣٤٢ - ترجمة سُلُمى بن عبد الله).
(٢) (٥٢/٧، ترجمة عبيد بن إسحاق) .
(٣) (٧٧٦٥/٧) .
(٤) السنن الكبرى (٢٩٥/١).
(٥) ((محمد بن)) مكررة في الأصل.
- ١٧٩ -

الصلاة الوسطى)): قال محمد بن إسماعيل - يعني البخاريّ - : قال
عليّ - يعني : ابن المديني - : سماع الحسن من سمرة صحيح . وقال
الترمذي : سماع الحسن من سمرة عندي صحيح . واختار الحاكم هذا
القول ، وأخرج في كتابه عدّة أحاديث من رواية الحسن ، عن سمرة ،
وقال في بعضها : على شرط البخاريّ .
الثاني : أنه لم يسمع منه شيئاً ، واختاره ابن حبان في (( صحيحه )) ؛
فقال في النوع الرابع من القسم الخامس - بعد أن روى حديث الحسن عن
سمرة - : أن النبي - عليه السلام - كانت له سكتتان - : والحسن لم
يَسْمع من سمرة شيئاً. وقال صاحب ((التنقيح)): قال ابن معين : الحسن
لم يلق سمرة . وقال شعبة : الحسن لم يسمع من سمرة . وقال البردعي:
أحاديث الحسن عن سمرة كتاب ، ولا يثبت عنه حديث قال فيه : سمعت
سمرة .
الثالث : أنه سمع منه حديث العقيقة فقط ؛ قاله النسائي ، وإليه مال
الدارقطني في ((سننه))، فقال في حديث السكنتَيْن: والحسن اختُلِف في
سماعه من سمرة ، ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة فيما قاله قريش بن
أنس، واختاره عبد الحق في ((أحكامه))، واختاره البزار في ((مسنده)).
والله أعلم (١) .
١١٩ - بَابُ: الرَّجُل يُسْلِم ويُؤمِرُ(٢) بالغُسْل
أي : هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يُسْلم ويؤمر بالغُسل عقيب
إسلامه .
٣٣٩ - ص - ثنا محمد بن كثير العَبْدي قال: ثنا سفيان قال: نا الأغرُّ،
(١) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية .
(٢) في سنن أبي داود: ((فيؤمر)).
- ١٨٠ -