Indexed OCR Text

Pages 441-460

قوله: ((وقام يُصلي)) المعنى: قام يشرع في الصلاة ؛ لأن حالة القيام لا
يكون مصليا ، وإنما يكون شارعاً .
فإن قيل : هذا مخالف لقوله : (( إذا حضر العَشاء وأقيمت الصلاةُ ،
فابدؤا بالعَشاء)). قلنا: ليس كذلك، (((١) لأن هذا للصائم الذي قد
أصابه الجوع ، وتاقت نفسه إلى الطعام ، فأُمر أن يصيب من الطعام قدر
ما يُسكن شهوته ، لتطمئن نفسه في الصلاة ، ولا تنازعه شهوة الطعام ،
وهذا فيمن (٢) أحضره الطعام أو أن العادة غداء وعشاء يكون متماسكاً في
نفسه يزعجه الجوع ، ولا تعجله عن إقامة الصلاة وإيفاء حقها)).
قوله : (( وكان شاربي وَفَى )) أي : كثيراً وافراً من وفّي الشيء بالتشديد ،
ووفى بالتخفيف أيضاً إذا تم ذلك .
قوله : (( فقصه)) أي : قطعه من القص ، ويستفاد من الحديث فوائد ،
الأولى : استحباب إكرام الضيف وإطعامه من خيار الطعام .
والثانية : ترك استخدامه .
والثالثة : المبادرة إلى الطاعة .
والرابعة : جواز الدعاء لرجل بكلمة ظاهرها الذم .
والخامسة : فيه دلالة على [ أن ] الأمر بالوضوء مما غيرت النار أمر
استحباب لا أمر إيجاب .
السادسة : جواز قطع اللحم بالسكين ، فإن قيل : جاء النهي فيه في
بعض الحديث: (( وأمرنا بالنهش )) قلنا: المراد من ذلك كراهة زي العجم،
واستعمال عادتهم في الأكل بالأخلة والبارجين على مذهب النخوة والترفه
عن مس الأصابع الشفتين والفم ، وأما إذا كان اللحم طابقاً أو عضواً كبيراً
كالجنب ونحوه ، لا يكره قطعه بالسكين ، وإصلاحه به والحزّ
(١) انظره في معالم السنن (٥٨/١).
(٢) في الأصل: ((وأما إذا))، وما أثبتناه من معالم السنن .
- ٤٤١-

منه ، وإذا كان عُراقاً أو نحوه فنهشه مستحب على مذهب التواضع وطرح
الكبر .
السابعة (١) : استحباب قطع الشارب إذا طال وتجاوز عن حده ،
والحديث أخرجه الترمذي ، وابن ماجه (٢) .
١٧٦ - ص - حدّثنا مسدد قال : ثنا أبو الأحوص قال: ثنا سماك ، عن
عكرمة، عن ابن عباس قال: (( أَكلَ رسولُ الله ◌َّرِ كَتْفاً ثم مَسحَ يدَه بِمِسْحِ
كان تحتَه ، ثم قامَ فصَلَّى)) (٣).
ش - مسدد بن مسرهد ، وأبو الأحوص : عوف بن مالك ، وسماك
ابن حرب ، وعكرمة مولى ابن عباس .
قوله: (( كتفاً)) الكتف : عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من
الناس والدواب ، وهو بكسر الكاف ، وسكون التاء ، وفتح الكاف ،
وكسر التاء ، مثل كذب وكَذِب .
قوله: ((بِمِسْح)) المسح بكسر الميم وسكون السين: البلاسُ (٤)،
والجمع ((مسوح)) و((أمساح)).
قوله: (( كان تحته)) صفة للمسح .
وفيه فوائد ، الأولى : جواز مسح اليد بالمسح وبأي شيء كان .
والثانية : جواز استفراش المسح .
والثالثة : الاكتفاء بالمسح عقيب الطعام بدون الغسل . وأخرج هذا
الحديث ابن ماجه أيضاً .
١٧٧ - ص - حدّثنا حفص بن عمر النمري قال : ثنا همام ، عن قتادة،
(١) في الأصل: ((السادسة)).
(٢) ذكر صاحب التحفة (٨/ ١١٥٣٠) أن هذا الحديث لم يخرجه إلا الترمذي في
(الشمائل))، والنسائي في ((الكبرى )) فقط ، والله أعلم .
(٣) ابن ماجه: كتاب الطهارة ، باب: الرخصة في ذلك (٤٨٨).
(٤) البلاس : ثوب من الشعر غليظ .
- ٤٤٢ -

عن يحيى بن يعمر ، عن ابن عباس: (( أن النبيّ - عليه السلام - انْتَهَسَ من
كتف، ثم صلَّى ولم يَتوضأ)) (١).
ش - حفص بن عمرو بن الحارث بن سخبرة ، وهمام بن يحيى بن
دينار ، وقتادة بن دعامة .
ويحيى بن يعمر أبو سليمان ، أو أبو سعيد ، أو أبو عدي البصري
المروزي قاضيها أيام فتنة ابن مسلم . سمع : عبد الله بن عباس، وعبد الله
ابن عمر ، وجابر بن عبد الله ، وأبا هريرة ، وأبا سعيد الخدري ،
وأبا الأسود الديلي . وروى عن : أبي موسى ، والنعمان بن بشير ،
وعائشة أم المؤمنين . وروى عنه : عبد الله بن بريدة ، وإسحاق بن سويد،
ويحيى بن عقيل ، وعطاء الخراساني . قال أبو زرعة وأبو حاتم : ثقة .
روى له الجماعة (٢).
قوله : (( انتهس )) النهس - بالسين المهملة - : أخذ اللحم بأطراف
الأسنان ، والنهش - بالمعجمة - : الأخذ بجميعها . وقال الأصمعي :
كلاهما واحد . وقيل : هو بالمهملة أبلغ منه بالمعجمة . وقيل : النهس :
سرعة الأكل . وقيل : نهس الرجل والسبع نهساً /: قبض عليه ثم نثره. [٦٩/١ -ب]
وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث عطاء بن يسار عنه : ((أن رسولَ الله
أكل كتف شاة ، ثم صلى ولم يتوضأ )).
١٧٨ - ص - حدَّثنا إبراهيم بن الحسن الخَنْعَمي قال : نا حجاج قال ابن
جريج : أخبرني محمد بن المنكدر قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول :
((قَرَّبتُ للنبيِّ - عليه السلام - خُبُزاً ولحماً ، فأكلَ ثم (٣) دَعَا، فدعا بوَضوء
فتوضأ (٣)، ثم صلَّى الظهرَ، ثم دَعا بفَضلِ طعَامِهِ، فأكلَ ثم قام إلى الصلاةُ
ولم يتوضأ )» (٤)
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٩٥٢/٣٢).
(٣) في سنن أبي داود: ((ثم دعا بوضوء فتوضأ به)).
(٤) تفرد به أبو داود .
- ٤٤٣-

ش - إبراهيم بن حسن بن الهيثم المقسمي الخثعمي (١) البصري . روى
عن : الحارث بن عطية ، وحجاج بن محمد . روى عنه : أبو داود ،
والنسائي ، وموسى بن هارون . قال أبو حاتم : هو صدوق ، وكتب
عنه(٢) .
وحجاج بن محمد الأعور ، وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز ،
وقد ذكر .
ومحمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهُدَير بن عبد العزى بن عامر بن
الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة ، أبو بكر ، أو أبو عبد الله
القرشي التيمي . روى عن : أبي قتادة ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن
عمر، وسَفِينة ، وأبي رافع ، وأسماء بنت أبي بكر . وسمع : عبد الله
ابن الزبير ، وجابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك ، وعائشة ، وأُميمة ،
وغيرهم . روى عنه : جعفر بن محمد الصادق ، وعمرو بن دينار ، وزيد
ابن أسلم ، ومالك بن أنس ، وابن جريج ، وابنه المنكدر ، وجماعة
آخرون . توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة . روى له الجماعة (٣) .
قوله : (( قرَّبتُ)) بتشديد الراء .
قوله : (( ثم دعَا)) أي: ثم دعا عقيب الطعام.
وقوله: ((فدعا بوضوء)) يجوز أن يكون تفسيراً لقوله: ((ثم دعا))
والمعنى : لما فرغ من الطعام طلب الوضوء، ويجوز أن يكون ((دعا))
الأول من الدعاء إلى الله تعالى بالشكر ، والثناء ، وبالدعاء لجابر حيث
قرّب له الطعام، ويكون (( دعا)) الثاني بمعنى : الطلب، والمعنى : لما
أكل ودعا طلب الوضوء، و((الفاء)) في الأول الفاء التفسيرية . وفي
الثاني للعطف المفيد للترتيب، و((الوَضوء)) بفتح الواو : الماء الذي
(١) في الأصل: ((القسمي العبشمي)) خطأ.
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٦٣/٢).
(٣) المصدر السابق (٥٦٣٢/٢٦).
- ٤٤٤-

يُتوضأ به . ويستفاد من هذا الحديث فوائد ، الأولى : جواز الجمع بين
الطعامين .
والثانية : جواز العود إلى فضلة الطعام .
والثالثة : جواز ترك الوضوء مما مست النار .
١٧٩ - ص - حدّثنا موسى بن سهل أبو عمران الرملي قال: نا عليّ بن
عياش قال : نا شعيب بن أبي حمزة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر قال :
((كان آخرُ الأمرين أن (١) رسولَ الله - عليه السلام - تَرَكَ الوُضوءُ مما غَيِّرت
النارُ)) (٢) .
قال أبو داود : هذا اختصار من الحديث الأول .
ش- موسى بن سهل بن قادم أبو عمران الرّملي . سمع : عليّ بن
عياش الحمصي ، وحجاج بن إبراهيم الأزرق ، وعبد الملك بن حكم ،
وجماعة آخرين . روى عنه : أبو داود ، والنسائي ، وأبو حاتم ، وابنه
عبد الرحمن ، وأبو بكر بن خزيمة ، وغيرهم . قال أبو حاتم : صدوق .
مات سنة إحدى وستين ومائتين (٣).
وعليّ بن عياش - بالشين المعجمة - ابن مسلم الحمصي الألهاني
أبو الحسن، يُعرف بالبكاء. روى عن: شعيب بن أبي حمزة ، وعبد الرحمن
ابن ثابت ، ومحمد بن مهاجر ، ومعاوية بن يحيى ، وغيرهم . روى
عنه: أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، والبخاري ، وأبو زرعة
الدمشقي ، وغيرهم . قال أحمد بن عبد الله : هو ثقة . مات سنة ثمان
عشرة ومائتين ، وهو ابن ست وسبعين سنة . روى له الجماعة (٤) .
وشعيب بن أبي حمزة ، واسم أبي حمزة : دينار القرشي الأموي ،
(١) في سنن أبي داود: ((من)).
(٢) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ترك الوضوء مما غيرت النار (١٠٧/١).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٢٦٤/٢٩).
(٤) المصدر السابق (٤١١٦/٢١).
- ٤٤٥-

مولاهم الحمصي . سمع : نافعاً ، والزهري ، ومحمد بن المنكدر ،
ومحمد بن الوليد ، وغيرهم . روى عنه : بقية بن الوليد ، وأبو حيوة
شريح بن يزيد ، وعليّ بن عياش ، وغيرهم . وقال أبو حاتم : ثقة .
مات سنة ثنتين وسبعين ومائة . روى له الجماعة (١) .
قوله : ((كان آخر الأمرين)) الأمران هما : الوضوء مما مسته النار ،
وترك الوضوء منه، و((آخر)) مرفوع على أنه اسم ((كان))، وخبره قوله:
((أن رسول الله))، والمعنى : أن هذا الحديث ناسخ لحديث الوضوء مما
مست النار ، وهو حديث صحيح . ورواه النسائي أيضاً وغيرهما من أهل
السنن . واحتج الجمهور بذلك على ترك الوضوء مما مسته النار .
١٨٠ - ص - حدّثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال : نا عبد الملك بن
[١/ ٧٠-١] أبي كريمة. قال ابنُ السرح: من (٢) خيار المسلمين، حدَّثني / عبيد بن
ثمامة المرادي قال : قدم علينا مصَر عبدُ الله بن الحارث بن جزء الزّبيدي من
أصحاب النبي - عليه السلام - فسمعته يحدث في مسجد مصرَ قال: ((لقد
رأيتُني سابع سبعة أو سادسَ ستةٍ مع رسول الله ◌ِّهِ فِي دارِ رجل، فمر بلالٌ
فنادَاه بالصلاة فخرّجْنَا ، فمررنَا بَرجل وبُرمَتُهُ على النار ، فَقال لهَ رسولُ الله:
(( أطابتْ بُرْمَتُكَ؟ قال : نعم بأبي وأمي (٣) ، فتناولِّ منها بضعةً فلم يزلُ
يَعْلُكُهَا حتى أَحرمَ بالصلاةِ وأنا أنظُرُ إليهِ)) (٤) .
ش - عبد الملك بن أبي كريمة البصري . روى عن : عُبيد بن ثمامة .
روى عنه : أبو الطاهر أحمد بن عمرو المذكور . روى له : أبو داود .
وعُبيد بن ثمامة المرادي . سمع عبد الله بن الحارث ، روى عنه عبد الملك
المذكور ، روی له أبو داود (٥) .
(١) المصدر السابق (١٢ / ٢٧٤٧).
(٢) في سنن أبي داود: ((ابن أبي كريمة من خيار المسلمين )).
(٣) في سنن أبي داود: (( بأبي أنت وأمي)).
(٤) تفرد به أبو داود .
(٥) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٥٥٢/١٨).
-٤٤٦-

وعبد الله بن الحارث بن جَزَءٍ بن عبد الله بن معدي كرب الزُّبَيدي
أبو الحارث ، شهد فتح مصر واختط بها وسكنها . روى عنه : عبد الملك
المذكور ، ومسلم بن يزيد الصدفي ، وعقبة بن مسلم التجيبي ، ويزيد بن
أبي حبيب ، وغيرهم من أهل مصر ، وكان قد عمي ، وهو آخر من مات
بمصر من أصحاب النبي - عليه السلام - سنة خمس أو سبع أو ثمان
وثمانين . وقال أحمد بن محمد بن سلامة : كانت وفاته بأسفل مصر
بالقرية المعروفة بسقط القدور . روى له : أبو داود ، والترمذي ، وابن
ماجه (١) .
قوله: (( قال ابن السرح: من خيار المسلمين)) أي : قال ابن السرح
المذكور : أن عبد الملك المذكور من خيار المسلمين .
قوله : ((لقد رأيتُني)) بضم التاء ، أي : لقد رأيت نفسي .
قوله : (( سابع سبعة )) مفعول ثان لرأيت ، ومعنى سابع سبعة : إما
واحد من السبعة أو مصير الستة سبعة ، وهكذا القاعدة في المفرد في المتعدد
باعتبار تصييره . تقول الثاني والثالث والرابع إلى العاشر ، فإنها أسماء
موضوعة لواحد من المعدود باعتبار ذلك العدد المشتق ذلك الاسم منه ،
كالثالث مثلاً ، فإنه مشتق من الثلاثة لواحد ، إما باعتبار أنه أحد الثلاثة
أو باعتبار أنه مصير ما دونها عليها زائدة ، وهكذا القياس في الباقي فافهم.
قوله: (( أو سادس ستة )) شك من الراوي .
قوله: (( وبُرْمته على النار)) جملة وقعت حالاً من الرجل ، البُرمة - بضم
الباء ، وسكون الراء - : القدر مطلقاً، وجمعها : (( برام )) بكسر الباء ،
وهي في الأصل : المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن .
قوله: ((أطابت بُرمتك)) أي : أطاب ما في بُرمتك ، ذكر المحل وأراد
به الحال ، وطيب ما فيها كناية عن استوائها ، والهمزة فيه للاستفهام .
(١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٢/ ٢٨٠)، وأسد الغابة
(٢٠٣/٣)، والإصابة (٢٩١/٢).
٠
-٤٤٧ -

قوله: (( بأبي وأمي)) الباء فيه متعلقة بمحذوف تقديره : فديتك بأبي وأمي
وحُذف هذا المقدر تخفيفاً لكثرة الاستعمال ، وعلم المخاطب به ، ويجوز
أن يكون (( بأبي)) في محل الرفع على الخبرية ، والمبتدأ محذوف تقديره :
أنت مُفدى بأبي وأمي .
قوله: (( بضعة)) بفتح الباء ، أي : قطعة .
قوله : ((فلم يزل يعلكها )) أي : يلوكها في فمه ، والعلك مضغ ما لا
يطاوع الأسنان ، من باب نصر ينصر .
قوله: (( حتى أحرم بالصلاة )) أي : شرع فيها ، ومنه تكبيرة الإحرام ؛
لأنها تحرم كل شيء خلاف الصلاة .
قوله: (( وأنا أنظر إليه )) جملة وقعت حالاً . ويستفاد منه ثلاث فوائد ،
الأولى : أن الرجل يباح له أن يسأل من صاحبه الذي بينهما انبساط أن
يطعمه أو يسقيه .
والثانية : فيه جواز ترك غسل اليد مما مسته النار .
والثالثة : جواز ترك المضمضة أيضاً بعد الطعام .
١٨١ - ص - (١) حدّثنا مسدد قال: نا يحيى، عن شعبة قال: حدثني
أبو بكر بن حفص ، عن الأغر ، عن أبي هريرة قال : قال رسولُ الله - عليه
السلام - : ((الوُضوءُ مما أَنْضَجتِ النارُ)) (٢).
ش - يحيى القطان ، وأبو بكر هو : عبد الله بن حفص بن سعد بن
أبي وقاص ، وقد ذكر .
والأغر : أبو مسلم المدني ، واسمه : سلمان . سمع أبا هريرة ،
وأبا سعيد ، وكانا اشتركا في عتقه فهو مولاهما . روى عنه :
(١) وقع هذا الحديث في سنن أبي داود تحت ((باب التشديد في ذلك))، وهي
نسخة كما سيذكر المصنف .
(٢) تفرد به أبو داود .
-٤٤٨-

أبو إسحاق ، وأبو جعفر الفراء ، وهلال بن يساف ، وعطاء بن السائب،
وعليّ بن أقمر ، والزهري ، وشعبة ، وغيرهم . روى له الجماعة إلا
البخاري(١).
قوله: (( الوضوء)) مبتدأ وخبره محذوف ، والتقدير : الوضوء واجب ،
ويجب مما أنضجت النار ، وقد بيَّنَا أن هذا الحديث وأمثاله منسوخة ، أو
يحمل الوضوء على غسل اليدين والفم ، وفي بعض النسخ على أول هذا
الحديث: ((باب التشديد في ذلك)). وكان ينبغي لأبي داود / أن يذكر [١/ ٧٠ -ب]
الأحاديث المنسوخة أولاً ، ثم يذكر النواسخ كما ذكرها مسلم هكذا،
وغالب المحدثين يذكرون الأحاديث التي يرونها منسوخة ثم يعقبونها
بالنواسخ .
١٨٢ - ص - حدّثنا مسلم بن إبراهيم قال : نا أبان ، عن یحیی - يعني :
ابن أبي كثير - عن أبي سلمة ، أن أبا سفيان بن سعيد بن المغيرة حدّثه ، أنه
دخل على أمِّ حبيبة فسقتْهُ قدحاً من سویق ، فدعا بماء فتمضمضَ . قالت : يا
ابنَ أخي ، ألا تتوضأُ(٢)؟ إن رسولَ الله - عليه السلام - قال: «تَوضَّؤُوا مما
غيرت النارُ، أو مَسَّت النارُ )) (٣) (٤).
ش - مسلم بن إبراهيم القصاب ، وأبان بن يزيد العطار ، ويحيى بن
أبي كثير : أبو نصر اليمامي ، وأبو سلمة : عبد الله بن عبد الرحمن
القرشي .
وأبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي . روى
عن أم حبيبة أم المؤمنين ، وهو ابن أخيها . روى عنه أبو سلمة بن
عبد الرحمن ، حديثه في أهل الحجاز . روى له أبو داود والنسائي (٥) .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٤٣٩/١١).
(٢) في سنن أبي داود: ((توضأ)).
(٣) زِيدَ في سنن أبي داود: (( قال أبو داود: في حديث الزهري : يا ابن أخي)).
(٤) النسائي: كتاب الطهارة، باب: الوضوء مما غيرت النار (١٠٧/١).
(٥) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٧٤٠٢/٣٣).
٢٩ * شرح سنن أبي داوود ١
-٤٤٩-

وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية ، أم المؤمنين
أم حبيبة الأموية ، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى أرض الحبشة
فتوفي ، فتزوجها رسول الله سنة ست ، ويقال : سبع . رُوي لها عن
رسول الله خمسة وستون حديثاً ، اتفقا على حديثين ، ولمسلم مثلها .
روى عنها : أخواها معاوية ، وعنبسة ، وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن
أبي سفيان ، وعروة بن الزبير ، وأبو المليح عامر بن أسامة ، وأبو صالح
السمان ، وأبو سفيان بن سعيد المذكور ، وغيرهم . توفيت سنة أربع
وأربعين . روى لها الجماعة (١) .
قوله: (( قدحاً من سويق)) القدح : الذي يؤكل فيه ، والسويق معروف.
قوله: (( أو مست النار)) شك من الراوي، والمفعول في ((غيرت))
و((مست)) محذوف ، والتقدير : غيرته ومسته . والحديث أخرجه النسائي
أيضاً وهو منسوخ كما ذكرنا .
٦٨ - باب : الوضوء من اللبن
أي : هذا باب في بيان الوضوء من شرب اللبن .
١٨٣ - ص - حدّثنا قتيبة بن سعيد قال : نا الليث ، عن عُقيل ، عن
الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس: (( أن النبيّ - عليه
السلام- شرِبَ لبناً، فدعا بماء، فَتَمضْمضَ ثم قال: إن له دَسَماً)) (٢).
(١) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٣٠٣/٤)، وأسد الغابة
(١١٥/٧)، والإصابة (٣٠٥/٤).
(٢) البخاري : كتاب الوضوء ، باب : هل يمضمض من اللبن (٢١١)، مسلم :
كتاب الحيض ، باب : نسخ الوضوء مما مست النار (٣٥٨/٩٥) ، الترمذي :
كتاب الطهارة ، باب : في المضمضة من اللبن (٨٩) ، النسائي : كتاب
الطهارة، باب: المضمضة من اللبن (١٠٩/١)، ابن ماجه : كتاب الطهارة ،
باب : المضمضة من شرب اللبن (٤٩٨) .
- ٤٥٠-

ش - الليث بن سعد .
وعقيل - بضم العين - بن خالد بن عَقيل - بالفتح - الأيْلي (١)
أبو خالد الأموي ، مولى عثمان بن عفان . روى عن : أبيه ، وعكرمة
مولى ابن عباس ، والزهري ، وغيرهم . روى عنه : يونس بن يزيد
الأيلي(١)، والليث بن سعد، ونافع بن يزيد ، وجماعة آخرون . قال
أبو زرعة : صدوق ، ثقة . توفي بمصر فجأة سنة أربع وأربعين ومائة
روی له الجماعة (٢) .
والزهري : محمد بن مسلم .
وعبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور القرشي النوفلي مولاهم . سمع:
عبد الله بن عباس ، وصفية بنت شيبة . روى عنه الزهري . روى له
الجماعة (٣).
قوله: (( دسماً)) منصوب على أنه اسم ((إنّ))، وهو الدهن ، تقول
فيه: دسم الشيء بالكسر . وفيه استحباب المضمضة من شرب اللبن .
وقالت العلماء : وكذلك غيره من المأكول والمشروب ليتطهر فمه القراءة
القرآن وغيرها ، ولئلا يبقى منه بقايا يبتلعها في حال الصلاة .
وقال الشيخ محيي الدين: (((٤) واختلف العلماء في استحباب غسل
اليدين قبل الطعام وبعده ، والأظهر استحبابه أولاً إلا أن يتيقن نظافة اليد
من النجاسة والوسخ ، واستحبابه بعد الفراغ إلا أن لا يبقى على اليد أثر
الطعام بأن كان يابساً أو لم يمسه بها . وقال مالك : لا يستحب غسل اليد
للطعام إلا أن يكون على اليد أولا قذراً أو يبقى عليها بعد الفراغ رائحة)).
(١) في الأصل: ((الأُبُلي)) خطأ.
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٠٠١/٢٠).
(٣) المصدر السابق (١٩/ ٣٦٥٠).
(٤) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) (٤٦/٤).
- ٤٥١-

وهذا الحديث أخرجه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن
ماجه .
١٨٤ - ص - (١) حدّثنا عثمان بن أبي شيبة ، عن زيد بن الحباب ، عن
مُطيع بن راشد، عن توبة العنبري ، أنه سمع أنس بن مالك (٢): (( أن
رسولَ الله ◌ِوَِّ شَرَبَ لَبِناً فلم يَتَمضمضْ، ولم يتوضأ وصَلَّى)) (٣) .
وقال زيد : دَلَّني شعبةُ على هذا الشيخ .
ش - مطيع بن راشد . روى عن توبة ، روى عنه زيد بن الحباب ،
روی له أبو داود (٤) .
وتوبة بن أبي الأسد : كيسان العنبري أبو المُوَرِّع البصري ، وقيل : توبة
ابن أبي المُورِّع ، جد عباس بن عبد العظيم . سمع : أنس بن مالك ،
[٧١/١-١] والشعبي ، وعكرمة مولى ابن عباس، ونافعاً، وغيرهم. / روى عنه :
الثوري ، وشعبة ، وحماد بن سلمة ، وغيرهم . قال أبو حاتم : ثقة .
مات في الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة . روى له : البخاري ،
ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي (٥) .
وفي هذا الحديث دليل على أن الرجل إذا شرب لبناً ونحوه ولم
يتمضمض لا بأس عليه ، وفيه دليل على أن الحديث الذي فيه المضمضة من
اللبن منسوخ، وفي ((المصنف)): حدَّنا وكيع ، عن مالك بن مِغول ،
عن طلحة قال : سألت أبا عبد الرحمن عن الوضوء من اللبن ؟ قال :
من شراب سائغ للشاربين ؟
(١) وقع هذا الحديث في سنن أبي داود تحت: ((باب الرخصة في ذلك)) كما
سيذكر المصنف .
(٢) في سنن أبي داود: (( ... أنس بن يقول)).
(٣) تفرد به أبو داود .
(٤) انظر ترجمته فى: تهذيب الكمال (٦٠١٣/٢٨).
(٥) المصدر السابق (٨٠٩/٤).
- ٤٥٢-

وحدَّثنا محمد بن فضيل ، عن عطاء بن السائب قال : كان
أبو عبد الرحمن في المسجد فأتاه مُدرك بن عمارة بلبن فشربه ، فقال
مُدرك: هذا ماء فمضمض . قال : من أي شيء ؟ أمن السائغ الطيب ؟
وفي بعض النسخ على رأس الحديث: (( باب الرخصة في ذلك)) ، أي
في ترك المضمضة عن شرب اللبن .
٦٩ - باب الوضوء من الدم
أي : هذا باب في بيان الوضوء من دم يخرج من الرجل .
١٨٥ - ص - حدّثنا أبو توبة الربيع بن نافع قال : نا ابن المبارك ، عن
محمد بن إسحاق قال : حدثني صدقة بن يسار ، عن عقيل بن جابر ، عن
جابر قال : (( خرجنا مع رسولِ اللهِ - يعني في غزوةِ ذاتِ الرقاعِ - فأصاب
رجلٌ امرأةَ رَجلٍ من المشركينَ ، فحلفَ أن لا أنتهي حتى أُهريقَ دماً في
أصحابِ محمدٍ، فخرجَ يتبعُ أَثْرَ النبيِّ - عليه السلام - فنزل النبيُّ - عليه
السلام - منزلا وقال : مَنْ رجلٌ يكلؤُنَا؟ فانتُدبَ رجلٌ من المهاجرينَ ورجلٌ
من الأنصارِ قال : كونا بفم الشِّعب . قال : فلما خرجَ الرجلانِ إلى فم
الشِّعب ، اضْطَجعَ المهاجريَّ ، وقام الأنصاريَّ يُصلِّي ، وأَتى الرجلُ ، فلما
رَأَى شَخْصَهُ عَرَف أنه رَبيئةٌ للقومِ فرماه بسهم ، فوضَعَهُ فیه ونزَعَهُ حتی
قضى ثلاثةَ أَسْهُمٍ ، ثم ركعَ وسجِدَ ، ثم انتبَه صَاحِبُهُ ، فلما عَرَف أنه قد
نَذْرُوا به هَرَبَ ، ولما رأى المهاجريَّ ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحانَ الله
ألا أنبهنَنِي أول ما رَمَى؟ قال: كنتُ في سورة أقرأُهَا فلم أُحبَّ أن أقطَعَهَا))(١).
ش - ابن المبارك هو عبد الله ، ومحمد بن إسحاق بن يسار .
وصدقة بن يسار الجزري المكي ، سكن مكة . روى عن : عبد الله بن
عمر ، والقاسم بن محمد ، وطاوس بن كيسان . روى عنه : ابن جريج،
(١) تفرد به أبو داود .
- ٤٥٣-

ومالك ، والثوري ، وشعبة ، وغيرهم . قال ابن معين : ثقة . وقال
أبو حاتم : صالح . توفي في أول خلافة بني العباس . روى له : مسلم،
وأبو داود ، والنسائي، وابن ماجه (١) .
وعَقيل - بفتح العين - ابن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حَرام
الأنصاري المدني ، روى عن : أبيه ، روى عنه : صدقة بن يسار ، روى
له أبو داود (٢).
قوله: ((في غزوة ذات الرقاع)) كانت في سنة أربع من الهجرة . وذكر
البخاري أنها كانت بعد خيبر ؛ لأن أبا موسى الأشعري جاء بعد خيبر ،
وسميت الغزوة باسم شجرة هناك ، وقيل باسم جبل هناك فيه بياض وسواد
وحمرة ، يُقال له الرقاع ، فسميت به . وقيل : سميت بذلك لرقاع كانت
في ألويتهم ، وقيل : سميت بذلك لأن أقدامهم نُقِبت فلفوا عليها الخِرق ،
وهذا هو الصحيح ؛ لأن أبا موسى حاضر ذلك مشاهده ، وقد أخبر به .
قوله: (( حتى أهريق )) أي : أريق ، والهاء فيه زائدة .
قوله : ((أثر النبي)) بفتح الهمزة ، والثاء، ويجوز بكسرها وسكون الثاء.
قوله: ((من رجل)) ((من)) هاهنا استفهامية ، أي : أيُّ رجل يكلؤنا ؟
أي : يحرسنا ؟ من كَلأ يكلأُ كلاءَةً من باب فتح يفتح ، كلأته أكلؤه فأنا
كاليٌ وهو مكلوء ، وقد تخفف همزة الكلاءة وتقلب ياء ، فيقال كلاية .
قوله : ((فانتدب)) يقال : ندبه للأمر فانتدب له ، أي: دُعي له
فأجاب، فالرجلان هما عمّار بن ياسر ، وعباد بن بشر ، ويقال :
الأنصاري هو عمارة بن حزم ، والمشهور الأول .
قوله: (( بفم الشعب)) الشعب بكسر الشين : الطريق في الجبل ،
وجمعه (( شعاب)) .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٨٧١/١٣).
(٢) المصدر السابق (٣٩٩٥/٢٠).
- ٤٥٤-

قوله: (( وقام الأنصاري)) : وهو عباد بن بشر.
وقوله: ((فصلى)) جملة وقعت حالاً من ((الأنصاري)).
قوله: (( ربيئة)) الربيئة - بفتح الراء وكسر الباء - هو العين والطليعة
الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو ، ولا يكون إلا على جبل أو شرف .
ينظر منه ، من ربأ يربأ، من باب فتح يفتح، يقال: / يربأ أهله ، أي: [٧١/١ -ب]
يحفظهم من عدوهم ، وارتبأت الجبل ، أي : صعدته .
قوله: (( فرماه)) الضمير المرفوع فيه يرجع إلى الرجل المشرك ، والضمير
المنصوب يرجع إلى الأنصاري .
قوله: (( حتى قضى ثلاثة أسهم)) أي : -حتى كمّل ثلاثة أسهم ؛ لأن
القضاء في اللغة على وجوه ، ومرجع الجمع إلى انقطاع الشيء وتمامه ،
وكلما أحكم عمله فقد قضى ، ومنه القضاء المقرون بالقدر .
قوله: ((قد نذروا به)) بفتح النون وكسر الذال المعجمة أي : علموا به ،
وأحسوا بمكانه .
قوله: ((ألا أنبهتني)) يجوز ((ألا)) بفتح الهمزة والتخفيف ، ويكون
بمعنى الإنكار عليه عدم إنباهه ، ويجوز بالفتح والتشديد ، ويكون بمعنى
(هلا)) بمعنى اللوم والعتب على ترك الإنباه .
قوله: ((أول)) نصب على الظرفية، أي: في أول ما رمى، و((ما))
مصدرية ، والمعنى : في أول رَميه إياه .
قوله: (( كنت في سورة أقرأها )) وكانت سورة الكهف - حكاه البيهقي .
وهذا الحديث صحيح رواه ابن حبان في (( صحيحه )) في النوع الخمسين من
القسم الرابع. ورواه الحاكم في (( المستدرك )) وصحَّحه ، وعلّقه البخاري
في ((صحيحه)) في كتاب الوضوء فقال : ويذكر عن جابر بن عبد الله :
((أن النبي - عليه السلام - كان في غزوة ذات الرقاع ، فرُمي رجل بسهم
فنزفه الدم، فركع وسجد ومضى في صلاته )) . ورواه الدارقطني في
(سننه))، والبيهقي في كتاب ((دلائل النبوة))، واحتج الشافعي ومن معه
- ٤٥٥-

بهذا الحديث : أن خروج الدم وسيلانه من غير السبيلين لا ينقض الوضوء،
فإنه لو كان ناقضاً للطهارة لكانت صلاة الأنصاري تفسد بسيلان الدم أول
ما أصابته الرمية ولم يكن يجوز له بعد ذلك أن يركع ويسجد ، وهو
محدث .
واحتجت أصحابنا بأحاديث كثيرة ، وأقواها وأصحها: ما روى البخاري
في ((صحيحه )) عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت :
((جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - عليه السلام - فقالت : يا
رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر ، أفأدع الصلاة؟ قال: ((إنما
ذلك عرق وليست بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا
أدبرت فاغسلي عنك )) . قال هشام : قال أبي : ثم توضئي لكل صلاة
حتى يجيء ذلك الوقت (١) .
فإن قيل: قوله: (( ثم توضئي لكل صلاة )) من كلام عروة قلنا : بل
هو من كلام النبي - عليه السلام - ولكن الراوي علقه ، إذ لو كان من
كلام عروة لقال : ثم تتوضأ لكل صلاة . فلما قال : توضئي شاكل ما
قبله في اللفظ ، وأيضاً فقد رواه الترمذي فلم يجعله من كلام عروة ولفظه:
(( وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك
الوقت )) وصحَّحه (٢) ، وأما احتجاج الشافعي بذاك الحديث مشكل جدا؛
لأن الدم إذا سال أصاب بدنه وجلده ، وربما أصاب ثيابه ، ومع إصابة
شيء من ذلك وإن كان يسيراً لا تصح الصلاة عنده ، ولئن قالوا : إن الدم
كان يخرج من الجراحة على سبيل الذرق (٣) حتى لا يصيب شيئاً من ظاهر
بدنه . قلنا : إن كان كذلك فهو أمر عجب ، وهو بعيد جدا .
وقوله: ((في الدماء )) يدل على أن الدم أصاب ثوبه أو بدنه أو كليهما ،
(١) البخاري : كتاب الوضوء، باب: غسل الدم (٢٢٨).
(٢) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المستحاضة (١٢٥)، وانظر
تعليق الشيخ أحمد شاكر .
(٣) الذرق: خُرءُ الطائر.
-٤٥٦-

ولم يُصب الأرض ، والسهام كانت ثلاثة ، فالظاهر أنها أصابت ثلاثة
مواضع ، وذلك يدل على كثرة الدم ، فلما لم يدل مضيه على جواز
الصلاة مع النجاسة، كذلك لا يدل على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء،
على أنا نقول : إن هذا فعل واحد من الصحابة ، ولعله كان مذهباً له ، أو
لم يعلم بحكمه ، والله أعلم .
وهاهنا قاعدة وهي : أن تقليد الصحابي واجب أم لا ؟ فالشافعي في
قوله الجديد لا يُقلد أحداً منهم أصلاً ، سواء كان مما يدرك بالقياس أو لا
يدرك وجوباً ولا جوازاً ، وجوز بعض الشافعية التقليد من غير وجوب .
وقال أبو سعيد البرذعي من أصحابنا : تقليد الصحابي واجب ، يُتركُ به
القياس . وقال الكَرخيّ وجماعة من أصحابنا : يجب تقليده فيما لا يُدركُ
بالقياس ، وفيما يدرك بالقياس لا يجب . وهذا كله إنما هو في كل ما
ثبت عنهم من غير خلاف بينهم ، وأما إذا ثبت الخلاف بينهم فلا يجب
تقليده إجماعاً ، وإذا كان كذلك فكيف يقلد الشافعيّ الأنصاريَّ في صلاته
بالدم الخارج منه ، وقد خالفه في ذلك جماعة من الصحابة مثل عمر ،
وعثمان ، وعليّ ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر ، وثوبان ،
وأبو (١) الدرداء ، وزيد بن ثابت ، وأبو موسى الأشعري رُوي عنهم أنهم
قالوا بمذهبنا ، وهؤلاء فقهاء الصحابة متبع لهم في فتواهم فيجب
تقليدهم، وقد قيل : إنه مذهب العشرة / المبشرة ، وقد روى مالك في
(الموطأ)): حدَّثنا نافع عن ابن عمر: ((أنه كان إذا رعف رجع فتوضأ
ولم يتكلم ، ثم رجع وبنى على ما قد صلى )).
[٧٢/١-١]
وروى الشافعي في ((مسنده)): حدّثنا عبد المجيد ، عن ابن جريج ،
عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر: ((أنه كان يقول : من أصابه
رعاف ، أو مذي أو قَيءٌ انصرف فتوضأ ، ثم رجع فبنى » . وقال النووي
في ((الخلاصة)) : ليس في نقض الوضوء وعدم نقضه بالدم والقيء
والضحك في الصلاة حديث صحيح .
(١) كذا .
- ٤٥٧ -

٧٠ - باب : الوضوء من النوم
أي : هذا باب في بيان الوضوء من النوم .
١٨٦ - ص - حدّثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال : نا عبد الرزاق قال :
نا ابن جريج قال: أخبرني نافع قال: نا عبد الله بن عمر: «أنّ رسولَ اللهِه
شُغْلَ عنها ليلةً فأخَّرها حتى رقدنا في المسجد ، ثم استيقظنا، ثم رقدنَا، ثم
استيقظنا ، ثم رقدنا ، ثم خرجَ علينا فقالَ : ليس أحدٌ ينتظرُ الصلاةً
غیرکُم))(١) .
ش - عبد الرزاق بن همام ، ونافع مولى ابن عمر .
قوله: ((شُغل عنها)) أي : عن العشاء الآخرة.
قوله: ((الصلاة)) أي: صلاة العشاء ، والألف واللام فيه للعهد.
ويستفاد من هذا الحديث فوائد ، الأولى : أن نوم الجالس ممكناً مقعده (٢)
لا ينقض الوضوء ، ومحمل الحديث هذا وهو مذهب الأكثرين ،
والصحيح من مذهب الشافعي .
(((٣) وقد اختلف العلماء في النوم ، فمذهب البعض : أن النوم لا
ينقض الوضوء على أيّ حال كان، وهذا مَحكي عن أبي موسى الأشعري،
وسعيد بن المسيب ، وأبي مجلز ، وحميد الأعرج ، والشيعة . ومذهب
البعض أنه ينقض بكل حال ، وهو مذهب الحسن البصري ، والمزني ،
وأبي عبيد القاسم بن سلام ، وإسحاق بن راهويه ، وهو قول غريب
للشافعي . قال ابن المنذر : وبه أقول . قال : وقد روي معناه عن ابن
عباس ، وأبي هريرة . ومذهب البعض أن كثيره ينقض بكل حال وقليله لا
ينقض بكل حال ، وهو مذهب الزهري ، وربيعة ، والأوزاعي ، ومالك،
وأحمد في رواية . ومذهب البعض : أنه إذا نام على هيئة من هيئات
المصلين كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينتقض وضوؤه سواء كان في
(١) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: النوم قبل العشاء لمن غُلِبَ (٥٧٠)،
مسلم : كتاب المساجد ، باب : وقت العشاء وتأخيرها (٢٢١/٦٣٩).
(٣) انظره في: ((شرح صحيح مسلم)) (٤/ ٧٣ - ٧٤) .
(٢) كذا .
-٤٥٨-

الصلاة أو لم يكن ، وإن نام مضطجعاً أو مستلقياً على قفاه انتقض ، وهو
مذهب أبي حنيفة ، وداود ، وقول غريب للشافعي . ومذهب البعض أنه
لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، روي هذا عن أحمد. ومذهب البعض:
أنه لا ينقض إلا نوم الساجد ، روي هذا عن أحمد أيضاً . ومذهب
البعض أنه لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال ، وينقض خارج الصلاة ،
وهو قول ضعيف للشافعي ، ومذهب البعض : أنه إذا نام جالساً ممكناً
مقعدته من الأرض لم يُنقضْ وإلا انتقض سواء قل أو كثر ، وسواء كان في
الصلاة أو خارجها ، وهو مذهب الشافعي)) (١) .
الثانية : أنه يستحب للإمام والعالم إذا تأخر عن أصحابه ، أو جرى منه
ما يظن أنه يشق عليهم أن يعتذر إليهم ، ويقول لهم : لكم في هذا
مصلحة من جهة كذا وكذا ، أو كان لي عذر أو نحو هذا .
الثالث : فيه استحباب تأخير العشاء .
والحديث أخرجه البخاري ، ومسلم .
١٨٧ - ص - حدّثنا شاذُّ بن فياض قال : ثنا هشام الدَّستوائي ، عن قتادة،
عن أنس قال: (( كان أصحابُ رسول الله ينتظرونَ العشاءَ الآخرةَ حتى تَخْفِقَ
رُؤُوسُهم، ثم يصلُّونَ ولا يتوضؤون)) (٢) .
ش - شاذ بن فياض أبو عبيدة اليشكري واسمه : هلال ، وشاذ لقب
غلب عليه . سمع : شعبة ، وأبا حفص عمر بن إبراهيم العبدي . روى
عنه : عمرو بن علي الصيرفي ، وعلي بن عبد العزيز البغوي ، ومعاذ بن
المثنی ، وغيرهم . روی له أبو داود (٣) .
(١) إلى هنا انتهى النقل من ((شرح صحيح مسلم)).
(٢) مسلم : كتاب الحيض ، باب : الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء
(٣٧٦) ، الترمذي : كتاب الطهارة ، باب : ما جاء في الوضوء من النوم
(٧٨) .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٦٨٢/١٢).
- ٤٥٩-

وهشام بن أبي عبد الله الربعي الدَّستوائي البصري ، وقد ذكر .
قوله : (( حتى تخفق رؤوسهم)) أي : تسقط أذقانهم على صدورهم ،
وهذا لا يكون إلا عن نوم مثقل ، وهذا يدل على أن عين النوم ليس
بحدث ، ولو كان حدثاً لاستوت فيه الأحوال كسائر الأحداث ، ويؤيد
[٧٢/١ -ب] ذلك قوله: / ((كان أصحاب رسول الله ينتظرون العشاء الآخرة حتى
تخفق رؤوسهم )) وذلك كثر عندهم حتى صار كالعادة لهم ، ولم يكن
نادراً في بعض الأحوال ، وفي وصف العشاء بالآخرة دليل على جواز
وصفها بها، وأنه لا كراهة فيه خلافاً لما يُحكى عن الأصمعي من كراهة ذلك.
وأخرجه مسلم من وجه آخر قال: (( كان أصحاب رسول الله ينامون ثم
يصلون ولا يتوضؤون )).
ص - قال أبو داود: زاد فيه شعبة عن قتادة قال: (( كُنا على (١) عهد
رسول الله ◌َلي)). ورواه ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ آخر.
ش - أي : زاد في هذا الحديث شعبة بن الحجاج ، عن قتادة بن دعامة:
(( كنا على عهد رسول الله))، والعهد بمعنى : الزمان والمدة . وقال في
((المطالع)): قولهم: ((على عهد رسول الله)) أي: على زمانه ومُدته .
قوله: (( ورواه)) أي : روى هذا الحديث أيضاً ابن أبي عروبة ، واسمه:
سعيد ، واسم أبي عروبة : مهران ، وقد ذكرناه .
١٨٨ - ص - حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب قالا : نا حماد
ابن سلمة، عن ثابت البناني ، أن أنس بن مالك قال: ((أُقيمتْ صلاةُ العشاء
فقامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله ، إن لي حاجةٌ ، فقامَ يناجيه حتى نَعَسَ القوَمُ أوَ
بعضُ القومِ، ثم صلَّى بهم وَلَم يذكروا (٢) وضوءاً)) (٣).
ش - ثابت بن أسلم أبو محمد البناني العابد البصري ، وبنانة هم
(١) في سنن أبي داود: ((كنا نخفق على)). (٢) في سنن أبي داود: ((يذكر)).
(٣) البخاري : كتاب الأذان ، باب : الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة (٦٤٢)،
مسلم: كتاب الحيض، باب: الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء (٣٧٦).
- ٤٦٠-