Indexed OCR Text

Pages 321-340

ابن هبيرة . روى عن : سليمان بن صُرُد ، وعمرو بن حريث . وسمع :
عبيد الله بن عبد الله ، وسعيد بن جبير . روى عنه : الثوري ، وزائدة ،
وأبو الأحوص ، وأبو عوانة . وقال ابن عيينة : كان من الثقات . وقال
أبو حاتم : صالح يُكتبُ حديثه . روى له الجماعة (١) .
وعمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص أبو إبراهيم
السهمي القرشي المدني . سمع أباه ، وجُلّ روايته عنه ، وسعيد بن
المسيب ، وطاوساً (٢) ، ومجاهداً، وعروة بن الزبير ، وغيرهم . روى
عنه : عطاء بن أبي رباح ، والزهري ، وعمرو بن دينار ، وقتادة ، وثابت
البناني ، وجماعة آخرون كثيرة . وقال أبو زرعة : روى عنه الثقات ،
وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه ، عن جده ، وإنما سمع أحاديث
يسيرة ، وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها ، وما أقل ما نصيبُ عنه مما روى
عن غير أبيه ، عن جده من المنكر ، وعامة هذه المناكير التي تُروى عنه إنما
هي عن المثنى بن الصباح ، وابن لهيعة والضعفاء . وقال أبو زرعة أيضاً :
هو مكي ثقة في نفسه . وقال العجلي : هو ثقة . وقال يحيى بن سعيد :
إذا روى الثقات عنه فهو ثقة يحتج به . وقال الدارقطني : هو ثقة . وقال
يحيى القطان : هو عندنا واهي الحديث . وقال يحيى بن معين : ثقة .
وقال مرة : ليس بذلك . وقال أحمد : ليس بحجة ، وقال مرة : ربما
احتججنا به ، وربما وجس في القلب منه شيء ، وله مناكير . وقال
البخاري : رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله والحميدي وإسحاق بن
إبراهیم یحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . روى له :
أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (٣).
وأبوه شعيب بن محمد ابن عمرو . سمع : جده عبد الله بن عمرو بن
العاص ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عباس . روى
عنه: ابناه عُمر وعمرو ابنا شعيب ، وثابت البناني ، وعطاء الخراساني ،
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٢٧١/٢٩).
(٢) في الأصل: ((وطاوس)).
(٣) المصدر السابق (٤٣٨٥/٢٢) .
٢١ • شرح سنن أبي داوود ١
- ٣٢١-

وزياد بن عمرو . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن
ماجه (١) .
وجد شعيب عبد الله بن عمرو بن العاص ، وقد ذكرنا كلا منهما مرةً.
قوله: ((كيف الطُّهورُ؟)) بضم الطاء .
قوله: ((السباحتين)) السباحة والُسبّحة: الإصبع التي تلي الإبهام ،
سميت بذلك لأنها يُشار بها عند التسبيح .
قوله: ((فقد أساء)) أي: في الأدب ، بتركه السُّنَّة ، والتأدب بآداب
الشرع ، وظلم نفسه بما نقصها من الثواب بتزداد المرات في الوضوء ،
[٤٧/١- ب] وقيل: إن الإساءة ترجع إلى الزيادة، / والظلم يرجع إلى النقصان ؛ لأن
الظلم وضع الشيء في غير موضعه . قلت : هذا إنما يمشي في رواية
تقديم الإساءة على النقصان . وقيل : معناه زاد على الثلاث معتقداً أن
السُّنَّة لا تحصل بالثلاث ، أو نقص معتقداً أن الثلاث بخلاف السُّنَّة .
فإن قلت : كيف يكون ظالماً في النقصان ، وقد ورد في الأحاديث
الوضوء مرة مرة ، ومرتين مرتين . قلت : الجواب عن ذلك من ثلاثة
وجوه :
الأول : أن المعنى يكون ظالماً لنفسه في تركه الفضيلة والكمال ، وإن
كان يجوز مرة مرة أو مرتين مرتين .
والثاني : أنه إنما يكون ظالماً إذا اعتقد خلاف السّنّة في الثلاث كما
ذكرنا .
والثالث : أن هذا الحديث فيه مقال من جهة عمرو بن شعيب كما
ذكرنا. وقال (٢) الشيخ تقي الدين في ((الإمام)): هذا الحديث صحيح
عند من يصحح حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، لصحة
الإسناد إلى عمرو .
(١) المصدر السابق (٢٧٥٦/١٢).
(٢) انظر: نصب الراية (٢٩/١).
-٣٢٢-

وأخرج النسائي ، وابن ماجه هذا الحديث أيضاً من حديث عمرو بن
شعيب، وفي لفظ لابن ماجه: (( وتعدى وظلم))، والنسائي: (( فقد
أساء وتعدى وظلم )) .
٤٥ - باب : الوضوء مرتین
أي : هذا باب في بيان الوضوء مرتين مرتين .
١٢٥ - ص - حدثنا محمد بن العلاء قال : نا زيد - يعني : ابن حُباب -
عن عبد الرحمن بن ثوبان قال : نا عبد الله بن الفضل الهاشمي ، عن
الأعرج، عن أبي هريرة: ((أن النبيّ - عليه السلام - تَوضأَ مَرَتين مَرتين))(١).
ش - زيد بن الحباب بن الريان ، وقيل : [ ابن ] رومان أبو الحسن
العُكْليُّ الكوفي التميمي (٢) . سمع: مالك بن أنس ، وحماد بن سلمة،
وعكرمة بن عمار ، وابن المبارك ، وغيرهم . روى عنه : أحمد بن
حنبل، وعليّ بن المديني (٣) ، ونصر بن عليّ، وأبو كريب ، ومحمد بن
رافع ، وجماعة آخرون . وقال ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم :
صدوق صالح . توفي سنة ثلاث ومائتين . روى له الجماعة إلا
البخاري (٤) .
وعبد الرحمن بن ثوبان أبو عبد الله العَنْسي - بالنون- الزاهد الدمشقي.
سمع أباه ، ونافعاً ، وعطاء بن أبي رباح ، والزهري ، ومنصور بن
المعتمر ، وعبد الله بن الفضل ، وغيرهم . روى عنه : الوليد بن مسلم،
وعليّ بن عياش ، وزيد بن الحباب ، وعاصم بن عليّ ، وغيرهم . وقال
ابن المديني : ليس به بأس ، وكذا قال ابن معين . وقال أبو حاتم : أبوه
(١) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء مرتين مرتين (٤٣).
(٣) في الأصل: ((علي بن المدائني)).
(٢) في الأصل: (( التيمي)).
(٤) انظر ترجمته فى: تهذيب الكمال (٢٠٩٥/١٠) .
-٣٢٣-

من كبار أصحاب مكحول ، ثقة ، وتغير عقله في آخر حياته ، وهو
مستقيم الحديث . روى له : أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (١) .
وعبد الله بن الفضل بن عبد الرحمن (٢) بن العباس بن ربيعة بن
الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المدني . سمع : أنس بن مالك ،
وأبا سلمة بن عبد الرحمن ، ونافع بن جبير بن مطعم ، وعبد الرحمن بن
هرمز الأعرج . روى عنه : موسى بن عقبة ، ومالك بن أنس ، ومحمد
ابن إسحاق بن يسار . وقال أحمد بن حنبل : لا بأس به . وقال ابن معين
وأبو حاتم : ثقة . روى له الجماعة (٣).
والأعرج هو عبد الرحمن .
قوله: (( مرتين)) نصبه على أنه مصدر في الأصل ؛ لأن معنى قولك :
ضربت مرة أو مرتين ضربة أو ضربتين . وأما التَّكْرار فهو للتأكيد ، ومعنى
قوله: (( توضأ مرتين )) يعني : غَسلَ أعضاءه الثلاثة ، ومسح رأسه مرتين
مرتين . وأخرجه الترمذي وقال: ((هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه
إلا من حديث ابن ثوبان ، عن عبد الله بن الفضل ، وهو إسناد حسن
صحيح)) . والحديث الذي يلي هذا الحديث مذكور في بعض النسخ في
(باب الوضوء مرة مرة)).
١٢٦ - ص - حدّثنا عثمان بن أبي شيبة قال : نا محمد بن بشر قال : نا
هشام بن سعد قال : نا زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار قال : قال لنا ابن
عباس: أَتَحِبُّونَ أنْ أُرِيَكُم كيفَ كانَ رسولُ اللهِ وَلا يتوضأُ ؟ فدعا بإناء فيه ماءٌ،
فاغْترفِ غَرفةً بيده اليُمنى ، فتمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ ، ثم أَخذَ أُخرىٌ فَجَمعَ
(١) المصدر السابق (٣٧٧٥/١٧).
(٢) قال محقق ((تهذيب الكمال)): ((جاء في حواشي النسخ تعليق للمصنف
يتعقب فيه صاحب ((الكمال)) نصه : كان فيه عبد الله بن الفضل بن
عبد الرحمن بن العباس . وعبد الرحمن زيادة لا حاجة إليها . وقد ذكر
الواقدي الفضل بن العباس هذا فيمن قتل بالحرة)» .
(٣) المصدر السابق (٣٤٨٣/١٥).
-٣٢٤-

بها يديه ، ثم غَسَلَ وجهَه ، ثم أَخذَ أُخرى فَغَسَلَ بها يَدَه اليُمنى، ثم أَخذَ
أُخْرَى فَغسلَ بها يَدَه اليُسْرِى، ثم قَبَضَ قَبضةً [أُخرى](١) من الماء ، ثم
نفض يده، ثم مَسحَ رأسَهُ (٢) وأُذُنيه، ثم قَبضَ قَبضةٌ أُخْرى من الماء فَرَشٌ
على رِجْلُه اليُمنى وفيها النَّعْلُ، ثم مَّسَحَها بِيَدِه (٣) يد فَوقَ القَدَمِ ويدِ تحتَ
النَّعْلِ ، ثم صَنعَ باليُسْرِى مِثلَ ذَلِكَ)) (٤) .
ش - محمد بن بشر العبدي . روى عنه / البخاري . وروى له [٤٨/١-١]
أبو داود (٥) .
وهشام بن سعد أبو سعيد (٦) ، ويقال : أبو عباد المدني القرشي ،
مولى آل أبي لهب . سمع : نافعاً ، وزيد بن أسلم ، والزهري ،
وغيرهم . روى عنه : الثوري ، والقعنبي ، وأبو نعيم، والليث بن سعد،
وغيرهم وقال أحمد : لم يكن بالحافظ ، وفي رواية : ليس بمحكم
الحديث . وعن ابن معين : فيه ضعف ، وفي رواية : هو صالح . وقال
أبو حاتم : يُكتبُ حديثُه ، ولا يحتج به ، هو ومحمد بن إسحاق عندي
واحد . وقال أبو زرعة: محله الصدق. روى له الجماعة إلا البخاري(٧).
وزيد بن أسلم أبو أسامة القرشي العدوي المدني ، مولى عمر بن
الخطاب . روى عن : أبيه ، وعبد الله بن عمر ، وأنس بن مالك ،
وجابر بن عبد الله ، وعطاء بن يسار ، وعمران بن أبان ، وغيرهم .
(١) غير موجود في سنن أبي داود .
(٢) في سنن أبي داود: ((مسح بها رأسه)).
(٣) في سنن أبي داود: (( بيديه: يد فوق)).
(٤) البخاري : كتاب الطهارة، باب : الوضوء مرة مرة ، الترمذي : كتاب
الطهارة، باب : ما جاء في الوضوء مرة مرة (٤٢) ، النسائي: كتاب الطهارة،
باب : الوضوء مرة مرة (٦٢/١)، ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : ما جاء
في الوضوء مرة مرة (٤١١) .
(٥) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٠٨٨/٢٤)، وفيه: ((روى له الجماعة)).
(٧) المصدر السابق (٦٥٧٧/٣٠) .
(٦) في الأصل: ((أبو سعد)) خطأ.
- ٣٢٥-

روى عنه : مالك ، ومعمر ، وهشام بن سعد ، والزهري ، والثوري ،
وغيرهم . وقال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث . توفي سنة ثلاث
وثلاثين ومائة بالمدينة . روى له الجماعة (١) .
وعطاء بن يسار : أبو محمد المدني الهلالي ، مولى ميمونة زوج النبي
- عليه السلام - ، أخو سليمان وعبد الملك وعبد الله . سمع : أُبي بن
كعب ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن سلام ، وابن عباس ، وابن
عُمر ، وابن عَمرو ، وأبا أيوب الأنصاري ، وأبا واقد الليثي ، وأبا رافع
مولى النبي - عليه السلام - ، وأبا هريرة ، وأبا سعيد الخدري ،
وغيرهم. روى عنه : أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وعمرو بن دينار ،
وزيد بن أسلم ، وصفوان بن سُلَيم، وغيرهم. وقال ابن معين وأبو زرعة:
هو ثقة . توفي سنة ثلاث أو أربع ومائة . روى له الجماعة (٢).
قوله: ((أتحبون)) الهمزة فيها للاستفهام ، تدخل النفي والإثبات في
الاستعمال .
قوله: (( فمضمض واستنشق)) أي : بتلك الغرفة الواحدة ، وفيه دليل
لأحد الوجوه الشافعية في المضمضة والاستنشاق .
قوله : (( ثم أخذ أخرى)) أي : قبضة أخرى .
قوله : (( ثم مسح رأسه وأذنيه )) فيه دليل للحنفية .
قوله: (( وفيها النعل)) جملة وقعت حالاً من قوله: ((على رجله )).
قوله : (( ثم مسحها)) أي : غسلها ، كما ذكرنا أن المسح يجيء بمعنى
الغسل ، والنعل لا يمنع غسل الرجل ؛ لأنه لا يغطي الرِّجل ، ولا يمنع
من وصول الماء إليها ، والدليل على أنه غسل قوله: (( يد فوق القدم ويد
تحت القدم)) ، ولو كان هذا مثل مسح الخفين لكان اكتفى بمسح بعض
القدم ، وكونه استغرقها يدل على أنه غُسل ؛ لأن الغسل هو الإسالة ،
وقد حصلت بتلك الضربة ، ولا سيما إذا رفق بها الرجل .
(١) المصدر السابق (٢٠٨٨/١٠).
(٢) المصدر السابق (٣٩٤٦/٢٠).
-٣٢٦-

وقوله: (( يد فوق القدم)) مجرور على أنه بدل من قوله: ((بيده))،
والدليل على ما قلنا رواية البخاري في هذا الحديث : (( ثم أخذ غَرفة من
ماء ، فرش على رجله اليمنى حتى غسلها ، ثم أخذ غَرفةً أخرى ، فغسل
بهاً رجله اليسرى))، وفي لفظ النسائي: ((ثم غَرف غَرفةٌ فغسل رجله
اليمنى، ثم غَرف غَرفةً فغسل رجله اليسرى )) ، وأخرجه الترمذي أيضاً
وابن ماجه مفرقاً بنحوه مختصراً ، وأخرجه البخاري مطولاً ومختصراً ،
وكل ذلك يُوضح ما أُبهم في رواية أبي داود .
٤٦ - باب : الوضوء مرّة مرّة
أي : هذا باب في بيان الوضوء مرة مرة .
١٢٧ - ص - حدثنا مسدد قال : نا يحيى ، عن سفيان قال : حدثني زيد
ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: ((أَلا
أُخبرُكُم بوضوء رسول الله وَلَ؟ فَتوضأً مرةً مرةً)) (١).
ش - مسدد بن مسرهد ، ويحيى القطان ، وسفيان الثوري ، وهذا
الحديث طرف من الحديث الذي قبله ، وترجم له باباً على حدة كما ترجم
البخاري والترمذي والنسائي على طرف من هذا الحديث (( الوضوء مرة
مرة)) .
٤٧ - باب : الفرق بين المضمضة والاستنشاق
أي : هذا باب في بيان أن المضمضة ينبغي أن تفرق وتفصل من
الاستنشاق .
١٢٨ - ص - حدَّثْنا حُميد بن مَسعدةَ قال: نا معتمر، قال: سمعت ليْئاً
يذكرُ عن طلحةَ، عن أبيه، عن جده قال: (( دَخلتُ - يعني : على النبيُّ
(١) انظر الحديث السابق ، فهو طرف منه .
-٣٢٧-

- عليه السلام - وهو يَتَوضأُ، والماءُ يَسيلُ من وجْهه ولحْيَتَه على صَدْره،
فرأيتُهُ يَفْصلُ بين المضمَضَةِ والاسْتِنْشَاقِ)) (١).
ش - حُميد بن مَسْعدة بن المنير السامي الباهلي (٢) أبو علي. روى
[٤٨/١-ب] عن: حماد / بن زيد ، وحرب بن ميمون ، وجعفر بن سليمان ، ومعتمر
ابن سليمان ، وغيرهم . روى عنه : أبو زرعة ، ومسلم ، وأبو داود ،
والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وغيرهم . وقال أبو حاتم : كان
صدوقاً . توفي سنة أربع وأربعين ومائتين (٣).
ومعتمر بن سليمان بن طرخان قد ذكر . وليث هو ابن أبي سُليم ، وقد
ذكر . وطلحة هو ابن مصرف بن عمر[و] بن كعب ، كلهم قد ذكروا .
قوله: ((وهو يتوضأ)) جملة وقعت حالاً من ((النبي - عليه السلام -)).
قوله: ((والماء يسيل من وجهه)) أيضاً جملة وقعت حالاً ، ويجوز أن
يكون من الأحوال المتداخلة ، أو الأحوال المترادفة ، وفيه دليل أن الماء
المستعمل لا يُعطَى له حكم الاستعمال إلا بالاستقرار في موضع ، وهو
القول الصحيح للحنفية .
قوله: (( فرأيته)) أي: فرأيت النبي - عليه السلام - يفصل بين المضمضة
والاستنشاق بالماء ، والمعنى : أخذ لكل منهما ماء برأسه ؛ لأن الفصل لا
يكون إلا هكذا .
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) قال محقق تهذيب الكمال: ((قال مغلطاي - وهو محق -: أنَّى يجتمع سامة
ابن لؤي بن غالب وباهلة بن أعصر ؟ هذا ما لا يمكن إلا بأمر مجازي لا
يستعمل هنا)).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٥٣٨/٧).
-٣٢٨-

٤٨ - باب : في الاستنثار
أي : هذا باب في بيان الاستنثار ، وهو استفعال من نثر ينثر - بالكسر -
إذا امتخط ، وقد بينا الكلام فيه مستوفى .
١٢٩ - ص - حدّثنا عبد الله بن مَسلمة، عن مالك، عن أبي الزناد ، عن
الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسولَ الله وَِّ قال: ((إذا تَوضأ أحدُّكُمْ فَلْيجعلْ
في أنْفِهِ ماءً، ثم لينَثِرْ (١))) (٢) .
ش - قوله: (( ثم لينتثر)) أي: ليمتخط ، وهذا يدل على [ أن ]
الاستنثار غير الاستنشاق ، وأنه هو إخراج الماء بعد الاستنشاق مع ما في
الأنف من مخاط وشبهه ، وهذا يرد على من ذكر في الروايات المتقدمة أن
الاستنثار والاستنشاق واحد ، وقد تمسك به من يقول بوجوب الاستنشاق
لمطلق الأمر . قلنا : الأمر محمول على الندب لقيام الأدلة الدالة عليه .
وأخرجه البخاري ، والنسائي ، ومسلم أيضاً من وجه آخر .
١٣٠ - ص - حدّثنا إبراهيم بن موسى قال : أخبرنا وكيع قال : نا ابن
أبي ذئب ، عن قارظ ، عن أبي غطفان ، عن ابن عباس قال : قال رسولُ الله
-عليه السلام -: ((اسْتَنْثِرُوا مرتينِ بِالغَتين أو ثلاثاً)) (٣).
مے
ش - إبراهيم بن موسى بن يزيد بن زاذان (٤) قد ذكر ، وكذا وكيع بن
الجراح ، وكذلك ابن أبي ذئب .
وقارظ - بالقاف والظاء المعجمة - ابن شيبة بن قارظ ، من بني ليث
(١) في سنن أبي داود: ((لينثر)).
(٢) البخاري: كتاب الوضوء، باب: الاستنثار في الوضوء (١٦١)، مسلم :
كتاب الطهارة ، باب : الإيتار في الاستنثار والاستجمار (٢٣٧) ، النسائي :
كتاب الطهارة ، باب : الاستنثار (٦٥/١، ٦٦).
(٣) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: المبالغة في الاستنشاق والاستنثار (٤٠٨).
(٤) في الأصل: ((ذان)).
-٣٢٩-

ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة أخو عمرو ، من حُلفاء بني زهرة . روى
عن : سعيد بن المسيب ، وأبي غطفان . روى عنه : أخوه عمرو ، وابن
أبي ذئب . توفي بالمدينة في خلافة عبد الملك ، وكان قليل الحديث .
روی له : أبو داود ، وابن ماجه (١) .
وأبو غطفان بن طريف المُرِّي ، ويقال : ابن مالك . روى عن : ابن
عباس ، وأبي هريرة . روى عنه : إسماعيل بن أمية ، وعمر بن حمزة بن
عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وداود بن الحصين ، وقارظ بن شيبة . قال
محمد بن سعد : كان قد لزم عثمان ، وكتب له ، وكتب أيضاً لمروان .
روى له الجماعة إلا البخاري (٢).
قوله: (( بالغتين )) أي : كاملتين فيه دليل على أن الاستئثار لا يلزم أن
يكون مع كل استنشاقة . وأخرجه ابن ماجه .
١٣١ - ص - حدّثنا قتيبة بن سعيد في آخرين قالوا : نا يحيى بن سليم،
عن إسماعيل بن كثير ، عن عاصم بن لقيط بن صَبرة ، عن أبيه لقيط بن
صَبْرة قال: كُنْتُ وافدَ بَنِي المنتَفِقِ أو في وفدٍ بَنِي المنَتَفِقِ إلى رسول الله وَالو
قالَ : فلما قَدمنَا على رسولِ اللهَ فَلَمْ نُصادفْهُ فَيَ منزلهَ،َ وصادفْنَاَ عائشةً
أمَّ المؤمنينَ - رضي الله عنهاَ - قَالَ: فأَمرتْ لَنْا بِخَزِيَرَّةً فصُنعتْ لنا . قال:
وأُتِينَا بقناع - ولم يُقُمْ (٣) قتيبة القَنَاع، والقنَاعُ طبَقٌّ فيه تَّمرٌ - ثم جاءَ
رسولُ الله فقال: هلَّ أصبتُمْ شيئاً ؟ أَوْ أُمِرَ لكُم بشيء ؟ قال : فقلنا : نعم
يا رسولَ الله، قال: فَبَيْنَا نحنُ مع رسول الله جُلُوسٌ إذْ دَفعَ الراعِي غَنَمَهُ إلى
الْمُرَاحِ، ومَعَه سَخْلَةٌ تَيْعَرُ ، فقال: ما وَلَّدَتَ يا فُلانُ ، قال : بَهْمة ، قال :
فاذبحْ لنا مكانَها شاةً ثم قال: لا تَحسِبَنَّ، ولم يقل: لا تَحسَبَنَّ أنَّا من أجْلكَ
ذبحنَاهَا ، لنا غنمٌ مائةٌ لا نُريدُ أن تزيدَ ، فإذا ولَّد الراعي بهمةً ذَبَحْنَا مكانها
شأةً ، قال : قلتُ : يا رسولَ الله ، إنّ لِي امرأةً وإن فِ لسَانِهَا شيئاً - يعني:
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٧٧٩/٢٣).
(٢) المصدر السابق (٣٤ /٧٥٦٥) .
(٣) في سنن أبي داود: ((ولم يقل)).
- ٣٣٠-

[٤٩/١-أ]
البَذَاء - / قال : فطَلِّقْها إذاً. قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ لَهَا صُحْبةً ولي
منها ولدٌ. قَالَ : فَمُرْهَا. يقول: عظْهَا، فإنْ يكُ فيها خيرٌ فَستَفْعَل ، ولا
تَضربْ ظَعِينَتَكَ كَضَرْبِكَ أُمَّيَّتَكَ . قلت : يا رسولَ الله ، أخبرني عن
الوضوء. قالَ: أَسْبِغِ الوُضوءَ، وَخَلِّلْ بينَ الأصَابِعِ ، وبالغْ في الاسْتنشاق إلا
أن تكونَ صائماً)) (١) .
ش - يحيى بن سُليم أبو محمد ويقال : أبو زكريا القرشي الطائفي
الخَرَّاز - بالخاء المعجمة ، والراء وفي آخره زاي - الحذاء المكِّي . روى
عن موسى بن عقبة (٢) ، وسمع : إسماعيل بن أمية ، وإسماعيل بن
كثير، وابن جريج ، وغيرهم . روى عنه : ابن المبارك ، ووكيع ،
والشافعي ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وغيرهم . قال ابن سعد : كان ثقة
كثير الحديث . روى له الجماعة (٣) .
وإسماعيل بن كثير المكِّي أبو هاشم . روى عن : مجاهد ، وسعيد بن
جبير ، وعاصم بن لقيط بن صبرة . روى عنه : ابن جريج ، والثوري ،
ويحيى بن سُليم الطائفي ، وداود بن عبد الرحمن العطار . قال أحمد :
ثقة . وقال أبو حاتم : صالح . وقال ابن سعد : ثقة كثير الحديث .
روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (٤) .
وعاصم بن لقيط بن صَبِرَةَ العُقيلي الحجازي . روى عن أبيه . روى
عنه إسماعيل بن كثير . قال البخاري : هو عاصم بن أبي رزين . روى
له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (٥) .
(١) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في تخليل الأصابع (٣٨)، وكتاب:
الصوم ، باب : ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم (٧٨٨) ،
النسائي: كتاب الطهارة ، باب : المبالغة في الاستنشاق (٨٧) ، ابن ماجه :
كتاب الطهارة ، باب : المبالغة في الاستنشاق والاستنثار (٤٠٧) .
(٢) في الأصل: ((عيينة)) خطأ.
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٨٤١/٣١).
(٤) المصدر السابق (٤٧٣/٣).
(٥) المصدر السابق (٣٠٢٥/١٣).
- ٣٣١-

ولقيط (١) بن صَبَرَة بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل أبو رزين
العقيلي ، عداده في أهل الطائف ، ومنهم من يجعل لقيط بن صَبرة لقيط
ابن عامر بن صَبِرة ، ومنهم من يجعله غيره . قال ابن عبد البر : وليس
بشيء . وقال أبو محمد عبد الغني : أبو رزين العقيلي لقيط بن عامر ،
وهو لقيط بن صَبِرة . وقيل : إنه غيره ، وليس بصحيح . كان النبي
-عليه السلام - يكره المسائل ، فإذا سأله أبو رزين أعجبه (٢) مسألته.
روى عنه : ابن أخيه وكيع بن عُدُس ، ويقال : ابن حدس ، وابنه
عاصم، وعمرو بن أوس . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ،
وابن ماجه (٣) .
وصَبرة : بفتح الصاد المهملة ، وكسر الباء الموحدة ، وفتح الراء
المهملة، وبعدها تاء تأنيث ، وبعضهم يُسكن الباء .
قوله: ((في آخرين)) أي: في جماعة آخرين ، أشار بهذا إلى أن
أبا داود روى هذا الحديث عن قتيبة وهو بين جماعة كثيرة ، وكل واحد
منهم حدَّث عن يحيى بن سُليم ، وموضعها النصب على الحال ،
والتقدير: حدثنا قتيبة بهذا الحديث حال كونه مُحدثاً به في جماعة آخرين.
و(آخرين)) جمع ((آخر)) بفتح الخاء، والفرق بين ((الآخَر)» بالفتح ،
و((الآخر)) بالكسر : أن المفتوح اسم التفضيل وفيه معنى الصفة ؛ لأن
(١) قال الحافظ في ((التهذيب)) (٤٥٧/٨): ((تناقض في هذا المزي، فجعلهما
هنا واحداً ، وفي الأطراف اثنين ، وقد جعلهما ابن معين واحداً ، وقال : ما
يعرف لقيط غير أبي رزين ، وكذا حكى الأثرم عن أحمد بن حنبل ، وإليه
نحا البخاري ، وتبعه ابن حبان وابن السكن ، وأما عليّ بن المديني وخليفة بن
خياط وابن أبي خيثمة وابن سعد ومسلم والترمذي وابن قانع والبغوي وجماعة
فجعلوهما اثنين . وقال الترمذي : سألت عبد الله بن عبد الرحمن عن هذا ،
فأنكر أن يكون لقيط بن صبرة هو لقيط بن عامر )) .
(٢) كذا، وفي تهذيب الكمال: ((أعجبته)).
(٣) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٣٢٤/٣)، و(٧١/٤) ، وأسد
الغابة (٥٢٢/٤ - ٥٢٣)، والإصابة (٣٢٩/٣).
-٣٣٢-

((أفعل من كذا)) لا يكون إلا في الصفة ، ومعناه أحد الشيئين ، والأنثى منه
أخرى، والجمع ((آخرون)). وأما المكسورة فهي صفة، ومعناه: بعد
الأول ، تقول : جاء آخر ، أي : أخيراً ، والأنثى منه : آخرة ، والجمع
((أواخر)).
فإن قيل : إذا كان آخَر - بالفتح - اسم التفضيل ، ينبغي أن يستعمل
باللام أو الإضافة، أو (( من )) كما عرف في اسم التفضيل . قلت : قد
يستعمل اسم التفضيل مجرداً عن هذه الثلاثة نحو : الله أكبر ، أي : أكبر
من كل شيء ، وهنا أيضاً إذا قلت : حدثني فلان وفلان آخر معناه آخر
من الأول فافهم .
قوله: (( كنت وافد بني المنتفق)) الوافد واحد الوفد ، والوَفْد : القوم
الذين يأتون الملوك ركباناً ، وقيل : هم القوم يجتمعون ويَرِدُون البلاد ،
والذين يقصدون الأمراء للزيارة أو الاسترفاد ، تقول : وفد يفد فهو وافد ،
وأوفدته فوفد ، وأوفد على الشيء فهو مُوفِد ، والمنتفق : بضم الميم ،
وسكون النون ، وفتح التاء المثناة من فوق ، وكسر الفاء ، وبعدها قاف :
هو المنتفق بن عامر بن عُقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن
معاوية بن بكر بن هوازن ، قبيل مشهور منهم جماعة من الصحابة ،
وغيرهم .
قوله: ((فلم نُصادفه)) أي: لم نجده، قال في ((الصحاح)): صادفت
فلاناً وجدته .
قوله: ((في منزله)) المنزل المنهل ، والدار والمنزلة مثله .
قوله: (( بخزيرة)) الخزيرة من الأطعمة : بفتح الخاء المعجمة ، وكسر
الزاي ، وسكون الياء آخر الحروف ، وبعدها راء مهملة ، وتاء تأنيث :
ما اتخذ من دقيق ولحم ، يقطع اللحم / صغاراً ، ويصب عليه الماء ، [٤٩/١ - ب]
فإذا نضج ذُرَّ عليه الدقيق ، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة ، والحريرة:
بفتح الحاء المهملة ، ورائين مهملتين : حساء من دقيق ودسِم .
- ٣٣٣-

قوله: ((بقناع)) القناع: بكسر القاف - كذا ذكر في (( دستور اللغة)) في
باب القاف المكسورة - : وهو الطبق الذي يؤكل عليه .
وقال الخطابي (١): ((سُمي قناعاً لأن أطرافه قد أقنعت إلى داخل ،
أي: عُطفت)).
وقال ابن الأثير (٢): ((ويقال له : القُنع بالكسر والضم ، وقيل :
القناع جمعه ، وهو الطبق من عُسُب النخل )).
قوله: ((ولم يُقُم قتيبةُ القِناع)) أي: لم يثبته .
قوله : ((هل أصبتم شيئاً؟)) أي: هل وجدتم شيئاً مما يؤكل ؟
قوله: ((فبينا نحن)) أصل ((بينا)): ((بينَ))، فأشبعت الفتحة وصارت
ألفاً يقال : بينا وبينما ، وهما ظرفا زمان بمعنى المناجاة ، ويضافان إلى
جملة من فعل وفاعل ، أو مبتدإ وخبر ، ويحتاجان إلى جواب يتم به
المعنى ، والأفصح في جوابهما : أن لا يكون فيه إذ وإذا ، وقد جاءا كثيراً
في الجواب تقول : بينا زيد جالس دخل عليه عمرو ، وإذ دخل عليه ،
وإذا دخل عليه ومنه قول الحرقة بنت النعمان :
إذا نحن فيهم سوقة تتنصف
بینا نسوس الناس والأمرُ أمرُنا
وقوله: ((نحن)) مبتدأ وخبره قوله: ((جلوسٌ))، والجلوس جمع
((جالس)) كالسجود جمع ((ساجد))، وهي جملة أضيفت إليها ، فـ ((بينا))
وجوابها قوله: ((إذ دفع الراعي غنمه))، وفي بعض النسخ: ((إذ رفع))
بالراء ، والغنم اسم مؤنث موضوع للجنس ، يقع على الذكور وعلى
الإناث ، وعليهما جميعاً .
قوله: ((إلى المُرَاح)) المراح - بضم الميم - الموضع الذي تروح إليه
الماشية ، أي : تأوي إليه ليلاً ، وأما بالفتح فهو الموضع الذي يروح إليه
القوم ، أو يروحون منه ، كالمغذى للموضع الذي يُغذى منه .
(١) معالم السنن (٤٦/١).
(٢) النهاية (٤ /١١٥).
-٣٣٤-

قوله: ((ومعه سخلةٌ)) السخلة - بفتح السين المهملة ، وسكون الخاء
المعجمة - وقال أبو زيد : يقال لأولاد الغنم ساعة وضعه من الضأن والمعز
جميعاً ، ذكراً كان أو أنثى سخلةٌ ، وجمعه سِخَل وسِخَالٌ .
قوله : (( تيعر )) صفة للسخلة ، من اليعار وهو صوت الشاة .
وقال ابن الأثير: يقال (١): ((تعرت العنز تيعر - بالكسر - يُعاراً
-بالضم - أي: صاحت)). وفي (( الجمهرة )) : تيعِر وتيعَر - بالكسر
والفتح -، وكذا في ((الدستور)).
قوله: ((ما ولَّدت)): بتشديد اللام على معنى خطاب الشاهد. وقال
الخطابي (٢): ((وأصحاب الحديث يروونه على معنى الخبر ، يقولون : ما
ولَدت - خفيفة اللام ساكنة التاء - أي : ما ولدت الشاة ، وهو غلط ،
يقال : ولدت الشاة إذا حَضرتَ ولادتَها فعالجتها حتى يَبينَ منها الولد )).
والمُوَلِّد والناتج للماشية كالقابلة للنساء ، والمولدة القابلة .
قوله: ((بَهمة)) والبهمةُ: ولد الشاة أول ما تولد ، يقال للمذكر
والمؤنث ، والسِّخال أولاد المعز ، فإذا اجتمع البهائم والسِّخال قلت لهما
جميعاً بهامٌ وبُهم أيضاً ، وجعل لبيد في شعرهِ أولادَ البقر بهاماً ، وقيل :
البُهمة الذكر والأنثى من أولاد بقر الوحش والغنم والماعز . وقيل : قوله
-عليه السلام - : ((ما ولَّدت)) وجوابه: ((ببُهمة)) يدل على أن البُهمةَ
اسم للأنثى ؛ لأنه إنما سأله ليُعلمه أذكر وَلَّدَ أم أنثى ، وإلا فقد كان يعلم
أنه إنما وَلَّد أحدهما .
قوله: (( لا تَحسَبن أنَّا من أجلك ذبحناها)): (((٣) معناه: ترك الاعتداد
به على الضيف ، والتبرؤ من الرياء ، و((تحسبن )) مكسورة السين إنما هي
لغة عليا مصر، و((تَحسَبن)) بفتحها لغة : سفلاها ، وهو القياس عند
النحويين ؛ لأن المستقبل من فعل مكسور العين ((يفعَل)» مفتوحها كعَلِمَ
(١) النهاية (٢٩٧/٥).
(٣) انظر: معالم السنن (١ /٤٧).
(٢) معالم السنن (٤٦/١).
-٣٣٥-

يَعْلَمُ ، وعَجِل يَعْجَل ، إلا أن حروفاً شاذة قد جاءت نحو : نعِمِ ينعِم ،
ويَئِس بيئِس ، وحَسِب يحسِب ، وهذا في الصحيح ، فأما المعتل فقد جاء
فيه : وَدِمِ يَرِمُ ، ووَثِقِ بَثِقُ ، ووَرِعَ يَرِعُ )) .
قوله: ((أَنَّا من أجلك)) بالفتح ؛ لأن أن مع اسمه وخبره سَدَّ مَسَدَّ
مفعولي: ((لا تَحسَبن )).
قوله: (( لنا غنم مائة)) جملة وقعت كالتعليل في ذبح الشاة .
قوله : ((فإذا ولَّد الراعي )) بتشديد اللام .
قوله: ((البذاء)) بالذال المعجمة ممدوداً : الفحش في القول ، وقيل فيه:
بالقصر ، وليس بالكثير .
[١/ ٥٠-أ]
/ قوله: ((عظها)) أمر من وَعَظ يَعظ ، وأصله أوعظ ، فحذفت الواو
تبعاً لمضارعه، واستغنى عن الهمزة بحركة العين، فصار ((عظ)) على
وزن ((عِلْ))؛ لأن الساقط منه فاء الفعل .
قوله: ((فإن يك)) أصله: (( يكُن)) حذفت النون للتخفيف ، وهو كثير
في كلام العرب .
قوله: (( ولا تضرب ظعينتك)) الظعينة - بفتح الظاء المعجمة ، وكسر
العين المهملة - : المرأة ، سميت بذلك لأنها تظعن مع الزوج ، وتنتقل
بانتقاله ، وأصله الهوادج التي تكون بها ، ثم تسمى النساء كذلك ،
وقيل: لا تسمى إلا المرأة الراكبة ، وكثر حتى استعمل في كل امرأة ،
وحتى سمي الجمل الذي تركب عليه ظعينة ، ولا يقال ذلك إلا للإبل التي
عليها الهوادج .
قوله: (( كضربك أُميتك)) الضرب مصدر مضاف إلى فاعله ، ومفعوله
((أُميتك))، والأُمية تصغير أَمة ، صغرها لتحقير قدرها بالنسبة إلى الحرة .
قوله: (( أسبغ الوضوء )) أي : أكمله وتممه .
قوله: (( وخلل بين الأصابع)) التخليل: إدخال الشيء في خلال الشيء،
-٣٣٦-

وهو وسَطه ، والمعنى : أن يُدخلَ بعضَ أصابعه في بعض ، مبالغة في
استيفاء الفرض ، والمنقول عن مشايخنا في التخليل أنه من الأسفل إلى
فوق، لما روي في ((شرح مختصر الكرخي)) عن أنس: ((أنه - عليه
السلام - كان إذا توضأ شَبَّك أصابعه، كأنها أسنان المشط)) (١)، ولكن
الحديث بعمومه يتناول أيَّ تخليل كان ، ويتناول أيضاً تخليل أصابع اليدين
والرجلين .
قوله: (( وبالغ في الاستنشاق )) والمبالغة فيه : أن يتمخط في كل مرة ،
ويقال : يدخل إصبعه في أنفه ، وإنما استثنى حالة الصوم ؛ لأنه يخاف
عليه دخول الماء من خيشومه إلى حَلقه ، فيفسد صومه .
فإن قيل: (((١) السائل سأل عن الوضوء بقوله: أخبرني عن الوضوء،
فظاهر هذا السؤال يقتضي الجواب عن جملة الوضوء ، ليطابق الجواب
السؤال ، ولم يجبه - عليه السلام - إلا عن بعض الوضوء ، وهو خارج
عن أركانه ؟ قلت : اقتصر - عليه السلام - في الجواب على تخليل
الأصابع والاستنشاق ، لعلمه أنه لم يسأل عن حكم ظاهر الوضوء ، وإنما
سأله عَمَّا يخفى من حكم باطنه ، وذلك لأن غسل باطن الأنف غير
معقول من نص الكتاب في الآية ، ثم أوصاه بتخليل الأصابع ؛ لأن آخذَ
الماء قد يأخذه بجميع الكف ، وضم الأصابع بعضها إلى بعض ، فيسد ما
بينهما ، فربما لا يصل الماء إلى باطنها ، وكذلك في أصابع الرجل ؛ لأنها
ربما يركبُ بعضها على بعض حتى تكاد تلتحم ، فقدّم له الوضاءة
بتخليلها، وأكد القول فيها لئلا يغفلها .
ويستفاد من هذا الحديث فوائد ، الأولى : أن الرجل إذا نزل عند أحد
ضيفاً ولم يجده في منزله ، فالمستحب لأهله أن يطعموه شيئاً ، ولا
يؤخروه إلى حضور صاحب المنزل .
والثانية : يستحب أن يقدم للضيف خيار ما عندهم من المأكول .
(١) انظره فى معالم السنن (١/ ٤٧ - ٤٨)، فقد نقل المصنف معظمه، وزاد عليه .
٢٢ • شرح سنن أبي داوود ١
-٣٣٧-

والثالثة : يستحب للرجل إذا أتى منزله ووجد فيه ضيفاً يسأل عنه ، هل
أكل شيئاً ؟
والرابعة : يكره للرجل أن يمنّ على ضيفه ، أو يرائي في فعله .
والخامسة : يستحب للرجل أن يفارق المرأة الفحاشة .
والسادسة : يستحب له أن ينصحها ويعظها من الآيات والحديث .
والسابعة: أنه لا يأثم على إمساك امرأة فحاشة ؛ لأنه لما قال: (( إن لها
صحبة ، ولي منها ولد)) ، ما أمره بالطلاق ، بل أمره بالوعظ والنصيحة.
والثامنة : يفهم من صريح النهي عدم جواز ضرب المرأة ، وقد استدل
البعض بقوله: (( لا تضرب ظعينتك)) على عدم جواز ضرب الرجل
امرأته، وهذا ليس بصحيح ؛ لأن الله تعالى أباح ذلك بقوله :
﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (١) فله أن يضربها عند الحاجة إليه ، وإنما المراد من النهي
هاهنا تبريح الضرب ، كما تضرب المماليك في عادات من يستجيز ضربهن
ويستعمل سوء الملكة فيهم ، وتمثيله بضرب المماليك لا يوجب إباحة
ضربهم ، وإنما جرى ذكره في هذا على طريق الذَّم لأفعالهم ، ونهاه عن
الاقتداء بهم ، وقد نهى - عليه السلام - عن ضرب المماليك إلا في
[٥٠/١-ب] الحدود، / وأمرنا بالإحسان إليهم وقال: ((من لم يوافقكم منهم فبيعوه ،
ولا تعذبوا خلق الله))، وأما ضرب الدواب فمباح ؛ لأنها لا تنادى
بالكلام ، ولا تعقل معاني الخطاب كما يعقل الإنسان ، وإنما يكون تقويمها
غالباً بالضرب ، وقد ضرب رسول الله - عليه السلام - بعيره بمحجنه ،
ونخس جمل جابر حين أبطأ عليه فسبق الركب حتى ما مَلك رأسه .
والتاسعة : يستحب للرجل أن يسأل أهل العلم عما لا يعلمه .
والعاشرة : يستحب للعالم أن يجيب عن مسائل الناس ولا يكتم علمه،
فإن تعين عليه يجب عليه الجواب .
(١) سورة النساء: (٣٤).
-٣٣٨-

الحادية عشر : فيه دليل على أن إسباغ الوضوء سُنَّة .
الثانية عشر : فيه دليل على أن تخليل الأصابع سُنَّة .
الثالثة عشر : فيه دليل على أن الاستنشاق سُنَّة ، وقد ذهب بعضهم
إلى أنه واجب بظاهر الأمر ، وتخصيصه بالذكر مرتين أفعال الوضوء .
قلنا : قد دلت دلائل أخرى على أنه سُنَّة ، فيحمل الأمر هاهنا كذلك
ولو كان واجباً لكان على الصائم كهو على المفطر ، وأما تخصيصه بالذكر
والتحريض عليه ، إنما جاء لما فيه من المعونة على القراءة ، وتنقية مجرى
النفس الذي يكون به التلاوة ، وبإزالة ما فيه من الثقل تصح مخارج
الحروف . وقال ابن أبي ليلى ، وإسحاق بن راهويه : إذا ترك الاستنشاق
في الوضوء أعاد الصلاة ، وكذلك إذا ترك المضمضة .
الرابعة عشر : فيه دليل على أن المبالغة في الاستنشاق في حق الصائم
مكروهة ، وكذلك المضمضة .
الخامسة عشر : فيه دليل على أنه إذا بالغ فيه ذاكراً لصومه ، فوصل الماء
إلى دماغه فقد أفسد صومه )) (١) .
١٣٢ - ص - وحدَّثنا عقبة بن مُكْرَم قال : نا يحيى بن سعيد قال : نا ابن
جريج قال : حدَّثني إسماعيل بن كثير ، عن عاصم بن لقيط بن صَبْرَة ، عن
أبيه وافد بني المنتَفِقِ: أنه أتى عائشةَ، فذكر معناه، قال: فلم يَنْشبْ (٢) أن
جاءَ النبيَّ - عليه السلام - يتقلَّعُ يَتكفّأُ، وقال: ((عَصيدة)) مكان ((خَزِيرَةٍ))(٣).
ش - عقبة بن مكرمٍ بن أفلح أبو عبد الملك العمي البصري. روی عن:
محمد بن جعفر غندر ، ورِبعي ابن عُلية ، وأبي عاصم النبيل ، وغيرهم.
روى عنه : مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، والبغوي ،
وغيرهم . مات بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومائتين . قال الخطيب : وكان
ثقة (٤) .
(١) إلى هنا انتهى النقل من معالم السنن. (٢) في سنن أبي داود: ((ننشب)).
(٣) انظر الحديث رقم (١٣١).
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٩٨٨/٢٠).
-٣٣٩-

قوله: (( فذكر معناه)) أي: معنى الحديث المذكور . واختلف في نقل
الحديث بالمعنى ، فقالت طائفة من أصحاب الحديث ، والفقه ،
والأصول: لا يجوز مطلقاً ، وجوز بعضهم في غير حديث النبي - عليه
السلام - ولم يجوزوا فيه ، وعند الجمهور يجوز في الجميع إذا جزم بأنه
أدى المعنى ، وهذا هو الصواب الذي تقتضيه أحوال الصحابة فمَن بعدهم
في روايتهم القضية الواحدة بألفاظ مختلفة .
قوله: ((فلم ينشب )) يقال : لم ينشب أن فعل كذا ، أي : لم يلبث ،
وحقيقته : لم يتعلق بشيء غيره ولا سواه من نشب الشيء ينشبُ - مثل :
علم يعلم - نُشوباً ، أي : علق فيه ، وأنشبته أنا : أعلقته فانتشب ،
وأنشب العابد : أعلق، ونشبت الحرب بينهم : علقت، و((أن)) في
قوله: ((أن جاء)) مفسرة، مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا (١) إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ
الْفُلْكَ﴾ (٢) ، ويجوز أن تكون مصدرية ، والمعنى لم يلبث مجيئه.
قوله: ((يتقلع يتكفأ)) حالان إما من الأحوال المتداخلة ، أو من الأحوال
المترادفة ، ومعنى (( يتقلع : يمشي بقوة ، كأنه يرفع رجليه من الأرض رفعاً
قويا ، لا كمن يمشي اختيالاً ويقارب خطاه ، فإن ذلك من مشي الشاء ،
ويوصفْنَ به. ومعنى (( يتكفأ )) يتمايل كما تتمايل السفينة يميناً وشمالاً،
كذا فسره بعضهم . وقال الأزهري: (( هذا خطأ ، وهذه مشية المختال ،
وإنما معناه : يميل إلى جهة ممشاه ومقصده ، وقد يكون مذموماً إذا قُصدَ ،
فأما إذا كان خلقةً فلا)). وقال ابن الأثير (٣): ((روي غير مهموز ،
والأصل الهمز ، وبعضهم يرويه مهموزاً، ومعنى ((يتكفأ)): يتمايل إلى
قُدام ».
١٣٣ - ص - ونا محمد بن یحیی بن فارس قال : نا أبو عاصم قال : نا
ابن جريج بهذا الحديث قال فيه : ((إذا تَوضأتَ فَمَضْمضْ)) (٤).
(١) في الأصل: ((وأوحينا)).
(٣) النهاية (١٨٣/٤).
(٢) سورة المؤمنون : (٢٧) .
(٤) انظر الحديث رقم (١٣١).
- ٣٤٠ -