Indexed OCR Text
Pages 221-240
وموصوف كل واحد من الطوافين والطوافات محذوف ، أقيمت الصفة مقام موصوفها ، ويقدر ذلك بحسب ما يليق له ، مثل ما يقال : خدمٌ طوافون ، وحيوانات طوافات ، وقد قال الله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١) يعني المماليك والخدم الذين لا يُقْدر على التحفظ منهم غالباً، ويروى: ((والطوافات )) بواو العطف كما وقع هاهنا، ويروى بأو التي للشك وغيره ، وروي الوجهان عن مالك - رحمه الله - ، واحتج بذلك أبو يوسف من أصحابنا على أن سؤر الهر طاهر غير مكروه ، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ، وقال أبو حنيفة ومحمد : طاهر مكروه ، واحتجا بقوله - عليه السلام -: ((السُّنَّر سَبُع )) رواه الحاكم في (( مستدركه )) من حديث عيسى بن المسيب ، ثنا أبو زرعة ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَخله: ((السِّنور سَبُع)). قال الحاكم: حديث صحيح ولم يخرجاه (٢) . ورواه أيضاً الدارقطني في «سننه » في حديث طويل آخره: «السِّنَّورُ سَبُع))، ثم أخرجه مختصراً من جهة وكيع ومحمد بن ربيعة كلاهما عن عيسى بن المسيب (٣)، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام -: ((السُّنور سَبْع)). وقال وكيع: ((الهر سبع)) (٤). ووجه الاستدلال : أن المراد منه بيان الحكم لا بيان الخلقة ؛ لأنه - عليه السلام - مبعوث لبيان الأحكام والشرائع ، لا لبيان الحقائق ، فيكون حكم الهر كحكم السباع في النجاسة ، ولكن النجاسة سقطت بعلة الطَّوْفِ ، فانتفت النجاسة ، وبقيت الكراهة عملاً بالحديثين . وقال بعض أصحابنا : إن حديث الطَّوْفِ محمول على ما قبل التحريم فح (٥) يكون هذا الحديث منسوخاً ، فلم يبق العمل إلا بالحديث الثاني . وحديث الطوْف أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه . وقال الترمذي : هذا (١) سورة النور: (٥٨). (٢) (١/ ١٨٣). (٣) في الأصل: ((سعيد بن المسيب)) خطأ. (٤) سنن الدارقطني (٦٣/١). (٥) أي: ((فحينئذ)). - ٢٢١- حديث حسن صحيح . وقال : وهذا أحسن شيء في هذا الباب ، وقد جوَّد مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، ولم يأت أحد أتم من مالك ، وقال البخاري : جوَّد مالك بن أنس هذا الحديث ، وروايته أصح من رواية غيره . ٦٥ - ص - حدّثنا عبد الله بن مسلمة قال: [ ثنا ] عبد العزيز، عن داود ابن صالح بن دينار التَّمَار ، عن أمه، أن مولاتها أرسلتها بهَريسة إلى عائشةَ - رضي الله عنها - فوجدَتْهَا تُصلي ، فأشارت إليَّ أن ضَعيهاَ، فَجاءت هرَّةٌ فَأَكَلَتْ منها ، فلما انصرفتْ أَكَلَتْ من حيث أَكلت الهَرةُ ، فقالت : إن رسول اللّهَوَ ﴿ قال: ((إنَّها ليستْ بنجَس، إنما هي من الطَّوَافِينَ عَليكم ، [٢٩/١ - ب] / وقد رأيتُ رسولَ الله وَ﴿ يتوضأُ بفضْلَهَا)) (١). ش - عبد العزيز بن محمد بن عبيد بن أبي عبيد الدراوردي أبو محمد الجهني مولاهم المدني ، وقد ذكر مرة . وداود بن صالح الأنصاري مولاهم التمار ، قيل : إنه مولى أبي قتادة الأنصاري ، سمع أبا أمامة بن سهل ، وسالم بن عبد الله ، وأباه صالحاً، وروى عن أمه . روى عنه : عبد العزيز الدراوردي ، وهشام بن عروة ، والوليد بن كثير ، وغيرهم . قال أحمد : لا أعلم به بأساً . روى له أبو داود (٢). قوله : (( بهَريسة)) الهَريسةُ: طعام من قمح ولحم مدقوق، من الهَرْس وهو الدق . ويستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى : جواز الإهداء بالطعام وقبوله. والثانية : جواز إشارة المصلي بيده أو عينه . والثالثة : جواز أكل سؤر الهرة . والرابعة : جواز التوضئ بسؤر الهرة . (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٧٦٤/٨). (١) تفرد به أبو داود . -٢٢٢- وروى هذا الحديث الطحاوي في ((شرح الآثار ))، والدارقطني في ((سننه)) ثم قال : تفرد به عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن داود بن صالح ، عن أمه بهذه الألفاظ (١) ، والله أعلم . ٣٢ - باب : الوُضوء بفضل وَضوء المرأة أي : هذا باب في بيان أحكام الوُضوء بفضل وَضوء المرأة . الوُضوء الأول بضم الواو اسم للفعل ، والثاني بفتح الواو اسم الماء الذي يتوضأ به . ٦٦ - ص - حدّثنا مسدد قال : ثنا يحيى، عن سفيان قال : حدثني منصور، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : (كُنتُ أَغْتَسِلُ أَنَا ورسولُ اللهُِّ فِي إِناءٍ واحدٍ ونحنُ جُبَانٍ)) (٢). ش - مسدد بن مسرهد ، ويحيى القطان ، وسفيان الثوري ، ومنصور ابن المعتمر ، وإبراهيم النخعي ، والأسود بن يزيد ، كلهم ذكروا . قوله: ((ورسول الله)) عطف على قوله: ((أنا))، وقد علم أن العطف على المرفوع المتصل لا يجوز إلا إذا أكد بمنفصل ، نحو : ضربت أنا وزيد، ولا يجوز : ضربت وزيد ، وذلك لأن المتصل المرفوع لما تأكد اتصاله صار كالجزء ، فإذا عطفت عليه توهم عطف الاسم على الفعل . قوله: (( ونحن جنبان)) جملة اسمية وقعت حالاً من المعطوف والمعطوف (١) سنن الدار قطني (١/ ٧٠) . (٢) البخاري : كتاب الغسل ، باب: غسل الرجل مع امرأته (٢٥٠) ، مسلم : كتاب الطهارة ، باب : القدر المستحب في غسل الجنابة (٣١٩) ، الترمذي : كتاب الطهارة ، باب : ما جاء في وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد (٦٢) ، النسائي : كتاب الطهارة ، باب : ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه في إناء واحد (١٢٩/١) . - ٢٢٣- عليه ، وقوله: (( جنبان)) على إحدى اللغتين في الجنب ، أنه يثنى ويجمع فيقال : جنبان وجنبون وأجناب ، واللغة الأخرى : رجل جنب ، ورجلان جنب ، ورجال جنب ، ونساء جنب ، بلفظ واحد ، قال الله تعالى : ﴿وَإِن كُنْتُمْ جُنُباً﴾ (١)، وقال: ﴿ وَلَا جُنُباً إِلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٢) ، وهذه اللغة أفصح وأشهر . ويستفاد من هذا الحديث فوائد : الأولى : أن الجنب ليس بنجس . والثانية : أن فضل وضوء المرأة طاهر . والثالثة : جواز اغتسال الاثنين أو أكثر من إناء واحد . وأخرج النسائي هذا الحديث مختصراً ، ومسلم من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة ، والبخاري من حديث عروة ، عن عائشة قالت : (( كنت أغتسلُ أنا ورسولُ الله - عليه السلام - من إناء واحد من جنابة )). ٦٧ - ص - حدّثنا عبد الله بن محمد النُّفَيَلي قال: نا وكيع، عن أسامة بن زيد، عن ابن خَرَبُوذَ، عن أم صُبَيَّةَ الجهنية قالت: « اختلَفتْ يَدِي ويدُ رسولِ اللهِ وَلجه في الوُضوء من إناء واحد)) (٣). ش - أسامة بن زيد الليثي مولاهم أبو زيد المدني ، روى عن : يعقوب ابن عبد الله بن أبي طلحة ، وأبي سعيد مولى عبد الله بن عامر بن كريز ، ونافع ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق ، والزهري ، وغيرهم . روى عنه : الثوري ، وابن المبارك ، وابن وهب ، ووكيع ، وغيرهم . قال ابن معين : هو ثقة حجة . وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به . وقال النسائي : ليس بالقوي . روى له الجماعة ، واستشهد به (٤) البخاري (١) سورة المائدة : (٦). (٢) سورة النساء : (٤٣). (٣) ابن ماجه: كتاب الطهارة ، باب: الرجل والمرأة يتوضآن من إناء واحد (٣٨٢). (٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣١٧/٢). -٢٢٤- وابن خَرَّبُوذ هو سالم بن سَرْجٍ - بالجيم - ، وهو ابن خَرَّبُوذَ أبو النعمان ، ويقال سالم بن النعمان ، مولى أم صُبَيّة الجهنية ، روى عن مولاته أم صُبيّة ولها صحبة . روى عنه أسامة بن زيد المدني وغيره . وثَّقه ابن معين وغيره . روى له البخاري في (( الأدب )) ، وأبو داود ، وابن ماجه(١) . و((خَرَبُوذ)) بفتح الخاء المعجمة، والراء المشددة، / وضم الباء [٣٠/١-أ] الموحدة ، وفي آخره ذال معجمة، وهو لا ينصرف للعلمية والعجمة . وأم صُبَيَّةَ اسمها : خولة بنت قيس بن فهد بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار . روى عنها معروف (٢) بن خربوذ ، روى لها أبو داود، وابن ماجه (٣) . و((أم صُبَيّةَ)) بضم الصاد، وفتح الباء الموحدة ، وتشديد الياء آخر الحروف وفتحها ، وبعدها تاء تأنيث . قوله : ((اختلفت يدي ويدُ رسول الله )) بمعنى : أنها كانت تغرف هي مرة ورسول الله مرة . ويستفاد من هذا فائدتان : الأولى : جواز توضئ الاثنين من إناء واحد . والثاني : جواز توضئ الرجل والمرأة من إناء واحد . وأخرج هذا الحديث ابنُ ماجه . ٦٨ - ص - حدثنا مسدد قال : نا حماد ، عن أيوب ، عن نافعح ، وحدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: (( كان الرجالُ والنساءُ يتوضوءُون في زَمَان رسول اللهِوَّر)). قال مسدد: ((من الإناء الواحد جميعاً)) (٤). (١) المصدر السابق (٢١٤٧/١٠). (٢) كذا. (٣) المصدر السابق (٣٥/ ٧٩٨٧). (٤) البخاري : كتاب الوضوء، باب: وضوء الرجل مع امرأته (١٩٣)، النسائي: كتاب الطهارة ، باب : وضوء الرجال والنساء جميعاً (٥٧/١)، ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : الرجل والمرأة يتوضآن من إناء واحد (٣٨١). ١٥ • شرح سنن أبي داوود ١ -٢٢٥- ش - حماد بن زيد ، وأيوب السختياني ، ونافع مولى ابن عمر ، ومالك بن أنس ذكروا كلهم . روى أبو داود هذا الحديث من طريقين كما ترى . قوله: (( جميعاً)) حال من الرجال والنساء ، والمعنى مجتمعين. وأخرجه النسائي وابن ماجه، وأخرجه البخاري وليس فيه: (( من الإناء الواحد)) . ٦٩ - ص - حدثنا مسدد قال : ثنا یحیی، عن عبيد الله قال : حدثني نافع ، عن عبد الله بن عمر قال: « كنا نَتوضأُ نحنُ والنساءُ ونَغتسلُ من إناء واحد على عهد رسولِ اللهِوَ بِيرٍ)) زاد فيه: ((نُدْلِي فيهِ أيدينا)) (١)، (٢). " ش - يحيى هو القطان ، وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي أبو عثمان المدني ، أخو عبد الله وأبي بكر وعاصم ، سمع أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص ، وسالم بن عبد الله ، وكريباً مولى ابن عباس ، وسعيداً (٣) المقبري، ونافعاً مولى ابن عمر ، وعمرو بن الدينار وغيرهم . روى عنه : أيوب السختياني ، وحميد الطويل ، وابن جريج ، والثوري ، والليث بن سعد، ويحيى القطان ، وابن المبارك ، وجماعة آخرون كثيرة . روى له الجماعة (٤) . قوله: ((والنساء)) عطف على قوله: ((نحن))، وقد قلنا : إن الضمير المرفوع المتصل لشدة اتصاله بالفعل ، لا يعطف عليه إلا بضمير منفصل ، حتى لا يتوهم عطف الاسم على الفعل . قوله: ((ندلي)) من الإدلاء ، والإدلاء : هو إرسال الدلو في البئر ، (١) في سنن أبي داود: (( كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله وَ ظله من إناء واحد ، ندلي فيه أيدينا )) كذا . (٢) انظر التخريج السابق . (٣) في الأصل: ((وسعيد)). (٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٦٦٨/١٩). -٢٢٦- يقال: أَدْلَيْتُ الدلو ودَلَيْتُها إذا أرسلتها، ودلَوْتُها أَدْلُوها فأنا دَال إذا أخرجتها ، والمعنى هاهنا : إرسال أيديهم في الإناء مثل ما يرسَلُ الدلوّ . ويستفاد من هذا الحديث جواز توضئ الرجال والنساء واغتسالهم من إناء واحد ، ولكن المراد من هذا توضؤُ النساء واغتسالهن مع أزواجهن لأن ((الألف واللام)) في قوله: ((والنساء)) بدل من المضاف إليه ، والتقدير: نتوضأ نحن ونساؤنا ، يعني : أزواجنا ، وذلك لأن الأجنبية لا يجوز لها أن تغتسل مع الرجل من إناء واحد ؛ لأن الاختلاء بها حرام والاغتسال لا يكون إلا في الخلوة ، لاحتياج الإنسان إلى كشف البدن ، يدل على ذلك ما مَرَّ من حديث عائشة - رضي الله عنها - ، وأما توضؤ المرأة مع الرجل الأجنبي من إناء واحد ، فظاهر حديث أم صُبَيَّةَ يدل على جوازه ، ولأن فيه لا يحتاج إلى الاختلاء ، ولا كشف العورة ، ووجه الحرة ويداها ليست بعورة ، وفي قدمها روايتان . ٣٣ - باب : النهي عن ذلك أي : هذا باب في بيان حكم النهي عن توضئ الرجل واغتساله بفضل المرأة . ٧٠ - ص - حدّثنا أحمد بن يونس قال: نا زهير ، عن داود بن عبد الله . ح وحدثنا مسدد قال : نا أبو عوانة ، عن داود بن عبد الله ، عن حُمَيد الحميري قال: لقيتُ رجلاً صَحِبَ رسولَ اللهِ وَِّ أربعَ سنينَ - كما صحبَهُ أبو هريرةَ - قال: ((نَهَى رسولُ الله أَن تَغتسلَ المرأةُ بفضلِ الرجلِ ، أو يغتسلَ الرجلُ بفضلِ المرأةِ))، زاد مسدد: ((وَلَيَغْتَرفا جميعاً)) (١). ش - زهير هو ابن معاوية ، وداود بن عبد الله الأودي ، وأبو عوانة اسمه : الوَضَّاحِ ، وحميد بن عبد الرحمن ، ذكروا كلهم . (١) النسائي : كتاب الطهارة ، باب : ذكر النهي عن الاغتسال بفضل الجنب (١/ ١٣٠) . -٢٢٧- [٣٠/١-ب] / قوله: ((بفضل الرجل)) أي: بالماء الذي فضل من الرجل، وبالماء الذي فضل من المرأة. (((١) وجه الجمع بين أحاديث هذا الباب وأحاديث الباب الذي قبله أن النهي هاهنا إنما وقع عن التطهر بفضل ما تستعمله المرأة من الماء ، وهو ما سال من أعضائها دون الفضل الذي تُسْرُهُ في الإناء ، وجواب آخر : أن النهي محمول على الاستحباب ، وجواب آخر : أن إسناد عائشة في الإناء أجود من إسناد خبر النهي . وقال محمد بن إسماعيل البخاري : حديث الأقرع لا يصح ، والصحيح في هذا الباب حديث عبد الله بن سرجس ، وهو موقوف ، ومن رفعه فقد أخطأ )) . والإجماع على أن تطهر الرجل والمرأة من إناء واحد جائز ، وكذلك تطهر المرأة بفضل الرجل جائز بالإجماع ، وأما تطهر الرجل بفضلها فهو جائز عند جماهير العلماء منهم : أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي سواء خلت به أو لم تَخلْ ، وذهب أحمد بن حنبل وداود إلى أنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها ، وروى هذا عن عبد الله ابن سرجس ، والحسن البصري ، ورُوي عن أحمد كمذهب الجمهور ، ورُوي عن الحسن ، وسعيد بن المسيب كراهة فضلها مطلقاً ، والمختار ما قاله الجماهير الأحاديث الصحيحة التي وردت في تطهره - عليه السلام - مع أزواجه ، وكل واحد منهما مستعمل فضل صاحبه ، ولا تأثير للخلوة، وقد ثبت في الحديث الآخر: (( أنه - عليه السلام - اغتسل بفضل بعض أزواجه )) رواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي وأصحاب السنن. قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح . قوله: (( وليغترفا جميعاً)) أي: ليغترف الرجل والمرأة مجتمعين في حالة واحدة ، وهذه الزيادة في رواية مسدد . وأخرج هذا الحديث النسائي . ٧١ - ص - حدّثنا ابن بشار قال: ثنا أبو داود قال : ثنا شعبة، عن عاصم، (١) انظر: معالم السنن (٣٦/١). -٢٢٨- عن أبي حاجب ، عن الحكم بن عمرو - وهو الأقرع -: (( أن النبيّ - عليه السلام - نَهَى أن يَتوضأُ الرجلُ بفَضْلٍ طَهورِ المرأةِ » . ش - ابن بشار هو محمد بن بشار بُنْدار ، وقد ذكر . وأبو داود هذا هو سليمان بن داود بن الجارود أبو داود الطيالسي البصري ، أصله فارسي ، مولى القريش (١) . وقال ابن معين : مولى لآل (٢) الزبير بن العوام، سمع الثوري ، وشعبة ، وأبان العطار ، وهشاماً الدَّسْتُوائي ، وأبا عوانة ، وابن المبارك ، وجماعة آخرين . روى عنه : أحمد بن حنبل ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وأخوه عثمان ، ومحمد ابن بشار ، ومحمد بن المثنى ، ومحمد بن سعد ، وجماعة آخرون . وعن عمرو بن علي : ما رأيت في المحدثين أحفظ من أبي داود الطيالسي سمعته يقول : أسردُ ثلاثين ألف حديث ولا فخر . وقال يونس بن حبيب: قدم علينا أبو داود فأملى علينا من حفظه مائة ألف حديث ، أخطأ في سبعين موضعاً فأصلحوها ، مات سنة أربع ومائتين وهو ابن إحدى وسبعين ، روى له : البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (٣) . وشعبة هو ابن الحجاج ، وعاصم بن سليمان الأحول . وأبو حاجب سوادة بن عاصم العنزي أبو حاجب ، وليس بأخي نصر ابن عاصم . روى عن : الحكم بن عمرو الغفاري ، وعائذ بن عمرو . روى عنه : سليمان التيمي ، وعاصم الأحول ، وشعبة . قال ابن معين : ثقة . روى له : الترمذي ، ومسلم ، والنسائي ، وابن ماجه (٤). والحكم بن عمرو بن مُجْدَح (٥) بن حِذْيَم بن حُلْوان بن الحارث (٢) في الأصل: ((مولى)). (١) في الأصل: ((لقريش)). (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٥٠٧/١١) . (٤) المصدر السابق (٢٦٣٥/١٢). (٥) كذا بالحاء، وفي أسد الغابة والإصابة وتهذيب الكمال: ((مُجَدَّعِ)) بالعين = -٢٢٩- الغفاري ويقال له : الحكم بن الأقرع . قال ابن سعد : صحب النبي - عليه السلام - حتى قبض ثم تحول إلى البصرة فنزلها . انفرد به البخاري فروى له حديثاً واحداً . روى عنه : عبد الله بن الصامت ، وسوادة بن عاصم ، وابن سيرين ، وغيرهم . توفي بمرو سنة خمسين ، ودفن هو وبريدة الأسلمي الصحابي في موضع واحد . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (١). قوله: (( بفضل طَهور المرأة)) بفتح الطاء ، وقد ذكرنا حكم هذا الحديث، وقد قال جماعة من المحدثين : إن هذا الحديث لا يصح ، ومنهم البخاري كما ذكرنا . وقال البخاري : سوادة بن عاصم أبو حاجب العنزي لا أراه يصح عن الحكم بن عمرو . وأخرج الترمذي وابن ماجه هذا الحديث. وقال الترمذي: ((هذا حديث حسن))، ولو كان صحيحاً لنص عليه ، وأشار الخطابي أيضاً إلى عدم صحته . [٣١/١-١] / ٣٤ - باب: الوضوء بماء البحر أي : هذا باب في بيان حكم التوضئ بماء (٢) البحر. ٧٢ - ص - حدّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك ، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة بن الأزرق من آل(٣) ابن الأزرق: أن المغيرة بن أبي بردة - وهو من بني عبد الدار - أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول : سأل رجلٌ رسول الله ◌َّ﴿ فقال: ((يا رسولَ الله، إنَّا نَركبُ البحرَ ، ونحملُ معنا القليلَ = المهملة، وقال محققه: ((جاء في حاشية نسخة المؤلف بخطه : كذا قيده ابن ماكولا (٢٢٣/٧)، وقال غيره: مجدح بالحاء)). قلت : وكذا هو في الاستيعاب ، إلا أنه تصحف إلى ((محدج )) بالجيم . (١) انظر ترجمته في: الاستيعاب (٣١٤/١) بهامش الإصابة ، وأسد الغابة (٤٠/٢)، والإصابة (٣٤٦/١). (٢) في الأصل: ((بباب)). (٣) في الأصل: ((مولى)) خطأ. - ٢٣٠- من الماء ، فإن تَوضَّأَنَا بِهِ عَطشْنَا، أَفنتوضأُ بماء البحر؟ فقال رسول الله وَالطيار : ((هو الطَّهُورُ مَاؤُه، الحِلُّ مِينَتُهُ)) (١) . ش - مالك هو : ابن أنس الإمام . وصفوان بن سليم المدني أبو عبد الله ، ويقال : أبو الحارث الزهري أبوه سُليم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف . روى عن : عبد الله ابن عُمر ، وجابر بن عبد الله ، وعبد الله بن جعفر ، وسمع أنس بن مالك ، وحميد بن عبد الرحمن ، وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، وغيرهم . روى عنه : مالك بن أنس ، والثوري ، وابن عيينة ، وزياد بن سعد ، وجماعة آخرون . قال أحمد : ثقة من خيار عباد الله . توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين ومائة . روى له الجماعة (٢) . وسعيد بن سلمة المخزومي من آل بني (٣) الأزرق ، روى عن المغيرة بن أبي بردة . روى عنه : صفوان بن سليم ، روى له أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (٤). والمغيرة بن أبي بردة رجل من بني [ عبد ] الدار ، روى عن أبي هريرة. روى عنه : يحيى بن سعيد الأنصاري ، وصفوان بن سليم ، وأبو مرزوق التُّجِيبي ، وغيرهم . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (٥) . قوله : ((وهو من بني [ عبد ] الدار )) أي: المغيرة بن أبي بردة رجل من بني [ عبد ] الدار . (١) الترمذي : كتاب الطهارة ، باب : ما جاء في ماء البحر أنه طهور (٦٩)، النسائي : كتاب الطهارة، باب: في ماء البحر (١/ ٥٠) ، ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : الوضوء بماء البحر (٣٨٦). (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٨٨٢/١٣). (٤) المصدر السابق (٢٢٨٩/١٠) . (٣) كذا . (٥) المصدر السابق (٦١٢٣/٢٨). - ٢٣١- قوله: ((هو الطهور ماؤه)) ((هو)) مبتدأ، و((الطّهور)) مبتدأ ثان، و((ماؤه)) خبر المبتدإ الثاني ، والجملة خبر المبتدإ الأول . ويجوز أن يكون ارتفاع ((ماؤه)) بإسناد ((الطَّهُور)) إليه، ويكون الفاعل مع فعله خبراً للمبتدإ ؛ لأن الطَّهور اسم بمعنى المطَهِّر ، واسم الفاعل يعمل عمل فعله كما عرف في موضعه ، وهذا التركيب فيه القصر ؛ لأن المبتدأ والخبر وقعا معرفتين ، وهو من جملة طرق القصر ، وهو من قبيل قصر الصفة على الموصوف ؛ لأنه قصر الطهورية على ماء البحر ، وقصر الصفة على الموصوف أن لا تجاوز الصفة ذلك الموصوف إلى موصوف آخر، لكن يجوز أن يكون لذلك الموصوف صفات أُخر ، وهذا قصر ادعائي ، وهو يكون فيما إذا قصد به المبالغة لعدم الاعتداد بغيره ؛ لأنه لا يجوز أن يكون قصراً حقيقيا ؛ لأن الطهورية ليست بمقصورة على ماء البحر فقط ، ولكن النبي - عليه السلام - لشدة اعتنائه ببيان طَهورية ماء البحر قصرها عليه مبالغة وادعاء ، وهذا من قبيل القصر القلب ؛ لأن السائل كان في اعتقاده أن التوضأ بماء البحر غير جائز ، فأثبته - عليه السلام - بعكس ما في قلبه ، ويجوز أن يكون قصر تعيين ؛ لأنه كان يتردد بين جواز الوضوء به ، وبين عدمه من غير علم بالتعيين ، فعيّنه - عليه السلام - بقوله : ((هو الطهور ماؤه))، وهذا أولى من الأول ، فافهم . قوله: ((الحل ميتته)) التقدير : هو الحل ميتته ، والكلام فيه مثل الكلام في ((هو الطهور ماؤه ))، والحِل - بكسر الحاء - بمعنى الحلال ضد الحرام، من حَلّ يَحِلُّ من باب ضرب يضرب ويقال : رجل حلال وحِل وحَرام وحِرْم، و((الميتة )) بفتح الميم ، وعوام الرواة يكسرون الميم وهو خطأ، ولما كان بين الجملتين اتصالاً ومماسَّةً في الحكم فصل بينهما ولم يوصل بالعاطف ، لئلا يُشعر إلى المغايرة . واحتج مالك والشافعي وأحمد بهذا الحديث على أن جميع ما في البحر حلال إلا الضفدع في رواية عن أحمد وقول الشافعي ، وعنهم : لا يحل في البحر ما لا يحل مثله في البر . وقال أصحابنا : لا يؤكل من حيوان -٢٣٢- الماء إلا السمك بأنواعه لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١) وما سوى السمك خبث ، والجواب عن الحديث : أن الميتة فيه محمولة على السمك بدليل قوله - عليه السلام -: (( أحلت لنا ميتتان ودمان ، أما الميتتان: فالسمك والجراد)) (٢) الحديث. ويستفاد من هذا الحديث / فوائد : [٣١/١- الأولى : أن العالم والمُفْتي إذا سئل عن شيء وهو يعلم أن بالسائل حاجة إلى معرفة ما وراءه من الأمور التي تتضمنها مسألته كان مستحبا له تعليمه إياه ، ألا ترى أن السائل سأله - عليه السلام - عن ماء البحر لما رأى تغيره في اللون ، وملوحته في الطعم ؟ أجابه - عليه السلام - وزاد فائدة أخرى ، وهي كون ميتته حلا ، وذلك لاحتياجه إليه أو كأنه - عليه السلام - علم بالوحي أنه كان يسأل عن ميتته أيضاً ، فأجابه قبل السؤال إسراعاً إلى فضيلة التعليم . الثانية : أن العالم إذا تفرد بالجواب يتعين عليه ذلك . الثالثة : أنه يجب على كل أحد أن يسأل أهل العلم عما لا يعلمه أو یتردد فيه . الرابعة : فيه دليل على أن الماء لا يفسد بموت السمك فيه ، وعلى قول الخصوم لا يفسد بموت جميع ما فيه من الحيوان ، ومنهم من استثنى الضفدع لأنه - عليه السلام - ينهى عن قتله . الخامسة : فيه دليل على أن ماء البحر يجوز به التوضؤ والاغتسال . السادسة : فيه دليل على أن السمك يجوز أكله بجميع أنواعه إلا الطافي منه ، لورود النهي عن الطافي . السابعة : فيه دليل على أن السمك لا ذبح فيه، لإطلاق اسم الميتة عليه. (١) سورة الأعراف : (١٥٧). (٢) ابن ماجه: كتاب الأطعمة، باب: الكبد والطحال (٣٣١٤). -٢٣٣- وأخرج هذا الحديثَ الترمذيُّ ، والنَّسائيُّ ، وابن ماجه . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح . وقال الترمذي : سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال : هو حديث صحيحٍ . قال البيهقي: وإنما لم يخرجه البخاري ومسلم في ((صحيحيهما )) لأجل اختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة . ٣٥ - باب : الوضوء بالنبيذ أي : هذا باب في بيان حكم الوضوء بنبيذ التمر . النبيذ : ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير ، وغير ذلك . يقال : نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذاً ، فصُرِف من مفعول إلى فعيل . وانتبذته : اتخذته نبيذاً ، وسواء كان مسكراً أو غير مسكر فإنه يقال له : نبيذ ، ويقال للخمر المعتصر من العنب نبيذ ، كما يقال للنبيذ خمرٌ . ٧٣ - ص - حدّثنا هناد وسليمان بن داود العتكي، قالا: ثنا شريك، عن أبي فَزَارةَ ، عن أبي زيد ، عن عبد الله بن مسعود : أن النبيّ - عليه السلام. قال [ له](١) ليلةَ الجنِّ: ((ما في إِدَاوَتَكَ؟)) قال: نَبِيدٌ، قال: (( تَمْرَةٌ طَيَِّةٌ، وماءٌ طھورٌ )) . قال أبو داود : قال سليمان بن داود : عن أبي زيد أو زيد قال: كذا قال شريك، ولم يذكر هناد (( ليلة الجن)) (٢). ش - هناد هو ابن السرى ، وسليمان بن داود ، وشريك بن عبد الله النخعي ، قد ذكروا . وأبو فَزارة راشد بن كيسان العبسي أبو فزارة الكوفي ، روى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وميمون بن مهران، ويزيد بن الأصم، وأبي زيد (١) زيادة من سنن أبي داود . (٢) الترمذي : كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء بالنبيذ (٨٨)، ابن ماجه: كتاب الطهارة ، باب : الوضوء بالنبيذ (٣٨٤). -٢٣٤- [ مولى ] عمرو بن حريث . روى عنه : جرير بن حازم ، وسفيان الثوري ، وشريك ، وحماد بن زيد ، وغيرهم . قال ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم : صالحٌ . روى له : مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (١) . وأبو زيد مولى عمرو بن حريث ، ولا يُعرف له اسم (٢) . وزيد بن وهب الجهني ، وقد ذكر . قوله: ((في إداوتك)) الإداوة بكسر الهمزة : إناء صغير من جلد يُتخذ للماء كالسطحة ونحوها ، وجمعها ((أَدَاوَى))، ويجوز أن تكون كلمة ((ما)) في قوله: ((ماذا (٣) في إداوتك؟)) استفهاماً، و(( ذا)) إشارة نحو: ماذا التواني ؟ ويجوز أن تكون ((ما)) استفهاماً و(( ذا)) موصولة ، والمعنى: ما الذي في إداوتك؟ ويجوز أن تكون ((ماذا)) كله استفهاماً على التركيب، ويجوز أن تكون ((ما)) استفهاماً و((ذا)) زائدة ، والتقدير : ما في إداوتك ؟ وقد أجاز هذا الوجه جماعة منهم : ابن مالك . قوله: ((نبيذٌ)) مرفوع على الابتداء وخبره محذوف ، والتقدير : فيها نبيذ؟ ، والنكرة تقع مبتدأ إذا كان خبره ظرفاً مقدماً نحو : في الدار رجل، وهو من جملة المخصصات . قوله : ((تمرةٌ طيبة)) ارتفاع ((تمرة)) على أنه خبر مبتدإ محذوف ، أي : هو تمرة. وارتفاع ((طيبة )) على أنها صفة للتمرة ، والطيب خلاف الخبيث، والطهور بفتح الطاء . / وقد احتج أبو حنيفة بهذا الحديث أن الرجل إذا لم يجد إلا نبيذ التمر [٣٢/١-١] يتوضأ ولا يتيمم . وقال أبو يوسف : لا يتوضأ به ويتيمم (٤) ، وهو قول (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٨٢٨/٩). (٢) المصدر السابق (٧٣٧٥/٣٣) . (٣) كذا، ولفظ الحديث: ((ما)). (٤) في الأصل: ((يتوضأ ولا يتيمم به)) خطأ، وانظر: المجموع للإمام النووي (٩٣/١) . - ٢٣٥- أبي حنيفة المرجوع إليه ، وقول مالك والشافعي وأحمد وزفر ، وقال محمد : يجمع بين الوضوء به والتيمم ، وقد دفعوا هذا الحديث بثلاثة (١) علل : (((٢) الأولى : جهالة أبي زيد ، فقد قال الترمذي : أبو زيد رجل مجهول لا يعرف له غير هذا الحديث . وقال ابن حبان في كتاب ((الضعفاء)) : أبو زيد شيخ يروي عن ابن مسعود وليس يُدرى من هو ، ولا يعرف أبوه ولا بلده ، ومَن كان بهذا النعت ، ثم لم يرو إلا خبراً واحداً خالف فيه الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس ، استحق مجانبته . وقال ابن أبي حاتم في (( كتاب العلل )): سمعت أبا زرعة يقول : حديث أبي فزارة في الوضوء بالنبيذ ليس بصحيح ، وأبو زيد مجهول ، وذكر ابن عدي عن البخاري قال : أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله ، ولا يصح هذا الحديث عن النبي - عليه السلام - ، وهو خلاف القرآن . والعلة الثانية : هي التردد في أبي فزارة ، فقيل : هو راشد بن كيسان ، وهو ثقة أخرج له مسلم ، وقيل : هما رجلان ، وهذا ليس براشد بن كيسان ، وإنما هو رجل مجهول ، وقد نقل عن الإمام أحمد أنه قال : أبو فَزارة في حديث ابن مسعود رجل مجهول ، وذكر البخاري أن أبا فَزَارة العبسي غير مسمى فجعلهما اثنين . العلة الثالثة : هي إنكار كون ابن مسعود شهد ليلة الجن ، وذلك لما روى مسلم من حديث الشَّعبي عن علقمة قال: ((سألت ابن مسعود هل كان منكم أحد مع رسول الله وَله؟ قال: لا ... )) (٢) الحديث ، وفي لفظ له قال: ((لم أكن مع النبي - عليه السلام - ليلة الجن ، ووددت أني كنت معه)) (٣) . وما روى أبو داود عن علقمة قال: قلت لعبد الله ابن مسعود : من كان منكم مع النبي - عليه السلام - ؟ قال : (٢) انظر: نصب الراية (١٣٨/١ - ١٣٩). (١) كذا . (٣) مسلم : كتاب الصلاة ، باب : الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن (٤٥٠) . -٢٣٦- (( ما كان معه منا أحد)) . ورواه الترمذي أيضاً في تفسير سورة الأحقاف))(١) . والجواب عن العلة الأولى: أن هذا الحديث رواه جماعة عن أبي فزارة، فرواه عنه شريك كما أخرجه الترمذي وأبو داود ، ورواه سفيان ، والجراح ابن مَليح كما أخرجه ابن ماجه، ورواه عنه إسرائيل كما أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه))(٢) ، ورواه عنه قيس بن الربيع كما أخرجه عبد الرزاق(٢)، والجهالة عند المحدثين تزول برواية اثنين فصاعداً ، فأين الجهالة بعد ذلك ؟ إلا أن يراد جهالة الحال ، هذا وقد صرح ابن عدي بأنه راشد بن كيسان فقال : مدار هذا الحديث على أبي فزارة عن أبي زيد ، وأبو فزارة اسمه كيسان ، وهو مشهور ، وأبو زيد [ مولى ] عمرو بن حريث مجهول ، وحكي عن الدارقطني أنه قال : أبو فزارة في حديث النبيذ اسمه : راشد ابن كيسان . وقال ابن عبد البر في كتاب ((الاستيعاب)): أبو فزارة العبسي راشد بن كيسان ثقة عندهم . والجواب عن العلة الثالثة : أن هذا الحديث له سبعة طرق جميعها أن ابن مسعود كان مع النبي - عليه السلام - (((٣) الأول : ما رواه أحمد في ((مسنده))، والدارقطني في ((سننه)): عن سعيد مولى بني هاشم ، عن حماد بن سلمة ، عن عليّ بن زيد ، عن أبي رافع ، عن ابن مسعود : أن النبي - عليه السلام - قال له ليلة الجن: ((أمعك ماء ؟)) قال : لا . قال: ((أمعك نبيذ؟)) قال: أحسبه قال: نعم فتوضأ به)) (٤). - (١) يأتي برقم (٧٤)، وإلى هنا انتهى النقل من نصب الراية . (٢) (١٧٩/١) . (٣) انظر هذه الطرق والروايات بالتفصيل في: نصب الراية (١/ ١٤١ - ١٤٧). (٤) أحمد (٤٥٥/١)، الدارقطني (٧٧/١)، وقال الدارقطني: ((علي بن زيد ضعيف ، وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود ، وليس هذا الحديث في مصنفات حماد بن سلمة ، وقد رواه أيضاً عبد العزيز بن أبي رزمة ، وليس هو بقوي )) . -٢٣٧- · الثاني : ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن [ عيسى بن ] حيان ، عن الحسن بن قتيبة ، عن يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة وأبي الأحوص ، عن ابن مسعود قال : مر بي رسول الله - عليه السلام - فقال: (( خذ معك إداوة من ماء)) ، ثم انطلق وأنا معه ، فذكر حديثه ليلة الجن، وفيه (١): ((فلما أفرغت عليه من الإدارة إذا هو نبيذ ، فقلت: يا رسول الله، أخطأت بالنبيذ، فقال: تمرة حلوة وماء عذب))(٢). الثالث : ما رواه الدارقطني أيضاً عن معاوية بن سلام عن أخيه زيد ، عن جده أبي سلام ، عن ابن غيلان الثقفي : أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: (( دعاني رسول الله ليلة الجن بوضوء ، فجئته بإدارة فإذا فيها نبيذ، فتوضأ رسول الله - عليه السلام -)) (٣). الرابع : ما رواه الدارقطني أيضاً عن الحسين بن عبيد الله العجلي ، ثنا [٣٢/١-ب] أبو معاوية، عن الأعمش، / عن أبي وائل قال : سمعت ابن مسعود يقول: (( كنت مع النبي - عليه السلام - ليلة الجن ، فأتاهم فقرأ عليهم القرآن ، فقال لي رسول الله في بعض الليل : أمعك ماء يا ابن مسعود ؟ قلت: لا والله يا رسول الله إلا إداوة فيها نبيذ ، فقال - عليه السلام - : تمرة طيبة ، وماء طهور، فتوضأ به )) (٤). الخامس: ما رواه الطحاوي في ((كتابه)): حدثنا يحيى بن عثمان، ثنا أصبغ بن الفرج وموسى بن هارون البردي قالا : ثنا جرير بن عبد الحميد، عن قابوس ، عن أبيه ، عن ابن مسعود قال: (( انطلق رسول الله إلى البراز فخط خطا وأدخلني فيه ، وقال : لا تبرح حتى أرجع إليك ، (١) غير واضحة في الأصل ، وغير موجودة في سنن الدارقطني . (٢) الدار قطني (٧٨/١) وقال: ((تفرد به الحسن بن قتيبة ، عن يونس ، عن أبي إسحاق ، والحسن بن قتيبة ومحمد بن عيسى ضعيفان)). (٣) الدارقطني (٧٨/١) وقال: الرجل الثقفي الذي رواه عن ابن مسعود مجهول . قيل : اسمه عمرو ، وقيل : عبد الله بن عمرو بن غيلان . (٤) الدار قطني (٧٨/١) وقال: ((الحسين بن عبيد الله يضع الحديث على الثقات)). -٢٣٨- ثم أَبطأ فما جاء حتى السَّحر ، وجعلت أسمع الأصوات ، ثم جاء فقلت: أين كنت يا رسول الله ؟ قال : أُرْسِلت إلى الجن ، فقلت : ما هذه الأصوات التي سمعت ؟ قال : هي أصواتهم حين ودَّعوني وسلموا عَلَيَّ)) . قال الطحاوي : ما علمنا لأهل الكوفة حديثاً يثبت أن ابن مسعود كان مع النبي - عليه السلام - ليلة الجن مما يقبل مثله إلا هذا . السادس: ما رواه ابن عدي في (( الكامل )) من حديث أبي عبد الله الشقري عن شريك القاضي ، عن أبي زائدة ، عن ابن مسعود قال : ((قال لي رسول الله : أمعك ماء ؟ قلت : لا ، إلا نبيذٌ في إداوة ، قال : تمرة طيبة وماء طهور فتوضأ)) (١) . والسابع : ما رواه أبو داود هذا ، وأخرجه الترمذي ، وابن ماجه ، وفي حديث الترمذي: ((قال: فتوضأ منه)) (٢). فإن قلت : هذه الطرق كلها مخالفة لما في (( صحيح مسلم)) أنه لم يكن معه . قلت : التوفيق بينها أنه لم يكن معه - عليه السلام - حين المخاطبة ، وإنما كان بعيداً منه . وقد قال بعضهم : إنَّ ليلة الجن كانت مرتين ، ففي أول مرة خرج إليهم ولم يكن مع النبي - عليه السلام - ابن مسعود ولا غيره كما هو ظاهر حديث مسلم ، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى كما روى ابن أبي حاتم في (( تفسيره )) في أول سورة الجن من حديث ابن جريج قال : قال عبد العزيز بن عمر : أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نينوي . وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين )) . وقد علمت الصحابة بهذا الحديث على ما في (( سنن الدارقطني )) عن عبد الله ابن محرر (٣) ، [ عن قتادة ] ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ((النبيذ وضوء من لم يجد الماء)) (٤). (١) الكامل (١٩٤/٩) ترجمة أبي زيد مولى عمرو بن حريث. (٣) في الأصل: ((محرز)) خطأ . (٢) تقدم برقم (٧٣) . (٤) الدارقطني (٧٦/١) وقال: ((ابن محرر متروك الحديث )). -٢٣٩- وأخرج أيضاً عن الحارث ، عن عليّ: (( أنه كان لا يرى بأساً بالوضوء بالنبيذ)) (١) . وأخرج أيضاً عن مزيدة بن جابر عن علي - رضي الله عنه- قال: ((لا بأس بالوضوء بالنبيذ)) (٢). وروى الدارقطني أيضاً في ((سننه)) من حديث مُجَّاعَةً عن أبان ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال : قال رسول الله وَيقول: ((إذا لم يجد أحدكم ماءً ووجد النبيذ فليتوضأ)»(٣). ٧٤ - ص - حدثنا موسى بن إسماعيل قال : ثنا وُهیب ، عن داود ، عن عامر ، عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع رسول الله وَلفى ليلة الجن؟ فقال: ما كان معه منا أحد (٤). ش - وهيب هو ابن خالد بن عجلان ، وقد ذكر . وداود هو ابن أبي هند ، واسم أبي هند دينار بن عُذَافر ويقال : اسمه طهمان البصري أبو بكر ، رأى أنس بن مالك ، وسمع أبا العالية ، والحسن البصري ، وابن سيرين ، والشعبي ، وعكرمة ، وغيرهم . روى عنه : يحيى بن سعيد الأنصاري ، وقتادة ، والثوري ، وابن جريج ، وشعبة ، ووهيب ، وغيرهم . وقال ابن معين : ثقة . توفي سنة سبع وثلاثين ومائة بطريق مكة. روى له الجماعة [ إلا ] البخاري استشهاداً(٥) . وعامر هو عامر بن شراحيل بن عبد ابن أخي قيس الشعبي الكوفي من شعب همْدان . روى عن : علي بن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين ، وسعد بن أبي وقاص ، وغيرهم . وقال منصور بن عبد الرحمن : قال (١) الدارقطني (٧٩/١) وقال: ((تفرد به حجاج بن أرطأة، لا يحتج به)). (٢) الدار قطني (٧٩/١). (٣) الدار قطني (٧٦/١) وقال: ((أبان بن أبي عياش متروك الحديث، ومُجَّاعة ضعيف، والمحفوظ أنه رأي عكرمة غير محفوظ)). اهـ . وإلى هنا انتهى النقل من نصب الراية . (٤) مسلم : كتاب الصلاة ، باب : الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن (٤٥٠)، الترمذي: كتاب التفسير، باب: ومن سورة الأحقاف (٣٢٥٨). (٥) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٨/ ١٧٩٠). - ٢٤٠-