Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ ٤٨- (ذِكْرُ الأَخْبَارِ التِّي اعْتَلَّ بِهَا مَنْ ... - حديث رقم ٥٧٠٤ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((كُلُّ مُسْكِرِ حَرَامٌ، وَكُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهَؤُلاءِ أَهْلُ الثَّبْتِ وَالْعَدَالَةِ مَشْهُورُونَ بِصِحَّةِ النَّقْلِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ لَايَقُومُ مَقَامَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَوْ عَاضَدَهُ مِنْ أَشْكَالِهِ جَمَاعَةٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((محمد بن عمرو)): هوابن علقمة بن وقّاص. و((أبو سلمة)): هوابن عبد الرحمن ابن عوف. والحديث صحيح، وقد تقدم في ٥٥٨٤/٢٢ . والله تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ رحمه الله تعالى (وَهَؤُلَاءِ) أي الذي ذَكَرَ أنهم رووا عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما ما يخالف رواية عبد الملك بن نافع، وهم خمسة: زيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، ونافع مولى ابن عمر، وسالم بن عمر، وأبو سلمة بن بن عبد الرحمن (أَهْلُ الثّبْتِ)-بسكون الموحّدة، ويجوز فتحها -: أي التثبّت في الرواية، والضبط والإتقان، يقال: رجل ثَبْتُ ساكن الباء: أي متثبّت في أموره، وثَبْتُ الجَنان: أي ثابت القلب، وثَبُت في الحرب، فهو ثَبِيت، مثالُ قرُب فهو قريبٌ، والاسم ثَبَتْ بفتحتين، ومنه قيل للحجة: ثَبَتْ، ورجلٌ ثَبَتْ بفتحتين أيضًا: إذا كان عدلًا ضابطًا، والجمع أثباتٌ، مثلُ سبب وأسباب. قاله الفيّوميّ. (وَالْعَدَالَةِ، مَشْهُورُونَ بِصِحَّةِ النَّقْلِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ) أي ابن نافع الذي تقدمت روايته. [تنبيه]: كتب الأستاذ عبد الفتاح أبو عدّة في تصويبات الأخطاء الملحقة بالجزء التاسع من ((سنن النسائيّ)) المصورة عن نسخة مصريّة، أن ((عبد الملك)) خطأ، والصواب ((شبيب بن عبد الملك))؛ نظرًا لورود اسم شبيب بن عبد الملك في سند الحديث الذي قبل هذا الحديث، وهذا التصويب غلط فاحشٌ، كما لا يخفى على من نظر فيه، فتنبه. والله تعالى اهادي إلى سواء السبيل. وقوله: ((عبد الملك)) مبتدأ خبره جملة قوله: (لَا يَقُومُ مَقَامَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَوْ عَاضَدَهُ) أي قوّاه، وناصره (مِنْ أَشْكَالِهِ) أي أمثاله الضعفاء (جَمَاعَةٌ) بالرفع فاعل ((عاضد» (وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ). حاصل ما أشار إليه المصنف رحمه اللّه تعالى بهذا الكلام في ردّه لرواية عبد الملك ابن نافع، أمران: أحدهما: ضعفه، وعدم شهرته. والثاني مخالفته لأصحاب ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما الثقات الأثبات المشهورين بالرواية عنه، وهم هؤلاء الخمسة، (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٣٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ فكيف يصح أن ينسب إلى ابن عمر ما نقله مثل هذا الضعيف المخالف للأثبات، وكيف يحتجّ بمثل هذا على رد الأحاديث الصحيحة في تحريم قليل المسكر وكثيره، سبحان اللَّه !!! ، إن هذا لهو العجب العجاب !!!. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٧٠٥- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ السَّعِيدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي رُقَّةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، قَالَتْ: كُنْتُ فِي حَجْرِ ابْنِ عُمَّرَ، فَكَانَ يُتْقَعُ لَهُ الزَّبِيبُ، فَيَشْرَبُهُ مِنَ الْغَدِ، ثُمَّ يُجَفَّفُ الزَّبِيبُ، وَيُلْقَى عَلَيْهِ زَبِيبٌ آخَرُ، وَيُجْعَلُ فِيهِ مَاءٌ، فَيَشْرَبُهُ مِنَ الْغَدِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ الْغَدِ طَرَحَهُ. وَاحْتَجُوا بِحَدِيثٍ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((سُويد)): هو ابن نصر. و((عبد الله)): هو ابن المبارك. و((عبيد الله بن عمر السعيديّ)) القرشيّ البصريّ، روى عن رقية بنت عمرو، وعنه ابن عيينة، وابن المبارك، مقبول [٦] تفرد به المصنف بهذا الحديث فقط. و ((رقية بنت عمرو بن سعيد)) روت عن ابن عمر، وروى عنها عبيد الله بن عمر السعيديّ، مقبولة [٤] تفرد بها المصنف بهذا الحديث فقط. وقولها: ((في حجر ابن عمر)) بفتح الحاء المهملة، وكسرها: أي كفالته، وتربيته. وقولها: ((يُنقع له)) بالبناء للمفعول، وكذا قولها: ((يُجفّف)) من التجفيف. والحديث موقوف ضعيف؛ لجهالة رقية، والراوي عنها، وظاهره مخالف لما صحّ عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما في كيفية شربه النبيذ المرويّ من أصح الطرق، وهي رواية نافع الآتية في ٥٥/ ٥٤٢ . وهو من أفراد المصنف رحمه اللّه تعالى، أخرجه هنا-٥٧٠٤/٤٨- وفي ((الكبرى)) ٥٢١١/٤٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الو کیل . وقوله: (وَاخْتَجُوا بِحَدِيثٍ أَبِي مَسْعُودٍ، عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو) بالجرّ بدل من ((أبي مسعود)). وأشار به أيضًا إلى متمسّك آخر لهؤلاء الذين أباحو شرب المسكر غير الخمر ما لم يَسْكَر، وهو حديث أبي مسعود، عقبة بن عمرو البدري ◌َّه ، وهو حديث ضعيف أيضًا، كما سيفتّده المصنف رحمه الله تعالى، فقال: ٥٧٠٦- (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَنْبَأْنَا يَخْتِى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٣٢٣ ٤٨- (ذِكْرُ الأَخْبَارِ التِّي اعْتَلَّ بِهَا مَنْ ... - حديث رقم ٥٧٠٧ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: عَطِشَ النَّبِيُّ نَّهِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَاسْتَسْقَى، فَأَتِيَ بِنَبِيدٍ مِنَ السِّقَايَةِ، فَشَمَّهُ، فَقَطَّبَ، فَقَالَ: ((عَلَيَّ بِذَنُوبٍ مِنْ زَمْزَمَ»، فَصَبَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((لَ)). وَهَذَا خَبَرٌ ضَعِيفٌ؛ لأَنَّ يَخْتِى بْنَ يَمَانِ انْفَرَدَ بِهِ دُونَ أَصْحَابٍ سُفْيَانَ، وَتَحْتِى بْنُ يَمَانِ لَا يُخْتَجُ بِحَدِيثِهِ لِسُوءِ حِفْظِهِ، وَكَثْرَةٍ خَطَئِهِ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُلَيْمَانَ)): هو أبو سعيد المجالديّ المصّيصيّ، ثقة [١٠] ٢٦/ ٤٣٢ من أفراد المصنّف. و((يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ)): هو العجليّ الكوفيّ، صدوقٌ عابدٌ، يُخطىء كثيرًا، وقد تغيّر، من كبار [٩] ٢٣٦٤/٧٠. و((سُفْيَان)): هو الثوريّ. و((مَنْصُور)): هو ابن المعتمر. و((خالد بن سعد)): هو الكوفيّ، ثقة [٢] ٢١٨١/٣٥. و((أبو مسعود)): هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ، الصحابيّ الشهير، مات رَظّم قبل الأربعين، وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في ٦/ ٤٩٤. وقوله: ((فأتي)) بالبناء للمفعول. وقوله: ((فقطب)) بتشديد الطاء، وتخفيفها: أي عَبَّسَ وجهه، وجمع ما بين عينيه. وقوله: ((عليّ بذنوب)): اسم فعل أمر: أي أحضروا لي دلوًا مملوءًا ماء . والحديث تفرد به المصنف رحمه اللَّه تعالى، أخرجه هنا-٥٧٠٥/٤٨- وفي ((الكبرى)) ٥٢١٢/٤٩، وهو ضعيف، كما بينه المصنف رحمه الله تعالى بقوله: (وَهَذَا خَبَرٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ يَخْتِى بْنَ يَمَانِ انْفَرَدَ بِهِ، دُونَ أَصْحَابٍ سُفْيَانَ، وَيَحْتِى بْنُ يَمَانٍ لَا يُخْتَجُ بِحَدِيثِهِ، لِسُوءِ حِفْظِهِ، وَكَثْرَةِ خَطَئِهِ) حاصل ما أشار إليه رحمه الله تعالى من سبب ضعف هذا الحديث ضعف يحيى بن يمان؛ لسوء حفظه، وتفرده به، وهو ممن لا يُحتمل تفرده؛ لما ذُكِر، فتبيّن بهذا أن الحديث ضعيف، ولا يصلح للتمسك به في إباحة شرب المسكر، كما استند إليه الزاعمون في دعم زعمهم الباطل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٧٠٧- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حِصْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، كَانَ يَصُومُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، الَّتِي كَانَ يَصُومُهَا، فَتَحَيَّنْتُ فِطْرَهُ، بِتَبِيدٍ صَنَعْتُهُ فِي دُبَّاءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ جِثَّتُهُ أَحْمِلُهَا إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَصُومُ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَتَحَيَّنْتُ فِطْرَكَ بِهَذَا النَِّيذِ، فَقَالَ: ((أَدْنِهِ مِنِّي يَا أَبَا هُرَيْرَةَ))، فَرَفَعْتُهُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ يَبِشُ، فَقَالَ: ((خُذْ هَذِهِ، فَاضْرِبْ بِهَا الْحَائِطَ، فَإِنَّ هَذَا شَرَابُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ)). وَمِمَّا اخْتَجُوا بِهِ فِعْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ). ٣٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((علي بن حجر)): هو السعديّ المروزيّ الحافظ. و((عثمان بن حصن)): هو ابن علّاق الدمشقيّ، مولى قريش، ثقة [٩] ٥٦٦٤/٤٣. و((زيد بن واقد)): هو القرشيّ الدمشقيّ، ثقة [٦]. و((خالد بن حسين)): هو خالد بن عبد الله بن حسين، نسب لجدّه الأمويّ مولاهم الدمشقيّ، مقبول [٣] ٢٥ /٥٦١٠ . والحديث صحیح، وقد تقدّم في ٢٥/ ٥٦١٢ - باب ((تحریم کل شراب أسكر كثيره)»، ومضى هناك شرحه، وبيان ما يتعلق به من المسائل، فراجعه تستفد. وقد تقدّم تعليق المصنف رحمه اللّه تعالى عليه بقوله: وفي هذا دليل على تحريم السَّكْرِ قليله وكثيره، وليس كما يقول المخادعون لأنفسهم، بتحريمهم آخر الشربة، وتحليلهم ما تقدمها، الذي يُشرب في الفرق قبلها، ولا خلاف بين أهل العلم، أن السُّكْر بكليته لا يحدث على الشربة الآخرة، دون الأولى، والثانية بعدها، وبالله التوفيق. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: (وَمِمَّا اخْتَجُوا بِهِ فِعْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) إشارة إلى متمسّك آخر لهؤلاء المبيحين شُرب المسكر ما لم يَسْكَر، وهو فعل عمر بن الخطاب ◌َّه ، كما بيّنه بقوله : ٥٧٠٨- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ، إِمَامٌ لَنَا، وَكَانَ مِنْ أَسْنَانِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِذَا خَشِيتُمْ مِنْ نَبِيذٍ شِدَّتَهُ، فَاكْسِرُوهُ بِالْمَاءِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مِنَْ قَبْلٍ أَنْ يَشْتَدَّ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((السريّ بن يحيى)) بن إياس بن حرملة بن إياس الشيبانيّ، أبو الهيثم، ويقال: أبو يحيى البصريّ، ثقة، أخطأ الأزديّ في تضعيفه [٧]. رَوَى عن الحسن البصري، وثابت البناني، وابن شوذب، وهشام الدستوائي، وعبد الكريم بن رشيد، وزيد بن أسلم، وعمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، وعمرو بن دينار المكي، وغيرهم. وعنه حماد بن زيد، وضمرة بن ربيعة، وابن المبارك، وابن وهب، ومحمد بن منيب العدني، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، ومسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب، والفريابي، وغيرهم. قال سليمان بن حرب: وصف شعبة السري ابن یحیی بالصدق. وقال يونس بن حبيب: ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا السري بن یحیی، وكان ثقة. وقال ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: السري بن يحيى كان ثقة، (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٤٨- (ذِكْرُ الأَخْبَارِ التِّي اعْتَلِّ بَهَا مَنْ ... - حديث رقم ٥٧٠٩ ٣٢٥ ==== وكان ثبتا. وقال أبو طالب عن أحمد: ثقة ثقة. وقال مسلم بن إبراهيم: ثنا السري، وكان عاقلا. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة من الثقات. وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به، صالح الحديث. وقال النسائي: ثقة. ذكره ابن أبي عاصم فيمن مات سنة سبع وستين ومائة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن يونس في ((تاريخ الغرباء)»: خرج يريد الحج، فتوفي بمكة. وذكر ابن شاهين في ((الثقات)) أن شعبة قال: ما رأيت أصدق منه. وذكره الأزدي في ((الضعفاء))، فقال: حديثه منكر. وقال ابن عبد البر: هو أوثق من الأزدي بمائة مرة. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنف، وله عنده هذا الحديث فقط . و((أبو حفص)) البصريّ، روى عن أبي رافع الصائغ، وعنه السريّ بن يحيى، مجهول [٦]. تفرد به المصنف بهذا الحديث فقط. و((أبو رافع)): هو نُفيع الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقة ثبت مشهور بكنيته [٢] ١٩١/١٢٩ . وقوله: ((وكان من أسنان الحسن)): يعني أن أبا حفص كان من أقران الحسن البصريّ، وعمرهما سواء. وقوله: «فاکسروہ بالماء»: أي صبّوا عليه الماء حتى تذهب شدته. وقوله: ((قال عبد اللّه)): يعني ابن المبارك رحمه الله تعالى الراوي عن السريّ، مفسرًا هذا الأثر، معناه: أن يكون قبل اشتداد النبيذ، فأما إذا اشتدّ فلا ينفع صبّ الماء عليه، وهذا التأويل هو المتعيّن؛ لما هو معلوم من مذهب عمر رَّه أنه يحرّم النبيذ إذا اشتدّ، وأسكر، بدليل ما سأتي أنه جلد من سكر بالطلاء. والله تعالى أعلم. والحديث موقوف ضعيف؛ لجهالة أبي حفص، شيخ السريّ، ، وتفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٥٧٠٧/٤٨ - وفي ((الكبرى)) ٥٢١٤/٤٩. والله تعالى أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٧٠٩- (أَخْبَرَنَا زَكَرِيًّا بْنُ يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَخْتِى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: تَلَقَّتْ ثَقِيفٌ عُمَرَ بِشَرَابٍ، فَدَعَا بِهِ، فَلَمَّا قَرَّبَهُ إِلَى فِيهِ كَرِهَهُ، فَدَعَا بِهِ فَكَسَرَهُ بِالْمَاءِ، فَقَالَ: هَكَذَا فَافْعَلُوا). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((زَكَرِيًّا بْنُ يَخْيَى)): هو السِّجْزيّ المعروف بخيّاط السنة، الثقة الحافظ [١٢] من أفراد المصنّف. و((عبد الأعلى)): هو ابن حماد، أبو يحيى البصريّ، المعروف بالنَّرْسيّ، لا بأس به، من كبار [١٠]. و((سفيان)): هو ابن ٠ ٣٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ عيينة. و((يحيى بن سعيد)): هو الأنصاريّ. والحديث موقوف رجال إسناده ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا بين ابن المسيب وبين عمر ◌َّيه، وقد تقدم أن بعض أهل العلم يصححون هذا الإسناد، ومنهم الإمام أحمد، فتنبّه. وهو من أفراد المصنف رحمه اللّه تعالى، أخرجه هنا-٥٧٠٨/٤٨- وفي ((الكبرى)) ٥٢١٥/٤٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٧١٠- (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ جُحَادَةَ، عَنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ بْنِ أَبِي حَازِمِ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، قَالَ: كَانَ النَِّيذُ الَّذِي يَشْرَبُهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَدْ خُلْلَ. وَمِمَّا يَدْلُ عَلَى صِحَّةٍ هَذَا حَدِيثُ السَّائِبِ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ)): هو أحمد بن عليّ القاضي المروزيّ الحافظ الثقة) [١٢]. و((أبو خيثمة)): هو زهير بن معاوية بن حُديج الجعفيّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٧]. و(())عبد الصمد)): هو ابن عبد الوارث البصريّ، صدوق [٨]. و((أبوه)): هو عبد الوارث بن سعيد البصريّ، ثقة ثبت [٧]. [تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى)) هنا غلط، وهو أنه سقط من الإسناد قوله: ((عن أبيه))، والإصلاح من ((الكبرى)) ج٢٣٨/٣ رقم (٥٢١٦)، و((تحفة الأشراف)) ج٨٧/٨. فتنبه. والله تعالى أعلم. و((محمد بن جُحادة)) -بضم الجيم، وتخفيف الحاء المهملة -: هو الأوديّ، أو الإياديّ الكوفيّ، ثقة [٥] ١٧٣٦/٤٨. و((إسماعيل بن أبي خالد)): هو البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٤]. و((قيس بن أبي حازم)): هو البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ، مخضرم ثقة [٢]. و((عتبة بن فرقد)): هو أبو عبد الله السلميّ، صحابي نزل الكوفة، وهو الذي فتح الموصل في زمن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما ٢١٠٧/٥ . وقوله: (قد خُلّل)) بالبناء للمفعول: أي صار خلًا، وهو يدلّ على أن النبيذ الذي كسره عمر رَّ بالماء كان خلّا، لا نبيذا مسكرًا، وقد استدل المصنف رحمه الله تعالى على هذا المعنى بما ساقه من حديث السائب بن يزيد تز . والحديث موقوف صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا- ٥٧٠٩/٤٨- وفي «الكبرى» ٤٩٥٢١٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: (وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا حَدِيثُ السَّائِبِ) يعني أن مما يدلّ على صحة ما ٤٨- (ذِكْرُ الأَخْبَارِ التِّي اعْتَلِّ بَهَا مَنْ ... - حديث رقم ٥٧١١ ٣٢٧ قاله عتبة بن فرقد ◌َّه من أن عمر رَّه إنما كان يشرب الخلّ، لا النبيذ المسكر، كما زُعِمَ ما رواه السائب بن يزيد تَظّه ، وهو الذي ذكره بقوله: ٥٧١١- (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنْ عُمَّرَ بْنَ الْخَطَّاب، خَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي وَجَّدْتُ مِنْ فُلَانٍ رِيحَ شَرَابٍ، فَزَعَمَ أَنَّهُ شَرَابُ الطَّلَاءِ، وَأَنَا سَائِلٌ عَمَّا شَرِبَ، فَإِنْ كَانَ مُسْكِرًا جَلَذْتُهُ، فَجَلَدَهُ عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْحَدَّ تَامًا). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (الحارث بن مسكين) بن محمد القاضي، أبو عمرو المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/٩ . ٢- (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ، ثقة فقيه، من كبار [١٠]٢٠/١٩. ٣- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة المدنيّ الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧. ٤- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١ . ٥- (السائب بن يزيد) بن سعيد بن ثُمامة الكنديّ، وقيل: غير ذلك في نسبه، صحابيّ صغير، له أحاديث قليلة، وحُجّ به في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولّاه عمر تَّه سوق المدينة، ومات تَظْثُه سنة (٩١)، وقيل: قبل ذلك، وهو آخر ٥ ١٥/ ١٣٩٢ . من مات بالمدينة من الصحابة لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فَقَد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، والحارث، وابن القاسم مصريان. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ) أي أخبر ابن شهاب (أَنَّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ) رَّهِ (خَرَجَ عَلَيْهِمْ) أي على الصحابة ه (فَقَالَ: إِنِّ وَجَدْتُ مِنْ فُلَانٍ رِيحَ شَرَابٍ) وفلان هو ولده عبيد الله بن عمر بن الخطاب (فَزَعَمَ أَنَّهُ شَرَابُ الطَّلَاِ) بالكسر: هو عصير العنب إذا طبخ (وَأَنَا سَائِلٌ عَمَّا شَرِبَ) هل يُسكر، أم لا؟ (فَإِنْ كَانَ مُسْكِرًا جَلَذْتُهُ) لشربه الخمر (فَجَلَّدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْحَدَّ تَامًا) قال في ((الفتح)): وفي السياق حذف تقديره: فسأل عنه، فوجده يسكر، فجلده. وأخرجه سعيد ٣٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ ابن منصور، عن ابن عيينة، عن الزهري، سمع السائب بن يزيد يقول: قام عمر على المنبر، فقال: ذُكر لي أن عبيد الله بن عمر وأصحابه شربوا شرابا، وأنا سائل عنه، فإن كان يسكر حددتهم، قال ابن عيينة: فأخبرني معمر، عن الزهري، عن السائب، قال: فرأيت عمر يجلدهم. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا الأثر يؤيد ما قدمته، أن المراد بما أحله عمر من المطبوخ الذي يسمى الطلاء، ما لم يكن بلغ حد الإسكار، فإن بلغه لم يحل عنده، ولذلك جلدهم، ولم يستفصل هل شربوا منه قليلا أو كثيرا، وفي هذا رد على من احتج بعمر في جواز شرب المطبوخ إذا ذهب منه الثلثان ولو أسكر، فإن عمر تني أَذِن في شربه، ولم يفصل. وتُعقب بأن الجمع بين الأثرين عنه، يقتضى التفصيل، وقد ثبت عنده: أن كل مسكر حرام، فاستغنى عن التفصيل. ويحتمل أن يكون سأل ابنه، فاعترف بأنه شرب كذا، فسأل غيره عنه، فأخبره أنه یسکر، أو سأل ابنه فاعترف أن الذي شرب یسکر، وقد بین ذلك عبد الرزاق في روايته، عن معمر، فقال عن الزهري، عن السائب: شهدت عمر تَظّه صلى على جنازة، ثم أقبل علينا، فقال: إني وجدت من عبيد الله بن عمر ريح شراب، وإني سألته عنه، فزعم أنه الطلاء، وإني سائل عن الشراب الذي شرب، فإن كان مسكرا جلدته، قال: فشهدته بعد ذلك يجلده. قال الحافظ: وهذا السياق يوضح أن رواية ابن جريج التي أخرجها عبد الرزاق أيضا عنه، عن الزهري مختصرة من هذه القصة، ولفظه: عن السائب أنه حضر عمر يجلد رجلا وجد منه ريح شراب، فجلده الحد تاما، فإن ظاهره أنه جلده بمجرد وجود الريح منه، وليس كذلك لما تبين من رواية معمر، وكذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن السائب، أن عمر كان يضرب في الريح، فإنها أشد اختصارا، وأعظم لبسًا، وقد تبين برواية معمر، أن لا حجة فيه لمن يُجَوِّز إقامة الحد بوجود الربح. واستدل به النسائي على أن الذي نُقل عنه من أنه كسر النبيذ بالماء لَمّا شرب منه، فقَطَّب أن ذلك كان لحموضته، لا لاشتداده، ووجه الدلالة أنه عمم وجوب الحد بشرب المسكر، ولم يستفصل منه، هل شرب منه قليلا أو كثيرا، فدل على أن ذلك النبيذ الذي قطّب منه، لم يكن بلغ حد الإسكار أصلًا. واستدل به على جواز إقامة الحد بالرائحة، وقد نُقِل عن ابن مسعود رَّ أنه عمل به، ونَقَل ابن المنذر عن عمر بن عبد العزيز، ومالك مثله، قال مالك: إذا شهد عدلان ٤٩- (ذِكْرُ مَا أَعَدَّ اللَّهُ عز وجل ... - حديث رقم ٥٧١٢ ٣٢٩ ممن كان يشرب ثم تابا أنه ريح خمر، وجب الحد، وخالف ذلك الجمهور، فقالوا: لا يجب الحد إلا بالإقرار، أو البينة على مشاهدة الشرب؛ لأن الروائح قد تتفق، والحد لا يقام مع الشبهة، وليس في قصة عمر التصريح أنه جلد بالرائحة، بل ظاهر سياقه يقتضى أنه اعتمد في ذلك على الإقرار، أو البينة؛ لأنه لم يجلدهم حتى سأل. انتهى ((فتح)) ١٩٢/١١-١٩٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث موقوف صحيح، تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٤٨/ ٥٧١٠ - وفي («الكبرى» ٥٢١٧/٤٩. وأخرجه (مالك في الموطإ) في ((الأشربة)) ١٥٨٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٤٩- (ذِكْرُ مَا أَعَدَّ اللَّهُ عز وجل ◌ِشَارِب الْمُسْكِرِ مِنَ الذَّلِّ، وَالْهَوَانِ، وَأَلِيمِ الْعَذَابِ) ٥٧١٢- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ جَيْشَانَ - وَجَيْشَانُ مِنَ الْيَمَنِ - قَدِمَ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وِِّ، عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ، مِنَ الذُّرَةِ، يُقَالُ لَهُ: الْمِزَرُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((أَمُسْكِرْ هُوَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((كُلُّ مُسْكِرِ حَرَامٌ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَهِدَ لِمَنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ، أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: ((عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ))، أَوْ قَالَ: ((عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢- (عبد العزيز) بن محمد الدراورديّ المدنيّ، صدوق، كان يحدّث من كتب غيره، فيُخطىء [٨] ١٠١/٨٤. ٣- (عمارة بن غزيّة) بن الحارث الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، لا بأس به [٦] ١٦٨/ ١١٣٧ . ٣٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ ٤- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] ٣٥/٣١. ٥- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللّه تعالى عنهما٣٥/٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرٍ) بن عبد اللَّه رضي اللّه تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلًا مِنْ جَيْشَانَ) بفتح الجيم، وسكون التحتانيّة بعدها شين معجمة (وَجَيْشَانُ مِنَ الْيَمَنِ) أي مكان من جملة أماكن اليمن، قال في ((القاموس)): وجيشانُ: خِطّة بالْفُسْطاطَ، ومِخْلافٌ باليمن، ولقبُ عَبْدانَ بن حَجْر بن ذي رُعَين، وإليه يُنسب الجيشانيون، وأبو تميم الجيشانيّ تابعيّ من أهل الیمن. انتهى. (قَدِمَ) بكسر الدال المهملة، من باب تعب (فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وََّ، عَنْ شَرَابٍ) أي عن حكمه (يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ، مِنَ الذُّرَةِ، يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ؟) بكسر الميم، وسكون الزاي، آخره راء (فَقَّالَ النَِّيُّ ◌َّهِ: ((أَمُسْكِرٌ هُوَ؟) وفي رواية مسلم: ((أَوَ مسكر هو؟))، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الرواية التي لا يُعرّف غيرها هي بفتح الهمزة، وفتح الواو على جهة الاستفهام عن صفة النبيذ المسؤول عنه، وهو حجة على من علّق التحريم على وجود الإسكار بالشارب من غير اعتبار وصف المشروب، وهم الحنفيّة، وهذا نصٌّ في أن المعتبر شرعًا إنما هو المعنى الذي في الخمر الذي يعبّر عنه الفقهاء بالشدّة المطربة، والمسكرة. انتهى ((المفهم)) ٢٦٨/٥. (قَالَ) الرجل (نَعَمْ) أي هو مسكر (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: «كُلُّ مُسْكِرِ حَرَامٌ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَهِدَ) بكسر الهاء، من باب تعب: أي التزم ذلك بقوله، ووعيده حسبما سبق في علمه عز وجل، وفي رواية مسلم: ((إن على اللَّه عهدًا) (لِمَنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ، أَنْ يَسْقِيَهُ) بفتح أوله، وضمه، كما سبق غير مرّة (مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ) بفتح الخاء المعجمة (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: ((عَرَقُ) بفتحتين (أَهْلِ النَّارِ، أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: ((عُضَارَةُ أَهْلِ الثَّارِ) ((العُصارة))- بضم العين المهملة: ما سال عن العصر، ومنه قيل: اعتصرت ما فلان: إذا استخرجته منه. قاله في ((المصباح)). قال القرطبيّ رحمه ٣٣١ ٥٠- (الْحَثُّ عَلَى تَرْكِ الشُّبُهَاتِ) - حديث رقم ٥٧١٣ الله تعالى: وفي حديث آخر: ((صديد أهل النار))، وسُمّي ذلك بطينة الخبال؛ لأنها تخبل عقل شاربها، وتُفسد حاله، مأخوذ من الخبل في العقل. قال: وهذا الوعيد، وإن كان معلّقا على مطلق الشرب، فقد قيّده في الحديث الآخر منها، فقال : : ((من شرب الخمر في الدنيا، فمات، وهو يُدمنها، لم يتب، لم يشربها في الآخرة))، وأما من تاب منها، فلم يدخل في هذا الوعيد إذا حسنت توبته. انتهى ((المفهم)) ٢٦٩/٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر روي عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٧١/٤٩- وفي ((الكبرى)) ٥٢١٨/٥٠. وأخرجه (م) في الأشربة ٢٠٠٢ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٤٤٦٦. وفوائد الحديث تقدّمت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٥٠- (الْحَثُّ عَلَى تَرْكِ الشُّبُهَاتِ) ٥٧١٣- (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَّ ابْنُ زُرَنِع -عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ الشَّغْبِيٌّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، يَقُولُ: إِنَّ الْخَلَالَ بَيْنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنْ، وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أُمُورًا مُشْتَبِهَاتٍ))، وَرُبَّمَا قَالَ: ((وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أُمُورًا مُشْتَبِهَةَ، وَسَأَضْرِبُ فِي ذَلِكَ مَثَلًا، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَمَى حِمَى، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَا حَرَّمَ، وَإِنَةً مَنْ يَرْعَ حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُخَالِطَ الْحِمَى))، وَرُبَّمَا قَالَ: ((يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ، وَإِنَّ مَنْ خَالَطَ الرِّيبَةَ، يُوشِكُ أَنْ يَجْسُرَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةً) الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] ٥/٥ ٢- (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبتٌ [٨] ٥/٥ . ٣- (ابن عون) هو عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقة ثبتٌ، فاضلٌ ٣٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ [٥] (١) ٣٣/٢٩ . ٤- (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، الإمام المشهور الحجة الثبت [٣] ٦٦ /٨٢ . ٥- (النعمان بن بشير) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللَّه تعالى عنهما، سكن الشام، ثم ولي إِمْرة الكوفة، ثم قُتل بحمص سنة (٦٥) وله (٦٤) سنة، تقدّم في ٥٢٨/١٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين إلى ابن عون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الثَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِ، يَقُولُ: إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنْ) أي واضح بأدلته من الكتاب والسنّة، لا يخفى على كلّ من له أدنى دراية بعلمهما (وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنْ) أي واضح كذلك (وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ) أي بين الحلال البيّن، والحرام البيّن (أَمُورًا مُشْتَبِهَاتٍ) أي ملتبسات؛ لتجاذب الأدلة لها، فإنها تشبه الحلال من وجه، وتشبه الحرام من وجه آخر، فلا يقدر على إلحاقها بأحدهما إلا الراسخون في العلم، كما قال في الرواية الأخرى: ((لا يعلمها كثير من الناس)) (وَرُبَّمَا قَالَ) أي الراوي: النعمان، أو من دونه (وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أُمُورًا مُشْتَبِهَةً) بالإفراد. وحاصل معنى الحديث: أن كل واحد من الحلال مبيّن بأدلته في كتاب اللَّه تعالى، وسنة رسوله وَ لا تأصيلاً، وتفصيلاً، فمن وقف على ما في الكتاب والسنة وجد فيهما أمورا جلية التحليل والتحريم، وأمورا مترددة بينهما، وهي التي تتعارض فيها الأدلة، وهي المتشابهات. وقال الحافظ ابن رجب رحمه اللَّه تعالى: معناه: أن الحلال المحض بَيْنّ، لا اشتباه فيه، وكذلك الحرام المحض، ولكن بين الأمرين أمور تشتبه على كثير من الناس، هل هي من الحلال، أم من الحرام، وأما الراسخون في العلم فلا يشتبه عليهم ذلك، ويعلمون من أيّ القسمين هي. (١) تقدم أنه جعله في ((التقريب)) من [٦]، لكن الظاهر أنه من [٥] لأنه رأى أنس بن مالك من الصحابة، فيكون مثل الأعمش، فتأمل . والله تعالى أعلم . ٥٠- (الْحَثُّ عَلَى تَرْكِ الشُّبُهَاتِ) - حديث رقم ٥٧١٣ ٣٣٣ فأما الحلال المحض: فمثل أكل الطيبات من الزروع والثمار، وبهيمة الأنعام، وشرب الأشربة الطيبة، ولباس ما يحتاج إليه من القطن والكتان، والصوف والشعر، وكالنكاح، والتسري، وغير ذلك، إذا كان اكتسابه بعقد صحيح، كالبيع، أو بميراث، أو هبة، أو غنيمة. والحرام المحض: مثل أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وشرب الخمر، ونكاح المحارم، ولباس الحرير للرجال، ومثل الاكتساب المحرم، كالربا، والميسر، وثمن مالا يحل بيعه، وأخذ الأموال المغصوبة بسرقة، أو غصب، ونحو ذلك. وأما المشتبه: فمثل بعض ما اختلف في حله أو تحريمه، إما من الأعيان، كالخيل، والبغال، والحمير، والضب، وشرب ما اختلف في تحريمه من الأنبذة التي يسكر كثيرها، ولبس ما اختلف في إباحة لبسه من جلود السباع ونحوها، وإما من المكاسب المختلف فيها، كمسائل العينة، والتورُّق، ونحو ذلك، وبنحو هذا المعنى فَسَّر المشتبهات أحمد، وإسحاق، وغيرهما من الأئمة. وحاصل الأمر أن اللَّه تعالى أنزل على نبيه و ليل الكتاب، وبين فيه للأمة، ما يحتاج إليه من حلال وحرام، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ نِبْيَئِنًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ الآية [النحل: ٨٩]، قال مجاهد وغيره: كل شيء أمروا به، ونهوا عنه، وقال تعالى في آخر سورة النساء التي بَيّن فيها كثيرا من أحكام الأموال والأبضاع: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُواْ وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ﴾ الآية [التوبة: ١١٥]، ووكل بيان ما أشكل من التنزيل إلى الرسول وَ﴿ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُّبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]، وما قُبض رسول اللَّه وَ ل حتى أكمل له، ولأمته الدين، ولهذا أنزل عليه بعرفة قبل موته بمدة يسيرة: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ الآية [المائدة: ٣]، وقال وَّير: ((تركتكم على بيضاء نقية، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك)»(١) وقال أبو ذر رضي الله عنه: توفي رسول اللّه وَّر، وما طائر يحرك جناحيه في السماء، إلا وقد ذكر لنا منه علما (٢). (١) حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه برقم (٤٢) . (٢) أخرجه أحمد ١٦٢/٥، والطبرانيّ في ((الكبير)) ١٥٥/٢، وزاد: ((ما بقي شيء يقرّب إلى الجنة، ويباعد من النار إلا وقد بين لكم)). قال الهيثميّ: ورجاله رجال الصحيح ٣٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ ولما شك ناس في موته وَلّ، قال عمه العباس رضي الله عنه: ((والله ما مات رسول اللَّه وَ له، حتى ترك السبيل نهجا واضحا، وأحل الحلال، وحرم الحرام، ونكح، وطلق، وحارب، وسالم، وما كان راعي غنم يتبع بها رؤوس الجبال، يخبط عليها العِضَاه بمخبطته، ويَمدُرحوضها بيده، أنصب ولا أداب من رسول اللَّه وَلته، كان فیکم)). وفي الجملة فما ترك الله ورسوله حلالا إلا مبينا، ولا حراما إلا مبينا، لكن بعضه كان أظهر بيانا من بعض، فما ظهر بيانه، واشتهر، وعُلم من الدين بالضرورة من ذلك، لم يبق فیه شك، ولا يعذر أحد بجهله في بلد، یظهر فيها الإسلام، وما كان بيانه دون ذلك فمنه ما يشتهر بين حملة الشريعة خاصة، فأجمع العلماء على حله أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم، ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضا، فاختلفوا في تحليله وتحريمه، وذلك لأسباب: [منها]: أنه قد يكون النص عليه خفيا، لم ينقله إلا قليل من الناس، فلم يبلغ جميع حملة العلم. [ومنها]: أنه قد يُنقَل فيه نصان: أحدهما بالتحليل، والآخر بالتحريم، فيبلغ طائفة منهم أحد النصين دون الآخر، فيتمسكون بما بلغهم، أو يبلغ النصان معا من لا يبلغه التاريخ فيقف؛ لعدم معرفته بالناسخ والمنسوخ. [ومنها]: ما ليس فيه نص صريح، وإنما يؤخذ من عموم، أو مفهوم، أو قياس، فتختلف أفهام العلماء في هذا كثيرا. [ومنها]: ما يكون فيه أمر أو نهي، فتختلف العلماء في حمل الأمر على الوجوب، أو الندب، وفي حمل النهي على التحريم، أو التنزيه، وأسباب الاختلاف أكثر مما ذكرنا، ومع هذا فلابد في الأمة من عالم يوافق الحق، فیکون ھو العالم بهذا الحكم، وغيره یکون الأمر مشتبها علیه، ولا یکون عالما بهذا، فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يظهر أهل باطلها على أهل حقها، فلا يكون الحق مهجورا، غير معمول به في جميع الأمصار والأعصار، ولهذا قال وَّر في المشتبهات: ((لا يعلمهن كثير من الناس))، فدل على أن من الناس من يعلمها، وإنما هي مشتبهة على من لم يعلمها، وليست مشتبهة في نفس الأمر، فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء، على كثير من العلماء، وقد يقع الاشتباه في الحلال والحرام، بالنسبة إلى العلماء وغيرهم من وجه آخر، وهو أن من الأشياء ما يُعلم سبب حله، وهو الملك المتيقن، ومنها ما يعلم سبب تحريمه، وهو ثبوت ملك الغير عليه. فالأول لا تزول إباحته إلا بيقين زوال الملك عنه، اللَّهم إلا في الأبضاع عند من يوقع الطلاق بالشك فيه كمالك، أو إذا غلب على الظن وقوعه كإسحاق بن راهويه. والثاني لا يزول تحريمه إلا بيقين العلم بانتقال الملك فيه، وأما ما لا يعلم له أصل ٣٣٥ ٥٠۔ (الحثُّ عَلی تَركِ السُّبُهَاتِ) - حديث رقم ٥٧١٣ ملك، كما يجده الإنسان في بيته، ولا يدري هل هو له أو لغيره، فهذا مشتبه، ولا يحرم عليه تناوله؛ لأن الظاهر أن ما في بيته ملكه؛ لثبوت يده عليه، والورع اجتنابه، فقد قال ◌َله: ((إنى لأنقلب إلى أهلي، فأجد التمرة ساقطة على فراشي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون من الصدقة، فألقيها))، متّفقٌ عليه. فإن كان هناك من جنس المحظور، وشك هل هو منه أم لا، قويت الشبهة، وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي اللَّه عنه: أن النبي ◌َّ، أصابه أَرَقْ من الليل، فقال له بعض نسائه: يا رسول اللَّه، أَرِقتَ الليلة؟ فقال: ((إني كنت أصبت تمرة تحت جنبي فأكلتها، وكان عندنا تمر من تمر الصدقة، فخشيت أن تكون منه)). ومن هذا أيضا ما أصله الإباحة، كطهارة الماء، والثوب، والأرض، إذا لم يتيقن زوال أصله، فيجوز استعماله، وما أصله الحظر، كالأبضاع، ولحوم الحيوان، فلا تحل إلا بيقين حله، من التذكية، والعقد، فإن تردد في شيء من ذلك؛ لظهور سبب آخر رجع إلى الأصل، فيبنى عليه، فيتبين فيما أصله الحرمة على التحريم، ولهذا نهى النبي وَ ل* عن أكل الصيد، الذي يجد فيه الصائد أثر سهم غير سهمه، أو كلب غير كلبه، أو یجده قد وقع في ماء، وعلل بأنه لا يدري هل مات من السبب المبیح له، أو من غيره، فيرجع فيما أصله الحل إلى الحل، فلا ينجس الماء، والأرض، والثوب بمجرد ظن النجاسة، وكذلك البدن، إذا تحقق طهارته، وشك هل انتقضت بالحدث، عند جمهور العلماء؛ خلافا لمالك رحمه اللّه، إذا لم يكن قد دخل في الصلاة، وقد صح عن النبي وَاليه، أنه شكا إليه الرجل يُخَيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال: ((لا تنصرف حتى تسمع صوتا، أو تجد ريحا))، وفي بعض الروايات: ((في المسجد)) بدل ((الصلاة))، وهذا يعم حال الصلاة وغيرهما. فإن وجد سببا قويا يغلب معه على الظن نجاسة ما أصله الطهارة، مثل أن يكون الثوب يلبسه كافر، لا يتحرز من النجاسات، فهذا محل اشتباه، فمن العلماء من رخص فيه، آخذا بالأصل، ومنهم من كرهه تنزيها، ومنهم من حرمه، إذا قوي ظن النجاسة، مثل أن يكون الكافر ممن لا تباح ذبيحته، أو يكون ملاقيا لعورته، كالسراويل، والقميص، وترجع هذه المسائل، وأشباهها إلى قاعدة تعارض الأصل والظاهر، فإن الأصل الطهارة، والظاهر النجاسة، وقد تعارضت الأدلة في ذلك. فالقائلون بالطهارة يستدلون بأن اللّه تعالى أحل طعام أهل الكتاب، وطعامهم إنما يصنعونه بأيديهم في أوانيهم، وقد أجاب النبي بَل دعوة يهودي، وكان هو وأصحابه يلبسون، ويستعملون ما يجلب إليهم مما ينسجه الكفار بأيديهم من الثياب، والأواني، ٣٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ وكانوا في المغازي يقتسمون ما وقع لهم من الأوعية، والثياب، ويستعملونها، وصح عنهم أنهم يستعملون الماء من مزادة مشركة. والقائلون بالنجاسة يستدلون بأنه صح عن النبي وَلّ، أنه سئل عن آنية أهل الكتاب، الذين يأكلون الخنزير، ويشربون الخمر؟ فقال: ((إن لم تجدوا غيرها، فاغسلوها بالماء، ثم كلوا فيها)). وقد فسر الإمام أحمد الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام، يعني الحلال المحض، والحرام المحض، وقال: من اتّقاها فقد استبرأ لدينه، وفسرها تارة باختلاط الحلال والحرام، ويتفرع على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط. فإن كان أكثر ماله الحرام، فقال أحمد: ينبغي أن يتجنبه، إلا أن يكون شيئا يسيرا، أو شيئا لا يعرف، واختلف أصحابه هل هو مكروه، أو محرم على وجهين، وإن كان أكثر ماله الحلال، جازت معاملته، والأكل من ماله. وقد روى الحارث عن عليّ رضي الله عنه، أنه قال في جوائز السلطان: لا بأس بها، ما يعطيكم من الحلال أكثر مما يعطيكم من الحرام. وكان النبي رَله وأصحابه، يعاملون المشركين، وأهل الكتاب، مع علمهم بأنهم لا يجتنبون الحرام كله. وإن اشتبه الأمر فهو شبهة، والورع تركه. قال سفيان: لا يعجبني ذلك، وتركه أعجب إلي. وقال الزهري، ومكحول: لا بأس أن يؤكل منه، ما لم يعرف أنه حرام بعينه، فإن لم يعرف في ماله حرام بعينه، ولكن علم أن فيه شبهة، فلا بأس بالأكل منه، نص عليه أحمد في رواية حنبل، وذهب إسحق بن راهويه إلى ما رُوي عن ابن مسعود وسلمان وغيرهما من الرخصة، وإلى ما رُوي عن الحسن، وابن سيرين، في إباحة الأخذ بما يقضي من الربا والقمار، ونقله عنه ابن منصور، وقال الإمام أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه: إن كان المال كثيرا، أخرج منه قدر الحرام، وتصرف في الباقي، وإن كان المال قليلا، اجتنبه كله وهذا لأن القليل إذا تناول منه شيئا، فإنه يتعذر معه السلامة من الحرام، بخلاف الكثير، ومن أصحابه من حمل ذلك على الورع دون التحريم، وأباح التصرف في القليل والكثير بعد إخراج قدر الحرام منه، وهو قول الحنفية وغيرهم، وأخذ به قوم من أهل الورع، منهم بشر الحافي، ورخص قوم من السلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام، ما لم يعلم أنه من الحرام بعينه، فصح كما تقدم عن مكحول والزهري، وروي مثله عن الفضيل بن عياض، ورُوي في ذلك آثار عن السلف، فصح عن ابن مسعود أنه سئل عمن له جار يأكل الربا علانية، ولا يتحرج من مال خبيث يأخذه، يدعوه إلى طعام، قال: أجيبوه، فإنما المهنأ لكم، والوزر عليه، ٥٠- (الْحَثُّ عَلَى تَرْكِ الشُّبُهَاتِ) - حديث رقم ٥٧١٣ ٣٣٧ == وفي رواية أنه قال: لا أعلم له شيئا إلا خبيثا أو حراما، فقال: أجيبوه، وقد صحح الإمام أحمد هذا عن ابن مسعود، ولكنه عارضه عارض بما رُوي عنه أنه قال: الإثم حزاز القلوب. ورُوي عن سلمان مثل قول ابن مسعود الأول، وعن سعيد بن جبير، والحسن البصري، ومورق العجلي، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين، وغيرهم، والآثار بذلك موجودة في ((كتاب الأدب)) لحميد بن زنجويه، وبعضها في ((كتاب الجامع)) للخلال، وفي مصنفي عبدالرزاق، وابن أبي شيبة، وغيرهم. ومتى عُلم أن عين الشيء حرام، أخذ بوجه محرم، فإنه يحرم تناوله، وقد حگی الإجماع على ذلك ابن عبد البر وغيره. وقد روي عن ابن سيرين في الرجل يقضي من الربا قال: لا بأس به، وعن الرجل يقضي من القمار، قال: لا بأس به، أخرجه الخلال بإسناد صحيح، وروى عن الحسن خلاف هذا، وأنه قال: إن هذه المكاسب قد فسدت فخذوا منها ما أشبه المضطر. وعارض المرويَّ عن ابن مسعود وسلمان ما رُوي عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه، أكل طعاما، ثم أُخبر أنه من حرام، فاستقاءه. وقد يقع الاشتباه في الحكم؛ لكون الفرع مترددا بين أصول تجتذبه، كتحريم الرجل زوجته، فإن هذا متردد بين تحريم الظهار، الذي ترفعه الكفارة الكبرى، وبين تحريم الطلقة الواحدة الذي تباح معه الزوجة بعقد جديد بانقضاء عدتها، وبين تحريم الطلاق الثلاث الذي لا تباح معه الزوجة بدون زوج، وإصابة، وبين تحريم الرجل عليه ما أحله اللَّه له من الطعام والشراب، الذي لا يحرمه، وإنما يوجب الكفارة الصغرى، أو لا يوجب شيئا على الاختلاف في ذلك. فمن ههنا كثر الاختلاف في هذه المسئلة، في زمن الصحابة، ومن بعدهم، وبكل حال فالأمور المشتبهة التي لا تتبين أنها حلال ولا حرام لكثير من الناس، كما أخبر به النبي ◌َّل، قد يتبين لبعض الناس أنها حلال أو حرام؛ لما عنده من ذلك من مزيد علم. وكلام النبي ◌َّ، يدل على أن هذه المشتبهات، من الناس من يعلمها، وكثير منهم لا يعلمها، فدخل فيمن لا يعلمها نوعان: [أحدهما]: من يتوقف فيها لاشتباهها عليه. [والثاني]: من يعتقدها على غير ما هي عليه، ودل الكلام على أن غير هؤلاء يعلمها، ومراده أنه يعلمها على ما هي عليه في نفس الأمر، من تحليل أو تحريم، وهذا من أظهر الأدلة على أن المصيب عند الله، في مسائل الحلال والحرام المشتبهة المختلف فيها واحد عند اللَّه عز وجل، وغيره ليس بعالم بها، بمعنى أنه غير مصيب لحكم اللَّه فيها في نفس الأمر، وإن كان يعتقد فيها اعتقادا يستند فيه إلى شُبَهٍ يظنها دليلا، ويكون ٣٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ مأجورا على اجتهاده، ومغفورا له خطؤه؛ لعدم اعتماده. زاد في رواية الشيخين: ((فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لکل ملك حمی، إلا وإن حمی الله محارمه)). فأما قوله وَله: ((فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام))، فقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قَسَمَ الناس في الأمور المشتبهة إلى قسمين، وهذا إنما هو بالنسبة إلى من هي مشتبهة عليه، وهو ممن لا يعلمها، فأما من كان عالما بها، واتبع ما دله علمه عليها، فذلك قسم ثالث، لم يذكره؛ لظهور حكمه، فإن هذا القسم أفضل الأقسام الثلاثة؛ لأنه علم حكم اللّه في هذه الأمور المشتبهة على الناس، واتبع علمه في ذلك. وأما من لم يعلم حكم اللَّه فيها فهم قسمان: [أحدهما]: من يتقي هذه الشبهات؛ لاشتباهها عليه، فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه. ومعنى ((استبرأ)»: طلب البراءة لدينه وعرضه من النقص والشين، والعرضُ: هو موضع المدح والذم من الإنسان، وما يحصل له بذكره بالجميل مدح، وبذكره بالقبيح قدح، وقد يكون ذلك تارة في نفس الإنسان، وتارة في سلفه، أو في أهله، فمن اتقى الأمور المشتبهة، واجتنبها، فقد حَصّن عرضه من القدح والشين الداخل على من لا يجتنبها . وفي هذا دليل على أن من ارتكب الشبهات، فقد عَرّض نفسه للقدح فيه والطعن، كما قال بعض السلف: من عرّض نفسه للتهم، فلا يلومَنّ من أساء الظن به. وفي رواية للترمذي في هذا الحديث: ((فمن تركها استبراء لدينه وعرضه، فقد سلم)). والمَعْنَى: أن من تركها بهذا القصد، وهو براءة دينه وعرضه عن النقص، لا لغرض آخر فاسد، من رياء ونحوه. وفيه دليل على أن طلب البراءة للعرض ممدوح، كطلب البراءة للدين، ولهذا ورد: ((كلُّ ما وقي به المرء عرضه فهو صدقة)). وفي رواية في ((الصحيحين)) في هذا الحديث: ((فمن ترك ما يشتبه عليه من الإثم، كان لما استبان أترك)). يعني أن من ترك الإثم مع اشتباهه عليه، وعدم تحققه فهو أولى بتركه إذا استبان له أنه إثم، وهذا إذا كان تركه تحرزا من الإثم، فأما من يقصد التصنع للناس، فإنه لا يترك إلا ما يظن أنه ممدوح عندهم. (القسم الثاني): من يقع في الشبهات مع كونها مشتبهة عنده، فأما من أتى شيئا مما ٣٣٩ ٥٠- (الْحَثُّ عَلَى تَرْكِ الشُّبُهَاتِ) - حديث رقم ٥٧١٣ يظنه الناس شبهة؛ لعلمه بأنه حلال في نفس الأمر، فلا حرج عليه من اللَّه في ذلك، لكن إذا خشي من طعن الناس عليه بذلك، كان تركها حينئذ استبراء لعرضه، فيكون حسنا، وهذا كما قال النبي ◌َ﴿، لمن رآه واقفا مع صفية: ((إنها صفية بنت حيي))، وخرج أنس إلى الجمعة، فرأى الناس قد صلوا ورجعوا، فاستحيا ودخل موضعا لا يراه الناس فيه، وقال: ((من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من اللَّه))، وأخرجه الطبراني مرفوعا ولا يصح. وإن أتى ذلك لاعتقاده أنه حلال، إما باجتهاد سائغ، أو تقليد سائغ، وكان مخطئا في اعتقاده فحكمه حكم الذي قبله، فإن كان الاجتهاد ضعيفا، أو التقليد غير سائغ، وإنما حمل عليه مجرد اتباع الهوى، فحكمه حكم من أتاه مع اشتباهه عليه، والذي يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه، قد أخبر عنه النبي ◌ّلهر أنه وقع في الحرام، فهذا يفسر بمعنيين : [أحدهما]: أن يكون ارتكابه للشبهة مع اعتقاده أنها شبهة ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنه حرام بالتدريج، والتسامح، وفي رواية في ((الصحيحين)) لهذا الحديث: ((ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان))، وفي مراسيل أبي المتوكل الناجي، عن النبي ◌َالقر: ((من يرعى بجنبات الحرام، يوشك أن يخالطه، ومن تهاون بالمحقرات يوشك أن يخالط الكبائر)). [والمعنى الثاني]: أن من أقدم على ما هو مشتبه عنده، لا يدري أهو حلال أو حرام، فإنه لا يأمن أن يكون حراما في نفس الأمر، فيصادف الحرام، وهو لا يدري أنه حرام، وقد رُوي من حديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما، عن النبي بَلّه، قال: ((الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشتبهات، فمن اتقاها كان أنزه لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات، أوشك أن يقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقع الحمى، وهو لا يشعر))، أخرجه الطبراني وغيره(١). واختلف العلماء هل يطيع والديه في الدخول في شيء من الشبهة، أم لا يطيعهما، فرُوي عن بشير بن الحارث، قال: لا طاعة لهما في الشبهة. وعن محمد بن مقاتل العباداني قال: يطيعهما. وتوقف أحمد في هذه المسألة، وقال: يداريهما، وأبى أن يجيب فيها. وقال أحمد: لا يبيع الرجل من الشبهة، ولا يشتري الثوب للتجمل من (١) ذكره الهيثميّ في ((مجمع الزوائد)) ٧٦/٤-٧٧ وقال: رواه الطبرانيّ في ((الأوسط))، وفي ((الصغير)) عن ابن عمر، عن النبيّ وَّ، وفي إسناد («الأوسط)) سعد بن زنبور، قال أبو حاتم: مجهول، وإسناد ((الصغير)) حسن . انتهى . ٣٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ الشبهة، وتوقف في حل ما يؤكل، وما يلبس منها، وقال في التمرة يلقيها الطير: لا يأكلها، ولا يأخذها، ولا يتعرض لها. وقال الثوري في الرجل يجد في بيته الأفلس أو الدراهم: أحب إلى أن ينتنزه عنها- يعني إذا لم يدر من أين هي -. وكان بعض السلف لا يأكل إلا شيئا يعلم من أين هو؟ ويسأل عنه حتى يقف على أصله. وقد رُوي في ذلك حديث مرفوع، إلا أن فيه ضعفا. وقوله: (وَسَأَضْرِبُ فِي ذَلِكَ مَثَلًا) أي سجعل مثلًا؛ لإيضاح تلك الأمور (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَمَى حِمَّى، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَا حَرَّمَ، وَإِنهُ مَنْ يَرْعَ حَوْلَ الْحِمَى) بكسر الحاء المهملة، والقصر: أرض يحميها الملوك، ويمنعون الناس عن الدخول فيها، فمن دخله أوقع به العقوبة، ومن احتاط لنفسه لا يقارب ذلك الحمى، خوفًا من الوقوع فيه، والمحارم كذلك يعاقب اللّه تعالى على ارتكابها، فمن احتاط لنفسه لم يقاربها بالوقوع في المشتبهات (يُوشِكُ) بضم الياء، وكسر الشين: أي يقرب (أَنْ يُخَالِطَ الْحِمَى) لأنه يتعاهد به التساهل، ويتمرّن عليه، ويجسر على شبهة أخرى أغلظ منها، وهكذا حتى يقع في الحرام (وَرُبَّمَا قَالَ: ((يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ، وَإِنَّ مَنْ خَالَطَ الرِّيبَةَ) بكسر الراء: أي الشك (يُوشِكُ) أي يقرب (أَنْ يَجْسُرَ))) بضم السين المهملة: أي يُقدِم على الحرام المحض، والْجَسُور: المقدام الذي لا يهاب شيئا، ولا يراقب أحدا. ورواه بعضهم: ((يجشُر)) بالشين المعجمة: أي يرتع، والجشر الرعي، وجشرتُ الدابةَ: إذا رعيتها. وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عند قوله: ((كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمي، ألا وإن حمى الله محارمه)): هذا مثل ضربه النبي ◌ّير لمن وقع في الشبهات، وأنه يقرب وقوعه في الحرام المحض، وفي بعض الروايات: أن النبي وَلقر قال: ((سأضرب لكم مثلا ... )) ثم ذكر هذا الكلام، فجعل النبي ◌ُّ﴾ مثل المحرمات، كالحمى الذي يحميه الملوك، ويمنعون غيرهم من قربانه. وقد جعل النبي ◌َّر، حول مدينته اثني عشر ميلا، حمى محرما لا يقطع شجره، ولا يصاد صيده، وحَمَى عمر وعثمان أماكن ينبت فيها الكلأ؛ لأجل إبل الصدقة، والله سبحانه وتعالى حمى هذه المحرمات، ومنع عباده من قربانها، وسماها حدوده، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُهَا﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]، وهذا فيه بيان أنه حَدَّ لهم ما أحل لهم، وما حرم عليهم، فلا يقربوا الحرام، ولا يعتدوا الحلال، وكذلك قال في آية أخرى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ومن يَنَعَدَّ حُدُودَ الَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وجعل من يرعى حول الحمى، أو قريبا منه جديرا بأن يدخل الحمى،