Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
٣٩- (الإذنُ فِي الجَرّ خَاصَّة) - حدیث رقم ٥٦٥٣
قليل الحديث. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه كان من العلماء الثقات.
وإذا تقرر ذلك فالراجح في أبي عياض، الذي يروي عنه مجاهد أنه عمرو بن
الأسود، وأنه شامي، وأما قيس بن ثعلبة، فهو أبو عياض آخر، وهو كوفي، ذكره ابن
حبان في ثقات التابعين، وقال: إنه يروي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وغيرهم،
رَوَى عنه أهل الكوفة. قال الحافظ: وإنما بسطت ترجمته؛ لأن المزي لم يستوعبها،
وخلط ترجمة بترجمة، وأنه صَغّر اسمه، فقال: عمير بن الأسود الشامي العنسي، صاحب
عبادة بن الصامت. والذي يظهر لي أنه غيره، فإن كان كذلك، فما له في البخاري سوى
هذا الحديث، وإن كان كما قال المزي، فإن له عند البخاري حديثا تقدم ذكره في
((الجهاد)) من رواية خالد بن معدان، عن عمير بن الأسود، عن أم حرام بنت ملحان،
وكأن عمدته في ذلك أن خالد بن معدان رَوَى عن عمرو بن الأسود أيضا، وقد فرق ابن
حبان في ((الثقات)) بين عمير بن الأسود، الذي يكنى أبا عياض، وبين عمير بن الأسود
الذي يروي عن عبادة بن الصامت، وقال: كل منهما عمير بالتصغير، فإن كان ضبطه،
فلعل أبا عياض كان يقال له: عمرو، وعمير، ولكنه آخر غير صاحب عبادة. والله
أعلم. انتهى ((فتح)) ١٨٥/١١.
٦- (عبد الله) بن عمرو العاص رضي اللّه تعالى عنهما ١١١/٨٩. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المكيين، غير شيخه، فطبريّ، ثم
بغداديّ، وأبي عياض، فحمصيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن
بعض: سليمان، عن مجاهد، عن أبي عياض. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن العاص، قال في ((الفتح)): كذا في جميع نسخ البخاري،
ووقع في بعض نسخ مسلم: ((عبد الله بن عمر)) بضم العين، وهو تصحيف، نَّه عليه
أبو علي الجياني.
(أَنَّ النَِّيَّ وَّهِ رَخَّصَ) وساقه البخاريّ مطَوّلًا، ولفظه: ((لَمّا نهى النبيّ وَّ عن
الأسقية، قيل للنبيّ وَليقول: ليس كلّ الناس يجد سِقاءً، فرخّص لهم في الجرّ، غير
الْمُزَفْت)» .

٢٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
قال في ((الفتح)): قوله: ((لما نهى النبي ◌َليل عن الأسقية)) كذا وقع في هذه الرواية،
وقد تفطن البخاري لما فيها، فقال بعد سياق الحديث: حدثني عبد الله بن محمد،
حدثنا سفيان بهذا، وقال: ((عن الأوعية))، وهذا هو الراجح، وهو الذي رواه أكثر
أصحاب ابن عيينة عنه، كأحمد، والحميدي، في ((مسنديهما))، وأبي بكر بن أبي شيبة،
وابن أبي عمر، عند مسلم، وأحمد بن عبدة، عند الإسماعيلي وغيرهم. وقال عياض:
ذِكْرُ الأسقية وَهَمّ من الراوي، وإنما هو ((عن الأوعية))؛ لأنه وَّ لم ينه قط عن الأسقية،
وإنما نَّى عن الظروف، وأباح الانتباذ في الأسقية، فقيل له: ليس كل الناس يجد
سقاء))، فاستثنى ما يُسكر، وكذا قال لوفد عبد القيس لَمّا نهاهم عن الانتباذ في الدباء
وغيرها قالوا: ففيم نشرب؟ قال: ((في أسقية الأدم))، قال: ويحتمل أن تكون الرواية في
الأصل كانت: ((لما نهى عن النبيذ إلا في الأسقية))، فسقط من الرواية شيء انتهى.
وسبقه إلى هذا الحميدي، فقال في ((الجمع)) لعله نقص من لفظ المتن، وكان في
الأصل: ((لما نهى عن النبيذ إلا في الأسقية)). وقال ابن التين: معناه: لما نهى عن
الظروف إلا الأسقية، وهو عجيب، والذي قاله الحميدي أقرب، وإلا فحذف أداة
الاستثناء مع المستنثى منه، وإثبات المستثنى غير جائز، إلا إن ادعَى ما قال الحميدي أنه
سقط على الراوي. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون معناه: لما نهى في مسألة الأنبذة
عن الجرار بسبب الأسقية، قال: ومجيء ((عن)) سببية شائع، مثل يَسمَنون عن الأكل:
أي بسبب الأكل، ومنه: ﴿فَأَزَّلَّهُمَا الشَّيْطِنُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦] أي بسببها .
قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه، ويظهر لي أن لا غلط، ولا سقط، وإطلاق السقاء
على كل ما يُسقى منه جائز، فقوله: ((نهى عن الأسقية)) بمعنى الأوعية؛ لأن المراد
بالأوعية الأوعية التي يُستقى منها، واختصاص اسم الأسقية بما يتخذ من الأدم، إنما هو
بالعرف. وقال ابن السكيت: السقاء يكون للبن والماء، والْوَطْب- بالواو: للبن خاصة،
والنِّخيُ- بكسر النون، وسكون المهملة -: للسمن، والقِرْبة للماء. وإلا فمن يجيز
القياس في اللغة لا يمنع ما صَنَع سفيان، فكأنه كان يرى استواء اللفظين، فحدث به مرة
هكذا، ومرارا هكذا، ومن ثم لم يَعُدّها البخاري وَهَمًا. انتهى.
(رَخَّصَ) وفي رواية: ((فأرخص)) بالهمز، وهي لغة، يقال: أرخص، ورَخّص، وفي
رواية ابن أبي شيبة: ((فأذن لهم في شيء منه)) (فِي الْجَرِّ) أي في الانتباذ فيه، وهو بفتح
الجيم، وتشديد الراء: إناء معروفٌ، جمعه: جِرارٌ بالكسر، مثلُ كلب وكِلاب (غَيْرَ
مُزَقَّتٍ) بالنصب على الحالية، وفي رواية البخاريّ: ((غير المزّفّت))، وعيله يكون
مجرورًا على الوصفيّة. والمزفّتُ: هو المطليّ بالزفت بالكسر، وهو القار، فهو بمعنى

٤٠- (الإذنُ فِی شیءٍ مِنها) - حديث رقم ٥٦٥٤
٢٤٣
المقيّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٦٥٢/٣٩- وفي ((الكبرى)) ٥١٦٠/٤٠. وأخرجه (خ) في ((الأشربة))
٥٥٩٣ (م) في ((الأشربة)) ٢٠٠٠ (د) في ((الأشربة)) ٣٧٠٠ (أحمد) في ((مسند المكثرين))
٦٤٦١ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان الرخصة في الانتباذ في
الجرّ، غير المزفّت. (ومنها): رحمة الشارع الحكيم، حيث يسهّل في مواضع الحرج،
كما قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ الآية
[البقرة: ١٨٥]. (ومنها): ما قاله بعضهم: إن فيه دلالةً على أن الرخصة لم تقع دفعة
واحدة، بل وقع النهي عن الانتباذ إلا في سقاء، فلما شَكّوا رخص لهم في بعض
الأوعية دون بعض، ثم وقعت الرخصة بعد ذلك عامةً.
لكن تُعُقِّب بأن من قال: إن الرخصة وقعت بعد ذلك يفتقر إلى أن يُثبت أن حديث
بريدة الدالَّ على ذلك كان متأخرا عن حديث عبد الله بن عمرو هذا. قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر تأخر حديث بُريدة تَّه، فإن سياقه يدلّ
على هذا، كقوله {وَلير: ((فاشربوا في أيّ وعاء شئتم))، وقوله: ((فانتبذوا فيما بدا لكم))،
وغير ذلك من الألفاظ الدالّة على أن النسخ عامّ متأخّر. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٤٠- (الإِذْنُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا نسخ ((المجتبى)) التي بين يديّ، ولفظ

٢٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
((الكبرى)): ((الإذن في كلّ منها، لا استثناء في شيء منها)).
والظاهر أن في ترجمة ((المجتبى)) سَقَطًا يوضّحه ما في ((الكبرى))، والمعنى: أن هذا
الباب معقود لبيان الإذن في الانتباذ في كلّ وعاء من الأوعية التي تقدّم بيان النهي عن
الانتباذ فيها، دون استثناء شيء منها، كما استُثني في الباب الماضي، حيث كانت
الرخصة فيه بغير المزفّت. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٦٥٤- (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، عَنِ الْأَخْوَصِ بْنِ جَوَّابٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ
رُزَيْقٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّبَّيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةً، عَنْ أَبِهِ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (إِنِّي كُنْتُ نَّيْتُكُمَّ عَنْ لُّحُوَمِ الْأَضَاحِيُّ، فَتَزَوَّدُوا، وَادَّخِرُوا، وَمَنْ
أَرَادَ زِيَارَةَ الْقُبُورِ، فَإِنَّها تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ، وَاشْرَبُوا، وَاتَّقُوا كُلَّ مُسْكِرٍ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلّهم
تقدّموا غير مرّة. و((الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيم)): هو العنبريّ، أبو الفضل البصريّ، ثقة
حافظ، من كبار [١١]. و((الْأَخْوَصِ بْنِ جَوَّابٍ))- بتشديد الواو -: هو الضبّيّ، أبو
الجوّاب الكوفيّ، صدوقٌ ربما وهم [٩]. و((عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ))- بتقديم الراء، مصغّرًا -:
هو الضبّيّ، أبو الأحوص الكوفيّ، لا بأس به [٨]. و((أَبِ إِسْحَاقَ)): هو عمرو بن عبد
اللَّه السبيعيّ المشهور [٣]. و((الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ)): هو الهمدانيّ الياميّ، أبو عبد الله
الكوفيّ، قاضي الريّ، ثقة [٥]. و((ابْنِ بُرَيْدَةَ)): هو عبد اللَّه السلميّ المروزيّ،
قاضيها، ثقة [٣]. و(«أبوه)): هو بريدة بن الحُصيب الأسلميّ، أبو سهل الصحابيّ
الجليل، أسلم قبل بدر، مات رَّه سنة (٦٣).
وقوله: ((كنت نهيتكم الخ)) فيه الجمع بين الناسخ والمنسوخ، والإذن.
وقوله: ((عن لحوم الأضاحي)): أي فوق ثلاثة أيام. وقوله: ((ومن أراد زيارة القبور
الخ)): جواب الشرط محذوف، تقديره: فليزرها، وقوله: ((فإنها الخ)) علة للجواز.
ثم ظاهر الأمر بزيارة القبور يعم الرجال والنساء، وهو المذهب الراجح، كما قدّمنا
تحقيقه في ((الجنائز))، وقيل: لا يعمّ النساء، بل هو خاصّ للرجال، وتقدم تضعيفه
بالأدلة الواضحة، فراجعه، تستفد.
وقوله: ((واشربوا)): أي في الأوعية كلّها، وهذا هو الناسخ للنهي المتقدّم بيانه في
أحاديث الأبواب الماضية، فصار بعد هذا النسخ مدار الحرمة على الإسكار، ولا دخل
للظروف في حلّ، ولا حرمة، وفي هذا اختلاف بين أهل العلم.
وتمام شرح الحديث قد تقدّم في ((كتاب الجنائز)) ٢٠٣٢/١٠٠ فلتراجعه تزدد علمًا.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

٢٤٥ =-
٤٠- (الإِذْنُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا) - حديث رقم ٥٦٥٤
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث بُريدة رَّ هذا أخرجه مسلم، وتقدم تخريجه في ((الجنائز)) ٢٠٣٣ وفي
((الضحايا)) ٤٤٢٩. والله تعالى أعلم ..
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في الانتباذ في جميع الأوعية:
ذهب الجمهور إلى أن أحاديث النهي عن الانتباذ في الأوعية منسوخة بحديث بريدة
ابن الحصيب تَّه المذكورة في هذا الباب، وذهب بعضهم إلى أن النهي باق، قال
الخطّابِيّ رحمه الله تعالى: القول بالنسخ هو أصحّ الأقاويل، قال: وقال قوم: التحريم
باق، وكرهوا الانتباذ في هذه الأوعية، ذهب إليه مالكٌ، وأحمد، وإسحاق، وهو
مرويّ عن ابن عمر، وابن عبّاس . أفاده النوويّ في ((شرح مسلم)) ١٨٦/١.
وقال الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)): ((باب ترخيص النبي ◌َّ في
الأوعية والظروف بعد النهي)»:
ثم ذكر فيه خمسة أحاديث: [أولها]: حديث جابر رَّ، ((نهى رسول اللَّه ◌َله عن
الظروف، فقالت الأنصار: إنه لا بدّ لنا منها، قال: فلا إذن))، وهو عام في الرخصة
[ثانيها]: حديث عبد الله بن عمرو رضي اللَّه تعالى عنهما المذكور في الباب الماضي،
وفيه استثناء المزفت. [ثالثها]: حديث علي تَّه وهو: ((نهى النبيّ وَّر عن الدباء،
والمزفت)). [رابعها]: حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها مثله. [خامسها]: حديث
عبد الله بن أبي أوفى رَّه المقتدّم في النهي عن الجر الأخضر، وقد تقدم في ٢٩/
٥٦٢٣ .
قال في ((الفتح)) ١٨٣/١١: وظاهر صنيعه أنه يرى أن عموم الرخصة مخصوص،
بما ذُكر في الأحاديث الأخرى، وهي مسألة خلاف، فذهب مالك إلى ما دل عليه صنيع
البخاري، وقال الشافعي، والثوري، وابن حبيب من المالكية: يكره ذلك، ولا يحرم،
وقال سائر الکوفیین: یباح، وعن أحمد روايتان.
وقد أسند الطبري عن عمر ما يؤيد قول مالك، وهو قوله: ((لأن أشرب من قُمقُم
مُحمّى فيُحرِق ما أحرق، ويُبقي ما أبقى أحب إلي من أن أشرب نبيذ الجر)). وعن ابن
عباس: ((لا يُشرَب نبيذ الجر، ولو كان أحلى من العسل)). وأسند النهي عن جماعة من
· الصحابة .
وقال ابن بطال: النهي عن الأوعية إنما كان قطعا للذريعة، فلما قالوا: لا نجد بُدّا
من الانتباذ في الأوعية، قال: ((انتبذوا وكلُّ مسكر حرام))، وهكذا الحكم في كل شيء

٢٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
نهي عنه بمعنى النظر إلى غيره، فإنه يسقط للضرورة، كالنهي عن الجلوس في
الطرقات، فلما قالوا: لا بد لنا منها، قال: ((فأعطوا الطريق حقها)).
وقال الخطابي: ذهب الجمهور إلا أن النهي إنما كان أولا، ثم نسخ، وذهب جماعة
إلى أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية باق، منهم ابن عمر، وابن عباس، وبه قال
مالك، وأحمد، وإسحاق، كذا أطلق، قال: والأول أصح، والمعنى في النهي أن العهد
بإباحة الخمر كان قريبا، فلما اشتهر التحريم أبيح لهم الانتباذ، في كل وعاء، بشرط
ترك شرب المسكر، وكأن من ذهب إلى استمرار النهي، لم يبلغه الناسخ.
وقال الحازمي: لمن نصر قول مالك أن يقول: ورد النهي عن الظروف كلها، ثم
نسخ منها ظروف الأدم، والجرار غير المزفتة، واستمر ما عداها على المنع.
ثم تعقب ذلك بما ورد من التصريح في حديث بريدة عند مسلم، ولفظه: ((نهيتكم
عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء، غير أن لا تشربوا مسكرًا))،
قال: وطريق الجمع أن يقال: لما وقع النهي عاما، شَكَوا إليه الحاجة، فرخص لهم في
ظروف الأدم، ثم شكوا إليه أن كلهم لا يجد ذلك، فرخص لهم في الظروف كلها.
انتهى ((فتح)) ١١/ ١٨٢-١٨٤.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم من الحجج أن أرجح الأقوال هو
القول بأن الانتباذ جائز في أي وعاء كان، وأنه يُعتذر للمانعين بأنه لم يبلغهم النسخ
الواضح في حديث بُريدة ◌َّه المذكور في الباب، فإنه نصّ لا يحتمل التأويل، فقد
قال ◌َله: ((ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا
مسكرًا))، وفي لفظ: ((ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية، فاشربوا في أيّ وعاء شئتم،
ولا تشربوا مسكرًا»، وفي لفظ: ((كنت نهيتكم عن الأوعية، فانتبذوا فيما بدا لكم،
وإیاکم وکلَّ مسکر)».
فدلالة النص على أن النسخ عامّ في جميع الأوعية، لا يُخصّ منه شيءٌ، مما لا يتردد
فيها ذوفهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٥٦٥٥- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلِ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ
مُحَارِبٍ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةً، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((إِنِّي كُنْتُ
تَِّئْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَنَّيْتُكُمَّ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيْ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ،
فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَّيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ، إِلَّا فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلُّهَا، وَلَا
تَشْرَبُوا مُسْکِرًا»).

٢٤٧ =
٤٠- (الإِذْنُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا) - حديث رقم ٥٦٥٨
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ»: هو الجهنيّ المصيصيّ.
و ((ابْنِ فُضَيْلٍ)): هو محمد. و((أَبِي سِنَانٍ)): هو الأكبر ضِرار بن مُرّة الشيبانيّ، ثقة ثبت
[٦]. و((مُحَارِبِ بْنِ دِثَّارٍ)): هو السدوسيّ الكوفيّ القاضي الثقة الإمام الزاهد [٤].
ورجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، غیر شیخه.
والحديث أخرجه مسلم، ومضى الكلام فيه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٦٥٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ عِيسَى بْنِ مَعْدَانَ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ
بْنُ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِهِ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنِّي كُنْتُ نَِّيْتُكُمْ عَنْ ثَلاث: زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا،
وَلْتَزِذِكُمْ زِيَارَتَّا خَيْرًا، وَنَّتِتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَّاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَكُلُوا مِنْهَا مَا شِئْتُمْ،
وَنَّيْتُكُمْ عَنِ الْأَشْرِبَةِ فِي الْأَوْعِيَّةِ، فَاشْرَبُواْ فِي أَيِّ وِعَاءٍ شِئْتُمْ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((مُحَمَّدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ عِيسَى بْنِ مَعْدَانَ الْحَرَّانِيُّ): هو
من أفراد المصنّف، ثقة [١٢].
و ((الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ)): هو الحسن بن محمد بن أعين، نسب لجدّه الحرّانيّ، صدوقٌ
[٩]. و((حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ)): هو ابن معاوية بن حُدَيج الجعفيّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٧].
و((زُبَيْدٌ)): هو ابن الحارث بن عبد الكريم الياميّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ عابدٌ [٦].
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٦٥٧- (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ
ابْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سَلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيِدَةَ، عَنْ أَبِيِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللّهِ وَلَ: ((كُنْتُ نَهَيْئُكُمَ عَنِ الْأَوْعِيَةِ، فَانْتَبِذُوا فِيمَا بَدَّا لَكُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَكُلَّ مُسْكِرٍ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: (أَبُو بَكْرِ بْنِ عَلِيِّ)): هو أحمد بن عليّ المروزيّ
القاضي، ثقة حافظ [١٢] من أفراد المصنّف. و((إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاج)): هو الساميّ، أبو
إسحاق البصريّ، ثقة بِهِم قليلاً [١٠]. و((حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ)): هو أبو سلمة البصريّ، ثقة
عابد، تغيّر حفظه بآخره [٨]. و((حَمَّدِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ)): هو الأشعريّ مولاهم، أبو
إسماعيل الكوفيّ، فقيه صدوق له أوهام، ورمي بالإرجاء [٥].
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق القول فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآبِ، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٦٥٨- (أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٌّ مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتِى بْنِ أَيُّوبَ مَرْوَزِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ

=
٢٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عُبَيْدِ الْكِنْدِيُّ، خُرَاسَانِيٌّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، بَيْتَا هُوَ يَسِيرُ، إِذْ حَلَّ بِقَوْمٍ، فَسَمِعَ لَهُمْ لَغَطًا،
فَقَالَ: ((مَا هَذَا الصَّوْتُ؟))، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَهُمْ شَرَابٌ يَشْرَبُونَهُ، فَبَعَثَ إِلَى الْقَوْمِ،
فَدَعَاهُمْ، فَقَالَ: ((فِي أَيِّ شَيْءٍ تَنْتَبِذُونَ؟))، قَالُوا: نَنْتَبِذُ فِي النَّقِيرِ، وَالدُّبَّاءِ، وَلَيْسَ لَّنَا
ظُرُوفٌ، فَقَالَ: ((لَا تَشْرَبُوا إِلَّا فِيمَا أَوْكَيْتُمْ عَلَيْهِ»، قَالَ: فَلَبِثَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ
يَلْبَثَ، ثُمَّ رَجَعَ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا هُمْ قَدْ أَصَابُهُمْ وَبَاءٌ، وَاصْفَرُّوا، قَالَ: ((مَا لِي أَرَاكُمْ قَدْ
هَلَكْتُمْ؟))، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَرْضُنَا وَبِيئَةٌ، وَحَرَّمْتَ عَلَيْنَا إِلَّ مَا أَوْكَيْنَا عَلَيْهِ، قَالَ:
(اشْرَبُوا، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (أَبُو عَلِيٌّ مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتِى بْنِ أَيُّوبَ مَزْوَزِيٍّ) أبو يحيى الثقفيّ القصريّ المعلّم،
ثقة حافظ [١٠] ١٦٢ / ٢٥٤، من أفراد المصنف، والترمذيّ.
[تنبيه]: قوله: ((مروزيّ)): خبر لمحذوف: أي هو مروزيّ، وكذا قول الآتي:
((خراسانيّ)).
٢- (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ) بن جَبَلَة بن أبي رَوّاد العتكيّ، أبو عبد الرحمن الملقّب
عبدان المروزيّ، ثقة حافظ [١٠] ٦ / ٤٠٢٢ .
٣- (عِيسَى بْنُ عُبَيْدٍ) بن مالك الْكِنْدِيُّ، أبو المنيب- بضم الميم، وكسر النون،
بعدها تحتانيّة، ثم موحّدة- المروزيّ، وأبوه بغير إضافة، وقد قيل فيه: عبيد الله،
صدوقٌ [٨].
رَوَى عن عميه: معبد وعمرو ابني مالك، وعبد الله بن بريدة، وعبيد الله مولی عمر
ابن مسلم، وغيلان بن عبد اللَّه العامري، والربيع بن أنس، وأبي مِجْلَز، ويحيى بن
سعيد الأنصاري، وغيرهم. وعنه عبد العزيز بن أبي رزمة، والفضل بن موسى
السِّينَاني، وعيسى بن موسى غنجار، وأبو تُمَيلة، والعلاء بن عمران، وعبد الله بن
عثمان، ونعيم بن حماد، وجماعة. قال أبو زرعة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في
(الثقات)). وقال الذهبي، عن السلماني: فيه نظر. ووقع في أكثر الروايات عن أبي
داود: ((عيسى بن عبيد اللَّه))، وهو وَهَمْ، والصواب عيسى بن عبيد، كما وقع عند
اللؤلؤي. روى له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب
هذا الحديث فقط .
٤- (عبد الله بن بُريدة) بن الحصيب الأسلميّ المروزيّ، قاضيها، ثقة [٣] ٢٥/
٣٩٣ .

٢٤٩ =
٤٠- (الإذنُ فِي شئْءٍ مِنھا) - حدیث رقم ٥٦٥٨
٥- (أبوه) بريدة بن الحصيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ الصحابيّ الشهير رضي
الله تعالى عنه ١٣٣/١٠١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الْحُصَيب ◌َّهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، بَيْنَا)
هي ((بين)) الظرفيّة زٍدت عليها الألف، وتُضاف إلى الجملة بعدها، قال ابن منظور:
أصل ((بينا)) بين))، فأشبعت الفتحة، فصارت ألفًا، ويقال: بينا، وبينما، وهما ظرفان
بمعنى المفاجأة، ويُضافان إلى جملة، من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى
جواب، يتمّ به المعنى، قال: والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه ((إذ))، و((إذا))، وقد
جاء في الجواب كثيرًا، تقول: بينا زيد جالسٌ دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه، وإذا
دخل عليه، ومنه قول الْحُرَقَة بنت النعمان:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَ الأَمْرُ أَمْرُنَا إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
انتهى (لسان العرب)) ٦٦/١٣. وقد تقدم هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول
١
العهد به .
(هُوَ يَسِيرُ، إِذْ حَلَّ بِقَوْمٍ) أي نزل فيهم (فَسَمِعَ لَهُمْ لَغَطًا) بفتحتين، أو بفتح،
فسكون: أي أصواتا مختلفة، لا تُفهم، قال الفيّوميّ: لَغَطَ لَغْطًا، من باب نَفَعَ، واللغَطُ
بفتحتين: اسم منه، وهو كلام فيه جَلَبَة، واختلاطٌ، ولا يتبيّن، وألغط بالألف لغة.
انتهى (فَقَالَ) بَلِّ (مَا هَذَا الصَّوْتُ؟) ((ما)): استفهاميّة، أي أيّ شيء هذا الصوت، وما
سببه؟ (قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَهُمْ شَرَابٌ يَشْرَبُونَهُ) أي فشربه، فحصل هذا الصوت منه
(فَعَثَ إِلَى الْقَوْمِ، فَدَعَاهُمْ، فَقَّالَ: ((فِي أَيِّ شَيْءٍ تَنْتَِذُونَ؟) أي في أي إناء تصنعون
النبيذ الذي يؤدّيكم إلى التصايح؟ (قَالُوا: نَنْتَبِذُ فِي النَّقِيرِ، وَالدُّبَّاءِ، وَلَيْسَ لَنَا ظُرُوفٌ)
أي أسقية الجلود التي يبقى فيها النبيذ دون إسكار (فَقَالَ: ((لَا تَشْرَبُوا إِلَّا فِيمَا أَوْكَيْتُمْ
عَلَيْهِ) أي إلا في الأسقية التي تربطون على أفواهها، وذلك لأنها لتخلل الهواء من
مسامّها، لا يسرع الفساد إليها مثل ما يسرع إلى غيرها من الجرار ونحوها، وأيضًا فهي
تُرْبَط، فإذا رُبطت أُمنت مفسدة الإسكار بما يُشرب منها، لأنه إذا تغيّر، وصار مسكرًا
شقّ الجلد، بخلاف الأوعية التي نُهي عن الانتباذ فيها، فإنها قد يصير النبيذ فيها مسكرًا،

٢٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
ولا يُعلم به. أفاده في ((الفتح)) ١١ / ١٨٧ (قَالَ) بريدة ﴾ (فَلَبِثَ) بكسر الموحّدة، من
باب تعب: أي عاش (بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمَّ رَجَعَ عَلَيْهِمْ) أي على هؤلاء القوم
الذين نهاهم أن ينتبذوا إلا فيما أوكوا عليه (فَإِذَا) هي الفجائيّة (هُمْ قَدْ أَصَابُمْ وَبَاءٌ) بفتح
الواو، قال الفيّوميّ: الوباء بالهمز: مرض عامّ، يُمدّ، ويُقصر، ويجمع الممدود على
أوبئة، مثلُ مَتاع وأمتعة، والمقصور على أوباء، مثلُ سبب وأسباب، وقد وَبِئَت الأرض
تَوْبَأ، من باب تعب وَبْتًا، مثل فلس: كثُر مرضها، فهي وَبِئَة، ووبيئةٌ، على فَعِلة،
وفعيلة. انتهى (وَاصْفَرُوا) أي اصفرّت أجسامهم من أجل المرضِ الذي حلّ بهم،
والصفرة- كما في ((المصباح -: لون دون الحمرة (قَالَ) وَلِّ (مَا لِي أَرَاكُمْ قَدْ هَلَكْتُمْ؟)
أي قاربتكم الهلاك، حيث تغيّرتِ أجسامكم (قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَرْضُنَا وَبِيئَةٌ) أي ذات
مرض كثير (وَحَرَّمْتَ عَلَيْنَا إِلَّ مَا أَوْكَيْنَا عَلَيْهِ) أي فلم نجد شرابًا يلائم أجسامنا، فحصل
لنا بذلك الضرر (قَالَ) وَ (اشْرَبُوا) أي كلّ شراب تصنعونه في أي وعاء إذا لم يُسكر،
كما شرطه بقول (وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) أي إنما يحرم عليكم أن تشربوا المسكر، لا
اتنباذكم في وعاء معيّن.
وأخرج أبو يعلى، وصححه ابن حبّان من حديث الأشجّ الْعَصَريّ أن النبيّ وَِّ قال
لهم: ((ما لي أرى وجوهكم قد تغيّرت؟)) قالوا: نحن بأرض وخمة، وكنا نتخذ من هذه
الأنبذة، ما يقطع اللحمان في بطوننا، فلما نهيتنا عن الظروف، فذلك الذي ترى في
وجوهنا، فقال النبيّ وَ له: ((إن الظروف لا تُحلّ، ولا تحرّم، ولكن كلُّ مسكر حرام)).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث بُريدة ◌َّ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه
هنا - ٥٦٥٧/٤٠- وفي ((الكبرى)) ٥١٦٥/٤١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الإذن في الانتباذ في كلّ
وعاء، مع اجتناب المسكر. (ومنها): أن فيه بيان النسخ لما سبق من النهي لهم أن لا
ينتبذوا إلا في الأسقية التي تربط أفواهها. (ومنها): بيان ما يترتّب على شرب المسكر،
من رفع الأصوات، واللغطان، والهذيان، والاستهتار، دون مبالات بأحد، ولا استحياء
من أحد، وقد أكرم اللّه تعالى النوع الإنساني بالعقل والفهم، فلا يرضى للعقلاء أن
يتناولوا ما يُذهب عقولهم، أو يُبلّد أفهامهم، فهذا بعض حكم الشارع الحكيم في منع

٢٥١ =
٤٠- (الإذنُ فِی شئء مِنھا) - حدیث رقم ٥٦٥٩
تناول المسكرات، وسيعقد المصنف رحمه الله تعالى بعد ثلاثة أبواب بابًا فيه: ((ذكر
الآثام المتولّدة عن شرب الخمر، من ترك الصلوات، ومن قتل النفس، التي حرّم الله،
ومن الوقوع على المحارم)). (ومنها): سماحة الشريعة في محلّ الحرج، ومواضع
الضرورة، فقد أباح الانتباذ في كلّ وعاء للمضرّة، بعد أن نهى عنه للمصحلة، فهذا من
لطف الحكيم الغفّار سبحانه وتعالى، ﴿وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَ الْإِنِسَنَ
لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، اللَّهم أوزعنا شكر نعمائك، والاعتراف بآلائك،
ورؤية التقصير في شكر جزيل عطائك، ((سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيك
على نفسك)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٥٦٥٩- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، وَأَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ،
عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ، لَمَّا نَى عَنِ الظُّرُوَفِ،
شَكَتِ الْأَنْصَارُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لَنَا وِعَاءٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((فَلَا إِذًا»).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة
[١٠] ٣٧/٣٣ .
٢- (أبو داود الْحَفَريّ(١)) عمر بن سعد بن عُبيد الكوفيّ، ثقة عابدٌ [٩]٥٢٣/١٥.
٣- (أبو أحمد الزبيريّ) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسديّ
الكوفيّ، ثقة ثبت، إلا أنه قد يُخطىء في حديث الثوريّ [٩] ٢٢٣٩/٤٣.
٤- (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٧/٣٣.
٥- (منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/٢.
٦- (سالم) بن أبي الجعد رافع الغطفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة يرسل [٣]
٦١/ ٧٧ .
٧- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ
رضي اللَّه تعالى عنهما٣٥/٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، ثم
(١) بفتح الحاء المهملة، والفاء -: نسبة إلى موضع بالكوفة. قاله في ((التقريب)) ٢٥٣.

٢٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
بغداديّ، وفيه جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أحد المكثرين السبعة، روى
(١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِر) بن عبد اللَّه رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ، لَمَّا نََّى عَنِ
الظُرُوفِ) بظاء مشالة، معجمة: جمع ظرف- بفتح أوله: وهو الوعاء. وفي رواية مسلم
من طريق أبي الزبير، عن جابر رَّه: ((نهى عن الدبّاء، والمزفّت)) (شَكَتِ) بتخفيف
الكاف، من الشكوى (الْأَنْصَارُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لَنَا وِعَاءٌ) وفي رواية
البخاريّ: ((لا بدّ لنا منها))، وفي رواية لأحمد في قصّة وفد عبد القيس: ((فقال رجل من
القوم: يا رسول الله، إن الناس لا ظروف لهم، فقال: اشربوا إذا طاب، فإذا خُبُث
فذروه)) (فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((فَلَا إِذَا))) جواب وجزاء، أي إذا كان كذلك لا بُدّ لكم منها،
فلا تدعوها، وحاصله أن النهي، كان ورد على تقدير عدم الاحتياج، أو وقع وحي في
الحال بسرعة، أو كان الحكم في تلك المسألة مفوضًا لرأيه وَلتر، وهذه احتمالات ترد
على من جزم بأن الحديث حجة في أنه كان يحكم بالاجتهاد. قاله في ((الفتح)) ١١/
١٨٤ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر رَّ هذا أخرجه البخاري.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٥٦٥٨/٥٥٩٢٤٠- وفي ((الكبرى)) ٥١٦٦/٤١ (د) في ((الأشربة))
٣٦٩٩ (ت) في ((الأشربة)) ١٨٧٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنيب)).

٤١ - (مَنْزِلَةُ الْخَمْر) - حديث رقم ٥٦٦٠
٢٥٣
٤١- (مَنْزِلَةُ الْخَمْرِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بالمنزلة هنا منزلتها الدنيئة في الخبث، وكونها
أم الخبائث، وليس المراد المكانة، وإنما نبّهت على هذا؛ لأن المنزلة إذا أطلقت يتبادر
إلى الذهن أنها المكانة، فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٦٦٠- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ
ابْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ((أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، بِقَدَخَيْنِ مِنْ
خَمْرٍ وَلَبَنِ، فَتَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي
هَدَاكُ لِلْفِطَّرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (سُويد) بن نصر المروزيّ، ثقة [١٠] ٥٥/٤٥.
٢- (عبد الله) بن المبارك الإمام الحجة الثبت [٨] ٣٦/٣٢.
٣- (يونس) بن يزيد الأيليّ، ثقة [٧] ٩/٩.
٤- (الزهريّ) محمد بن مَسَلم الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١ .
٥- (سعيد بن المسيب) بن حزن المخزوميّ المدنيّ الثقة الثبت الفقيه، من كبار [٣]
٩ /٩ .
٦- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، ويونس
أيليّ، والباقيان مروزيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء
السبعة، وهو سعيد، وفيه أبو هريرة تَّه أكثر الصحابة ** رواية للحديث. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ،
(١) وفي نسخة)) ((أخبرنا)).

٢٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
أخبرني سعيد بن المسيّب أنه سمع أبا هريرة تَظّه))، أنه (قَالَ: ((أَتِيَ) بالبناء للمفعول
(رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ) ظرف ل((أَتي))، زاد في رواية البخاري: ((بإيلياء)، وهو
بكسر الهمزة، وسكون التحتانية، وكسر اللام، وفتح التحتانية الخفيفة، مع المد- هي
مدينة بيت المقدس. قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: وهو ظاهر في أن عَرْضَ ذلك على
النبيّ وَّر، وقع وهو في بيت المقدس، لكن وقع في رواية الليث بلفظ: ((إلى أيلياء))،
وليست صريحة في ذلك؛ لجواز أن يريد تعيين ليلة الايتاء، لا محله. انتهى.
(بِقَدَحَيْنٍ) بفتحتين: إناء معروف، والجمع أقداح، مثلُ سبب وأسباب. قاله في
((المصباحِ))، وفي ((القاموس)): ما يُفيد أنه إناء يُروي رجلينٍ. (مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنِ، فَتَظَرَ
إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَذَاكَ لِلْفِطْرَةِ) أي لِمَا
جُبل على حبّه الإنسان، إذا لم يُعارضه العارض، وبقي على السلامة، وهو أول غذاء
للإنسان، فإن الطفل لا يُغذّى إلا به. قاله السنديّ. وقال في ((الفتح)) ١١/ ١٥٣ :
المراد بالفطرة هنا الاستقامة على الدين الحق.
وفي رواية للبخاريّ في ((باب المعراج))- من كتاب ((مناقب الأنصار)): ((ثم أتيت بإناء
من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذتُ اللبن، فقال: هي الفطرة التي أنت
عليها))، أي دين الإسلام.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فتبيّن بهذا أن المراد من ((الفطرة)» هنا دين الإسلام، لا
الفطرة الجبّة كما أشار إليه السنديّ. والله تعالى أعلم.
(لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمّتُكَ) أي لأنها تشارك في الاسم خمر الدنيا التي هي أم
الخبائث، فيكون دليلا على حصول الخبث للأمة.
قال الحافظ ابن عبد البر رحمه اللّه تعالى: يحتمل أن يكون وَلّ نَفَر من الخمر؛ لأنه
تَفَرّس أنها ستحرم؛ لأنها كانت حينئذ مباحة، ولا مانع من افتراق مباحين مشتركين في
أصل الإباحة، في أن أحدهما سيحرم، والآخر تستمر إباحته.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: ويحتمل أن يكون نفر منها؛ لكونه لم يَعْتَدْ شربها
فوافق بطبعه ما سيقع من تحريمها بعدُ حفظًا من اللّه تعالى له ورعاية، واختار اللبن لكونه
مألوفا له، سهلا طيبا طاهرا، سائغا للشاربين، سليم العاقبة، بخلاف الخمر في جميع
ذلك.
وقال القرطبي رحمه اللّه تعالى: يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة؛ لأنه أول
شيء يدخل بطن المولود، ويشق أمعاءه، والسر في ميل النبي وَلقر إليه دون غيره؛ لكونه
كان مألوفا له، ولأنه لا ينشأ عن جنسه مفسدة.

٢٥٥
٤١- (منزلةُ الْخَمْر) - حدیث رقم ٥٦٦٠
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم أن قول جبريلعلَّله: ((هي الفطرة التي أنت
عليها)) ينافي هذا الاحتمال، بل المراد بالفطرة هو دين الإسلام، فتنبّه. والله تعالى
أعلم.
قال في ((الفتح)) ٦١٧/٧ -: وقد وقع في هذه الرواية أن إتيانه الآنية كان بعد وصوله
إلى سدرة المنتهى، وسيأتي في ((الأشربة)) من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس رَظّم
قال: قال رسول اللّه وَله: ((رُفعت لي سدرة المنتهى، فإذا أربعة أنهار ... )) فذكره،
قال: ((وأُتيت بثلاثة أقداح ... )) الحديث، وهذا موافق لحديث الباب، إلا أن شعبة لم
يذكر في الإسناد مالك بن صعصعة.
وفي حديث أبي هريرة رَّه عند ابن عائذ في حديث المعراج، بعد ذكر إبراهيم،
قال: ((ثم انطلقنا، فإذا نحن بثلاثة آنية، مُغَطّاة، فقال جبريل: يا محمد، ألا تشرب مما
سقاك ربك، فتناولت إحداها، فإذا هو عسل، فشربت منه قليلًا، ثم تناولت الآخر،
فإذا هو لبن، فشربت منه حتى رَوِيتُ، فقال: ألا تشرب من الثالث؟ قلت: قد رَوِیت،
قال: وفقك الله))، وفي رواية اليزار من هذا الوجه: أن الثالث كان خمرا، لكن وقع
عنده أن ذلك كان ببيت المقدس، وأن الأول كان ماء، ولم يذكر العسل.
وفي حديث بن عباس، عند أحمد: ((فلما أتى المسجد الأقصى، قام يصلي، فلما
انصرف جيء بقدحين، في أحدهما لبن، وفي الآخر عسل، فأخذ اللبن ... ))
الحديث. وقد وقع عند مسلم من طريق ثابت، عن أنس أيضا: أن إتيانه بالآنية كان
ببيت المقدس، قبل المعراج، ولفظه: ((ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم
خرجت، فجاء جبريل بإناء من خمر، وإناء من لبن، فأخذت اللبن، فقال جبريل:
أخذت الفطرة، ثم عرج إلى السماء)).
وفي حديث شداد بن أوس: ((فصليت من المسجد حيث شاء اللّه، وأخذني من
العطش أشد ما أخذني، فأتيت بإناءين: أحدهما لبن، والآخر عسل، فعدلت بينهما،
ثم هداني الله، فأخذت اللبن، فقال شيخ بين يدي -يعني لجبريل- أخذ صاحبك
الفطرة .
وفي حديث أبي سعيد، عند ابن إسحاق، في قصة الإسراء: ((فصلى بهم -يعني
الأنبياء- ثم أتي بثلاثة آنية: إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء، فأخذت
اللبن ... )) الحديث.
وفي مرسل الحسن عنده نحوه، لكن لم يذكر إناء الماء.
ووقع بيان مكان عرض الآنية في رواية سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عند

٢٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
البخاريّ في أول ((كتاب الأشربة))، ولفظه: ((أتي رسول اللّه ◌َالي ليلة أسري به بايلياء،
بإناء فيه خمر، وإناء فيه لبن، فنظر إليهما، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: الحمد لله
الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك)»، وهو عند مسلم. وفي رواية عبد
الرحمن بن هاشم بن عتبة، عن أنس، عند البيهقي: «فعرض عليه الماء، والخمر،
واللبن، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: أصبت الفطرة، ولو شربت الماء، لغرقت
وغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغويت وغوت أمتك)).
ويُجمَع بين هذا الاختلاف: إما بحمل ((ثم)) على غير بابها من الترتيب، وإنما هي
بمعنى الواو هنا، وإما بوقوع عرض الآنية مرتين: مرة عند فراغه من الصلاة بيت
المقدس، وسببه ما وقع له من العطش، ومرة عند وصوله إلى سدرة المنتهى، ورؤية
الأنهار الأربعة.
وأما الاختلاف في عدد الآنية، وما فيها، فيحمل على أن بعض الرواة ذكر ما لم
يذكره الآخر، ومجموعها أربعة آنية، فيها أربعة أشياء، من الأنهار الأربعة، التي رآها
تخرج من أصل سدرة المنتهى.
ووقع في حديث أبي هريرة وتنميه عند الطبري لَمّا ذكر سدرة المنتهى: ((يخرج أصلها
من أنهار من ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذة للشاربين، ومن
عسل مصفى))، فلعله عُرض عليه من كل نهر إناء.
وجاء عن کعب: أن نهر العسل نهر النيل، ونهر اللبن نهر جیحان، ونهر الخمر نهر
الفرات، ونهر الماء سيحان. والله أعلم. انتهى ((فتح)) ٦١٧/٧-٦١٨ ((كتاب مناقب
الأنصار))- ((باب المعراج)). وهو تحقيق نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رَ﴾ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٦٥٩/٤١- وفي ((الكبرى)) ٥١٦٧/٤٢. وأخرجه (خ) في ((أحاديث
الأنبياء)) ٣٣٩٤ و٣٤٣٧ و(التفسير)) ٤٧٠٩ و((الأشربة)) ٥٥٧٦ و٥٦٠٣ (م) في
((الإيمان)) ١٦٧ (ت) في ((التفسير)» ٣١٣٠ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٢٧٣٠٦
(الدارميّ) في ((الأشربة)) ١٩٩٦.
(المسألة الثالثة): في فوائده:

٤١- (مَنْزلَةُ الْخَمْر) - حديث رقم ٥٦٦١
٢٥٧ =
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان منزلتها الدنيئة، وهو أنها
سبب للغواية. (ومنها): ما أكرم الله سبحانه وتعالى حبيبه ◌َله بمعجزة الإسراء،
والمعراج. (ومنها): عناية الله سبحانه وتعالى بنّه وَلّ في جميع أموره، حيث هداه في
هذا العرض التشريفيّ إلى ما فيه الهداية، والصلاح، وجنبه ما يكون سببا للغواية
والضلال، مع أن الكل كان مباحًا له، ﴿وَكَانَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾
[النساء: ١١٣]. (ومنها): مشروعية الحمد عند حصول ما يُحمد، حيث قال جبريل
◌َالَّلهُ لما فاز حبيبه وَ ليل بأعلى الوسام: ((الحمد لله الذي هداك للفطرة)). (ومنها):
مشروعية دفع ما يحذر منه من المكاره الدينيّ والدنيويّ. (ومنها) ما قيل: إن قوله:
((غوت أمتك)) يحتمل أن يكون أخذه من طريق الفأل، أو تقدم عنده علم بترتب كل من
الأمرين، وهو أظهر. قاله في ((الفتح)) ١٥٧/١١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٦٦١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ خَالِدٍ -وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَقْصٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ مُحَيْرِيزٍ، يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ، مَنْ أَضْحَابٍ
الَّبِيِّ وََّ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِِّ، قَالَ: ((يَشْرَبُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِيَ الْخَمْرَ، يُسَمُّونَها بِغَيْرِ اسْمِهَا))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مناسبة هذا الحديث للترجمة غير واضحة، فالله تعالى
أعلم.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ البصريّ، ثقة [١٠] ٥/٥.
٢- (خالد بن الحارث) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٧/٢٤.
٤- (أبو بكر بن حفص) عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقّاص الزهريّ
المدنيّ، مشهور بكنيته، ثقة [٥] ١٧٨/١٢٢.
٥- (ابن مُحیریز)- بمهملة، وراء، آخره زاي، مصغّرًا -: هو عبد الله بن محیریز بن
جُنادة بن وهب الْجُمَحيّ المكيّ، كان يتيمًا في حجر أبي محذورة تظلّه بمكة، ثم نزل
بيت المقدس، ثقة عابدٌ [٣] ٦/ ٤٦١.
٦- (رجل من أصحاب النبيّ وَ﴿) لم يُسمّ، ولكن لا يضرّ ذلك؛ لأن الصحابة رضي
اللَّه تعالى عنهم كلّهم عدول. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم

٢٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن شعبة) بن الحجّاج (قال: سمعت أبا بَكْرِ بْنَ حَقْصٍ) الزهريّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ)
عبد الله (بْنَ مُحَيْرِيزٍ) الْجمحي المكيّ (يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ، مَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَلِّ)
وأخرجه ابن ماجه (٣٣٨٥) وأحمد٣١٨/٥ من طريق بلال بن يحيى العبسيّ، عن أبي
بكر بن حفص، عن ابن محيريز، عن ثابت بن السّمْطِ، عن عبادة بن الصامت تَنَّ ،
قال: قال رسول اللَّه ◌َله: ((يشرب ناس من أمتي الخمر، باسم يسمّونها إياه)) (عَنِ النَّبِيّ
وَ﴿) أنه (قَالَ: ((يَشْرَبُ نَاسٌ مِنْ أَمَّتِي) ذكر ابن التين، عن الداودي، قال: كأنه يريد
بالأمة من يتسمى بهم، ويستحلّ ما لا يحل لهم، فهو كافر إن أظهر ذلك، ومنافق إن
أسره، أو من يرتكب المحارم مجاهرة، واستخفافًا، فهو يقارب الكفر، وإن تسمى
بالإسلام؛ لأن الله لا يخسف بمن تعود عليه رحمته في المعاد. قال الحافظ: كذا قال،
وفيه نظر. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد بقوله: ((لأن اللَّه لا يخسف الخ)) الوعيد المذكور
فيما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) من طريق عبدالرحمن بن غنم الأشعري، قال:
حدثني أبو عامر، أو أبو مالك الأشعري، والله ما كذبني، سمع النبي ◌َّ يقول:
(ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف، ولينزلن أقوام
إلى جنب عَلَم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم -يعني الفقير- لحاجة، فيقولون:
ارجع إلينا غدا، فيبيتهم اللَّه، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير، إلى يوم
القيامة))(١) .
(الْخَمْرَ) قد تقدّم أن الحقّ كما هو مذهب الجمهور أن الخمر اسم لكلّ ما أسكر، لا
كما يزعمه من قال: إنه اسم لما عُصر من العنب، فإنه مذهب باطلٌ؛ للأدلة الكثيرة،
على ما تقدّم بيانها (يُسَمُونَها بِغَيْرِ اسْمِهَا) قال السنديّ رحمه الله تعالى: قاله في محلّ
الذمّ، فيدلّ على أن التسمية، والحيلة لا تجعلان الحرام حلالًا. انتهى. والله تعالى أعلم
(١) غريب هذا الحديث: ((الحر)) بكسر الحاء، وتخفيف الراء: الفرج، والمراد الزنا. و((المعازف)):
جمع مِعِزفة: آلات اللهو . و() علم)): هو الجبل العالي. و((يروح عليهم)) بحذف الفاعل، وهو
الراعي بقرينة المقام، إذ السارحة لا بد لها من حافظ . و((يأتيهم لحاجة)) بينه في رواية
الإسماعيليّ في ((مستخرجه)): ((يأتيهم طالب حاجة)). ((فيبيتهم اللَّه)): يهلكهم ليلاً. ((يضع
العلم)): أي يوقع عليهم. انتهى مختصرًا من الفتح)) ١٧٩/١١- ١٨١.

٢٥٩
٤١- (مَنْزِلَةُ الْخَمْر) - حديث رقم ٥٦٦١
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث رجل من أصحاب النبيّ وَّر هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله
تعالى(١) أخرجه هنا- ٥٦٦٠/٤١ - وفي ((الكبرى)) ٥١٦٨/٤٢.
(المسألة الثانية): هذا الحدیث له شواهد:
(منها): ما أخرجه أبو داود من طريق مالك بن أبي مريم، عن أبي مالك الأشعري،
عن النبي وَّير باللفظ المتقدم في المسألة الماضية، وفي إسناده مالك بن أبي مريم
مجهول، وصححه ابن حبان ولعلّه لشواهده.
(ومنها): ما أخرجه ابن ماجه من حديث ابن محيريز، عن ثابت بن السمط، عن
عبادة بن الصامت ◌َّه، رفعه: ((يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها))،
ورواه أحمد بلفظ: ((ليستحلن طائفة من أمتي الخمر))، وسنده جيد. ولابن ماجه أيضا
من حديث خالد بن معدان، عن أبي أمامة تنظيمه ، رفعه: ((لا تذهب الأيام والليالي،
حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها)). وفي إسناده عبد السلام بن
عبد القدّوس ضعيف. وللدارمي بسند لين، من طريق القاسم، عن عائشة، سمعت
رسول اللّه وَ له يقول: ((إن أول ما يُكفأ الإسلام كما يكفأ الإناء كفء الخمر))، قيل:
وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: ((يسمونها بغير اسمها، فيستحلونها))، وأخرجه ابن أبي
عاصم من وجه آخر، عن عائشة، ولابن وهب من طريق سعيد بن أبي هلال، عن
محمد بن عبد الله بن مسلم، أن أبا مسلم الخولاني حج، فدخل على عائشة، فجعلت
تسأله عن الشام، وعن بردها، فجعل يُخبرها، فقالت: كيف تصبرون على بردها؟
فقال: يا أم المؤمنين، إنهم يشربون شرابا لهم، يقال له: الطلاء، فقالت: صدق اللَّه،
وبَلَّغَ حبّي، سمعت حبّي رسول اللّه وَليل يقول: ((إن ناسا من أمتي يشربون الخمر
يسمونها بغير اسمها)»، أخرجه الحاكم، والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح على شرط
(١) [تنبيه]: أخرج هذا الحديث أبو داود من حديث أبي مالك الأشعريّ ◌َنثم مرفوعًا بلفظ: ((ليشربنّ
ناس من أمتي الخمر، يُسمّونها بغير اسمها))، وأخرجه ابن ماجه في ((الأشربة)) ٣٣٨٤ و٣٣٨٥ من
حديث أبي أمامة الباهليّ تني بلفظ: ((لا تذهب الليالي والأيام حتى تشرب فيها طائفة من أمتي
الخمر، يسمّنها بغير اسمها)»،، ومن حديث عبادة بن الصامت تَ بلفظ تقدّم، ورجال إسناد
كلهم ثقات. وأخرجه أحمد في ((مسند الشاميين) ١٧٦٠٧، والدارميّ في ((الأشربة)) ٢٠١٨.
والله تعالى أعلم .

٢٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
الشيخين، وتعقّبه الذهبيّ بأن محمدًا مجهول، وإن كان ابن أخي الزهريّ، فالسند
منقطع.
قال أبو عبيد: جاءت في الخمر آثار كثيرة، بأسماء متخلفة، فذكر منها (السَّكَرَ))
بفتحتين، قال: وهو نقيع التمر، إذا غلى بغير طبخ، و((الجعة))- بكسر الجيم وتخفيف
العين -: نبيذ الشعير، و((السكركة)): خمر الحبشة من الذرة، إلى أن قال: وهذه الأشربة
المسماة كلها عندي كناية عن الخمر، وهي داخلة في قوله وَّلفيه: ((يشربون الخمر،
يسمونها بغير اسمها))، ويؤيد ذلك قول عمر تَظميّه: ((الخمر ما خامر العقل)).
انتهى) الفتح)) ١٧٥/١١-١٧٦ ببعض زيادات. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ ◌َلها بما يكون بعده، وقد وقع
ذلك كما أخبره وَله. (ومنها): تحريم الخمر، وهو أمر مجمع عليه بين المسلمين، والحمد
للَّه، غير أن طائفة منهم خصّوا التحريم بما كان من عصير العنب خاصّة، وأما ما سوى ذلك
من المشروبات المسكرة، ومثل السّكّر، والجعة، وغير ذلك إنما يحرم القدر الذي يُسكر
فقط، وأما القليل منه فهو حلال، وقد تقدم تفنيد هذا القول بما فيه الكفاية، فراجعه تزدد
علمًا. (ومنها): أن فيه وعيدًا شديدًا على من يتحيّل في تحليل ما يحرم بتغيير اسمه، وأن
الحكم يدور مع العلّة، والعّة في تحريم الخمر الإسكار، فمهما وُجد الإسكار وُجد
التحريم، ولو لم يستمرّ الاسم. قال ابن العربيّ رحمه الله تعالى: هو أصل في أن الأحكام
إنما تتعلّق بمعاني الأسماء، لا بألقابها، ردًا على من حمله على اللفظ. ذكره في ((الفتح))
١٨١/١١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٤٢- (ذِكْرُ الرِّوَايَاتِ الْمُغَلْظَاتِ فِي
شُرْب الْخَمْرِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: زاد في ((الكبرى)): ((وحدّ الخمر))، وقوله:
((المغلّظات)) يحتمل أن يكون بصيغة اسم الفاعل، ويكون المعنى: الأحاديث المشدّدة
للوعيد في شرب الخمر. ويحتمل أن يكون بصيغة اسم المفعول، ويكون من باب