Indexed OCR Text
Pages 181-200
٠٫٠ / ٢٣- (تحریم کُل شراب اسگر) - حدیث رقم ٥٥٩٥ ١٨١ === وحديث أنس، أخرجه أحمد بسند صحيح، بلفظ: ((ما أسكر فهو حرام)»، وحديث أبي سعيد، أخرجه البزار بسند صحيح، بلفظ عمر، وحديث الأشج العَصَري، أخرجه أبو یعلی کذلك بسند جيد، وصححه ابن حبان، وحديث دیلم الحميري، أخرجه أبو داود بسند حسن، في حديث فيه قال: ((هل يسكر؟)) قال: نعم، قال: ((فاجتنبوه))، وحديث ميمونة، أخرجه أحمد بسند حسن، بلفظ: ((وكل شراب أسكر، فهو حرام))، وحديث ابن عباس، أخرجه أبو داود، من طريق جيد، بلفظ عمر، والبزار من طريق لين، بلفظ: ((واجتنبوا كل مسكر))، وحديث قيس بن سعد، أخرجه الطبراني، بلفظ حديث ابن عمر، وأخرجه أحمد من وجه آخر، بلفظ حديث عمر، وحديث النعمان بن بشير، أخرجه أبو داود بسند حسن، بلفظ: ((وإني أنهاكم عن كل مسكر»، وحديث معاوية، أخرجه ابن ماجه بسند حسن، بلفظ عمر، وحديث وائل ابن حجر أخرجه ابن أبي عاصم، وحديث قرة بن إياس المزني، أخرجه البزار، بلفظ عمر بسند لين، وحديث عبد الله بن مغفل، أخرجه أحمد بلفظ: (اجتنبوا المسكر))، وحديث أم سلمة، أخرجه أبو داود بسند حسن، بلفظ: ((نُهي عن كل مسكر ومفتر))، وحديث بريدة أخرجه مسلم في أثناء حديث، ولفظه مثل لفظ عمر، وحديث أبي هريرة أخرجه النسائي ٥٥٩٠ و٥٥٩١- بسند حسن كذلك، ذكر أحاديث هؤلاء الترمذي في الباب، وفيه أيضا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عند النسائي، بلفظ عمر، وعن زيد بن الخطاب، أخرجه الطبراني بلفظ علي: ((اجتنبوا كل مسكر)»، وعن الرسيم (١) أخرجه أحمد، بلفظ: (اشربوا فيما شئتم، ولا تشربوا مسكرا))، وعن أبي بردة بن نيار، أخرجه ابن أبي شيبة بنحو هذا اللفظ، وعن طلق بن علي، رواه ابن أبي شيبة بلفظ: ((يا أيها السائل عن المسكر، لا تشربه، ولا تسقه أحدا من المسلمين»، وعن صحار العبدي، أخرجه الطبراني بنحو هذا، وعن أم حبيبة عند أحمد في ((كتاب الأشربة))، وعن الضحاك بن النعمان، عند ابن أبي عاصم في ((الأشربة))، وكذا عنده عن خَوّات بن جبير. فإذا انضمت هذه الأحاديث إلى حديث ابن عمر، وأبي موسى، وعائشة، زادت عن ثلاثین صحابيا، وأكثر الأحاديث عنهم جیاد، ومضمونها أن المسكر لا يحل تناوله، بل يجب اجتنابه. والله أعلم. وقد رَدّ أنس الاحتمال الذي جنح إليه الطحاوي، فقال أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت المختار بن فلفل، يقول: سألت أنسا؟، فقال: نهى رسول اللّه وَل* عن المزفت، وقال: ((كل مسكر حرام))، قال: فقلت له: صدقت المسكر حرام، فالشربة، (١) هو رَسِيمُ العَبْدِيّ الهَجَريّ، ضبطه ابن ماكولا بوزن عظيم، وضبطه ابن نقطة بالتصغير. أفاده في ((الإصابة)) جـ ٢ ص ٤٠٣ . ١٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ والشربتان على الطعام، فقال: ما أسكر كثيره، فقليله حرام، وهذا سند صحيح على شرط مسلم، والصحابي أعرف بالمراد، ممن تأخر بعده، ولهذا قال عبد الله بن المبارك ما قال. انتهى «فتح» ١٦٥/١١-١٦٧، وهو بحثّ نفيسٌ جدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥٩٦- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ، سُئِلَ عَنِ الْبِتْعِ؟ فَقَالَ: ((كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ، فَهُوَ حَرَامٌ))، وَالْبِتْعُ مِنَ الْعَسَلِ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الإسناد هو المذكور قبله، غير أنه أبدل معمرًا عن مالك، وهو ابن راشد الصنعانيّ. والحديث متّفق عليه، ومضى شرحه، ومسائله فيما قبله. وقوله: ((والبتع من العسل)) تقدّم أن الظاهر أنه مدرج من تفسير عائشة، أو من دونها، لكن في رواية أبي داود ما يدلّ على أنه مرفوع، فَلْيُتأمل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥٩٧- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةً، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ، سُئِلَ عَنِ الْبِتْعِ؟ فَقَالَ: ((كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ، فَهُوَ حَرَامٌ))، وَالْبِشْعُ هُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ). قال الجامَعَ عفا اللّه تعالى عنه: ((عليّ بن ميمون)): هو الرقّيّ العطار المذكور في الباب الماضي. و((بشر بن السَّريّ)): هو الأفوه الواعظ البصريّ، نزيل مكة، ثقة، طُعن برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب [٩]. و((عبد الرزاق)): هو ابن همّام الصنعانيّ. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق، وقوله: ((والبتع الخ)) تقدّم احتمال أنه مدرج. والله تعالى أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥٩٨- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مَنْجُوفٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ لّهِ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أحمد بن عبد الله بن سويد بن منجوف)): هو أحمد ابن عبد الله بن عليّ بن سويد بن منجوف- بنون ساكنة، ثم جيم، وآخره فاء- أبو بكر السدوسيّ المنجوفيّ، يُنسب إلى جدّه، صدوقٌ [١١]. سبـ (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ١٨٣ ٢٣- (تحریمُ كُلُّ شَرَاب أَسْكَرَ) - حديث رقم ٥٥٩٩ روى عن أبي داود الطيالسيّ، ورَوح بن عبادة، والأصمعيّ، وغيرهم. وعنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو عروبة، وابن أبي داود، وابن خُزيمة، وابن صاعد، وغيرهم. قال النسائيّ: صالح. وابن إسحاق الحبّال: بصريّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قال ابن عساكر: مات سنة (٢٥٢). أخرج له البخاريّ، وأبو داود، والمصنّف، له عنده حديثان: هذا، و٢٨/ ٥٦٢١ حديث سعيد بن جبير قال: ((سألنا ابن عمرعن نبيذ الجرّ ... )) الحديث. و((عبد الله بن الْهَيثم)) بن عثمان، ويقال: ابن محمد بن الهيثم العبديّ، أبو محمد البصريّ، نزيل الرّقّيّ، لا بأس به [١١] ٢٣٢٤/٦٧. و((أبو داود)»: هو سليمان بن داود الطيالسيّ البصريّ. و(سعيد بن أبي بردة)): هو الأشعريّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٥] ٢٥٣٨/٥٦. و((أبو بردة)): هو ابن أبي موسى الأشعريّ، واسمه الحارث، وقيل: عامر، وقيل: اسمه كنيته، ثقة [٣] ٣/٣. وشرح الحديث سبق قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي موسى الأشعريّ رَثّ هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥٥٩٧/٢٣ ١٥٥٩٨ و٥٥٩٩ و٥٦٠٤ و٢٤/ ٥٦٥ و٥٦٦- وفي («الكبرى» ٥١٠٥/٢٤ و٥١٠٦ و٥١٠٧ و٥١١٢ و٥١١٣/٢٥ و٥١١٤ . وأخرجه (خ) في ((الجهاد والسير)) ٣٠٣٨ و(المغازي)) ٤٣٤٣ و٤٣٤٥ و((الأدب)) ٦١٢٤ و((الأحكام)) ٧١٧٢ (م) في ((الجهاد)) ١٧٣٣ و((الأشربة)) ١٧٣٣ (د) في ((الأشربة)) ٣٦٨٤ و(أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٩١٧٤ و١٩٢٢٩ و١٩٢٤٣ (الدارمي) في ((الأشربة)) ٢٠٠٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥٩٩- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ بَرِ أَنَا، وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ مُعَاذٌ: إِنَّكَ تَبْعَثْنَا إِلَى أَرْضِ كَثِيرٌ شَرَابٌ أَهْلِهَا، فَمَا أَشْرَبُ؟ قَالَ: ((اشْرَبْ، وَلَا تَشْرَبْ مُسْكِرًا)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيَّ) المذكور في السند الماضي(١). (١) قلت: ويحتمل أن يكون هو أحمد بن عبد الله بن عليّ بن أبي المضاء- بتخفيف المعجمة، والمدح المصّيصيّ القاضي، ثقة [١٢]. روى عنه المصنّف، وتفرّد به، وقال: ثقة، مات = ١٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ ٢- (عبد الرحمن) بن مهديّ المذكور في الباب الماضي. ٣- (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، ثقة [٧] ١٠٠٦/٧٥. ٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط [٣] ٤٢/٣٨. ٥- (أبو بردة) بن أبو موسى الأشعريّ، اسمه، عامر، وقيل: الحارث، وقيل: اسمه كنيته، ثقة [٣] ٣/٣. ٦- (أبوه) أبو موسى الأشعريّ عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ الصحابيّ المشهور رضي اللّه تعالى عنه٣/٣. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، كما سبق. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَلِ أَنَا) ضمير منفصل أكد به الضمير المتصل المنصوب في ((بعثني))، كما قال في ((الخلاصة)): وَمُضْمَرَ الرَّفْعِ الَّذِي قَدِ انْفَصَلْ أَكُذْ بِهِ كُلَّ ضَمِيرٍ اَنَّصَالْ (وَمُعَاذًا) هكذا بالنصب في النسخة ((الهنديّة))، وهو الصواب؛ لأنه معطوف على الضمير المنصوب في ((بعثني))، ووقع في معظم النسخ، و((الكبرى)) ومعاذ)) بالرفع، ولا وجه له. فتنبّة. و((معاذ)): هو ابن جبل الصحابيّ المشهور ◌َّه (إِلَى الْيَمَنِ) ذكر أهل المغازي أن ذلك كان في ربيع الآخر سنة تسع من الهجرة. أفاده في ((الفتح)) ٣٨٦/٨ (كتاب المغازي)) (فَقَالَ مُعَاذٌ: إِنَّكَ تَبْعَثْنَا إِلَى أَرْضٍ كَثِيرٌ شَرَابُ أَهْلِهَا) برفع ((شراب)) على أنه فاعل بـ((كثير))؛ لأنه صفة مشبهة يعمل عمل فعله، كما قال في ((الخلاصة)): وَعَمَلُ اسْمِ الْقَاعِلِ الْمُعَدَّى لَهَا عَلَى الْحَدِّ الَّذِي قَدْ حُدًّا (فَمَا أَشْرَبُ؟) ((ما)) استفهامية: أي أَيَّ نوع من الشراب أشربه؟ (قَالَ) وَ (اشْرَبْ) كلّ نوع من الشراب، حذف مفعوله؛ لإرادة التعميم (وَلَا تَشْرَبْ مُسْكِرًا) يعني أن له أن = بسُرَّ من رأى سنة (٢٤٨) وقال المزّيّ: ذكره ابن عساكر في ((الشيوخ النبل)) ولم أقف على روايته عنه. قال في ((تهذيب التهذيب)): ذكره النسائيّ في ((أسماء شيوخه)). والله تعالى أعلم . ١٨٥ ٢٣- (تَخَّرِيمُ كُلِّ شَرَابٍ أَسْكَرَ) - حديث رقم ٥٦٠١ = يشرب ما شاء من شراب أهل اليمن المتنوّع، غير أنه يجتنب المسكر من أي نوع كان. والحديث فيه عنعنة أبي إسحاق، لكن يشهد له ما قبله، فهو صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٥٥٩٨/٢٣ - وفي ((الكبرى)) ٥١٠٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٦٠٠- (أَخْبَرَنَا يَحْتِى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرِيشُ ابْنُ سُلَيْم، قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ الْأَيَّامِيُّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((كُلُّ مُسْكِرِ حَرَامٌ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ)): هو المعروف بـ(خَتْ))، كوفيّ الأصل، ثقة [١٠]. و((أَبُو دَاوُدَ)): هو الطيالسيّ المذكور قبل حديث. و((حَرِيش- بفتح أوله، وكسرالراء، آخره شين معجمة- ابن سُليم)) - مصغّرًا- أو ابن أبي الْحَرِيش الجعفيّ، أو الثقفيّ، أبو سعيد الكوفيّ، صدوق(١) [٧]. روى عن حبيب بن أبي ثابت، وطلحة بن مصرّف، وزُبيد الأياميّ. وعنه أبو خيثمة الجعفيّ، وأبو داود الطيالسيّ، وابن إدريس، وعبد الحميد الْحِمّانيّ، ومحمد بن الصَّلْت الأسديّ. قال أبو مسعود: حدثنا أبو داود، حدثنا حَرِيش بن سُليم، كوفيّ ثقة. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ليس بشيء. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف بهذا الحديث، أعاده آخر الباب أيضًا، وأبو داود بحديث واحد. و((طلحة الأياميّ)): هو ابن مصرّف بن عمرو بن كعب الكوفيّ، ثقة قارىء فاضل [٥]٣٠٦/١٩١. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق قبل حديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٦٠١- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٢) عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَنْبَنَا (٣) الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ السَّدُوسِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ، سَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّا نَرْكَبُ أَسْفَارًا، فَتُبْرَزُ لَنَا الْأَشْرِبَةُ فِي الْأَسْوَاقِ، لَا نَذْرِي أَوْعِيَتَهَا؟، فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، فَذَهَبَ يُعِيدُ، فَقَالَ: كَّلُّ (١) قال عنه في ((التقريب)): مقبول، والحقّ أنه ثقة؛ لأنه روى عنه جماعة، ووثقه أبو داود الطيالسيّ، وابن حبّان، وأما قول ابن معين: إنه ليس بشيء، فهذه العبارة عنده لها معنیان: أحدهما یرید بها تضعيفه، والثاني يريد بها أنه قليل الرواية، وهذا الثاني هو الظاهر هنا، . وبالجملة فهو لا ينقص عن درجة الصدوق، ولذا قلت في الشرح: صدوق . فتأمّل . والله تعالى أعلم . (٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٣) وفي نسخة: ((أخبرنا)). = ١٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، فَذَهَبَ يُعِيدُ، فَقَالَ: هُوَ مَا أَقُولُ لَكَ). رجال هذا الإسناد: أربعة : ١- (الأسود بن شيبان السدوسيّ) أبو شيبان البصريّ، ثقة عابد [٦] ٢٠٤٨/١٠٧ . ٢- (عطاء) بن أبي رَبَاح. والباقيان تقدّما قريبًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن الأسود بن شيبان رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً) ابن أبي رباح (سَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّا نَرْكَبُ أَسْفَارًا) بفتح الهمزة جمع سفر- بفتحين- وهو قطع المسافة، يقال: ذلك إذا خرج للارتحال، أو لقصد موضع فوق مسافة الْعَذْوَى؛ لأن العرب لا يُسمّون مسافة العدوى سفرًا، والمعنى هنا: إنا نركب مواضع أسفار، ولفظ ((الكبرى)): ((إنا نركب في أسفارنا)) (فَتُبْرَزُ) بالبناء للمفعول: أي تُظهر، وتُقَدّم (لَنَا الْأَشْرِبَةُ) بفتح الهمزة، جمع شراب (فِي الْأَسْوَاقِ، لَا تَذْرِي أَوْعِيَتَهَا؟) بفتح الهمزة: جمع وعاء بالكسر: هو ما يُوعَى فيه الشيء: أي يُجمَع، ولفظ ((الكبرى)): ((لا ندري ما أوعيتها؟)) (فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) جواب عطاء هذا مختصر مفيد لجواب السائل وأكثر؛ لأنه فضل له، فكأنه قال له: لكم أن تشربوا كلّ ما يأتيكم من الشراب، إلا المسكر (فَذَهَبَ يُعِيدُ) أي شرع السائل يعيد سؤاله مرّة أخرى (فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، فَذَهَبَ يُعِيدُ، فَقَالَ: هُوَ مَا أَقُولُ لَكَ) أي الجواب ما ذكرته لك، ليس لي جواب غيره، فإنه موضّح لاستشكالك بأبلغ وجه، وأوجزها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والأثر هذا صحيح الإسناد مقطوع، تفرّد به المصنّف رحمه اللّه تعالى، أخرجه هنا- ٥٥٦٠٠/٢٣- وفي ((الكبرى)) ٥١٠٨/٢٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٦٠٢- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ (١)، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ (٢)، عَنْ هَارُونَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((هارون بن إبراهيم)): هو أبو محمد الأهوازيّ، ثقة [٧] ٥٤٩١/٣٣ . والأثر صحيح الإسناد موقوف، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه (١) هو ابن نصر. (٢) هو ابن المبارك. ١٨٧ == ٢٣- (تَحْرِيمُ كُلِّ شَرَاب أَسْكَرَ) - حديث رقم ٥٦٠٣ هنا٥٥٦٠١/٢٣- وفي ((الكبرى)) ٥١٠٩/٢٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٦٠٣- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأْنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ الْجَزَرِيِّ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَا تَشْرَبُوا مِنَ الطَّلَاءِ، حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ، وَيَبْقَى ثُلُثَهُ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ الْجَزَرِيِّ)»، تفرّد بالرواية عنه عبد الله بن المبارك، مقبول [٧]. تفرّد به المصنّف بهذا الأثر فقط. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ) بصيغة التصغير (الْجَزَرِيِّ)- بفتحتين: نسبة إلى عدّة أماكن: الموصل، وسِنْجار، وحَرّان، والرُّها، والرَّقَّة، ورأس عين، وآَمِد، وميافارقين، وديار بكر، وجزيرة ابن عمر. قاله في «لبّ اللباب)) ٢٠٤/١ . أنه (قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ ابْنٌّ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأمويّ الخليفة الراشد المتوفّى في رجب سنة (١٠١هـ) وله أربعون سنة، ومدّة خلافته سنتان ونصف (لَا تَشْرَبُوا مِنَ الطَّلَاءِ)- بكسر الطاء المهملة، والمدّ، وزان كتاب: ما طُبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه، وبعض العرب يسمّي الخمر الطلاء، يريد بذلك تحسين اسمها، وأصل الطلاء الْقَطِران الخاثر الذي تُطلَّى به الإبل. أفاده في ((اللسان)) ١٥/ ١١. (حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ، وَيَبْقَى ثُلُثَهُ) أي يُطبخ، فيذهب منه الثلثان، ويبقى منه الثلث؛ لأنه إذا ذهب ثلثاه ذهب خبثه، وبقي الثلث الطيّب، فيحلّ شربه، ففي كتاب عمر بن الخطّاب ◌َّه إلى أبي موسى الأشعريّ رَعليه الآتي في ٥٧١٨/٥٣ -: ((أما بعد: فإنها قَدِمت عليّ عير من الشام، تحمل شرابا غليظا أسود، كطلاء الإبل، وإني سألتهم على كم يطبخونه، فأخبروني أنهم يطبخونه على الثلثين، ذهب ثلثاه الأخبثان، ثلث بيغيه، وثلث بريحه، فمر مَن قِبَلك يشربونه)). (وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) تقدّم البحث عنه مستوفى قريبًا، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وهذا الأثر مقطوعٌ، ضعيف الإسناد؛ لتفرّد عبد الملك بن الطفيل، وهو مجهول، لكن قوله: ((وكلّ مسكر حرام)) يأتي بسند حسن في الرواية التالية، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٥٦٠٢/٢٣ - و٥٦٠٣- وفي ((الكبرى)) ٢٤/ ٥١١٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٨٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ ٥٦٠٤- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ الصَّعْقِ بْنِ حَزْنٍ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيٍّ بْنِ أَرْطَاةَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الصعق بن حزن))-بفتح المهملة، وسكون الزاي -: هو البكريّ، أبو عبد الله البصريّ، صدوقٌ بِهِم، وكان زاهدًا [٧] ٩٠ /٥٣٠٨. والأثر مقطوعٌ، حسن الإسناد، كما سبق بيانه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٦٠٥- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرِيشُ بْنُ سُلَيْمِ، قَالَ حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس. و((أبو داود)): هو الطيالسيّ. و((حَرِيش بن سُليم)): هو الثقفيّ الكوفيّ المذكور قريبًا. والحديث صحيح، وقد تقدّم قبل أربعة أحاديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٢٤ - (تَفْسِيرُ الْبِثْعِ، وَالْمِزْرِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم أن البتع بكسر الموحدة، وتُفتح، وهو نبيذ العسل، كما فسّر في الحديث، وأما المزر- فبكسر الميم، وسكون الزاي، آخره راء -: فسّره في الحديث الأول بأنه نبيذ الذرة، وفسره في الحديث الثاني بأنه من الشعير. وقال النوويّ في ((شرح مسلم)) ١٧٠/١٣: يكون من الذرة، ومن الشعير، ومن الحنطة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٦٠٦- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَنًا(٢) عَبْدُ اللّهِ، عَنِ الْأَجْلَحِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بِكْرِ ابْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَهَ إِلَى الْيَمَنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ١٨٩ ٢٤- (تفسِيرُ النتع، والمِزْرٍ) - حديث رقم ٥٦٠٨ إِنَّ بِهَا أَشْرِبَةٌ، فَمَا أَشْرَبُ؟ وَمَا أَدَعُ؟ قَالَ: ((وَمَا هِيَّ؟)) قُلْتُ: الْبِتْعُ، وَالْمِزْرُ، قَالَ: ((وَمَا الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ؟))، قُلْتُ: أَمَّا الْبِعُ فَنَبِيذُ الْعَسَلِ، وَأَمَّا الْمِزْرُ فَنَبِيذُ الذُّرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: (لَا تَشْرَبْ مُسْكِرًا، فَإِنِّي حَرَّمْتُ كُلَّ مُسْكِرٍ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الأجلح): هو ابن عبد الله بن حُجيّة، أبو حجيّة الكنديّ، يقال: اسمه يحيى، صدوقٌ شيعيّ [٧] ٣٥١٦/٥٠. و((أبو بكر بن أبي موسى)): هو أخو أبي بردة المتقدّم، واسمه عمرو، أو عامر، ثقة [٣] ٥٢٣/١٥. والحديث صحيح، وشرحه واضح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٥٦٠٥/٢٤- وفي ((الكبرى)) ٥١١٣/٢٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٦٠٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَّنِي رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ إِلَى الْيَمَنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بِهَا أَشْرِبَةً، يُقَالُ لَهَا الْبِعُ، وَالْمِزْرُ، قَالَ: ((وَمَا الْبِشْعُ، وَالْمِزْرِ؟)) قُلْتُ: شَرَابٌ يَكُونُ مِنَ الْعَسَلِ، وَالْمِزْرُ يَكُونُ مِنَ الشَّعِيرِ، قَالَ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ))). (ابن فضيل)): هو محمد. و((الشيبانيّ)): هو سليمان بن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقة [٥]. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٦٠٧- (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَّرَ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، فَذَكَرَ آيَّةَ الْخَمْرِ، فَقَالَ رَجَلٌ: يَاَ رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الْمِزْرَ؟ قَالَ: ((وَمَا الْمِزْرُ؟)) قَالَ: حَبَّةٌ تُصْنَعُ بِالْيَمَنِ، فَقَالَ: ((تُسْكِرُ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»). ((أبو بكر بن عليّ)): هو أحمد بن عليّ بن سعيد القاضي المروزيّ، ثقة حافظ [١٢] ٢٠٩٤/١ من أفراد المصنّف. و((نصر بن عليّ)): هو الجهضميّ البصريّ، ثقة ثبت، طُلب للقضاء، فامتنع [١٠] ٣٨٦/٢٠. و((أبوه)): هو عليّ بن نصر بن عليّ الجهضميّ البصريّ، ثقة، من كبار [٩] ٢٣٢٨/٦٧. و((إبراهيم بن نافع)): هو المخزوميّ المكيّ، ثقة حافظ [٧] ١٤٠٦/١٥. و((ابن طاوس)): هو عبد الله. والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم في ٥٥٨٥/٢٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٦٠٨- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ ١٩٠ = عَبَّاسٍ، وَسُئِلَ، فَقِيلَ لَهُ أَقْتِنَا فِي الْبَاذَقِ، فَقَالَ: سَبَقَ مُحَمَّدٌ الْبَاذَقَ، وَمَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لا يظهر لي وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة، فإنه ليس فيه تفسير البتع، والمزر، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. ورجال هذا الإسناد: أربعة: ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢- (أبو عوانة) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ، ثقة ثبت [٧] ٤٦/٤١. ٣- (أبو الْجُويرية) حِطّان- بالكسر، وتشديد الطاء- ابن خُفَاف بضم المعجمة، وتخفيف الفاء- ابن زهير بن عبد الله بن رُمْح بن عَرْعَرَة الجرميّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقة [٢]. روى عن ابن عبّاس، ومعن بن يزيد بن الأخنس السُّلَميّ، وعبد الله بن بدر العجليّ، وبدر بن خالد. وعنه إسرائيل، وزُهير، والسفيانان، وشعبة، وعاصم بن كُليب، وشَريك، وابن شَوْذَب، وأبو عوانة. قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوقٌ، صالح الحديث. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، لا بأس به. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده برقم ٥٦٩١ . ٤- (ابن عباس) عبد اللَّه البحر رضي اللَّه تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات يات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (٢٧١) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما حبر الأمة وبحرها، وترجمان القرآن، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ) ووقع في رواية عبد الرزاق، عن الثوري، قال: حدّثني أبو الجويرية (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ) رضي اللّه تعالى عنهما (وَسُئِلَ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، وفي رواية البخاريّ: ((قال: سألت ابن عبّاس عن الباذق))، فتبيّن أن السائل المبهم في رواية المصنّف هو أبو الجويرية نفسه (فَقِيلَ لَهُ أَقْتِنَا فِي ٢٤- (تفسِيرُ البِتْع، والمِزْرِ) - حديث رقم ٥٦٠٨ ١٩١ == الْبَاذَقِ) قال في ((المصباح)): الباذق بفتح الذال: ما طُبخ من عصير العنب أدنى طبخ، فصار شديدًا، وهو مسكرٌ، ويقال: معرّب. انتهى. وفي ((القاموس)): الباذق بكسر الذال، وفتحها: ما طُبخ من عصير العنب أدنى طبخة، فصار شديدًا. انتهى. وقال في ((الفتح)) ١١/ ١٨٩ - ١٩٠: ضبطه ابن التين بفتح المعجمة، ونَقَل عن الشيخ أبي الحسن -يعني القابسي- أنه حَدّث به بكسر الذال، وسئل عن فتحها؟ فقال: ما وقفنا عليه، قال: وذكر أبو عبد الملك، أنه الخمر إذا طُبخ. وقال ابن التين: هو فارسي معرب. وقال الجواليقي: أصله باذه، وهو الطّلاء، وهو أن يُطبخ العصير حتى يصير مثل طلاء الإبل، وقال ابن قرقول: الباذق المطبوخ من عصير العنب، إذا أسكر، أو إذا طُبخ بعد أن اشتد. وذكر ابن سِيدَه في ((المحكم)) أنه من أسماء الخمر. وأغرب الداودي، فقال: إنه يشبه الفُقَّاع(١)، إلا أنه ربما اشتد، وأسكر، وكلام من هو أعرف منه بذلك يخالفه. ويقال للباذق أيضا: الْمُثَلَّث؛ إشارة إلى أنه ذهب منه بالطبخ ثلثاه، وكذلك الْمُنَصَّف، وهو ما ذهب نصفه، وتسميه العجم مَيْنُخْتَج- بفتح الميم، وسكون التحتانية، وضم الموحدة، وسكون المعجمة، وفتح المثناة، وآخره جيم- ومنهم من يضم المثناة، وروايته(٢) في ((مصنف ابن أبي شيبة)) بدال بدل المثناة، وبحذف الميم والياء من أوله. انتهى. (فَقَالَ) ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما (سَبَقَ مُحَمَّدٌ الْبَاذَقَ، وَمَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ) قال المهلب رحمه الله تعالى: أي سبق محمد بتحريم الخمر، وتسميتَهُم لها الباذق. قال ابن بطال: يعني بقوله: ((كل مسكر حرام))، والباذق شراب العسل. ويحتمل أن يكون المعنى: سبق حكم محمد بتحريم الخمر تسميتَهُم لها بغير اسمها، وليس تغييرهم للاسم بمحلل له، إذا كان يُسكر، قال: وكأن ابن عباس فَهِم من السائل أنه يرى أن الباذق حلال، فحسم مادته، وقطع رجاءه، وباعد منه أصله، وأخبره أن المسكر حرام، ولا عبرة بالتسمية. وقال ابن التين: يعني أن الباذق لم يكن في زمن رسول اللَّه وَلته. وقال أبو الليث السمرقندي: شارب المطبوخ إذا كان يُسكر أعظم ذنبا من شارب الخمر؛ لأن شارب الخمر يشربها، وهو يعلم أنه عاص بشربها، وشارب المطبوخ يشرب المسكر، ويراه حلالا، وقد قام الإجماع على أن قليل الخمر وكثيره حرام، وثبت قوله ◌ّالر: ((كل مسكر حرام))، ومن استحل ما هو حرام بالإجماع كفر. قال الحافظ: وقد سبق إلى نحو هذا بعض قدماء الشعراء، في أول المائة الثالثة، فقال- يُعَرِّض ببعض من كان يفتي بإباحة المطبوخ -: (١) الفُقَّاعِ كرُمَّان: الذي يشرب سمي به لما يرتفع في رأسه من الزَّبد. أفاده في ((ق)). (٢) هكذا نسخة ((الفتح))، ولعل الصواب: ((ورأيته)). ١٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ وَأَرْجُو عَفْوَ رَبِّ ذِي امْتِنَانٍ وَأَشْرَبَا وَأَزْعُمُهَا حَرَامًا وَتِلْكَ عَلَى الْمُسِيءٍ خَطِيئَتَّانِ وَيَشْرَبَا وَيَزْعُمُهَا حَلَالًا [تنبيه]: زاد في رواية البخاري في هذا الحديث: ما نصّه: ((قال: الشراب الحلال الطيب، قال: ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث)). قال في ((الفتح)) هكذا في جميع نسخ ((الصحيح))، ولم يعين القائل، هل هو ابن عباس، أو من بعده، والظاهر أنه من قول ابن عباس، وبذلك جزم القاضي إسماعيل في ((أحكامه)) في رواية عبد الرزاق، وأخرج البيهقي الحديث من طريق محمد بن أيوب، عن محمد بن كثير، شيخ البخاري فيه، بلفظ: ((قال: الشراب الحلال الطيب، لا الحرام الخبيث)»، وأخرجه أيضا من طريق أبي خيثمة، وهو زهير بن معاوية، عن أبي الجويرية، قال: قلت لابن عباس: أفتني عن الباذق ... فذكر الحديث، وفي آخره: ((فقال رجل من القوم: إنا نعمد إلى العنب، فنعصره، ثم نطبخه، حتى يكون حلالا طبيًّا، فقال: سبحان اللَّه، سبحان اللَّه، اشْرَبِ الحلالَ الطيب، فإنه ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث))، وأجرجه سعيد بن منصور، من طريق أبي عوانة، عن أبي الجويرية، قال: سألت ابن عباس، قلت: نأخذ العنب فنعصره، فنشرب منه حلوا حلالًا، قال: اشرب الحلو ... ))، والباقي مثله. ومعنى هذا أن المشبهات تقع في حَيِّز الحرام، وهو الخبيث، وما لا شبهة فيه حلال طيب. قال إسماعيل القاضي في ((أحكام القرآن)): هذا الأثر عن ابن عباس يضعف الأثر المروي عنه: ((حُرِّمت الخمر بعينها ... )) الحديث، وقد سبق بيانه، ثم أسند عن ابن عباس قال: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)). وأخرج البيهقي من طريق إسحاق بن راهويه، بسند صحيح، إلى يحيى بن عبيد أحد الثقات، عن ابن عباس قال: ((إن النار لا تحل شيئا، ولا تحرمه))، وزاد في رواية أخرى، عن يحيى بن عبيد، عن ابن عباس أنه قال لهم: ((أيسكر؟)) قالوا: إذا أكثر منه أسكر، قال: ((فكل مسكر حرام)). قاله في (الفتح)) ١٩٣/١١-١٩٤. وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٦٠٨/٢٤ و٥٦٨٩/٤٨- وفي ((الكبرى)) ٥١٩٧/٥١١٦٤٩/٢٥. ٢٥- (تحریم کلُ شراب أَسْكَرَ کَثِیرُه) - حديث رقم ٥٦١٠ ١٩٣= وأخرجه (خ) في ((الأشربة)) ٥٥٩٨ . (المسألة الثالثة): في فوائده: (ومنها): تحريم الشراب المسمّى بالباذق، وهو عصير العنب المطبوخ أدنى طبخة، فصار شديدًا؛ لإسكاره. (ومنها): فقه ابن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، حيث إنه أوجز الجواب للسائل، فبيّن له، أن القاعدة مختصرة، كما أوجزها الشارع الحكيم بقوله: ((كلّ مسكر حرام. (ومنها): أن حكم الشارع الحكيم سابق على المخترعات الجديدة التي يخترعها الناس، فلا يُستحدث شيء، إلا وحكم الشارع جار عليه، ونافذ فيه، مبيّن في نصوص الكتاب والسنة، وإجماع أهل العلم، أو استنباطات بعضهم، فلا ينبغي أن يظنّ ظان أنه يخترع شيئًا لا يتوجّه إليه حكم الشرع، فالشريعة كافّة عامّة لجميع حركات الأمة، وسكناتها، فما من دابّة في الأرض، ولا طائر يطير في السماء، إلا وهو تحت نظر الشرع، وتوجيهه السامي، فمن استجاب نجا، ومن أبى خسر، اللَّهم ربنا اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٢٥ - (تُحْرِيمُ كُلِّ شَرَابٍ أَسْكَرَ کَثِیرُهُ) ٥٦١٠- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: ((مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة ثبت سنّيّ [١٠] ١٥/١٥. ٢- (يحيى بن سعيد) بن فَرُّوخ القطان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/٤ . ٣- (عبيد اللّه) بن عمر بن حفص العمريّ المدنيّ الثقة، ثقة ثبت [٥] ١٥/١٥. ١٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ ٤- (عمرو بن شُعيب) المدنيّ، ويقال: الطائفيّ، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠. ٥- (أبوه) شعيب بن محمد الطائفيّ، صدوقٌ [١٤٠/١٠٥. ٦- (جذّه) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما ١١١/٨٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: عبيد الله، عن عمرو، عن أبيه، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة، وفيه رواية الابن عن أبيه، عن جدّه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد (عَنْ جَدِهِ) الصحيح أن الضمير لشعيب، لا لعمرو، وإلا يكون الحديث مرسلًا؛ لأن جد عمرو هو محمد ابن عبد الله بن عمرو، وهو تابعيّ، وأما جدّ شعيب فهو عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما، وقد ثبت لقاء شعيب لجدّه عبد الله بن عمرو، بل يقال: إنه الذي ربّاه، حيث مات أبوه وهو صغير، فروايته عنه متّصلة على الصحيح، وقد سبق البحث عن هذا غير مرّة. والله تعالى أعلم. (عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿) أنه (قَالَ: ((مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) أي ما يحصل السكر بشرب كثيره، فإن القليل منه حرام، وإن كان قليله غير مسكر. قال السنديّ رحمه الله تعالى: وبه أخذ الجمهور، وعليه الاعتماد عند علمائنا الحنفيّة، والاعتماد على القول بأن المحرّم هو الشربة المسكرة، وما كان قبلها فحلالٌ، قد ردّه المحقّقون، كما ردّه المصنف رحمه الله تعالى. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا إنصاف من السنديّ الحنفيّ رحمه الله تعالى، حيث اتّبع الدليل مع مخالفة أهل مذهبه، كما ألمح إليه في هذا الكلام، لكن قوله: وعليه الاعتماد عند علمائنا الحنفيّة، يريد المنصفين مثله، وإلا فالحنفيّة لا يقولون بهذا، حتى المنتسبون إلى الحديث، كالطحاويّ، وقد حالوا في تأويل الأحاديث الصحيحة الكثيرة، كحديث: ((ما أسكر كثيره، فقليله حرام)) بتأويلات واهية، وقد مرّ قريبًا نسفها، وتذریها حتى صارت هباء منثورًا. قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه اللّه تعالى- بعد أن فتّد مذهب القائلين بأن الخمر لا ١٩٥ ٢٥- (تَحْرِیمُ كُلِّ شَرَابٍ أَسْكَرَ کَثِيرُه) - حديث رقم ٥٦١٠ تكون إلا من العنب، وأن الحق أنها تطلق على كل ما أسكر من أيّ نوع كان -: ما نصه: وإذا ثبت أن كلّ ذلك يقال عليه خمر، فليزمه تحريم قليله وكثيره، ولا يحلّ شيء منه تمسّكًا بتحريم مسمّى الخمر، ولا مخصّص، ولا مفصّل يصحّ في ذلك، بل قد وردت الأحاديث الصحيحة، والحسان بالنصّ على أن ما حُرّم كثيره، حرّم قليله. روى الترمذيّ من حديث جابر بن عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما، قال: قال رسول الله وَالخير: ((ما أسكر كثيره، فقليله حرام»، قال: هذا حديث حسنٌ غريب. وروى أبو داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: سمعت رسول اللّه وَ ال يقول: ((كل مسكر حرام، وما أسكر منه الْفَرَق، فملء الكفّ منه حرام))، وإسناده صحيح. وأما الأحاديث التي تمسّك بها المخالف، فلا يصحّ شيء منها على ما قد بيّن عِلَلَها المحدّثون في كتبهم، وليس في الصحاح شيء منها. ثم العجب من المخالفين في هذه المسألة، فإنهم قالوا: إن القليل من الخمر المعتصر من العنب حرام ككثيره، وهو مجمع عليه، فإذا قيل لهم: فلم حُرّم القليل من الخمر، وليس مذهبًا للعقل؟ فلا بدّ أن يقال: لأنه داعية إلى الكثير، أو للتعبّد، فحينئذ يقال لهم: كلُّ ما قدّرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود في قليل النبيذ، فيحرُم أيضًا، إذ لا فارق بينهما، إلا مجرّد الاسم، إذا سُلّم ذلك. وهذا القياس أرفع أنواع القياس؛ لأن الفرع فيه مساو للأصل في جميع أوصافه، وهذا كما نقوله في قياس الأمة على العبد في سراية العتق. ثم العجب من أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى وأصحابه، فإنهم يتوغّلون في القياس، ويُرجّحونه على أخبار الآحاد، ومع ذلك، فقد تركوا هذا القياس الجليّ المعضود بالكتاب والسنة، وإجماع صدر الأمة. انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللّه تعالى ((المفهم)) ٥٪ ٢٥٢-٢٥٣. وهو تحقيق نفيس، وبحث أنيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٦٠٩/٢٥- وفي («الكبرى» ٥١١٧/٢٦. وأخرجه (ق) في ((الأشربة)) ٣٣٩٤ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٦٥٢٢ و٦٦٣٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ ٥٦١١- (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجُ، عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَغْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَِّيِّ ◌َِّ، قَالَ: ((أَنَاكُمْ عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((حميد بن مخلد)): هو أبو أحمد الأزديّ الملقب زنجويه، ثقة ثبتٌ، له تصانيف [١١] ٥٠٧٦/١٤ من أفراد المصنّف، وأبي داود. و (سَعِيدُ بْنُ الْحَكَم)): هوابن أبي مريم، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [١٠] ٢٠٩٨/٣. و((محمد بن جعفر)): هو ابن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، ثقة [٧] ٣٥٢٢/٥٦. و((الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ)): هو الأسديّ الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يهم [٧]. و((بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ)): هو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٥] ٢١١/١٣٥. و((عامر بن سعد)) بن أبي وقّاص)): هو الزهريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٦٧٩١/٣٨. والحديث صحيحٌ، وقد تفرّد به المصنّف رحمه اللّه تعالى عن أصحاب الأصول، فأخرجه هنا-٢٥/ ٥٦١٠ و٥٦١١- وفي ((الكبرى)) ٥١١٨/٢٦ و٥١١٩ . وأخرجه (الدارميّ) في ((الأشربة)) ٢٠٠٧ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٦١٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرِ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيْهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ، نَى عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكِّرَ كَثِيرُهُ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ)): هو الْمُخرِّميّ، أبو جعفر الموصليّ، ثقة حافظ [١٠] من أفراد المصنف. و(الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ)): هو ابن سنان المزنيّ، أبو سعيد المدنيّ الرَّاذَانيّ، ساكن الكوفة، صدوقٌ(٢) [٨]. روى عن ربيعة، والضحاك بن عثمان، وعبيد الله بن عمر. وعنه زكريا بن عديّ، ويوسف بن عديّ، وأبو سعيد الأشجّ، ومحمد بن عبد الله بن عمار. قال أبو حاتم: شيخ يُكتب حديثه. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط . (١) وفي نسخة: أخبرنا)). (٢) قال عنه في ((التقريب)»: مقبول، والظاهر أنه صدوق؛ لأنه روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان، وقال أبو حاتم: شيخ يُكتب حديثه، فمثله ينبغي أقل أحواله أن يكون صدوقًا . واللَّه تعالى أعلم. ١٩٧ ٢٥- (تحریمُ كُلُ شراب اسْكَرَ کَثِيرُه) - حديث رقم ٥٦١٣ والحديث صحيحٌ، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٦١٣- (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنَ خَالِدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ، أَخْبَرَنِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَةِ، كَانَ يَصُومُ، فَتَحَيَّنْتُ فِطْرَهُ بِنَبِيذٍ صَنَعْتُهُ لَهُ، فِي دُبَّاءٍ، فَجِثْتُهُ بِهِ، فَقَالَ: ((أَذْنِهِ)، فَأَدْنَيْتُهُ مِنْهُ، فَإِذَا هُوَ يَنِشُ، فَقَالَ: ((اضْرِبْ بِهَذَا الْحَائِطَ، فَإِنَّ هَذَا شَرَابُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَّحْرِيم المسكِرِ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَلَيْسَ كَمَا يَقُولُ الْمُخَادِعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، بِتَحْرِيمِهِمْ آخِرَ الشَّرْبَةِ، وَتَحَلِيلِهِمَ مَا تَقَدَّمَهَا الَّذِي يُشْرَبُ فِي الْفَرَقِ قَبْلَهَا، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ السُّكْرَ بِكُلْبَتِهِ لَا يَخْدُثُ عَلَى الشَّرْبَةِ الْآخِرَةِ، دُونَ الْأُولَى، وَالثَّانِيَةِ بَعْدَهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١- (هشام بن عمّار) الدمشقيّ الخطيب، صدوقٌ، مقرىء، كبر، فصار يتلقّن، فحديثه القديم أصحّ، من كبار [١٠] ٢٠٢/١٣٤. ٢- (صدقة بن خالد) الأمويّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة [٨] ٩٢٠/٢٩. ٣- (زيد بن واقد) القرشيّ الدمشقيّ، ثقة [٦] ٩٢٠/٢٩. ٤- (خالد بن عبد الله بن حسين) الأمويّ مولاهم الدمشقيّ، وقد ينسب إلى جدّه، مقبول [٣]. رَوَى عن أبي هريرة ◌َّه. وعنه إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، وزيد بن واقد، ومحمد بن عبد الله بن المهاجر الشُّعيثيّ. قال البخاريّ: سمع أبا هريرة. وقال إسحاق بن سيّار النصيبيّ: أظنه لم يسمع من أبي هريرة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، له عندهم هذا الحديث، وعند ابن ماجه أيضًا حديث آخر: ((من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة)). ٥- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير خالد بن عبد اللَّه، كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالدمشقيين. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ◌َّ أكثر من روى الحديث في عصره. والله تعالى أعلم. ١٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَِّ، أنه (قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ، كَانَ يَصُومُ) أي صوم تطوّع (فَتَحَيَّنْتُ فِطْرَهُ) أي فراعيتُ، وطلبتُ وقت فطره، فأتيته (بِتَبِيذٍ صَنَعْتُهُ لَهُ، فِي دُبَّاءٍ) بضم الدال الهملة، وتشديد الموحدة: هي القرعة (فَجِثْتُهُ بِهِ) أي بذلك النبيذ (فَقَالَ) وَِّ (أَذْنِهِ) بقطع الهمزة، من الإدناء: أي قرّبه منّي، حتى أعلم أنه صالح للشرب، أم لا؟ (فَأَذْنَيْتُهُ مِنْهُ) بقطع الهمزة أيضًا: أي قرّبته من النبيّ وََّ (فَإِذَا هُوَ يَتِشُ) بكسر النون، وتشديد المعجمة، من باب ضرب: أي يغلي، قال في ((القاموس)): ((النشيش: صوت الماء وغيره إذا غَلَى. انتهى. و((إذا)): هي الفجائيّة: أي ففجاءني نشّه (فَقَالَ) وَرِ (اضْرِبْ بَهَذَا) النبيذ (الْخَائِطَ) أي البستان: أي اصببه، وأرقه فيه (فَإِنَّ هَذَا) الفاء تعليليّة؛ أي لأن هذا النبيذ (شَرَابُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي شراب الكفّار، وهذا كقوله وَ لّر في حديث أبي هريرة ◌َّه المتفق عليه: ((ولا يشرب الخمر حين يشربها، وهو مؤمن))، وقد تقدّم البحث عنه، مستوفّى في ((كتاب قطع السارق)) ١/ ٤٨٧٢- وأن الأصحّ في معناه: أنه إن استحلّه يخرج من الإيمان حقيقة، باستحلاله الحرام، وإلا فمعناه أنه ناقص الإيمان. والله تعالى أعلم. (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ رحمه اللّه تعالى (وَفِي هَذَا) الحديث (دَلِيلٌ عَلَى تُحْرِيم المسكِرٍ) هكذا في النسخة ((الهنديّة، وهو الذي في ((الكبرى))، ووقع في بقيّة النسخ بلفظ: (السَّكْرِ))- بفتحتين -: هو عصير الرُّطَب إذا اشتدّ. (قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ) بالجرّ بدلٌ، أو عطف بيان من المسكر (وَلَيْسَ كَمَا يَقُولُ) وفي («الكبرى»: «كما يقوله» (الْمُخَادِعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ) أي الذین یریدون لها المکروه، وهم لا يعلمون، قال في ((القاموس»: خَدَعه، کمنعه خَذْعًا، ویُکسر: خَتَله، وأراد به المكروه من حيث لا يعلم. انتهى. أراد المصنف رحمه الله تعالى أن هؤلاء الذين يحتالون في استحلال شرب المسكر بحيل باطلة، وتأويلات عاطلة، كأنهم يريدون إيقاع أنفسهم في المكروه، وهو العذاب الأليم، وهم لا يشعرون، حيث إنهم أرادوا بذلك نفع أنفسهم بشرب ما تتلذّذ به، وهي لذة فانية، فيخسرون اللذّة الدائمة، وهي لذّة خمر الجنة، كما سيأتي ٦ ٥٦٧٥/٤- من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول اللَّه وَلّى: ((من شرب الخمر في الدنيا، فمات، وهو يدمنها، لم يتب منها، لم يشربها في الآخرة)». (بِتَخْرِيمِهِمْ) متعلّقٌ ب((يقولون)) (آخِرَ الشَّرْبَةِ) بنصب ((آخر)) على أنه مفعول به ((تحريم))، و(الشَّرْبة)) بفتح، فسكون: المرة من الشرب (وَتَحَلِيلِهِمْ) بالجرّ عطفًا على (تحريمهم))، وقوله: (مَا تَقَدَّمَهَا) مفعول ((تحليلهم)). وقوله: (الَّذِي يُشْرَبُ) بالبناء ٢٥- (تَخَّرِيمُ كُلُّ شَرَاب أَسْكَرَ كَثِيرُه) - حديث رقم ٥٦١٣ ١٩٩ للمفعول (فِي الْفَرَقِ) أي من الفرق، فـ((في)) بمعنى ((من))، و((الفرق))- بفتحتين -: مكيال يسع ستة عشر رطلًا (قَبْلَهَا) أي قبل آخر الشربة، والمراد ما تقدّم على الشربة الأخيرة حلّلوه مع کثرته، وعلقوا التحریم بالشربة الأخير مع قلّتها، ومعلوم أن الإسکار لیس بها وحدها، وإنما هو مع ما تقدّمها من الشراب الكثير، كما أشار إليه بقوله: ((ولا خلاف بين أهل العلم أن السكر الخ)). وعبارة ((الكبرى)): ((الذي سرى في العروق قبلها)). والمعنى عليه: أنهم حلّلوا الشراب الذي تقدّم الشربة الأخيرة، وسرى في عروق الشارب حتى أحدث فيه السُّكْرَ. وقال السنديّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): الظاهر أن هذا- يعني قوله: الذي يشرب الخ- تحريف، والصواب ما في ((الكبرى)): ((الذي يسري في العروق قبلها)). والله تعالى أعلم. انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي لا حاجة لدعوى التحريف؛ فإن المعنى على ما في ((المجتبى)) صحيح، كما أن لما في ((الكبرى)) وجهًا صحيحًا أيضًا، على ما وجّهته آنفًا. والله تعالى أعلمٍ. (وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ السُّكْرَ) بضم، فسكون -: اسم من ((السَّكّر - بفتحين- يقال: سكر سكّرًا، منَ باب تَعِب، وكسر السين من المصدر لغة أيضًا، فيصير بوزن العنب، فهو سكران، والمرأة سكرى، والجمع سُکاری بضم السين، وفتحها، وفي لغة بني أسد يقال للمرأة سكرانة. أفاده في ((المصباح)) (بِكُلْيَّتِهِ لَا يَخْدُثُ) بضم الدال المهملة، من باب قعد: أي لا يحصل (عَلَى الشَّرْبَةِ الْآخِرَةِ) ((على)) بمعنى ((من))، كما قوله تعالى: ﴿إِذَا أَكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [المطفّفين: ٢]. أو تعليلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾ الآية: [البقرة: ١٨٥] (دُونَ الْأُولَى) أي دون الشربة الأولى (وَالثَّانِيَةِ بَعْدَهَا) أي بعد الأولى، والمراد ما قبل الشربة الأخير، سواء كان مرّتين، أو أكثر (وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ). وحاصل ما أشار إليه بقوله: ((ولا خلاف بين أهل العلم الخ)) أنهم لا يختلفون في كون السكر إذا حصل للشارب أنه لم يحصل بالشربة الأخيرة فقط، وإنما حصل بجميع ما شربه من الشربة الأولى إلى آخر الشربات، فإذا حصل السكر بالجميع، لا بالأخيرة فقط، فقد اتضح أن التحريم تعلّق بالجميع، لا بها فقط، فتفريق هؤلاء بين الأخيرة، فحزّموها، وبين ما تقدّمها، فأباحوه تفريق باطل، ولا يشكّ في بطلانه عاقل، وإنما يتخيّله عاطل. والله تعالى المستعان على من خالف النقل والعقل، فهام وهان. [فائدة]: رأيت للعلامة اللغويّ أحمد بن محمد بن عليّ المقرىء الفيّوميّ المتوفّى ٢٠٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ سنة (٧٧٠هـ) الذي أعزو إليه غالب النقول اللغوية في هذا الشرح؛ لوجازته مع إتقانه، فائدة تتعلق بهذا الموضوع، حيث قال في كتابه الممتع ((المصباح المنير في غريب الشرح الكبير)»: ما نصّه: ويُروى ((ما أسكر كثيره، فقليله حرام))، ونُقل عن بعضهم أنه أعاد الضمير على ((كثيره))، فيبقى المعنى على قوله: ((فقليل الكثير حرام، حتى لو شرب قدحين من النبيذ مثلًا، ولم يَسْكَر بهما، وكان يسكر بالثالث، فالثالث كثير، فقليل الثالث، وهو الكثير حرام، دون الأولين. وهذا كلام منحرف عن اللسان العربيّ؛ لأنه إخبار عن الصلة دون الموصول، وهو ممنوع باتّفاق النحاة، وقد اتّفقوا على إعادة الضمير من الجملة على المبتدإ لِيُرْبَطَ به الخبرُ، فيصيرُ المعنى: الذي يسكر كثيره، فقليل ذلك الذي يسكر كثيره حرام. وقد صَرّح به في الحديث، فقال: ((كلُّ مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه، فملء الكفّ منه حرام)). ولأن الفاء جواب لما في المبتدإ من معنى الشرط، والتقدير: مهما يكن من شيء يسكر كثيره، فقليل ذلك الشيء حرام. ونظيره: الذي يقوم غلامه فله درهم، والمعنى: فلذلك الذي يقوم غلامه، ولو أعيد الضمير على الغلام بقي التقدير: الذي يقوم غلامه، فللغلام درهم، فيكون إخبارًا عن الصلة دون الموصول، فيبقى المبتدأ بلا رابط، فتأمله، وفيه فساد من جهة المعنى أيضًا؛ لأنه إذا أريد: فقليل الكثير حرام يبقى مفهومه: فقليل القليل غير حرام، فيؤدي إلى إباحة ما لا يُسكر من الخمر، وهو مخالفٌ للإجماع. انتهى كلام الفيوميّ ((المصباح المنير)) ٢٨٣/١. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الفيّوميّ رحمه الله تعالى تحقيق نفيسٌ جدًا، يقطع دابر المفسدين الذين يقولون: إن المحرّم هو الشربة الأخيرة، حيث تبيّن به أن ما تمسّكوا به من التمويهات الباطلة، لا يؤيّده النقل اللغويّ، كما أن النصوص الصحيحة تنابذه. ﴿رَبَّنَا لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. اللّهمّ أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه. آمين آمين آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة تَّه هذا صحيحٌ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: