Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١ ==
١٣ - (ذِكْرُ العِلَةُ التِّي مِنْ أَجْلِهَا نُهُيَ ... - حدیث رقم ٥٥٦٥
ومتنا، غير أنه هنا الأوزاعي بدل هشام، وهو الدستوائيّ. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٢- (خَلِيطُ الْبُسْرِ وَالزَّبِيبِ)
٥٥٦٤- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ
اللّهِ وَ ◌ِّ، أَنَّهُ نََّى أَنْ يُنْبَذَ الزَّبِيبُ وَالْبُسْرُ جَمِيعًا، وَنََّى أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَميعًا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الليث)): هو ابن سعد. و((أبو الزبير)): هو محمد بن
مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ، يدلّس [٤].
[تنبيه]: هذا السند من رباعيّات المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو (٢٦٩) من
رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((أن يُنبذ الخ)) بالبناء للمفعول. والحديث متفقٌ عليه، وتقدّم في ٥٥٥٦/٨ .
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
١٣ - (ذِكْرُ الْعِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا فِيَ
عَنِ الْخَلِيطَيْنِ، وَهِيَ لِيَقْوَى
أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هكذا نسخ ((المجتبى)) بلفظ: ((وهي ليقوى))،
والظاهر أنها مصخّفة من قوله: ((وهي قوّة أحدهما على صاحبه)). ولفظ ((الكبرى)):
(وهي بَغْي أحدهما على صاحبه))، وهي أولى مما هنا.
ومحل الاستدلال من الحديث واضح حيث نهى الشارع عن الجمع بين الصنفين؛

محمد
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
١٤٢
لأجل الشدّة التي تحصل باجتماع صنف إلى غير صنفه، فيُسرع الإسكار، فيشربه صاحبه
بدون علم، فيقع في السكر. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٥٦٥- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وِقَاءِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنِ
الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: ((نََّى رَسُولُ اللَّهِ وََّ، أَنْ نَجْمَعَ شَيْئَيْنِ
فَبِيذًا، يَبْغِي أَحَذَّهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ))، قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ الْفَضِيخِ؟ فَتَهَانِي عَنْهُ، قَالَ: كَانَ
يَكْرَهُ الْمُذَنِّبَ مِنَ الْبُسْرِ؛ مَخَافَةً أَنْ يَكُونَا شَيْئَيْنٍ، فَكِنَّا نَقْطَعُهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (سُويد بن نصر) المروزيّ، أبو الفضل الملقّب بشاه، ثقة [١٠] ٥٥/٤٥ .
٢- (عبد الله) بن المبارك الإمام الحجة المشهور [٨] ٣٦/٣٢.
٣- (وقاء- بكسر الواو، وقاف- ابن إياس) الأسديّ الوالبي، ويقال: الجنبي، أبو
يزيد الكوفيّ، ليّن الحديث [٦].
رَوَى عن مجاهد، وأبي ظبيان الجنبي، وعلي بن ربيعة، وعزرة بن عبد الرحمن،
وسعيد بن جبير، وبكر بن الأخنس، والمختار بن فلفل، وعنه الثوري، وابن المبارك،
وأبو معاوية، ومروان بن معاوية، ويحيى القطان، ويزيد بن هارون، وآخرون. قال
قبيصة: ثنا سفيان الثوري، عن وِقَاء بن إياس، وقال: لا بأس به. قال عبد الله بن
أحمد، عن أبيه: وقاء بن إياس كذا وكذا، ثم قال: ضعفه يحيى بن سعيد القطان. وقال
ابن أبي خيثمة، عن أبيه، مثل ذلك سواء. وقال علي بن المديني، عن یحیی بن سعيد:
ما كان بالذي يُعتمد عليه، وقال أيضا عنه: لم يكن بالقوي. وقال الآجري، عن أبي
داود: قال يحيى: لم يكن بالذي يُعتَمد عليه، وكذا قال النسائي، عن يحيى، قال
النسائي: وليس بالقوي. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن عدي: حديثه ليس بالكثير،
وأرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الساجي: عنده مناكير.
وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين. روى له
المصنّف، وأبو دادود في ((القدر))، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث
فقط .
٤- (المختار بن فُلْفُل)- بفاءين مضمومتين، ولامين الأولى ساكنة -: هو مولی
عمرو بن حُريث، صدوقٌ، له أوهام [٥] ٢١ / ٩٠٤.
٥- (أنس بن مالك) رضي اللّه تعالى عنه٦ /٦ . والله تعالى أعلم.
(١) وفي نسخة: ((أخبرنا)).

١٤٣
- حديث رقم ٥٥٦٦
١٣ - (ذِكْرُ العِلَةِ التِّي مِنْ أَجْلِهَا شِهُيَ .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو والترمذيّ. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي اللَّه
تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَّهِ، أنه (قَالَ: نََّى رَسُولُ اللّهِ وَّهِ، أَنْ نَجْمَعَ شَيْئَيْنِ نَبِيذًا)
بفتح النون فَعيل بمعنى مفعول: أي حال كونه منبوذا في إناء واحد (يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى
صَاحِبِهِ) بكسر الغين المعجمة، من باب ضرب، من البغي: وهو الخروج، ومجاوزة
الحدّ، والمراد اشتداده (قَالَ) المختار (وَسَأَلْتُهُ) أي أنسّا رَّثه (عَنِ الْفَضِيخ؟) أي عن
حكم شربه، وهو بفتح الفاء، وكسر الضاد المعجمة: شرابٌ يُتخذ من الْبُسْرَ المفضوخ:
أي المشدوخ. قاله في ((النهاية)) ٤٥٣/٣. وفي ((المصباح)): الفَضْخ: كسر الشيء
الأجوف، وهو مصدر، من باب نفع، وفضخت رأسه، فانفضخ: أي ضربته، فخرج
دماغه. انتهى. (فَتَهَانِ عَنْهُ) أي لأنه مما يُسكر (قَالَ) المختار (كَانَ) أنس رَ﴾ (يَكْرَهُ)
بفتح أوله، من باب تعِب (الْمُذَنِّبَ) بصيغة اسم فاعل من التذيب، يقال: ذَنَّت البُسرة
تذنيبًا: إذا ظهر فيه الإرطاب، وقال ابن الأثير: ((المذنِّب بكسر النون: الذي بدا فيه
الإرطاب من قِبَل ذَنَبه: أي طرَفه، ويقال له أيضًا: التَّذْنُوب. انتهى ((النهاية)) ٢/ ١٧٠
(مِنَ الْبُسْرِ؛ مَخَافَةً أَنْ يَكُونَا شَيْئَيْنٍ) أي لأجل خوفه من أن يكون داخلا في النهي عن
الجمع بين الصنفين: البسر والرطَب (فَكُنَّا نَقْطَعُهُ) أي نقطع ذلك الذنب. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث صحيح(١)، وقد تفرّد به المصنف رحمه الله تعالى، فأخرجه هنا-٥٥٦٥/١٣
و٥٥٦٦ و ٥٥٦٧ ٥٥٦٨ - وفي («الكبرى» ١٤/ ٥٠٧٢ ٥٠٧٣ وو٥٠٧٤ و٥٠٧٥ .
وأخرجه (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)» ١١٩٧٠ و١٢٠١٥ و١٢١٨٨ و١٢٧٨ و١٣٢
١٥ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٥٦٦- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٢) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ
أَبِي إِذْرِيسَ، قَالَ: شَهِدْتُ أَنَسَ بَنَ مَالِكِ، أُتِيَ بِيُسْرٍ مُذَئْبٍ، فَجَعَلَ يَّقْطَعُهُ مِنْهُ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((هشام بن حسّانَ)): هو الْقُرْدُوسيّ.
(١) لا يقال: في إسناده وقاء، وقد تكلم فيه جماعة، لأنا نقول: قد روى عنه جماعة، وقواه الثوري،
وأبو حاتم، وابن عدي، وغيرهم، ويشهد لحديثه الروايات التالية. والله تعالى أعلم.
(٢) وفي نسخة: ((أخبرنا».

١٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من ((المجتبى)) هنا ((هشام بن هشام)) بدل هشام بن
حسّان))، وهو تصحيف فاحش، والصواب ما هنا، وهو الذي الذي في النسخة
((الهندية))، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
و((أبو إدريس)) روى عن أنس هذا الحديث، وعنه هشام بن حسّان، مقبول [٥] تفرد
به المصنّف بهذا الحديث فقط.
وقوله: ((أُتي)) بالبناء للمفعول. وقوله: ((مذنب)) بكسر النون كما سبق بيانه.
والحديث موقوف صحيح بما قبله، وهو من أفراده، كما سبق بيانه فيما قبله. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٥٦٧- (أَخْبَرَنَا سُوَيِدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، قَالَ: قَتَادَةُ،
كَانَ أَنَسٌ يَأْمُرُ بِالتَّذْنُوبِ فَيَقْرَضُ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله: ((بالتَّذْنُوب)) -بفتح التاء المثناة، وتُضمّ،
وبسكون الذال المعجمة، واحدته بهاء- أفاده في ((القاموس)). وقال ابن منظور رحمه
اللَّه تعالى: التَّذْنُوُبُ: البسر الذي قد بدا فيه الإرطاب من قِبَلِ ذَنَبه، وذَنَبُ الْبُسْرَة
وغيرِها من التمر: مُؤَخَّرُها، وذَنَّبَتِ البسرةُ، فهي مُذَنِّبَةٌ (١): وَكَّتَتْ من قِبَل ذَنَبها. قال
الأصمعيّ: إذا بدت نُكَتّ من الإرطاب في الْبُسْر من قِبَل ذَنَبها، قيل: ذَنَّبَتْ.
والرُّطَبُ: التَّذْنُوب واحدته تَذْنُوبةٌ -أي بفتح التاء- قال الراجر:
فَعَلْقِ النَّوْطَ أَبَا مَخْبُوبٍ إِنَّ الْغَضَا لَيْسَ بِذِي تَذْنُوبٍ
وقال الفرّاءُ: جاءنا بتُذْنُوبٍ -أي بضم الذال- لغة بني أسد، والتميميُّ يقولُ: تَذْنُوب
-أي بفتح التاء- والواحدة تَذْنُبَة. انتهى ((لسان العرب)) ١/ ٣٩٠ ببعض تصرّف.
والحديث موقوف صحيح الإسناد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٥٦٨- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ كَانَ
لَا يَدَعُ شَيْئًا قَدْ أَرْطَبَ، إِلَّا عَزَلَهُ عَنْ فَضِيخِهِ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى،
وهو (٢٧٠) من رباعيات الكتاب.
و((حُميد)): هو الطويل. وقوله: ((قد أرطب)): يقال: أرطبت البسرة إرطابًا: بدا فيها
الترطيب. قاله الفيّوميّ. وقوله: ((إلا عزله عن فضيخته)): أي أزاله، و((الفضيخ))-
(١) أي بصيغة اسم الفاعل .

١٤٥ =
١٤ - (التَّرْخِيصُ فِي انْتِبَذِ البُسْرِ وَحْدَهُ، ... - حديث رقم ٥٥٦٩
بفتح، فكسر -: عصير العنب، وهو أيضًا شراب يُتخذ من البُسر المفضوخ وحده من غير
أن تمسّه النار، وهو المشدوخ، وفَضَخت البسرَ، وافتضخته، قال الراجز:
بَالَ سُهَيْلٌ فِي الْفَضِيخ فَفَسَدْ
يقول: لَمّا طلع سُهيل ذهب زمن البسر، وأرطب، فكأنَه بال فيه. وقال بعضهم: هو
المفضوخ، لا الفضيخ: المعنى: أنه يُسكر شاربه، فيفضخه. وسُئل ابن عمر عن
الفضيخ، فقال: ليس بالفضيخ، ولكن هو الفضوخ، فعول من الفضيخة: أراد يسكر
شاربه، فيفضخه. قاله في ((اللسان)).
والمعنى هنا أن أنسّا رَّه إذا وجد في فضيخه: أي في البسر الذي يريد أن يتخذه
عصيرًا بسرًا قد أرطب أزاله؛ مخافة أن يكونا شيئين.
والحديث موقوف صحيح، تفرّد به المصنّف، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٤- (التَّرْخِيصُ فِي انْتِبَاذِ الْبُسْرِ
وَخْدَهُ، وَشُرْبَهِ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ فِي
فَضِیخِهِ)
وفي نسخة: ((الترخّص)). وتقدّم معنى ((الفضیخ)) قريبًا.
٥٥٦٩- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ - قَالَ:
حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَخْتِى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ،
قَالَ: ((لَا تَتْبِذُوا الزَّهْوَ وَالرُّطَبَ جَمِيعًا، وَلَّا الْبُسْرَ وَالزَّبِيبَ جَمِيعًا، وَانْبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
عَلَى حِدَتِهِ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير
شيخه، وهو بصريّ ثقة، من أفراده. و((خالد بن بن الحارث)): هو الهجيميّ البصريّ.
و((هشام): هو الدستوائيّ البصريّ. و((يحيى)): هو ابن أبي كثير.
والسند مسلسلٌ بثقات البصريين، إلا عبد الله وأباه، فإنهما مدنيّان، وفيه رواية

١٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
وقوله: ((وَانْبِذُوا كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)): أي من كل اثنين منهما، فيكون الجمع بين أكثر
بطريق الأولى.
وقوله: ((عَلَى حِدَتِهِ)) : - بكسر الحاء المهملة، وفتح الدال، بعدها هاء تأنيث -: أي
وحده. وأخرج مسلم من حديث أبي سعيد وظاقي: ((من شرب منكم النبيذ، فليشربه
زبيبا فردًا، أو تمرا فردا، أو بسرا فردا»، وسيأتي نحوه للمصنّف بعد باب.
وأخرج بنٍ أبي شيبة، وأحمد، والنسائي، سبب النهي من طريق الْحَرّاني، عن ابن
عمر، قال: أتي النبي ◌َّ بسكران، فضربه، ثم سأله عن شرابه، فقال: شربت نبيذ تمر
وزبيب، فقال النبي و لو: ((لا تخلطوهما، فإن كل واحد منهما يكفي وحده)). قاله في
((الفتح)) ١٩٦/١١. والحديث أخرجه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٥- (الرُّخْصَةُ فِي الانْتِبَاذِ فِي
الأَسْقِيَّةِ الَّتِي يُلَاثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((يُلاث))- بالثاء المثلثة، مبنيًّا للمفعول: أي
يُشدّ، ويُربط. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٥٧٠- (أَخْبَرَنَا يَحْتِى بْنُ دُرُسْتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى،
أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَتَادَةَ، حَدَّثَّهُ عَنْ أَبِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ، نََّى عَنْ خَلِيطِ الزَّهْوِ وَالتَّمْرِ،
وَخَلِيطِ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ، وَقَالَ: ((لِتَنْبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ، فِي الْأَسْقِيَةِ الَّتِي يُلَاَثُ
عَلَى أَفْوَاهِهَا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((يحيى بن دُرُست))- بضمتين، وسكون المهملة -:
هو ابن زياد البصريّ، ثقة [١٠]. و((أبو إسماعيل)): هو إبراهيم بن عبد الملك
القَنّاد البصريّ، صدوقٌ في حفظه شيء [٧] من أفراد المصنّف، والترمذيّ. و((يحيى)):
هو ابن أبي كثير.
وقوله: ((الأسقية))- بفتح الهمزة: جمع سِقاء بالكسر، قال في ((القاموس)): السقاء

١٦- (التّخُصُ فِي انتباذِ التّمْر وخدہ) - حديث رقم ٥٥٧١
١٤٧
ككساء: جلد السَّخْلة إذا أجذع، يكون للماء واللبن، جمعه أَسقيةٌ، وأَسقيات، وأَساقٍ.
انتھی .
وقوله: ((التي يُلاث على أفواهها))- بضمّ المثناة من تحتُ، وتخفيف اللام، وآخره ثاء
مثلثة: أي يُلفَ الخيط على أفواهها، ويُربط به. قاله النوويّ في ((شرح مسلم)) ١/ ١٩٢ .
وقال القرطبيّ: قوله: ((ثلاث)): أي تُشدّ، وتُربط، قال القتبيّ: أصل اللوث: الطيّ،
ولُئتُ العمامة: لففتها، وهذا نحو مما يقال: عليكم بالموكَى بالقصر: أي السقاء الذي
يُربط فُوه بالوكاء، وهو الخيط. انتهى ((المفهم)) ١/ ١٧٧ .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخرجه في ٦/ ٥٥٥٣ . والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٦- (التَّرَخُصُ فِي انْتِبَاذِ الثَّمْرِ
وَحْدَهُ)
٥٥٧١- (أَخْبَرَنَا سُوَيِّدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: أَنْبَنَا(١) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِم
الْعَبْدِيِّ، قَالَ: حَدْثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: نََّى رَسُولُ اللَّهِ ◌َِ
أَنْ يُخْلَطَ بُسْرٌ بِتَمْرٍ، أَوْ زَبِيبٌ بِتَمْرٍ، أَوْ زَبِيبٌ بِيُسْرٍ، وَقَالَ: ((مَنْ شَرِبَهُ مِنْكُمْ فَلْيَشْرَبْ كُلَّ
وَاحِدٍ مِنْهُ فَرْدًا، تَمْرًا فَرْدًا، أَوْ بُسْرًا فَرْدًا، أَوْ زَبِيبًا فَرْدًا).
((عبد الله)): هو ابن المبارك. و((إسماعيل بن مسلم العبديّ)): هو أبو محمد البصريّ
القاضي، ثقة [٦] ٢٧٢٨/٤٩. و((أبو المتوكّل)): هو عليّ بن داود، ويقال: ابن دُؤاد
الناجيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقة [٣] ٢٦٢/١٦٩.
وقوله: ((أن يُخلَط الخ)) بالبناء للمفعول، وتمام شرح الحديث يعلم مما سبق. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في دجته:
(١) وفي نسخة: ((أخبرنا)).

١٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
حديث أبي سعيد الخدريّ رَّ هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٦/ و٥٥٧٠ و٥٥٧١ و٥٥٧٣- وفي ((الكبرى)) ٦/ ٥٠٥٧ و ٨/ ٥٠٦٢
و٥٠٧٨/١٧ و٥٠٧٩. وأخرجه (م) في ((الأشربة)) ١٩٨٧ و١٩٨٨ و١٩٨٩ (ت) في
((الأشربة)) ١٨٧٧ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٠٦٠٨ و١٠٦٧٨ و١٠٩٠٤
و١١٠٢٦ و١١٠٧٢ و١١١٦١ و١١٢٠١ و١١٣٨٥ و١١٤٣٩. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٥٧٢- (أَخْبَرَنِي(١) أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُذْرِيُّ،
أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ، فَّىَّ أَنْ يَخْلِطَ بُسْرًا بِتَمْرٍ، أَوْ زَبِيِّبًا بِتَمْرٍ، أَوْ زَبِيِّبًا بِيُسْرٍ، وَقَالَ: ((مَنْ شَرِبَ
مِنْكُمْ، فَلْيَشْرَبْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُ فَرْدًا)).
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا أَبُو الْمُتَوَكْلِ اسْمُهُ: عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أحمد بن خالد)): هو أبو جعفر البغداديّ الفقيه الثقة [١٠]
٢٠/ ٤٣٠٥ من أفراد المصنّف، والترمذيّ. و((شُعيب بن حرب)): هو أبو صالح المدائنيّ،
نزيل مكة، ثقة عابد [٩]٥١/٤٣. و((إسماعيل)): هو المذكور في السند الماضي.
وقوله: ((أن يخلط)) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الخالط المفهوم من
الفعل .
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٧- (انْتِبَاذُ الزَّبِيبِ وَحْدَهُ)
٥٥٧٣ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٢) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو كَثِيرِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: فَّى رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنْ يُخْلَطَ الْبُسْرُ
وَالزَّبِيبُ، وَالْبَسْرُ وَالتَّمْرُ، وَقَالَ: ((انْبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ))).
(١) وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

١٨ - (الرُّخْصَةُ فِي انْتِبَاذِ البُسْرِ وَحْدَه) - حديث رقم ٥٥٧٤
١٤٩ =
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عكرمة بن عمّار)): هو أبو عمّار اليماميّ، بصريّ
الأصل، صدوقٌ يَغْلَط [٥]. و((أبو كثير)): هو يزيد بن عبد الرحمن، كما سيأتي
للمصنّف في الباب التالي، وقيل: يزيد بن عبد الله بن أُذينة، أو ابن غُفيلة(١) السُّحيميّ
الْغُبَريّ(٢) اليماميّ الأعمى، ثقة [٣] ٤٤٨٨/١٣.
وقوله: ((انبذوا)) بكسر الموحّدة، من باب ضرب. وقوله: ((على حدة))- بكسر
الحاء، وتخفيف الدال المهملتين -: أي بانفراده، وتمام شرح الحديث قد مرّ قريبًا،
ودلالته على الترجمة واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٥٧٢/١٧- وفي ((الكبرى)) ٥٠٨٠/١٨. وأخرجه (م) في ((الأشربة))
١٩٨٩ (ق) في ((الأشربة)) ٣٣٩٦ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٩٤٥٨ و١٠٤٢٦
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٨ - (الرُّخْصَةُ فِي انْتِبَاذِ الْبُسْرِ
وَحْدَهُ)
٥٥٧٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعَافَى - يَعْنِي ابْنَ
عِمْرَانَ - عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكْلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ
وَه، نََّى أَنْ يُنْبَذَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُّ، وَالتَّمْرُ وَالْبُسْرُ، وَقَالَ: ((انْتَبِذُوا الزَّبِيبَ فَرْدًا، وَالتَّمْرَ
فَرْدًا، وَالْبُسْرَ فَزْدًا)) .
(١) بالغين المعجمة، بعدها فاء، مصغّرًا .
(٢) ((السَُّيميّ)) -بمهملتين مصغّرًا. و((الْغُبَريّ)) -بضم المعجمة، وفتح الموحّدة.

١٥٠ =
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَبُو كَثِيرِ اسْمُهُ: يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحمَنِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((مُحَمَّدُ بَنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ)): هو الْمُخَرِّمَيّ، أبو
جعفر نزيل الموصل، ثقة حافظ [١٠] ١٢٢٠/٢٠ من أفراد المصنّف. و((المعافى بن
عمران)): هو الأزديّ الفهميّ، أبو مسعود الموصليّ، ثقة عابد فقيه، من كبار [٩]٣٦/
١٢٧١ . و((إسماعيل، وأبو المتوكّل تقدّما قبل باب.
وقوله: ((قال أبو عبد الرحمن الخ)) كان الأولى ذكره في الباب الماضي، كما لا
يخفى، ولعله من تصرّف النسّاخ. والله تعالى أعلم.
والحديث أخرجه مسلم، وتقدم قبل باب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٩ - (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمِن
ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ
سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧])
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ذكر قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في ((تفسيره))
٥٩٦/٢: ما نصُهُ: ولما ذكر الله تعالى اللبن، وأنه تعالى جعله شرابًا للناس سائغًا ثنى
بذكر ما يتخذه الناس من الأشربة من ثمرات النخيل والأعناب، وما كانوا يصنعون من
النبيذ المسكر قبل تحريمه، ولهذا امتنّ به عليهم، فقال: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ﴾ الآية
[النحل: ٦٧]، دلّ على إباحته شرعًا قبل تحريمه، ودلّ على التسوية بين المسكر المتّخذ
من النخل، والمتّخذ من العنب، كما هو مذهب مالك والشافعيّ، وأحمد، وجمهور
العلماء، وكذا حكم سائر الأشربة المتّخذة من الحنطة، والشعير، والذرة، والعسل،
كما جاءت السنّة بتفصيل ذلك، كما قال ابن عبّاس في قوله: ﴿سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَناً﴾
قال: السكر ما حرم من ثمرتيهما، والرزق الحسن ما أحلّ من ثمرتيهما، وفي رواية:
السكر حرامه، والرزق الحسن حلاله- يعني ما يبس من تمر، وزبيب، وما عُمل منهما
من طلاء، وهو الدبس، وخلّ، ونبيذ حلال، يُشرب قبل أن يشتدّ، كما وردت السنة
بذلك. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ٦٧] ناسب ذكر العقل ههنا، فإنه أشرف

١٥١ ==
١٩- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَين ... - حديث رقم ٥٥٧٥
ما في الإنسان، ولهذا حرّم الله على هذه الأمة الأشربة المسكرة؛ صيانة لعقولها. انتهى
كلام ابن كثير.
وقال النسفيّ رحمه الله تعالى في ((تفسيره)) ٢٩١/٢: ويتعلّق ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ
وَاْأَعْنَبِ﴾ بمحذوف، تقديره: ونُسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب: أي من
عصيرهما، وحُذف لدلالة ﴿شُقِيكُ﴾ قبله عليه. وقوله: ﴿نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ بيان،
وكشف عن كنه الإسقاء، أو تتخذون، و﴿مِنْهُ﴾ من تكرير الظرف للتوكيد، والضمير في
﴿مِنْهُ﴾ يرجع إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير، والسكر: الخمر، سمّيت
بالمصدر، من سَكِرَ سَكَرًا وسُكْرًا، نحو رَشِدَ رَشَدًا ورُشْدًا. ثم فيه وجهان:
[أحدهما]: أن الآية سابقة على تحريم الخمر، فتكون منسوخة. [وثانيهما]: أن يُجمع
بين العتاب والمنّة. وقيل: السكر: النبيذ، وهو عصير العنب، والزبيب، والتمر إذا
طُبخ حتى ذهب ثلثاه، ثم يُترك حتى يشتدّ، وهو حلال عند أبي حنيفة، وأبي يوسف
رحمهما الله تعالى إلى حدّ السكر، ويحتجّان بهذه الآية. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول باطلٌ؛ لمنابذته الأحاديث الصحيحة
الكثيرة، كما سيأتي تفنيده قريبًا، إن شاء الله تعالى.
وقال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((تفسيره)) ١٠/ ١٢٧: قوله تعالى:
﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ﴾ الآية، فيه مسألتان:
[الأولى]: قال الطبري: التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب: ما تتخذون، فحذف
((ما)) ودل على حذفه قوله: ((منه)) وقيل: المحذوف شيءٍ، والأمر قريب. وقيل: معنى
(منه): أي من المذكور، فلا يكون في الكلام حذف، وهو أولى، ويجوز أن يكون
قوله: ((ومن ثمرات)) عطفا على ((الأنعام)): أي ولكم من ثمرات النخيل والأعناب عبرة،
ويجوز أن يكون معطوفا على ((مما)): أي ونسقيكم أيضا مشروبات من ثمرات.
[الثانية]: قوله تعالى: ﴿سَكَرًا﴾: السكر ما يُسكر هذا هو المشهور في اللغة، قال
ابن عباس: نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر، وأراد بالسكر الخمر، وبالرزق الحسن
جميع ما يؤكل، ويشرب حلالا، من هاتين الشجرتين، وقال بهذا القول ابن جبير،
والنخعي، والشعبي، وأبو ثور، وقد قيل: إن السكر الخل بلغة الحبشة، والرزق
الحسن: الطعام، وقيل: السكر العصير الحلو الحلال، وسمي سَكّرا؛ لأنه قد يصير
مسكرا إذا بقي، فإذا بلغ الإسكار حرم. قال ابن العربي: أَسَدُّ هذه الأقوال قول ابن
عباس، ويُخَرَّج ذلك على أحد معنيين: إما أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر، وإما أن
يكون المعنى أنعم الله عليكم بثمرات النخيل والأعناب، تتخذون منه ما حرم الله

١٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
عليكم؛ اعتداء منكم، وماأحل لكم اتفاقا، أو قصدا إلى منفعة أنفسكم، والصحيح أن
ذلك كان قبل تحريم الخمر، فتكون منسوخة، فإن هذه الآية مكية باتفاق من العلماء،
وتحريم الخمر مدني.
قال القرطبيّ: فعلى أن السكر الخل، أو العصير الحلو، لا نسخ، وتكون الآية
محكمة، وهو حسن. قال ابن عباس: الحبشة يسمون الخل السكر، إلا أن الجمهور
على أن السكر الخمر، منهم: ابن مسعود، وابن عمر، وأبو رزين، والحسن،
ومجاهد، وابن أبي ليلى، والكلبي، وغيرهم، ممن تقدم ذكرهم كلهم، قالوا: السكر
ما حرمه الله من ثمرتيهما، وكذا قال أهل اللغة: السكر اسم للخمر، وما يُسكر،
وأنشدوا [من البسيط]:
بِسَ الصُّحَاةُ وَبِئْسَ الشَّرْبُ شَرْبُهُمُ إِذَا جَرَى فِيهِمُ الْمُزَّاءُ وَالسَّكَرُ
والرزق الحسن: ما أحله الله من ثمرتيهما. وقيل: إن قوله: ﴿لَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾
خبر معناه الاستفهام، بمعنى الإنكار: أي أتتخذون منه سكرًا، وتدعون رزقا حسنا،
الخل والزبيب والتمر؟ كقوله: ﴿فَهُمُ الْخَلِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]: أي أفهم الخالدون؟
والله أعلم.
وقال أبو عبيدة: السكر الطعم، يقال: هذا سكر لك: أي طعم، وأنشد:
جَعَلْتَ عَيْبَ الأَكْرَمِينَ سَكَرَا
أي جعلت ذمهم طعما. وهذا اختيار الطبري: أن السكر ما يُطعم، وحَلَّ شربه من
ثمار النخيل والأعناب، وهو الرزق الحسن، فاللفظ مختلف، والمعنى واحد، مثل
﴿إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَتِى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، وهذا حسن، ولا نسخ، إلا أن
الزجاج قال: قول أبي عبيدة هذا، لا يُعرف، وأهل التفسير على خلافه، ولاحجة له في
البيت الذي أنشده؛ لأن معناه عند غيره أنه يصف أنها تتخمر بعيوب الناس.
وقال الحنفيون: المراد بقوله: ((سكرّا)) ما لا يسكر من الأنبذة، والدليل عليه أن اللَّه
سبحانه وتعالى امتن على عباده، بما خلق لهم من ذلك، ولا يقع الامتنان إلا بمحلل،
لا بمحرم، فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ، فإذا انتهى إلى
السكر لم يجز، وعضدوا هذا من السنة، بما رُوي عن النبي وَلّ، أنه قال: ((حرم الله
الخمر بعينها، والسكر من غيرها)»، وبما رواه عبد الملك بن نافع، عن ابن عمر، قال:
رأيت رجلا جاء إلى رسول اللَّه وَلهر، وهو عند الركن، ودفع إليه القَدَح، فرفعه إلى فيه،
فوجده شديدا، فرده إلى صاحبه، فقال له حينئذ رجل من القوم: يا رسول اللّه أحرام
هو؟ فقال: ((عليّ بالرجل))، فأتي به، فأخذ منه القدح، ثم دعا له بماء، فصبه فيه، ثم

١٥٣=
١٩- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمِن ... - حديث رقم ٥٥٧٥
رفعه إلى فيه، فقطّب، ثم دعا بماء أيضا فصبه فيه، ثم قال: ((إذا اغتلمت عليكم هذه
الأوعية، فاكسروا متونها بالماء))، ورُوي أنه عليه السلام، كان يُنبذ له، فيشربه ذلك
اليوم، فإذا كان من اليوم الثاني، أو الثالث سقاه الخادم، إذا تغير، ولو كان حراما ما
سقاه إياه. قال الطحاوي: وقد رَوَى أبو عون الثقفي، عن عبد الله بن شداد، عن ابن
عباس، قال: حُرّمت الخمر بعينها، القليل منها، والسكر من كل شراب))، خرجه
الدار قطني أيضا.
ففي هذا الحديث، وما كان مثله أن غير الخمر لم تحرم عينه، كما حرمت الخمر
بعينها، قالوا: والخمر شراب العنب، لا خلاف فيها.
ومن حجتهم أيضا: ما رواه شَريك بن عبد اللَّه، حدثنا أبو إسحاق الهمداني، عن
عمرو بن ميمون، قال عمر بن الخطاب: إنا نأكل لحوم هذه الإبل، وليس يقطعه في
بطوننا، إلا النبيذ، قال شريك: ورأيت الثوري يشرب النبيذ في بيت حبر أهل زمانه،
مالك بن مِغْوَل.
[والجواب]: أن قولهم: إن الله سبحانه وتعالى امتن على عباده، ولا يكون امتنانه إلا
بما أحل، فصحيح، بَيْدَ أنه يحتمل أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر، كما بيناه، فيكون
منسوخا كما قدمناه.
قال ابن العربي: [إن قيل]: كيف يُنسخ هذا، وهو خبر، والخبر لا يدخله النسخ؟ .
[قلنا]: هذا كلام من لم يتحقق الشريعة، وقد بينا أن الخبر إذا كان عن الوجود الحقيقي،
أو إعطاء ثواب، فضلا من الله، فهو الذي لا يدخله النسخ، فأما إذا تضمن الخبر حكما
شرعيا، فالأحكام تتبدل، وتنسخ جاءت بخبر، أو أمر، ولا يرجع النسخ إلى نفس اللفظ،
وإنما يرجع إلى ما تضمنه، فإذا فهمتم هذا، خرجتم عن الصنف الغبي الذي أخبر الله عن
الكفار فيه بقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ مَكَانَ ءَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُغَزِّفُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ
مُفْتَرْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١]: المعنى أنهم جهلوا أن الرب يأمر بما شاء،
ويكلف ما يشاء، ويرفع من ذلك بعدله ما يشاء، ويُثبِت ما يشاء، وعنده أم الكتاب.
قال القرطبي: هذا تشنيع شنيع، حتى يلحق فيه العلماء الأخيار في قصور الفهم
بالكفار، والمسألة أصولية، وهي أن الأخبار عن الأحكام الشرعية، هل يجوز نسخها أم
لا؟ اختلف في ذلك، والصحيح جوازه؛ لهذه الآية، وماكان مثلها، ولأن الخبر عن
مشروعية حكم ما، يتضمن طلب ذلك المشروع، وذلك الطلب هو الحكم الشرعي،
الذي يستدل على نسخه، والله أعلم.
وأما ما ذكروا من الأحاديث، فالأول والثاني ضعيفان؛ لأنه عليه السلام قد رُوي عنه

١٥٤
E
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
بالنقل الثابت أنه قال: ((كل شراب أسكر، فهو حرام))، وقال: ((كل مسكر خمر، وكل
مسكر حرام))، وقال: ((ما أسكر كثيره، فقليله حرام))، قال النسائي ٥٧٠٣/٤٨: وهؤلاء
أهل الثبت والعدالة مشهورون، بصحة النقل، وعبد الملك لا يقوم مقام واحد منهم،
ولو عاضده في أشكاله جماعة، وبالله التوفيق.
وأما الثالث، وإن كان صحيحا، فإنه ما كان يسقيه للخادم على أنه مسكر، وإنما كان
يسقيه لأنه متغير الرائحة، وكان دليل يكره أن توجد منه الرائحة، فلذلك لم يشربه،
ولذلك تَحَيَّل عليه أزواجه في عسل زينب، بأن قيل له: إنا نجد منك ريح مغافير- يعني
ريحا منكرة- فلم یشربه بعدُ.
وأما حديث ابن عباس، فقد رُوي عنه خلاف ذلك من رواية عطاء، وطاوس،
ومجاهد، أنه قال: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)»، ورواه عنه قيس بن دينار، وكذلك
فتياه في المسكر، قاله الدارقطني.
والحديث الأول رواه عنه عبد الله بن شداد، وقد خالفه الجماعة، فسقط القول به،
مع ما ثبت عن النبي وَلتر.
وأما ما روي عن عمر من قوله: ((ليس يقطعه في بطوننا إلا النبيذ))، فإنه يريد غير
المسكر، بدليل ما ذكرنا، وقد رَوَى النسائي ٥٧٠٩/٤٨ عن عتبة بن فرقد، قال: كان
النبيذ الذي شربه عمر بن الخطاب، قد خُلّل، قال النسائي ٤٨/ ٥٧١٠ -: ومما يدل
على صحة هذا، حديث السائب، قال الحارث بن مسكين، قراءة عليه، وأنا أسمع،
عن ابن القاسم: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، أنه أخبره، أن
عمر بن الخطاب، خرج عليهم، فقال: إني وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه
شراب الطلاء، وأنا سائل عما شرب، فإن كان مسكرا جلدته، فجلده عمر بن
الخطاب، رضي الله عنه، الحد تاما، وقد قال في خطبته على منبر رسول اللّه وَله: أما
بعد أيها الناس، فإنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب، والعسل، والتمر،
والحنطة، والشعير، والخمرُ ما خامر العقل.
[فإن قيل]: فقد أحل شربه إبراهيم النخعي، وأبو جعفر الطحاوي، وكان إمام أهل
زمانه، وكان سفيان الثوري يشربه. [قلنا]: ذكر النسائي في ((كتابه)) أن أول من أحل
المسكر من الأنبذة إبراهيم النخعي، وهذه زلة من عالم، وقد حُذِرنا من زلة العالم،
ولاحجة في قول أحد مع السنة، وذكر النسائي أيضا٥٧٥٣/٥٧: عن ابن المبارك،
قال: ما وجدت الرخصة في المسكر عن أحد صحيحا، إلا عن إبراهيم، قال أبو
أسامة: ما رأيت رجلا أطلب للعلم من عبد الله بن المبارك، الشامات، ومصر،

١٥٥
١٩- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَین ... - حديث رقم ٥٥٧٥
واليمن، والحجاز.
وأما الطحاوي، وسفيان، لو صح ذلك عنهما لم يحتج بهما، على من خالفهما من
الأئمة، في تحريم المسكر، مع ما ثبت من السنة، على أن الطحاوي قد ذكر في كتابه
الكبير في الاختلاف، خلاف ذلك، قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب ((التمهيد)) له:
قالٍ أبو جعفر الطحاوي: اتفقت الأمة على أن عصير العنب، إذا اشتد وغلى، وقذف
بالزبد فهو خمر، ومستحله كافر، واختلفوا في نقيع التمر إذا غلى، وأسكر، قال فهذا:
يدلك على أن حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي هريرة، عن النبي بَّر، أنه قال:
((الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة، والعنب)) غير معمول به عندهم؛ لأنهم لو قبلوا
الحديث لأكفروا مستحل نقيع التمر، فثبت أنه لم يدخل في الخمر المحرمة، غير عصير
العنب الذي قد اشتد، وبلغ أن يسكر، قال: ثم لا يخلو من أن يكون التحريم معلقا
فقط، غير مقيس عليها غيرها، أو يجب القياس عليها، فوجدناهم جميعا قد قاسوا عليها
نقيع التمر، إذا غلى وأسكر كثيره، وكذلك نقيع الزبيب، قال: فوجب قياسا على ذلك
أن يحرم كل ما أسكر من الأشربة، قال: وقد رُوي عن النبي بَّر، أنه قال: ((كل مسكر
حرام))، واستغنى عن مسنده لقبول الجميع له، وإنما الخلاف بينهم في تأويله، فقال
بعضهم: أراد به جنس ما يُسكر، وقال بعضهم: أراد به ما يقع السكر عنده، كما لا
یسمی قاتلا، إلا مع وجود القتل.
قال القرطبيّ: فهذا يدل على أنه محرم عند الطحاوي؛ لقوله: فوجب قياسا على
ذلك أن يحرم كل ما أسكر من الأشربة. وقد رَوَى الدارقطني في ((سننه)) عن عائشة
رضي الله عنها، أنها قالت: إن اللَّه لم يحرم الخمر لاسمها، وإنما حرمها لعاقبتها،
فكل شراب يكون عاقبته كعاقبة الخمر، فهو حرام كتحريم الخمر.
قال ابن المنذر: وجاء أهل الكوفة بأخبار معلولة، وإذا اختلف الناس في الشيء
وجب رد ذلك إلى كتاب الله، وسنة رسوله عليه السلام، ومارُوي عن بعض التابعين أنه
شرب الشراب الذي يُسكر كثيره، فللقوم ذنوب يستغفرون اللَّه منها، وليس يخلو ذلك
من أحد معنيين: إما مخطىء أخطأ في التأويل، علی حدیث سمعه، أو رجل أتی ذنبا
لعله أن يكثر من الاستغفار لله تعالى، والنبي وَ لفي حجة اللَّه على الأولين والآخرين، من
هذه الأمة، وقد قيل في تأويل الآية: إنها إنما ذُكرت للاعتبار: أي من قدر على خلق
هذه الأشياء، قادر على البعث، وهذا الاعتبار لا يختلف بأن كانت الخمر حلالا أو
حراما، فاتخاذ السكر لا يدل على التحريم، وهو كما قال تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ
وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾، والله أعلم. انتهى ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٢٧/١٠-١٣٣. وهو

=
١٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
بحث نفيسٌ جدّا، ولا سيما ما نقله عن الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى، فإنه عين
التحقيق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٥٥٧٥ - (أَخْبَرَنَا سُوَيِّدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ حِ وَأَنْبَأَنَا(٢) حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيّ،
حَدَّثَنَا أَبُو كَثِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((الْخَمْرُ مِنْ
هَاتَيْنِ))، وَقَالَ سُوَيْدٌ: ((فِي هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةُ وَالْعِنَبَةُ))).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (حميد بن مسعدة) الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] ٥/٥.
٢- (سفيان بن حبيب) أبو محمد البزاز البصريّ، ثقة [٩] ٦٧ /٨٢.
٣- (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو الدمشقيّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٥٦/٤٥.
والباقون تقدّموا قبل باب. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أبي كثير يزيد بن عبد الرحمن، وقيل: غيره، كما تقدّم قبل باب، أنه (قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رَّيِ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ))) قال البيهقي
رحمه اللّه تعالى: ليس المراد الحصر فيها؛ لأنه ثبت أن الخمر تتخذ من غيرهما في
حديث عمر وغيره، وإنما فيه الإشارة إلى أن الخمر شرعا لا تختص بالمتخذ من
العنب . انتھی.
وقال السنديّ رحمه اللّه تعالى: هذا ليس على وجه القصر عليهما، بل المعنى أنه
منهما، ولا يُقتصر على العنب. وقيل: المقصود بيان ذلك لأهل المدينة، ولم يكن
عندهم مشروب إلا من هذين النوعين. وقيل: إن معظم ما يُتّخذ من الخمر، أو أشدّ ما
يكون في معنى المخامرة والإسكار إنما هو من هاتين. انتهى.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا دليلٌ على أن الأنبذة المتّخذة من التمر،
والزهو، والزبيب، وغيرها تُسمّى خمرًا، وهي حرام، إذا كانت مسكرة، وهو مذهب
الجمهور، كما سبق، وليس فيه نفي الخمريّة عن نبيذ الذرة، والعسل، والشعير، وغير
ذلك، فقد ثبت في تلك الألفاظ أحاديث صحيحة بأنها كلها خمر وحرام. انتهى ((شرح
مسلم)) ١٣/ ١٥٣ - ١٥٤ .
(١) وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)).

١٩- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَين ... - حديث رقم ٥٥٧٥
١٥٧
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((الخمر من هاتين الشجرتين)): حجة
للجمهور على تسمية ما يُعتصر من غير العنب بالخمر إذا أسكر، كما قدّمناه، ولا حجة
فيه لأبي حنيفة على قوله، حيث قصر الحكم بالتحريم على هاتين الشجرتين؛ لأنه قد
جاء في أحاديث أُخَر ما يقتضي تحريم كلّ ما أسكر، كقوله: ((كل مسكر حرام»، و((كل
ما أسكر حرام))، وحديث معاذ رَّه حيث سُئل رسول اللَّه ◌َلل عن شراب العسل،
والذرة، والشعير؟ فقال: ((أنهى عن كلّ مسكر))، وإنما خصّ في هذا الحديث هاتين
الشجرتين بالذكر؛ لأن أكثر الخمر منهما، أو على أن الخمر عند أهلها، والله أعلم،
وهذا نحو قولهم: المال الإبل: أي أكثرها، وأعمّها. انتهى ((المفهم)) ٢٥٧/٥-٢٥٨.
وقوله: (وَقَالَ سُوَيْدٌ: ((فِي هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ) يعني أن رواية سويد بن نصر بلفظ:
((في هاتين)) بدل ((من هاتين))، وقوله: (النَّخْلَّةُ وَالْعِنَبَةُ))) بالجزّ على البدليّة، ويجوز
الرفع بتقدير مبتدإ: أي هما، والنصب بتقدير فعل: أي أعني. وفي رواية لمسلم:
((الكرمة، والنخلة))، وفي رواية له: ((الكرم والنخل)). قال القرطبيّ رحمه الله تعالى:
هذا يُشكل مع قوله ◌َّه: ((لا تقولوا للعنب الكرم، فإن الكرم قلب المؤمن))، رواه
مسلم. ويزول الإشكال بأن نقول: إطلاق هذا كان قبل النهي، ثم بعد ذلك ورد النهي،
أو يقال: إنه ◌َليّلم يدخل في هذا الخطاب، فإنه قال فيه: ((ولا تقولوا))، فواجهنا به،
والمخاطِبُ غير المخاطَبِ، كما تقرّر في الأصول. انتهى ((المفهم)) ٢٥٨/٥ .
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن هذا الاستعمال كان قبل النهي، ويحتمل
أنه استعمله بيانًا للجواز، وأن النهي عنه ليس للتحريم، بل لكراهة التنزيه، ويحتمل أنهم
خوطبوا به للتعريف؛ لأنه المعروف في لسانهم الغالب في استعمالهم. انتهى ((شرح
مسلم)) ١٥٤/١٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ◌َزيه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٥٧٤/١٩ و٥٥٧٥ - وفي («الكبرى» ٥٠٨٢/٢٠ و٥٠٨٣. وأخرجه
(م) في ((الأشربة)) ١٩٨٥ (د) في ((الأشربة)) ٣٦٧٨ (ت) في ((الأشربة)) ١٨٧٥ (ق) في
(«الأشربة)» ٣٣٧٨ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٦٩٥ و ٩٠٣٩ و٩٧٩٠ و١٠٠٦٧
و١٠٣٣١ و١٠٣٣٢ و١٠٤٢٦ (الدارميّ) في ((الأشربة)» ٢٠٠٤.

١٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان معنى الآية الكريمة، ووجه
ذلك أن السَّكَرَ معناه: الخمر، كما سيبيّنه المصنّف بالآثار التي يوردها بعدُ، وهو
الصحيح، كما سبق بيانه، والحديث بيّن أن الخمر غالب ما يُتّخذ من هاتين الشجرتين،
فتبيّن أن المراد بالخمر في الآية هو المبيّن في هذا الحديث، وقد سبق آنفًا أن الحديث
ليس على الحصر، وإنما هو على الغالب، فلا ينافي ما ثبت في الأحاديث الصحيحة من
أن الخمر كلّ ما خامر العقل، سواء كان متّخذًا من هاتين الشجرتين، أو من غيرهما من
الحبوب، كالبرّ والشعير، والذرة، والعسل، ونحوها. (ومنها): أنه تقدّم أن الأصحّ أن
الآية نزلت قبل تحريم الخمر؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يمتنّ على عباده بما حرّمه
عليهم، وإنما الامتنان بالحلال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٥٧٦- (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ
الصَّوَّافُ، عَنْ يَخْتِى بْنٍ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وََّ: «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةُ وَالْعِنَبَةُ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((زياد بن أيوب)): هو الحافظ الثبت المعروف
بدلّويه. و((الحجاج الصواف)): هو ابن أبي عثمان/ ميسرة، أو سالم، أبو الصلت
الكنديّ مولاهم البصريّ الثقة الحافظ [٦].
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٥٧٧- (أَخْبَرَنَا سُوَيِدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيِّ، قَالَا: ((السَّكَرَ خَمْرٌ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((شريك)): هو ابن عبد الله النخعيّ القاضي الكوفيّ،
صدوقٌ يُخطىء كثيرًا، وتغيّر بعد توليه القضاء [٨]. و((مغيرة)): هو ابن مقسم الضبيّ
الكوفيّ، ثقة متقن، إلا أنه يدلس [٦]. و((إبراهيم)): هو ابن يزيد النخعيّ الفقيه الحجة
الكوفيّ [٥]. و((الشعبيّ)): هو عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ الكوفي الثقة الفقيه الحجة
[٣].
والحديث مقطوع صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه
هنا-٥٥٧٦/١٩- وفي ((الكبرى)) ٥٠٨٤/٢٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

٢٠- (ذِكْرُ أَنْوَاعِ الأشْيَاءِ التِّي كَانَتْ ... - حديث رقم ٥٥٨١
١٥٩
٥٥٧٨- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي
عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: ((السَّكَرُ خَمْرٌ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((سفيان)): هو الثوريّ. و((حبيب بن أبي عمرو)):
تقدّم قريبًا. والحديث مقطوع صحيح الإسناد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٥٧٩- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٢) جَرِيرٌ، عَنْ حَبِيبٍ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي
عَمْرَةَ- عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: ((السَّكَرُ خَمْرٌ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((جرير)): هو ابن عبد الحميد. والحديث مقطوع
صحيح أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٥٥٨٠- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٣) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: ((السَّكَرُ حَرَامٌ، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ حَلَالٌ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((سفيان)): هو الثوريّ. و((أبو حصين))- بفتح الحاء،
وكسر الصاد المهملتين -: هو عثمان بن عاصم الأسديّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ سنّ، وربّما
دلّس [٤].
والحديث مقطوع صحيح أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٢٠ - (ذِكْرُ أَنْوَاعِ الأَشْيَاءِ الَّتِي كَانَتْ
مِنْهَا الْخَمْرُ حِينَ نَزَلَ تَحِرِيمُهَا)
١ ٥٥٨- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَيَانَ،
(١) وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٣) وفي نسخة: ((أخبرنا)).

١٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ
الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: ((أَّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ : مِنَ
الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرٍ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (يعقوب بن إبراهيم) الدَّوْرقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠]٢٢/٢١.
٢- (ابن عليّة) إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/
١٩ .
٣- (أبو حيان) يحيى بن سعيد بن حيّان التيميّ الكوفيّ، ثقة عابد [٦] ١/ ٣٦٨١.
٤- (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣]
٦٦ /٨٢ .
٥- (ابن عمر) رضي اللَّه تعالى عنهما١٢/ ١٢.
٦- (عمر) بن الخطّاب رضي اللَّه تعالى عنه ٧٥/٦٠. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه هو أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية
صحابيّ، عن صحابيّ، ورواية الابن عن أبيه، وفيه أحد المكثرين السبعة، وأحد
العبادلة الأربعة، ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وأبوه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة
المبشرين بالجنّة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قال
في ((الفتح)) ١٦٩/١١ -: هذا الحديث أورده أصحاب المسانيد، والأبواب، في
الأحاديث المرفوعة؛ لأن له عندهم حكم الرفع؛ لأنه خبر صحابي، شهد التنزيل،
أخبر عن سبب نزولها، وقد خطب به عمر تَظ على المنبر بحضرة كبار الصحابة
وغيرهم، فلم يُنقل عن أحد منهم إنكاره، وأراد عمر بنزول تحريم الخمر الآية
المذكورة، في أول ((كتاب الأشربة))، وهي آية المائدة: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَ اْخَغُرُ
وَالْمَيْسِيرُ﴾ إلى آخرها [المائدة: ٩٠]، فأراد عمر رَّه التنبيه على أن المراد بالخمر في
هذه الآية، ليس خاصا بالمتخذ من العنب، بل يتناول المتخذ من غيرها، ويوافقه
حديث أنس رَّ الماضي، فإنه يدل على أن الصحابة فهموا من تحريم الخمر، تحريم