Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ ١۔ (بابُ تحریم الْخَمْر) - حدیث رقم ٥٥٤٢ وقال طَرَفَةُ : وَهُمْ أَيْسَأُرِ لُقْمَانَ إِذَا أَغْلَتِ الشَّتْوَةُ أَبْدَاءَ الْجُزُّرُ وكان من تَطَوَّع بنحرها ممدوحا عندهم، قال الشاعر: وَنَاجِيَةٍ نَحَرْتُ لِقَوْم صِدْقٍ وَمَا نَادَيْتُ أَيْسَارَ الْجُزُرْ (١) (وَالْأَنْصَابُ) بفتح الهمزة: جمع نُصُب بضمتين: وهو حجر نُصِبَ، وعُيد من دون اللَّه، وقيل: التُّصُب جمع، واحدها نِصَابٌ، قيل: هي الأصنام، وقيل: غيرها، فإن الأصنام مصوّرةٌ منقوشةٌ، والأنصاب بخلافها. قاله الفيّوميّ. وقال في ((اللسان)): قال الجوهريّ: النَّصْب- أي بفتح، فسكون -: ما نُصب، فعُبد من دون الله تعالى، وكذلك النُّصب بالضمّ، وقد يُحرّك، مثلُ عسر، قال الأعشى: فَاعْبُدَا وَاللهَ وَذَا النَّصُبَّ الْمَنْصُوبَ لَا تَتْسُكَنَّهُ لِعَافِيَةٍ ویُروی عجُزُه: وَلَاتَعْبُدِ الشَّيْطَانَ وَاللَّهَ فَاعْبُدَا وقال القرطبيّ في ((تفسيره)) ٥٧/٦: قال ابن فارس: النصب حجر كان يُنصب، فيعبد، وتُصَبّ عليه دماء الذبائح، وهو النَّصْب- بالفتح - أيضا، والنصائب حجارة تنصب حوالى شفير البئر، فتُجعل عضائدَ، وغُبار منتصبٌ: مرتفع، وقيل: النُّصُب جمع واحده نِصاب، كحمار وحُمُر، وقيل: هو اسم مفرد، والجمع أنصاب، وكانت ثلاثمائة وستين حجرا، وقال مجاهد: هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها. قال ابن جريج: كانت العرب تذبح بمكة، وتنضح بالدم ما أقبل من البيت، ويشرحون اللحم، ويضعونه على الحجارة، فلما جاء الإسلام قال المسلمون للنبي وَلّى: نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال، فكأنه عليه الصلاة والسلام لم يكره ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اَللَّهَ لُمُهَا وَلَ دِمَآؤُهَا﴾ [الحجّ: ٣٧]، ونزلت: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]. (وَالْأَزْلَامُ) هي: قداح الميسر، واحدهما زَلَمْ، وزُلَم، قال: بَاتَ يُقَاسِيهَا غُلَامٌ كَالزَّلَمْ وقال آخر، فجمع: فَلَئِنْ جَذِيمَةُ قَتَّلَتْ سَرَوَتِهَا فَنِسَاؤُهَا يَضْرِبْنَ بِالأَزْلَامِ (١) راجع تفسير القرطبيّ ((الجامع لأحكام القرآن)) ٥٢/٣-٥٣. ١٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ وذكر محمد بن جرير، أن ابن وكيع حدثهم، عن أبيه، عن شَرِيك، عن أبي حَصِين، عن سعيد بن جبير: أن الأزلام حَصّى بِيضٌ، كانوا يضربون بها. قال محمد بن جرير: قال لنا: سفيان بن وكيع: هي الشّطرنج، فأما قول لبيد: تَزِلُ عَنِ الثَّرَى أَزْلَامُهَا فقال: أراد أظلاف البقرة الوحشية، والأزلام للعرب ثلاثة أنواع: [منها]: الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه، على أحدها: افْعَلْ، وعلى الثاني: لا تفعل، والثالث مهمل، لا شيء عليه، فيجعلها في خريطة معه، فإذا أراد فعل شيء، أدخل يده وهي متشابهة، فإذا خرج أحدها ائتمر، وانتهى بحسب ما يخرج له، وإن خرج القدح الذي لا شيء عليه أعاد الضرب، وهذه هي التي ضرب بها سراقة بن مالك بن جُعشُم، حين اتبع النبي وَ له وأبا بكر، وقت الهجرة، وإنما قيل لهذا الفعل: استقسام لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق، وما يريدون، كما يقال: الاستسقاء في الاستدعاء للسقي، ونظير هذا الذي حرمه الله تعالى قول المنجم: لاتخرج من أجل نجم كذا، واخرج من أجل نجم كذا، وقال جل وعز: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَحْكْسِبُ غَدًا﴾ الآية [لقمان: ٣٤]. [والنوع الثاني]: سبعة قداح، كانت عند هُبَل في جوف الكعبة، مكتوب عليها ما يدور بين الناس من النوازل، كل قدح منها فيه العقل، من أمر الديات، وفي آخر ((منكم))، وفي آخر ((من غيركم))، وفي آخر ((مُلصَق)»، وفي سائرها أحكام المياه، وغير ذلك، وهي التي ضرب بها عبدالمطلب على بنيه، إذ كان نذر نحر أحدهم، إذا كملوا عشرة، الخبر المشهور، ذكره ابن اسحق، وهذه السبعة أيضا كانت عند كل كاهن، من كهان العرب، وحكامهم، على نحو ما كانت في الكعبة عند هُبَل. [والنوع الثالث]: هو قداح الميسر، وهي عشرة: سبعة منها فيها حُظُوظ، وثلاثة أغفال، وكانوا يضربون بها مُقامرة لهوا ولعبا، وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين، الْمُعدِم في زمن الشتاء، وكَلَب البرد، وتعذر التحرف. وقال مجاهد: الأزلام هي كعاب فارس والروم، التي يتقامرون بها. وقال سفيان، ووكيع: هي الشطرنج، فالاستقسام بهذا كله هو طلب القَسْم والنصيب، كما بينا، وهو من أكل المال بالباطل، وهو حرام، وكل مقامرة بحَمَام، أو بنرد، أو شطرنج، أو بغير ذلك من هذه الألعاب، فهو استقسام بما هو في معنى الأزلام، حرام كله، وهو ضرب من التكهن، والتعرض لدعوى علم الغيب. قال ابن خويز منداد: ولهذا نهى أصحابنا عن الأمور التي يفعلها المنجمون على الطرقات، من السهام التي معهم، ورقاع الفأل في أشباه ذلك. ١٠٣ = ١۔ (بابُ تحريم الخمر) - حديث رقم ٥٥٤٢ وقال إِلْكِيا الطبري: وإنما نهى اللَّه عنها فيما يتعلق بأمور الغيب، فإنه لا تدري نفس ماذا يصيبها غدا، فليس للأزلام في تعريف المغيبات أثر، فاستنبط بعض الجاهلين من هذا الرد على الشافعي، في الإقراع بين المماليك في العتق، ولم يعلم هذا الجاهل أن الذي قاله الشافعي بُنِي على الأخبار الصحيحة، وليس مما يعترض عليه بالنهي عن الإستقسام بالأزلام، فإن العتق حكم شرعي، يجوز أن يَجعَل الشرع خروج القرعة عَلَمًا على إثبات حكم العتق؛ قطعا للخصومة، أو لمصلحة يراها، ولا يساوي ذلك قول القائل: إذا فعلت كذا، أو قلت كذا، فذلك يدلك في المستقبل على أمر من الأمور، فلا يجوز أن يجعل خروج القداح عَلَمًا على شيء يتجدد في المستقبل، ويجوز أن يُجعَل خروج القرعة عَلَمًا على العتق؛ قطعا، فظهر افتراق البابين. [تنبيه]: وليس من هذا الباب طلب الفَأْلِ، وكان عليه الصلاة والسلام يُعجبه أن يسمع ياراشد، يا نجيح، أخرجه الترمذي، وقال: حديث صحيح غريب، وإنما كان يعجبه الفأل لأنه تنشرح له النفس، وتستبشر بقضاء الحاجة، وبلوغ الأمل، فيحسن الظن بالله عز وجل، وقد قال: ((أنا عند ظن عبدي بي))، وكان عليه السلام: يَكرَه الطيرة؛ لأنها من أعمال أهل الشرك، ولأنها تجلب ظن السوء بالله عز وجل، قال الخطابي: الفرق بين الفأل والطيرة: أن الفأل إنما هو من طريق حسن الظن بالله، والطيرة إنما هي من طريق الاتكال على شيء سواه. وقال الأصمعي: سألت ابن عون عن الفأل؟ فقال: هو أن یکون مریضا، فیسمع یاسالم، أو یکون باغیا، فیسمع ياواجد، وهذا معنى حديث الترمذي، وفي ((صحيح مسلم))، عن أبي هريرة ◌َظّه قال: سمعت النبي وَّ يقول: ((لاطيرة، وخيرها الفأل))، قيل: يا رسول اللّه، وما الفأل؟ قال: ((الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم)). ﴿يَجْسُ﴾ قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما في هذه الآية: ((رجس)): سخط، وقد يقال للنَّْن والعَذِرة والأقذار: رجس، والرجز بالزاي: العذاب لا غير، والركس: العذرة لا غير، والرجس يقال للأمرين. ذكره القرطبيّ. ﴿مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾ أي بحمله عليه، وتزيينه، وقيل: هو الذي كان عمل مباديء هذه الأمور بنفسه، حتى اقتُدي به فيها. (فَاجْتَنِبُوهُ) قال النسفيّ: الضمير يرجع إلى الرجس، أو إلى عمل الشيطان، أو إلى المذكور، أو إلى المضاف المحذوف، كأنه قيل: إما تعاطي الخمر، والميسر، ولذا قال: ﴿رِجْسُ﴾. وقال القرطبيّ: قوله تعالى: ﴿فَأَجْتِبُوهُ﴾. يريد: أَبْعِدوه، واجعلوه ناحيةً، فأمر الله تعالى باجتناب هذه الأمور، واقترنت بصيغة الأمر، مع نصوص الأحاديث، وإجماع ١٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ الأمة، فحصل الاجتناب في جهة التحريم، فبهذا حرمت الخمر، ولا خلاف بين علماء المسلمين، أن سورة المائدة نزلت بتحريم الخمر، وهي مدنية من آخر مانزل، وورد التحريم في الميتة، والدم، ولحم الخنزير في قوله تعالى: ﴿قل لا أجد﴾، وغيرها من الآي خبرًا، وفي الخمر نهيا وزجرًا، وهو أقوى التحريم، وأوكده، رَوَی ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، قال: لما نزل تحريم الخمر، مَشَى أصحاب رسول اللَّه وَيتِ، بعضهم إلى بعض، وقالوا حُرِّمت الخمر، وجُعلت عِدلا للشرك- يعني أنه قرنها بالذبح للأنصاب، وذلك شرك، ثم علق الفلاح بالأمر، فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ دلالةً على تأكيد الوجوب. قاله القرطبيّ. وقال النسفيّ: أكّد تحريم الخمر، والميسر من وجوه: حيث صدّر الجملة بـ((إنما))، وقرنهما بعبادة الأصنام، وجعلهما رجسًا من عمل الشيطان، ولا يأتي منه إلا الشرّ البحت، وأمر بالاجتناب، وجعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحًا، كان الارتكاب خسارة. انتهى ((تفسير النسفيّ)) ٣٠٠/١. ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِى الْخَيْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أعلم اللَّه تعالى عباده أن الشيطان، إنما يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بيننا، بسبب الخمر وغيره، فحذّرنا منها، ونهانا عنها. رُوي أن قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر، وانتشوا، فعبث بعضهم ببعض، فلما صحوا رأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فجعل بعضهم يقول: لو كان أخي بي رحيما ما فعل بي هذا، فحدثت بينهم الضغائن، فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءُ﴾ الآية. ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةَ﴾ يقول: إذا سكرتم لم تذكروا اللَّه، ولم تصلوا، وإن صليتم خلط عليكم كما فعل بعلي رَّه، ورُوي بعبد الرحمن، وقال عبيد الله بن عمر: سئل القاسم بن محمد، عن الشطرنج، أهي ميسر، وعن النرد أهو ميسر؟ فقال: كل ما صد عن ذكر اللَّه، وعن الصلاة فهو ميسر. قال أبو عبيد: تأوّل قوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ﴾. وقال النسفيّ رحمه الله تعالى: ذكر الله تعالى ما يتولّد منهما من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر، والقمر، وما يؤذيان إليه من الصدّ عن ذكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلاة من بين الذكر لزيادة درجتها، كأنه قال، وعن الصلاة خصوصًا، وإنما جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أوّلًا، ثم أفردهما آخرًا؛ لأن الخطاب مع المؤمنين، وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر، وذكر الأنصاب والألزام لتأكيد تحريم الخمر والميسر وإظهار أن ذلك جميعًا من ۔۔ ١۔ (بابُ تحریم الخمر) - حدیث رقم ٥٥٤٢ ١٠٥ = أعمال أهل الشرك، فكأنه لا مباينة بين عابد الصنم، وشارب الخمر والمقامر، ثم أفردهما بالذكر ليعلم أنهما المقصود بالذكر. انتهى ((تفسير النسفيّ)) ٣٠٠/١-٣٠١. (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) قال النسفيّ: من أبلغ ما يُنهى به، كأنه قيل: قد تُلي عليكم ما فيها من أنواع الصوارف، والزواجر، فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون، أم أنتم على ما كنتم عليه، كأن لم توعظوا، ولم تزجروا. انتهى ((تفسير النسفيّ)) ٣٠١/١. وقال القرطبيّ: لَمّا عَلِم عمر رضي الله عنه أن هذا وعيد شديد زائد على معنى: ((انتهوا))، قال: انتهينا، وأمر النبي ◌َليه مناديه أن ينادي في سكك المدينة: ((ألا إنّ الخمر قد حُرِّمت))، فكُسِرت الدِّنَانُ، وأريقت الخمر، حتى جرت في سكك المدينة. انتهى ((تفسير القرطبيّ)) ٦/ ٢٩٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذه الآيتين الكريمتين : (المسألة الأولى): كان تحريم الخمر بتدريج، ونوازل كثيرة، فإنهم كانوا مُولعين بشربها، وأول ما نزل في شأنها: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩]: أي في تجارتهم فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس، وقالوا نأخذ منفعتها، ونترك إثمها، فنزلت هذه الآية: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ الآية [النساء: ٤٣]: فتركها بعض الناس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة، حتى نزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزُْ رِجْسُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، فصارت حراما عليهم، حتى صار يقول بعضهم: ما حرم الله شيئا أشد من الخمر، وقال أبو ميسرة: نزلت بسبب عمر بن الخطاب، فإنه ذكر للنبي وَلّ عيوب الخمر، وما ينزل بالناس من أجلها، ودعا اللَّه في تحريمها، وقال: اللَّهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت هذه الآيات، فقال عمر: انتهينا انتهينا. وروى أبو داود، عن ابن عباس، قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]، ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ قُلْ فِيهِمَاْ إِنْمُ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] نسختها التي في المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَرُ وَالْمَيْسِرُ وَاْأَنْصَابُ﴾ [المائدة: ٩٠]، وفي ((صحيح مسلم)) عن سعد ابن أبي وقاص أنه قال: نزلت فيّ آيات من القرآن، وفيه قال: وأَتيت على نفر من الأنصار، فقالوا: تعال، نطعمك، ونسقيك خمرًا، وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حَشّ والْحَشّ - البستان، فإذا رأس جَزُور مشوي عندهم، وزِقّ من خمر، قال: فأكلت، وشربت معهم، قال: = ١٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت المهاجرون خير من الأنصار، قال: فأخذ رجل لَخي جمل فضربني به، فجرح أنفي، وفي رواية: ففزره، وكان أنف سعد مفزورا، فأتيت رسول اللّه وَ له، فأخبرته، فأنزل الله تعالى فِيَّ - يعني نفسه - شأن الخمر: ﴿إِنَّمَا اْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]. ذكره القرطبيّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): هذه الأحاديث تدل على أن شرب الخمر، كان إذ ذاك مباحا، معمولا به معروفا عندهم، بحيث لا ينكر، ولا يغير، وأن النبي ◌َّ أقرهم عليه، وهذا ما لا خلاف فيه، تدل عليه آية النساء: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]، على ما تقدم، وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يُسكر؟، حديث حمزة رَّ ظاهر فيه حين بقر خواصر ناقتي علي رضي الله عنهما، وجَبّ أسنمتهما، فأخبر علي بذلك النبي وَالر، فجاء إلى حمزة، فصدر عن حمزة للنبي وَّ من القول الجافي المخالف لما يجب عليه من احترام النبي ◌َّته، وتوقيره وتعزيره، ما يدل على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر، ولذلك قال الراوي: فعرف رسول اللَّه وَليل أنه ثَمِلٌ، ثم إن النبي وََّ لم ينكر على حمزة، ولا عَنّفَه، لا في حال سكره، ولا بعد ذلك، بل رجع لما قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي، على عقيبيه القهقرَى، وخرج عنه، كما هو في ((الصحیحین))، وغيرهما. وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه، فإنهم قالوا: إن السكر حرام في كل شريعة؛ لأن الشرائع مصالح العباد، لا مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه، فيجب المنع من كل ما يُذهبه، أو يشوشه، إلا أنه يُحمّل حديث حمزة على أنه لم يقصد بشربه السكر، لكنه أسرع فيه فغلبه. والله أعلم. قاله أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): قال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى أيضًا: فَهِمَ الجمهور من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرجس عليها، والأمر باجتنابها الحكم بنجاستها، وخالفهم في ذلك ربيعة، والليث بن سعد، والمزني صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من البغداديين، والقرويين، فرأوا أنها طاهرة، وأن المحرم إنما هو شربها، وقد استدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طريق المدينة، قال: ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، ولَنَهَى رسول اللَّه وَلَّى عنه، كما نَّى عن التخلي في الطرق. [والجواب]: أن الصحابة فعلت ذلك؛ لأنه لم يكن لهم سُرُوب، ولا آبار یریقونها ١٠٧ E ١۔ (بابُ تحریم الخمر) - حدیث رقم ٥٥٤٢ فيها، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كُنُّف في بيوتهم، وقالت عائشة رضي الله عنها: إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت، ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور، وأيضا فإنه يمكن التحرز منها، فإن طرق المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهرًا يعم الطريق كلها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة، يمكن التحرز عنها، وهذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة؛ ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا يُنتفع بها، وتتابع الناس، وتوافقوا على ذلك. والله أعلم. [فإن قيل]: التنجيس حكم شرعي، ولا نص فيه، ولا يلزم من كون الشيء محرما أن يكون نجسا، فكم من محرم في الشرع ليس بنجس. [قلنا]: قوله تعالى: ﴿رِجْشُ﴾ يدل على نجاستها، فإن الرجس في اللسان النجاسة، ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصا، لتعطلت الشريعة، فإن النصوص فيها قليلة، فأيّ نص يوجد على تنجيس البول، والعذرة، والدم والميتة، وغير ذلك، وإنما هي الظواهر، والعمومات والأقيسة. انتهى كلام القرطبيّ. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: فيما قاله القرطبيّ نظر لا يخفى، إذ استدلاله بقوله: ﴿رِجْسُ﴾ غير صحيح؛ لأنه يلزمه أن تكون الأنصاب، والأزلام أيضًا نجسًا، ولا قائل به، وأيضًا قوله: ((لا يوجد نصّ على تنجيس البول الخ))، غير صحيح، فقد ثبتت نجاسة البول، والغائط، والميتة بنصوص كثيرة، كحديث: ((استنزهوا من البول:، وحديث: ((أيما إهاب دُبغ، فقد طهر))، وأمره وَليل المستحاضة بغسل الدم، وغير ذلك، مما لا يخفى على من يتتبع النصوص. والحاصل أن القول بنجاسة الخمر محلّ نظر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قوله تعالى: ﴿فَأَجْتِبُوهُ﴾ يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا يُنتَفَع معه بوجه من الوجوه، لا بشرب، ولا بيع، ولا تخليل، ولا مداواة، ولا غير ذلك، وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة في الباب، رَوَى مسلم، عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: أن رجلا أهدى لرسول اللّه ◌َ ليل راوية خمر، فقال له رسول اللّه وَلّر: ((هل علمت أن اللَّه حرمها؟)) قال: لا، قال: فسارّ رجلا، فقال له رسول اللَّه وَله: ((بم ساررته؟)) قال: أمرته ببيعها، فقال: ((إن الذي حرم شربها، حرم بيعها))، قال: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها، فهذا حديث يدل على ما ذكرناه، إذ لو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة، لبينه رسول اللَّه ◌َلتر، كما قال في الشاة الميتة: ((هلا أخذتم إهابها، ١٠٨ == شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ فدبغتموه، فانتفعتم به ... )) الحديث. [تنبيه]: إنما أهدى هذا الرجل الراوية لأنه لم يبلغه الناسخ، وكان متمسكا بالإباحة المتقدمة، فكان ذلك دليلا على أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ، كما يقوله بعض الأصوليين، بل ببلوغه، كما دل عليه هذا الحديث، وهو الصحيح؛ لأن النبي ◌َّ لم يوبخه، بل بين له الحكم، ولأنه مخاطب بالعمل بالأول، بحيث لو تركه عصى بلا خلاف، وإن كان الناسخ قد حصل في الوجود، وذلك كما وقع لأهل قباء، إذ كانوا يصلون إلى بيت المقدس، إلى أن أتاهم الآتي، فأخبرهم بالناسخ، فمالوا نحو الكعبة. أفاده في ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢٨٩/٦ وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخمر لا يجوز تخليلها لأحد، ولو أجاز تخليلها، ما كان رسول اللّه عليه ليدع الرجل أن يفتح المزادة، حتى يذهب ما فيها؛ لأن الخل مال، وقد نهى عن إضاعة المال، ولا يقول أحد فيمن أراق خمرا على مسلم، أنه أتلف له مالا، وقد أراق عثمان بن أبي العاص خمرا ليتيم، واستؤذن وَّر في تخليلها، فقال: لا، ونهى عن ذلك، ذهب إلى هذا طائفة من العلماء، من أهل الحديث والرأي، وإليه مال سحنون بن سعيد. وقال آخرون: لا بأس بتخليل الخمر، ولا بأس بأكل ما تخلل منها بمعالجة آدمي، أو غيرها، وهو قول الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، والكوفيين. وقال أبو حنيفة: إن طُرح فيها المسك، والملح، فصارت مُرَبَّى، وتحولت عن حال الخمر جاز، وخالفه محمد بن الحسن في المربى، وقال: لا تعالج الخمر بغير تحويلها إلى الخل وحده. قال أبو عمر بن عبد البرّ: احتج العراقيون في تخليل الخمر بأبي الدرداء، وهو ما يُروَى عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء من وجه ليس بالقوي، أنه كان يأكل المربى منه، ويقول: دبغته الشمس والملح، وخالفه عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص في تخليل الخمر، وليس في رأي أحد حجة مع السنة، وبالله التوفيق. وقد يحتمل أن يكون المنع من تخليلها، كان في بدء الإسلام عند نزول تحريمها؛ لئلا يستدام حبسها لقرب العهد بشربها، إرادة لقطع العادة في ذلك، وإذا كان كذلك لم يكن في النهي عن تخليلها حينئذ، والأمر بإراقتها ما يمنع من أكلها إذا خللت. ورَوَى أشهب عن مالك قال: إذا خلل النصراني خمرا فلا بأس بأكله، وكذلك إن خللها مسلم، واستغفر الله، وهذه الرواية ذكرها ابن عبد الحكم في كتابه، والصحيح ما قاله مالك في رواية ابن القاسم، وابن وهب أنه لا يحل لمسلم أن يعالج الخمر حتى يجعلها خلا، ١٠٩ = ١- (بابُ تحريم الخمر) - حديث رقم ٥٥٤٢ ولا یبیعھا، ولکن لیھرڤھا. ولم يختلف قول مالك وأصحابه، أن الخمر إذا تخللت بذاتها، أن أكل ذلك الخل حلال، وهو قول عمر بن الخطاب، وقبيصة، وابن شهاب، وربيعة، وأحد قولي الشافعي، وهو تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابه. انتهى ((الجامع لأحكام القرآن)) ٦/ ٢٩٠ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): هذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنرد، والشطرنج قمارا، أو غير قمار؛ لأن الله تعالى لما حرم الخمر أخبر بالمعنى الذي فيها، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ إِنََّا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِيرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ اُلْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ﴾ الآية [المائدة: ٩١]، فكل لهو دعا قليله إلى كثير، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه، وصَدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة فهو كشرب الخمر، وأوجب أن يكون حراما مثله. [فإن قيل]: إن شرب الخمر يورث السكر، فلا يقدر معه على الصلاة، وليس في اللعب بالنرد والشطرنج هذا المعنى. [قيل له]: قد جمع اللَّه تعالى بين الخمر والميسر في التحريم، ووصفهما جميعا بأنهما يوقعان العداوة والبغضاء بين الناس، ويصدان عن ذكر اللَّه، وعن الصلاة، ومعلوم أن الخمر إن أسكرت، فالميسر لا يسكر، ثم لم يكن عند الله افتراقهما في ذلك يمنع من التسوية بينهما في التحريم؛ لأجل ما اشتركا فيه من المعاني، وأيضا فإن قليل الخمر لا يسكر، كما أن اللعب بالنرد والشطرنج لا يسكر، ثم كان حراما مثل الكثير، فلا ينكر أن يكون اللعب بالنرد والشطرنج حراما مثل الخمر، وإن كان لا يسكر، وأيضا فإن ابتداء اللعب يورث الغفلة، فتقوم تلك الغفلة المستولية على القلب مكان السكر، فإن كانت الخمر إنما حرمت لأنها تسكر، فتصد بالإسكار عن الصلاة، فليحرم اللعب بالنرد والشرنج؛ لأنه يغفل ويلهي، فيصد بذلك عن الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥٤٢- (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ السُّنِّيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي بَنْتِهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (١) الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَحْمَدُ بَنُ شُعَيْبِ النَّسَائِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا(٢) أَبُو دَاوُدَ، قَالَ، حَدَّثَنَا غُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا(٣) إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحَرِيمُ الْخَمْرِ، قَالَ (١) وفي نسخة: ((أنبأنا)). (٢) وفي نسخة: ((أنبأنا)). (٣) وفي نسخة: ((أنبأنا)». ١١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ عُمَرُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ، فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ عُمَّرُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًّا، فَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ اُلْضَلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]، فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ِ، إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ، نَادَى ((لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى))، فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًّا، فَنَزَلَتِ الْآَيَّةُ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ، فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَ: ﴿فَهَلْ أَنْثُم ◌َُّهُونَ﴾، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: انْتَهَيْنَا انْتَهَیْنَا). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القائل: أخبرنا أبو بكر الخ هو تلميذ ابن السنّيّ، وهو أحمد بن الحسين الكسّار؛ لأنه المعروف برواية ((المجتبى)) عنه. و((أبو بكر أحمد ابن محمد ابن السنّيّ)) هو صاحب ((عمل اليوم والليلة))، وغيره، توفّي سنة (٣٦٤هـ) وتقدّمت ترجمته في مقدمة هذا الشرح. ورجال هذا الإسناد: ستة: ١- (أبو داود) سليمان بن سيف الْحَرّانيّ الثقة الحافظ [١١] ١٣٦/١٠٣. ٢- (عُبيد الله بن موسى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقة [٩] ١٣٢٦/٧٢. ٣- (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة [٧] ٧٥٪ ١٠٠٦ . ٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة عابد، اختلط في آخره [٣] ٤٢/٣٨. ٥- (أبو ميسرة) عمرو بن شُرَخبيل الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة عابد مخضرم [٢] ١٨٠/ ٢٨٥ . ٦ - (عمر) بن الخطّاب بن نُفيل العدويّ الخليفة الراشد رضي اللَّه تعالى عنه ٦٠/ ٧٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير شيخه، فحرّانيّ. (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جدّه، وهو إسرائيل، عن أبي إسحاق، وهو من أثبت الناس فيه. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنة، وهو الملقّب بالفاروق رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين. والله تعالى أعلم. ١١١ = ١- (بابُ تحريم الخمر) - حديث رقم ٥٥٤٢ شرح الحديث (عَنْ عُمَرَ) بن الخطّاب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أنه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحَرِيمُ الْخَمْرِ) قال السنديّ رحمه الله تعالى: أي لَمّا قرب نزوله، أو لَمّا أراد الله أن ينزله، وفّق عمر رَّه لطلبه حتى أنزله بالتدريج المذكور في الحديث، فالتحريم إنما حصل بآية المائدة، ودعاء عمر كان قبل ذلك، فلا بدّ من تأويل ظاهر الحديث بما ذكرنا، والمراد بآية البقرة قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمُ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩]، والمراد بالإثم- والله تعالى أعلم - الضرر، كما يدلّ عليه مقابلته بالمنافع، ولذلك ما فهم الصحابة منها الحرمة. وأما قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوةَ﴾ الآية، فلعل المراد نهي من له معرفة من السكرى في الجملة، أو المراد به النهي عن مباشرة أسباب السكر عند قرب الصلاة، لا نهي السكران؛ لأنه لا يفهم، فكيف يُنهَى. انتهى ((شرح السنديّ)» ٢٨٦/٨ (قَالَ عُمَرُ) رَيُّ (اللَّهُمَّ بَيْنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا) أي بيانًا واضحًا لا لبس فيه، ولا عذر لأحد بعده، ولفظ الترمذيّ: ((بيان شفاء)) بالإضافة (فَنَزَلَتِ الْآَيَّةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ) زاد في رواية أبي داود، والترمذيّ: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُّلْ فِيهِمَا إِثَمُّ كَبِيرٌ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩] (فَدُعِيَ عُمَرُ) ◌َّه (فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ) الآية المذكورة (فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًّا، فَنَزَلَتِ الْآَيَّةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾﴾ [النساء: ٤٣] (فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ) أي مؤذّنه (إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ، نَادَى، لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) ولفظ أبي داود: ((أَلا لا يقربنّ الصلاة سكران)) (فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًّا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ) زاد في رواية الترمذيّ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَاُلْبَغْضَآءَ فىِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ﴾ إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْثُم ◌ُنَهُونَ﴾ (فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَ) أي القارىء إلى قراءة قوله (﴿فَهَلْ أَنْثُم مَُّهُونَ﴾، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا) أي كَفَفْنا عن إتيانهما، أو عن طلب البيان الشافي. قال الطيبيّ رحمه اللّه تعالى: فنزلت هذه الآية، يعني قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَّرُ وَاَلْمَيْسِيرُ﴾ الآيتين، وفيهما دلائل سعبة على تحريم الخمر: [أحدها]: قوله: ﴿رِجْسُ﴾ والرجس هو النجس، وكلّ نجس حرام. [والثاني]: قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾، وما هو من عمله حرام. [والثالث]: قوله: ﴿فَأَحْتِبُوهُ﴾، وما أمر الله تعالى باجتنابه، فهو حرام. [والرابع]: قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وما علق رجاء الفلاح باجتنابه، فالإتيان به حرام. [والخامس]: قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْتَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسٍِ﴾، وما هو سبب وقوع العداوة والبغضاء بين المسلمين، فهو = ١١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ حرام. [والسادس]: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةَ﴾، وما يصدّ به الشيطان عن ذكر اللَّه، وعن الصلاة، فهو حرام. [والسابع]: قوله: ﴿فَهَلْ أَنْثُم مُّنَْهُونَ﴾ معناه انتهوا، وما أمر الله عباده بالانتهاء عنه، فالإتيان به حرام. انتهى منقولًا من ((عون المعبود)) ١٠/ ٧٧ وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر رضي الله تعالى عنه هذا صحيحٌ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٥٤٢/١ - وفي ((الكبرى)) ٥٠٤٩/١. وأخرجه (د) في ((الأشربة)) ٣٦٧٠ (ت) في ((تفسير القرآن)) ٣٠٤٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم الخمر. (ومنها): الحكمة البالغة للشارع الحكيم، حيث إنه درّجهم في تحريمه على مراحل؛ لئلا يفاجئوا بما يشقّ عليهم التخلّص منه سريعًا. (ومنها): موافقة عمر رَّه لربه في نزول هذه الآيات، وله رَّه موافقات أخرى، وقد نظم تلك الموافقات الحافظ السيوطيّ رحمه اللّه تعالى، كما هو مذكور في ((الحاوي للفتاوي)) ٣٧٧/١-٣٧٨، حيث قال: بسم الله الرحمن الرحيم الْحَمْدُ لِلّهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيْهِ الَّذِي اجْتَبَاهُ عَنِ الَّذِي وَافَقَ فِيهِ عُمَرُ يَا سَائِي وَالْحَادِثَاتُ تَكْثُرُ مَوَافِقًا لِرَأْيِهِ الصَّوَابِ وَمَا يُرَى أُنْزِلَ فِي الْكِتَابِ مَنْظُومَةٍ تَأْمَنُ مِنْ شَتَاتٍ خُذْ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ فِي أَبْيَاتِ وَآيَتَيْ تَظَاهُرٍ وَسَتْرٍ فَفِي الْمَقَامِ وَأُسَارَى بَذْرِ وَآَيَتَيْنِ أَنْزِلَا فِي الْخَمْرِ وَذِكْرٍ جِبْرِيلَ لِأَهْلِ الْغَذْرِ وَقَوْلُهُ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ يُبَتْ وَآيَةُ الصِّيَامِ فِي حِلِّ الرَّفَثْ وَقَوْلُهُ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ إِذْ بِقَتْلٍ أَفْتَى ٢- (ذِكْرُ الشراب الذّي أفریقَ بِتخریم ... - حديث رقم ٥٥٤٣ = ١١٣ = وَلَا تُصَلّ آيَةٌ فِي التَّوْبَهْ وَآيَةٌ فِيهَا لِيَذْرِ أَوْيَهْ وَآيَةٌ فِي النُّورِ هَذَا بُتَانْ وَفِي خِتَامِ آَيَّةٍ فِي الْمُؤْمِنِينْ وَثُلَّةٌ مِنْ فِي صِفَاتِ السَّابِقِينْ وَعَدَّدُوا مِنْ ذَاكَ نَسْخَ الرَّسْمِ وَقَالَ قَوْلًا هُوَ فِي الثَّوْرَاةِ قَدْ وَفِي الأَذَانِ الذِّكْرُ لِلرَّسُولِ وَفِي الْقُرْآنِ جَاءَ بِالتَّحْقِيقِ وَآيَةٌ فِيهَا بِهَا الاسْتِثْذَانْ تَبَارَكَ اللَّهُ بِحِفْظِ الْمُثَّقِينْ وَفِي سَوَاءٌ آيَةُ الْمُنَافِقِينْ لَآيَةٍ قَدْ نَزَلَتْ فِي الرَّجْمِ نَبَّهَهُ كَعْبٌ عَلَيْهِ فَسَجَدْ رَأَيْتُهُ فِي ◌َخَبَرٍ مَوْصُولٍ مَا هُوَ مِنْ مُوَافِقِ الصُّدِّيقِ عَلَيْكُمُ أَعْظِمْ بِهِ مِنْ فَضْلٍ كَقَوْلِهِ هُوَ الَّذِي يُصَلّي لَا تَجِدُ الآيَةَ فِي الْمُخَالَلَهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَوْلَى وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْمُجَادِلَة نَظَمْتُ مَا رَأَيْتُهُ مَتْقُولًا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٢- (ذِكْرُ الشَّرَابِ الَّذِي أُهْرِيقَ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((أُهريق)) بالبناء للمفعول، والهاء ساكنة، ويجوز فتحها، وأصل هذه الكلمة ((أُريق))؛ لأنها من أراق يُرِيق إرقةً، قال الفيّوميّ رحمه اللَّه تعالى: راق الماء والدمُ وغيره رَيْقًا، من باب باع: انصبّ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبه، والفاعل مُرِيقٌ، والمفعول مُرَاقٌ، وتُبدل الهمزة هاء، فيقال: هَرَاقه، والأصل: هَرْيقه، وزانُ دَخْرَجه، ولهذا تُفتح الهاء من المضارع، فيقال: يَّرِيقه، كما تُفتَح الدال من يُدحرجه، وتُفتح من الفاعل والمفعول أيضًا، فيقال: مُهَرِيق، ومُهَراقٌ، قال امرؤ القيس [من الطويل]: ١١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ فَهَلْ عِنْدَ رَسْمَ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ والأمرُ حَرِقْ ماءك، والأصل هَرْيِقْ، وزانُ دَخْرِجْ، وقد يُجمع بين الهاء والهمزة، فيقال: أهراقه يُرِيقه ساكن الهاء؛ تشبيهًا له بأسطاع يُسطِيع كأن الهمزة زيدت عِوَضًا عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خُماسيّا. انتهى. وقد تقدّم هذا البحث في أوائل هذا الشرح، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٥٤٣- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ - عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ أَخَبَرَهُمْ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ عَلَى الْحَيِّ، وَأَنَا أَضْغَرُهُمْ مِنَّا، عَلَى عُمُومَتِي، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالُ: إِنَّا قَدْ حُرْمَتِ الْخَمْرُ، وَأَنَا قَائِمٌ عَلَيْهِمْ، أَسْقِيهِمْ مِنْ فَضِيخِ لَهُمْ، فَقَالُوا: اكْفَأْهَا، فَكَفَأْتَهَا، فَقُلْتُ لِأَنَسِ: مَا هُوَ؟ قَالَ: الْبُسْرُ وَالثَّمْرُ، قَالَ أَبُو بَّكْرِ بْنُ أَنَسٍ: كَانَتْ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ، فَلَمْ يُتْكِّزْ أَسْ). رجال هذا الإسناد: أربعة : ١- (سُويد بن نصر) أبو الفضل المروزيّ الملقّب بالشاه، راوية ابن المبارك، ثقة [١٠] ٥٥/٤٥ . ٢- (عبد الله) بن المبارك الحنظليّ، أبو عبد الرحمن المروزيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ٣٦/٣٢ . ٣- (سليمان) بن طرخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابد [٤] ١٠٧/٨٧. ٤- (أنس بن مالك) أبو حمزة الصحابيّ الخادم الشهير رَظمفيه ٦/٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (٢٦٦) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو والترمذيّ. (ومنها): أن فيه أنسًا رَّه أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة *، مات سنة (٩٢) (٩٣) وقد جاوز المائة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن طرخان (الَّيْمِيِّ) نسبة إلى بني تيم، وليس هو منهم، وإنما نزل فيهم، فنسب إليهم (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ) رَّهِ (أَخْبَرَهُمْ) أي أخبر سليمان، ومن معه ٢- (ذِكْرُ الشَّرَاب الذِّي أُهْرِيقَ بِتَخريم ... - حديث رقم ٥٥٤٣ ١١٥ (قَالَ: بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ عَلَى الْحَيَّ) أي القبيلة، جمعه أحياء، والمراد جماعة من قبيلته (وَأَنَا أَضْغَرُهُمْ سِنَّا، عَلَى عُمُومَتِي) بدل من ((الحيّ))، و((العمومة)) بالضمّ: كما في ((القاموس)) يكون مصدرًا، ويكون جمع عمّ، والثاني هو المراد هنا، وسمّاهم عمومته؛ لأنه أصغر سنًا منهم، كما بيّنه هو، ولأن أكثرهم من الأنصار، كما سيأتي بيانه. وفي الرواية التالية: ((قال: كنت أسقي أبا طلحة، وأبيّ بن كعب، وأبا دُجانة، في رهط من الأنصار))، وفي رواية للبخاريّ: ((كنت أسقي أبا عبيدة، وأبا طلحة، وأبيّ بن كعب)). ٠ قال في ((الفتح)) ١٥٨/١١: قوله: ((كنت أسقي أبا عبيدة)): هو ابن الجرّاح، وأبا طلحة هو زيد بن سهل، زوج أم سُليم، أم أنس، وأبي بن كعب، كذا اقتصر في هذه الرواية على هؤلاء الثلاثة، فأما أبو طلحة: فلكون القصة كانت في منزله، كما عند البخاريّ في ((التفسير))، من طريق ثابت، عن أنس: «كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة))، وأما أبو عبيدة: فلأن النبي ◌َّ﴿ آخى بينه وبين أبي طلحة، كما أخرجه مسلم من وجه آخر، عن أنس تَّه، وأما أبي بن كعب: فكان كبير الأنصار، وعالمهم. ووقع في رواية عبد العزيز بن صهيب، عن أنس تَظّ ، عند البخاريّ في ((تفسير المائدة)): إني لقائم أسقي أبا طلحة، وفلانا، وفلانا))، كذا وقع بالإبهام، وسَمَّى في رواية مسلم منهم أبا أيوب، وعند البخاريّ من رواية هشام، عن قتادة، عن أنس وَمَّهِ: ((إني كنت لأسقي أبا طلحة، وأبا دجانة، وسهيل بن بيضاء))، وأبو دجانة -بضم الدال المهملة، وتخفيف الجيم، وبعد الألف نون -: اسمه سماك بن خَرَشَة - بمعجمتين، بينهما راء مفتوحات- ولمسلم من طريق سعيد، عن قتادة نحوه، وسَمَّى فيهم معاذ بن جبل، ولأحمد عن يحيى القطان، عن حميد، عن أنس: ((كنت أسقي أبا عبيدة، وأبي بن كعب، وسهيل بن بيضاء، ونفرا من الصحابة، عند أبي طلحة))، ووقع عند عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت، وقتادة، وغيرهما، عن أنس: أن القوم كانوا أحد عشر رجلًا. قال الحافظ تَّثُ: وقد حصل من الطرق التي أوردتها تسمية سبعة منهم، وأبهمهم في رواية سليمان التيمي، عن أنس، وهي في هذا الباب، ولفظه («كنت قائما على الحي، أسقيهم عمومتي))، وقوله: ((عمومتي)) في موضع خفض على البدل من قوله: (الحي))، وأطلق عليهم عمومته؛ لأنهم كانوا أسن منه، ولأن أكثرهم من الأنصار. ومن المستغربات ما أورده ابن مردويه في ((تفسيره)) من طريق عيسى بن طهمان، عن أنس: أن أبا بكر وعمر كانا فيهم، قال الحافظ: وهو منكر، مع نظافة سنده، وما أظنه إلا غلطًا، وقد أخرج أبو نعيم في ((الحلية)) في ترجمة شعبة، من حديث عائشة، قالت: ١١٦ === شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَْرِبَةِ ((حَرّم أبو بكر الخمر على نفسه، فلم يشربها في جاهلية، ولا إسلام))، ويحتمل إن كان محفوظا أن يكون أبو بكر وعمر زارا أبا طلحة في ذلك اليوم، ولم يشربا معهم، قال: ثم وجدت عند البزار من وجه آخر، عن أنس، قال: ((كنت ساقي القوم، وكان في القوم رجل يقال له: أبو بكر، فلما شرب قال: تحيي بالسلامة أم بكر الأبيات، فدخل علينا رجل من المسلمين، فقال: قد نزل تحريم الخمر ... )) الحديث، وأبو بكر هذا، يقال له: ابن شغوب، فظن بعضهم أنه أبو بكر الصديق، وليس كذلك، لكن قرينة ذکر عمر تدل على عدم الغلط في وصف الصديق، فحصلنا تسمية عشرة، قال: وقد قدمت في غزوة بدر من المغازي، ترجمة أبي بكر بن شغوب المذكور، وفي ((كتاب مكة)) للفاكهي من طريق مرسل، ما يشيد ذلك. انتهى ((فتح)) ١٥٨/١١- ١٥٩. (إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ حُرْمَتِ الْخَمْرُ) وفي الرواية التالية: ((فدخل علينا رجل))، وفي رواية للبخاريّ: ((فجاءهم آت)). قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ووقع في رواية حميد، عن أنس، عند أحمد بعد قوله: ((أسقيهم، حتى كاد الشراب يأخذ فيهم))، ولابن مردويه: ((حتى أسرعت فيهم))، ولابن أبي عاصم: ((حتى مالت رءوسهم، فدخل داخل))، وعند البخاريّ في ((المظالم)) من طريق ثابت، عن أنس: ((فأمر رسول اللَّه ◌َ لهر، مناديا، فنادى))، ولمسلم من هذا الوجه، فإذا مناد ينادي: ((أن الخمر قد حرمت))، وله من رواية سعيد، عن قتادة، عن أنس نحوه، وزاد: ((فقال أبو طلحة: اخرج، فأنظر ما هذا الصوت))، وللبخاريّ في ((التفسير)) من طريق عبد العزيز ابن صهيب، عن أنس، بلفظ: ((إذ جاء رجل، فقال: هل بلغكم الخبر، قالوا: وما ذاك؟ قال: قد حرمت الخمر)). وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو المنادي، ويحتمل أن يكون غيره، سمع المنادي، فدخل إليهم، فأخبرهم. وقد أخرج بن مردويه، من طريق بكر بن عبد الله، عن أنس: قال: لما حُرّمت الخمر، وحلف عليّ أناس من أصحابي، وهي بين أيديهم، فضربتها برجلي، وقلت نزل تحريم الخمر))، فيحتمل أن يكون أنس خرج، فاستخبر الرجل، لكن أخرجه من وجه آخر: أن الرجل قام على الباب، فذكر لهم تحريمها، ومن وجه آخر: ((أتانا فلان من عند نبينا وَ لَّر، فقال: ((قد حرمت الخمر، قلنا: ما تقول؟، فقال سمعته من النبي (وَالر الساعةَ، ومن عنده أتيتكم)). (وَأَنَا قَائِمٌ عَلَيْهِمْ) أي على عموته (أَسْقِيهِمْ) يحتمل أن يكون بفتح الهمزة، مضارع سقى ثلاثيّا، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ويحتمل أن يكون بضمها، مضارع أسقى رباعيّا، كما قوله تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًا﴾ الآية [الجنّ: ١٦] (مِنْ فَضِيخٍ لَهُمْ) ١١٧ ٢- (ذِكْرُ الشَّرَاب الذِّي أُهْرِيقَ بِتَخريم ... - حديث رقم ٥٥٤٣ وفي رواية البخاريّ: ((من فَضيخ زَهْو وتمر)): أما الفَضِيخ: فهو -بفاء وضاد، معجمتين، وِزان عظيم -: اسم للبُسْر إذا شُدِخَ(١)، ونُبِذٍ، وأما الزَّهْوُ- فبفتح الزاي، وسكون الهاء، بعدها واو -: وهو البسر الذي يَحمَرّ، أو يَصْفَرُّ قبل أن يترطب، وقد يُطلق الفضيخ على خليط البسر والرطب، كما يُطلق على خليط البسر والتمر، كما في الرواية التالية، وكما يطلق على البسر وحده، وعلى التمر وحده، كما في رواية عند البخاريّ، وعند أحمد من طريق قتادة، عن أنس: ((وما خمرهم يومئذ إلا البسر والتمر، مخلوطين))، ووقع عند مسلم من طريق قتادة، عن أنس: ((أسقيهم من مزادة فيها خليط بسر وتمر)) . (فَقَالُوا: اكْفَأْهَا) بوصل الهمزة، من كفأ، من باب نفع: أي اقلب وعاها، ويقال: أكفأ بالهمز أيضاً قال في ((القاموس)): كفأه، كمنعه: صرفه، وكبه، وقلبَهُ، كأكفأه، واكتفأه. انتهى (فَكَفَأْتُها) أي قلبتها. وفي رواية للبخاريّ: ((فقال أبو طلحة: قم يا أنس، فهرقها))- بفتح الهاء، وكسر الراء، وسكون القاف- والأصل: أرِقها، فأبدلت الهمزة هاء، وكذا قوله: ((فهرقتها))، وقد تستعمل هذه الكلمة بالهمزة والهاء معا، وهو نادر، وقد تقدم بسطه في ((الطهارة))، ووقع في رواية ثابت، عن أنس عند البخاريّ في ((التفسير)) بلفظ: ((فأرقها))، ومن رواية عبد العزيز بن صهيب، فقالوا: ((أرق هذه القلال، يا أنس))، وهو محمول على أن المخاطب له بذلك أبو طلحة، ورضي الباقون بذلك، فنسب الأمر بالإراقة إليهم جميعا، ووقع في ((باب إجازة خبر الواحد)) من البخاريّ من رواية أخرى، عن مالك في هذا الحديث: ((قم إلى هذه الجرار، فاکسرها، قال أنس: فقمت إلى مِهْراس لنا، فضربتها بأسفله، حتى انكسرت))، وهذا لا ينافي الروايات الأخرى، بل يجمع بأنه أراقها، وكسر أوانيها، أو أراق بعضا، وكسر بعضا. وقد ذكر ابن عبد البر إن إسحاق بن أبي طلحة تفرد عن أنس بذكر الكسر، وأن ثابتا وعبد العزيز بن صهيب وحميدا وعدّ جماعة من الثقات، رووا الحديث بتمامه، عن أنس، منهم من طوّله، ومنهم من اختصره، فلم يذكروا إلا إراقتها. و((المهراس))- بكسر الميم، وسكون الهاء، وآخره مهملة- إناء يُتَّخذ من صخر، وینقر، وقد يكون كبيرا كالحوض، وقد يكون صغيرا بحيث يتأتى الكسر به، وكأنه لم يحضره ما يكسر به غيره، أو كسر بآلة المهراس التي يُدَقّ بها فيه كالهاون، فأطلق اسمه عليها مجازا. (١) أي ◌ُسر. = ١١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ ووقع في رواية حميد، عن أنس، عند أحمد: ((فوالله ما قالوا حتى ننظر ونسأل))، وفي رواية عبد العزيز بن صهيب، عند البخاريّ في ((التفسير)) فوالله ما سألوا عنها، ولا راجعوها بعد خبر الرجل))، ووقع عنده في ((المظالم)) فجرت في سِكَكِ المدينة)»: أي طرقها . وفيه إشارة إلى توارد من كانت عنده من المسلمين على إراقتها، حتى جَرَت في الأَزِقَّة من كثرتها . قال القرطبي رحمه الله تعالى: تمسك بهذه الزيادة بعض من قال: إن الخمر المتخذة من غير العنب ليست نجسة؛ لأنه وَ ل ◌َّى عن التخلي في الطرق، فلو كانت نجسة ما أقرهم على إراقتها في الطرقات، حتى تجري. [والجواب]: أن القصد بالإراقة كان لإشاعة تحريمها، فإذا اشتهر ذلك، كان أبلغ، فتُحتمل أخف المفسدتين لحصول المصلحة العظيمة الحاصلة من الاشتهار، ويحتمل أنها إنما أريقت في الطرق المنحدرة بحيث تنصب إلى الأسربة والحشوش، أو الأودية، فتستهلك فيها، ويؤيده ما أخرجه ابن مردويه، من حديث جابر بسند جيد، في قصة صب الخمر، قال: ((فانصبت حتى استنقعت في بطن الوادي))، والتمسك بعموم الأمر باجتنابها كاف في القول بنجاستها. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بنجاسة الخمر محل نظر، وقد تقدّم قريبًا هذا البحث، فلا تغفل. والله تعالى أعلم. (فَقُلْتُ لِأَنَسٍ) القائل هو سليمان التيمي (مَا هُوَ؟) وفي رواية البخاريّ: ((ما شرابهم؟)) (قَالَ) أي أنس رَّهِ (الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ) أي كان شرابهم مخلوطًا من البسر والتمر، وفي رواية البخاريّ: قال: ((رُطبِ وبسر))، و((الْبُسْر)) بضم، فسكون -: قال ابن فارس: البسر من كلّ شيءٍ: الْغَضّ، ونباتْ بُسْرٌ: أي طَرِيّ. انتهى ((المصباح)). وقال في ((القاموس)): البسر: التمر قبل إرطابه، والبُسْرة واحدتها، وتضمّ السين. انتهى. (قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ) بن مالك الأنصاريّ، ثقة من [٤] من رجال مسلم، والمصنّف، وأبي داود في ((المراسيل)) (كَانَتْ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ) بنصبٍ ((خمرهم)) خبرًا لـ((كان))، واسمها ضمير يعود إلى ما ذُكر من البسر والتمر (فَلَمْ يُنْكِزْ أَنَسٌ) المعنى: أن أبا بكر بن أنس كان حاضرا عند أنس تَظّه لَمّا حدثهم، فكأن أنسا حينئذ لم يحدثهم بهذه الزيادة، إما نسينا، وإما اختصارًا، فذكّره بها ابنه أبو بكر، فأقره عليها، وقد ثبت تحديث أنس تصوّه بها كما سيأتي، إن شاء الله تعالى. زاد في رواية البخاريّ: ((وحدّثني بعض أصحابي أنه سمع أنس بن مالك يقول: کانت خَمْرهم يومئذ)). ١١٩ == ٢- (ذِكْرُ الشَّرَاب الذَّي أُهْرِيقَ بِتَخْریم ... - حديث رقم ٥٥٤٣ قال في ((الفتح)) ١٥٨/١١: والقائل ((وحدثني)) هو سليمان التيمى أيضا، وهو موصول بالسند المذكور، وقد أفرد مسلم هذه الطريق، عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: حدثني بعض من كان معي، أنه سمع أنسا يقول: ((كان خمرهم يومئذ))، فيحتمل أن يكون أنس حدث بها حينئذ، فلم يسمعه سليمان، أو حدث بها في مجلس آخر، فحفضها عنه الرجل الذي حدث بها سليمان، وهذا المبهم يحتمل أن يكون هو قتادة، فقد أخرجه البخاريّ أيضًا من طريقه، عن أنس، بلفظ: ((وإنا نَعُدّها يومئذ الخمر)). ويحتمل أن يكون هو بكر بن عبد اللَّه المزني، فقد أخرج البخاريّ من طريق سعيد ابن عُبيد اللَّه، عن بكر بن عبد اللَّه المزنيّ، أن أنس بن مالك حدّثهم ((أن الخمر حُرّمت، والخمر يومئذ البسر والتمر)). وأخرجه الإسماعيلى من طريق رَوْح بن عُبادة، عن سعيد بن عبيد اللّه بهذا السند مطولا، ولفظه: ((عن أنس: نزل تحريم الخمر، فدخلت على أناس من أصحابي، وهي بين أيديهم، فضربتها برجلي، فقلت: انطلقوا فقد نزل تحريم الخمر، وشرابهم يومئذ البسر والتمر))، وهذا الفعل من أنس رضي كأنه بعد أن خرج، فسمع النداء بتحريم الخمر، فرجع فأخبرهم. ووقع عند ابن أبي عاصم، من وجه آخر، عن أنس: ((فأراقوا الشراب، وتوضأ بعض، واغتسل بعض، وأصابوا من طيب أم سليم، وأتوا النبي ◌َّه، فإذا هو يقرأ: ﴿إِنََّ الْخَتُرُ وَالْمَيْسِيرُ﴾ الآية. ذكره في ((الفتح)) ١٦٠/١١-١٦١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٥٤٣/٢ و٥٥٤٤ و٥٥٤٥ - وفي ((الكبرى)) ٥٠٥٠/٢ و٥٠٥١ و٥٠٥٢ . وأخرجه (خ) في ((المظالم والغصب)) ٢٤٦٤ و((التفسير)» ٤٦١٧ و٤٦٢٠ و ((الأشربة)) ٥٥٨٠ و٥٥٨٢ و٥٥٨٤ و٥٦٠٠ و٥٦٢٢ و((أخبار الآحاد)» ٧٢٥٣ (م) في الأضاحي)) ١٩٧٧ و١٩٨٠ و١٩٨١ (د) في ((الأشربة)) ٣٦٧٣ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٢٤٥٨ و١٢٤٧٧ و١٣٥٦١ و١٢٨٦٢ و١٢٩٦٣ (الموطأ) في («الأشربة» ١٥٩٩ (الدارمي) في ((الأشربة)) ١٩٩٧ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ (منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان الشراب الذي أهريق، بسبب تحريم الخمر، وهو ما كان من البسر والتمر. (ومنها): أن هذا الحديث من أقوى الحجج على أن الخمر اسم جنس لكل ما يُسكر، سواء كان من العنب، أو من نقيع الزبيب، أو التمر، أو العسل، أو غيرهما، وأما دعوى بعضهم: أن الخمر حقيقة في ماء العنب، مجاز في غيره، فإن سُلُّم في اللغة، لزم من قال به جواز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، والكوفيون لا يقولون بذلك. انتهى. وأما من حيث الشرع، فالخمر حقيقة في الجميع؛ لثبوت حديث: ((كُلُّ مسكر خمر))، فمن زعم بأنه جمع بين الحقيقة والمجاز في هذا اللفظ، لزم أن يجيزه، وهذا ما لا انفكاك لهم عنه. (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن شرب الخمر كان مباحا، لا إلى نهاية، ثم حرمت، وقيل: كان المباح الشرب، لا السكر المزيل للعقل، وحكاه أبو نصر بن القشيري في (تفسيره)) عن القفال، ونازعه فيه، وبالغ النووي في ((شرح مسلم))، فقال: ما يقوله بعض من لا تحصيل عنده: إن السكر لم يزل محرما باطل، لا أصل له، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ شُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فإن مقتضاه وجود السكر، حتى يصل إلى الحد المذكور، ونهوا عن الصلاة في تلك الحالة، لا في غيرها، فدل على أن ذلك كان واقعا، ويؤيده قصة حمزة، والشارفين كما بُيّن في محلّه، وعلى هذا، فهل كانت مباحة بالأصل، أو بالشرع، ثم نسخت، فيه قولان للعلماء: والراجح الأول. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن المتخذ من غير العنب، يسمى خمرًا، وسيأتي البحث في ذلك قريبًا في باب ((إثبات اسم الخمر لكلّ مسكر من الأشربة))، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن السَّكَر المتخذ من غير العنب، يحرم شرب قليله كما يحرم شرب القليل من المتخذ من العنب، إذا أسكر كثيره؛ لأن الصحابة * فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم ما يُتخذ للسكر من جميع الأنواع، ولم يستفصلوا، وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وخالف في ذلك الحنفية، ومن قال بقولهم من الكوفيين، فقالوا: يحرم المتخذ من العنب، قليلا كان أو كثيرا، إلا إذا طُبخ على تفصيل سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى، فإنه يَحِلُّ، وقد انعقد الإجماع على أن القليل من الخمر، المتخذ من العنب يحرم قليله وكثيره، وعلى أن العلة في تحريم قليله كونه يدعو إلى تناول كثيره، فيلزم ذلك من فرق في الحكم بين المتخذ من العنب وبين المتخذ من غيرها، فقال في المتخذ من العنب: يحرم القليل منه والكثير، إلا إذا طُبخ كما سيأتي بيانه، وفي المتخذ من غيرها لا يحرم منه إلا القدر الذي يُسْكِر، وما دونه لا