Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ ٤٦- (الاستعاذةُ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) - حديث رقم ٥٥٠٦ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((إسماعيل)): هو ابن جعفر الأنصاريّ المدنيّ القارىء. وقوله: ((فكنت أسمعه يكثر أن يقول)»: استُدلّ به على أن هذه الصيغة لا تدلّ على الدوام، ولا الإكثار، وإلا لما كان لقوله: ((يكثر)) فائدة، وتُعقّب بأن المراد بالدوام أعمّ من الفعل والقوّة. قال الحافظ: ويظهر لي أن الحاصل أنه لم يعرف لذلك مزيلًا، ويفيد قوله: ((يكثر)) وقوع ذلك من فعله كثيراً. انتهى ((فتح)) ٤٦٥/١٢. وتمام شرح الحديث تقدّم. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في٧/ ٥٤٤٩ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٤٦- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه تنبيهان: (الأول): في اشتقاق الدجال ومعناه، وما يتعلّق بذلك: (الدجّال)): فَعّال- بفتح أوله والتشديد- من الدجل، وهو التغطية، وسمي الكذاب دجالا؛ لأنه يغطي الحق بباطله، ويقال: دَجَلَ البعيرَ بالقطران إذا غطاه، والاناء بالذهب إذا طلاه. وقال ثعلب: الدجال المموه، سيف مدجل إذا طُلي. وقال ابن دريد: سمي دجالا؛ لأنه يغطي الحق بالكذب، وقيل: لضربه نواحي الأرض، يقال: دجل مخففا ومشددا: إذا فعل ذلك. وقيل: بل قيل ذلك: لأنه يغطي الأرض، فرجع إلى الأول. وقال القرطبي في ((التذكرة)): اختلف في تسميته دجالا على عشرة أقوال، ومما يحتاج إليه في أمر الدجال أصله، وهل هو ابن صياد أو غيره، وعلى الثاني فهل كان موجودا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا؟ ومتى يخرج؟ وما سبب خروجه؟ ومن أين يخرج؟ وما صفته؟ وما الذي يدعيه؟ وما الذي يظهر عند خروجه من الخوارق، حتى تكثر أتباعه؟ ومتى يهلك؟ ومن يقتله؟: [فأما الأول]: فجاء في ((كتاب الاعتصام)) من ((صحيح البخاريّ)) في شرح حديث جابر ◌َّه أنه كان يحلف أن ابن صياد هو الدجال. ٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِعَاذَةِ [وأما الثاني]: فمقتضى حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداري، الذي أخرجه مسلم أنه كان موجودا في العهد النبوي، وأنه محبوس في بعض الجزائر. [وأما الثالث]: ففي حديث النواس تنظّه عند مسلم أنه يخرج عند فتح المسلمين القسطنطينية. وأما سبب خروجه، فأخرج مسلم في حديث ابن عمر عن حفصة أنه يخرج من غضبة يغضبها. وأما من أين يخرج؟ فمن قبل المشرق جزما، ثم جاء في رواية أنه يخرج من خُراسان، أخرج ذلك أحمد، والحاكم من حديث أبي بكر دَّه. وفي أخرى أنه يخرج من أصبهان، أخرجها مسلم. وأما صفته فمذكورة في أحاديث، كحديث ابن عمر، مرفوعاً: ((رجل جسيم، أحمر، جعد الرأس، أعور العين، كأنها عنبة طافية))، وغير ذلك مما جاء في ((الصحيحين))، وغيرهما. وأما الذي يدعيه، فإنه يخرج أولا، فيدّعي الإيمان والصلاح، ثم يدعي النبوة، ثم يدعى الإلهية، كما أخرج الطبراني من طريق سليمان بن شهاب، قال: نزل عليّ عبد الله بن المعتمر، وكان صحابيا، فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((الدجال ليس به خفاء، يجيء من قبل المشرق، فيدعو إلى الدين، فيُتَّبَع ويظهر، فلا يزال حتى يقدم الكوفة، فيظهر الدين، ويعمل به فيتبع، ويحث على ذلك، ثم يدّعي أنه نبي، فيفزع من ذلك كل ذي لب ويفارقه، فيمكث بعد ذلك، فيقول: أنا الله، فتُغشى عينه، وتقطع أذنه، ويُكتب بين عينيه كافر، فلا يخفى على كل مسلم، فيفارقه كل أحد من الخلق في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان))، وسنده ضعيف. (التنبيه الثاني): اشتهر السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن، مع ما ذكر عنه من الشر، وعظم الفتنة به، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة منه حتى في الصلاة. [وأجيب]: بأجوبة : [أحدها]: أنه ذُكر في قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِمَتُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، فقد أخرج الترمذي، وصححه عن أبي هريرة رفعه: ((ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها. [الثاني]: قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى بن مريم في قوله تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتٌِ﴾ [النساء: ١٥٩]، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلِسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١]، وصح أنه الذي يقتل الدجال، فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر، ولكونه يلقب المسيح كعيسى، لكن الدجال مسيح الضلالة، وعيسى مسيح الهدى . ٦٣ ٤٦-(الاستعاذةُ مِن فتنة الدَّجَّالِ) - حديث رقم ٥٥٠٦ [الثالث]: أنه ترك ذكره احتقارا، وتُعُقّب بذكر يأجوج ومأجوج، وليست الفتنة بهم بدون الفتنة بالدجال، والذي قبله، وتعقب بأن السؤال باق، وهو ما الحكمة في ترك التنصيص عليه؟ وأجاب الامام البلقيني بأنه اعتبر كل من ذُكر في القرآن من المفسدين، فوجد كل من ذكر إنما هم ممن مضى، وانقضى أمره، وأما من لم يجىء بعدُ، فلم يذكر منهم أحدا. انتهى. وهذا يُنتقض بيأجوج ومأجوج. وقد وقع في تفسير البغوي أن الدجال مذكور في القرآن، في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وأن المراد بالناس هنا الدجال، من إطلاق الكل على البعض، وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة، فيكون من جملة ما تكفل النبي صلى الله عليه وسلم ببيانه والعلم عند الله تعالى. وأما ما يظهر على يده من الخوارق، فقد ذكر في أحاديث كثيرة، كحديث حذيفة مرفوعًا: ((إن معه ماء، وناراً، فناره ماء بارد، وماؤه نار)). رواه البخاريّ، وغير ذلك. وعند الحاكم من طريق قتادة، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أَسيد رفعه: ((إنه يخرج -يعني الدجال -في نقص من الدنيا، وخفة من الدين، وسوء ذات بين، فيرد كل مَنْهَل، وتُطوى له الأرض ... الحديث، وأخرج نعيم بن حماد في ((كتاب الفتن)) من طريق كعب الأحبار قال: يتوجه الدجال، فينزل عند باب دمشق الشرقي، ثم يُلتَمس فلا يُقدَر عليه، ثم يُرَى عند المياه التي عند نهر الكسوة، ثم يُطلب فلا يُذْرَى أين توجه؟ ثم يظهر بالمشرق، فيعطى الخلافة، ثم يظهر السحر، ثم يدعي النبوة، فتتفرق الناس عنه، فيأتي النهر فيأمره أن يسيل إليه، فيسيل ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس، ويأمر جبل طور، وجبل زيتا أن ينتطحا فينتطحان، ويأمر الريح أن تثير سحابا من البحر، فتمطر الأرض، ويخوض البحر في يوم، ثلاث خوضات، فلا يبلغ حقويه، وإحدى يديه أطول من الأخرى، فيمد الطويلة في البحر، فتبلغ قعره، فيخرج من الحيتان ما یرید». وأما متى يهلك؟ ومن يقتله؟ فإنه يهلك بعد ظهوره على الأرض كلها، إلا مكة والمدينة، ثم يقصد بيت المقدس، فينزل عيسىَّالَّله، فيقتله، أخرجه مسلم . وفي حديث هشام بن عامر تَظنّه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال))، أخرجه الحاكم. وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان بن عطية، أحد ثقات التابعين من ((الحلية)) بسند حسن صحيح إليه قال: ((لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل، وسبعة آلاف ٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِعَاذَةِ امرأة))، وهذا لا يقال من قبل الرأي، فيحتمل أن يكون مرفوعا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب. انتهى من ((الفتح)١٤/ ٦٠١-٦٠٣ بتصرّف. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٥٠٦- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَخْتِى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، قَالَ: وَقَالَ: ((إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((يحيى)): هو ابن سعيد الأنصاريّ. والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدم في ((الجنائز)) ١١٥/ ٢٠٦٥ سنداً ومتناً، ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تزدد علماً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٤٧- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ، وَشَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((المسيح))- بفتح الميم، وتخفيف المهملة المكسورة، وآخره حاء مهملة -: يطلق على الدجال، وعلى عيسى ابن مريم عليهما السلام، لكن إذا أريد الدجال قيد به، وقال أبو داود في ((السنن)): المسيح مثقل الدجال، ومخفف عيسى، والمشهور الأول، وأما ما نَقَل الفربري فى رواية المستملى وحده عنه عن خلف بن عامر، وهو الهمداني، أحد الحفاظ، أن المسيح بالتشديد والتخفيف واحد، يقال للدجال، ويقال لعيسى، وأنه لافرق بينهما، بمعنى لا اختصاص لأحدهما بأحد الأمرين، فهو رأى ثالث، وقال الجوهري: من قاله بالتخفيف؛ فلمسحه الأرض، ومن قاله بالتشديد؛ فلكونه ممسوح العين، وحكى بعضهم أنه قال بالخاء المعجمة في الدجال، ونسب قائله إلى التصحيف. واختلف في تلقيب الدجال بذلك، فقيل: لأنه ممسوح العين، وقيل: لأن أحد شقی ٦٥ ٤٧ - (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ عَذَاَب جَهَنَّمَ، وَشَرٌّ ... - حديث رقم ٥٥٠٨ وجهه خلق ممسوحا، لا عين فيه، ولا حاجب، وقيل: لأنه يمسح الأرض إذا خرج. وأما عيسى ◌َلَّثْلُ فقيل: سمي بذلك؛ لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن، وقيل: لأن زكريا مسحه، وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا بريء، وقيل: لأنه كان يمسح الأرض بسياحته، وقيل: لأن رجله كانت لا أخمص لها، وقيل: للبسه المسوح، وقيل: هو بالعبرانية ما شيخا، فعرب المسيح، وقيل: المسيح الصديق. وذكر الشيخ مجد الدين الشيرازي صاحب ((القاموس)) أنه جمع في سبب تسمية عيسى بذلك خمسين قولا، أوردها في ((شرح المشارق)). ذكره في ((الفتح)) ٢/.٥٨٤ والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٥٠٧- (أَخْبَرَنَا أَخْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزَّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمِّنِ بْنِ هُزِمُزَ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((أَحْمَدُ بْنُ حَقْصٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ)): هو أبو عليّ بن أبي عمرو النيسابوريّ، صدوق [١١]. و(«أبوه)): هو حفص بن عبد الله بن راشد، أبو عمرو النيسابوريّ قاضيها، صدوقٌ [٩]. و((إبراهيم)): هو ابن طهمان. والسند فيه ثلاثة من التابعين المدنيين يروي بعضهم عن بعض. والحديث صحيح، وهو بهذا السياق من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٤٧ /٥٥٠٧- وفي ((الكبرى)) ٧٩٤٢/٥٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥٠٨- (أَخْبَرَنَا يَحْتِى بْنُ دُرُسْتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَّاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أبو إسماعيل)): هو إبراهيم بن عبد الملك القنّاد البصريّ، صدوقٌ، في حفظه شيء[٧]. والحديث أخرجه البخاريّ، وقد تقدّم سنداً، ومتناً في ((الجنائز)) ١١٥/ ٢٠٦٠ ومضى شرحه هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِعَاذَةِ ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٤٨- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الإنْسِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قال في ((المصباح المنير)): في الشيطان قولان: [أحدهما]: أنه من شطن: إذا بعُد عن الحقّ، أو عن رحمة الله، فتكون النون أصليّة، ووزنه فيعال، وكلُّ عاتٍ متمرّد من الجنّ، والإنس، والدواب، فهو شيطان. ووصف أعرابيّ فرسه، فقال: كأنه شيطان في أشطان- أي حبال - . [والثاني]: أن الياء أصليّة، والنون زائدة عكس الأول، وهو من شاط يَشيط: إذا بطل، أو احترق، فوزنه فعلان. انتهى. وقال في «لسان العرب» ٢٣٨/١٣: الشيطان: فيعال، من شطن: إذا بعُد فيمن جعل النون أصلاً، وقولهم: الشياطين دليل على ذلك، وكلّ عاتٍ متمردٌ من الجن والإنس، والدواب شيطان، قال جرير: أَيَّامَ يَدْعُونَنِي الشَّيْطَانَ مِنْ غَزَلٍ وَهُنَّ يَهْوِيئَنِي إِذْ كُنْتُ شَيْطَانَا وتشيطن الرجل، وشيطن: إذا صار كالشيطان، وفعل فعله، قال رؤبة: شَافٍ لِيَغْي الْكَلْبِ الْمُشَيْطَنِ وقيل: الشيطان: فعلان، من شاط يشَيط: إذا هلك، واحترق، مثلُ هَيْمان، وغَيْمان، من هام، وغام، قال الأزهريّ: الأول أكثر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٥٠٩- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَشْخَاشِ، عَنْ أَبِي ذَرِّ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ، فَجِثْتُ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: (يَا أَبَا ذَرِّ تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْجِنَّ وَالْإِنْسِ)»، قُلْتُ: أَوَ لِلْإِنْسِ شَيَاطِينُ؟ قَالَ: (نَعَمْ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١]٤٢/٣٨ من أفراد المصنف. ٢ - (جعفر بْنُ عَوْنٍ) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، ٦٧ ٤٨- (الاستعاذةُ مِنْ شَرٌ شياطين الإنس) - حديث رقم ٥٥٠٩ صدوقٌ [٩]٤٠/ ٦٨٤. ٣- (عبد الرحمن بن عبد الله) بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعوديّ الكوفيّ، صدوقٌ اختلط بعد دخوله بغداد [٧]٨٤٩/٥٠. ٤-( أبو عمر) ويقال: أبو عمرو الدمشقيّ، ضعيف [٦]. رَوَى عن عُبيد بن الْحَسْحَاس، وعمر بن عبد العزيز. وعنه عبد الرحمن بن عبد الله المسعوديّ، وحسين بن علي الجُعْفي. قال الدارقطنيّ: متروك. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط . ٥- (عُبيد بن الخشخاش) - بمعجمات، وقيل: بمهملات- ليّن [٣]. روى عن أبي ذرّ رَزّ، وعنه أبو عمر الدمشقيّ. ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: روى عنه الكوفيّون. وقال البخاريّ: لم يذكر سماعاً من أبي ذرّ، وضعفه الدارقطنيّ. تفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم. ٦ - (أبو ذَرّ) جندب بن جُنادة، وقيل: غيره الصحابيّ المشهور ◌َّه، المتوفّى سنة (٣٢) في خلافة عثمان ◌َّه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي ذَرٍ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ) أي النبويّ (وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ) جملة في محل نصب على الحال (فَجِئْتُ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: ((يَا أَبَا ذَرِّ) وفي رواية أبي داود الطيالسيّ: ((فقال: يا أبا ذرّ، قلت: لبيك، قال: أصليت؟ قلت: لا، فقم، فصلّ، فصليت، ثم أتيته، فجلست إليه، فقال: يا أبا ذرّ استعذت بالله من شرّ شياطين الجنّ والإنس؟ ... )) الحديث(١) (تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) أي من شرّهما (قُلْتُ: أَوَ لِلْإِنْسِ شَيَاطِينُ؟ قَالَ) وَِّ (نَعَمْ) لهم شياطين، فكلّ متمرّد، متسلط على الناس في صدّهم عن الله تعالى، فهو شيطان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث ضعيف؛ لضعف أبي عمر، وعبيد، كما سبق آنفاً، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٥٥٠٩/٤٨ - وفي ((الكبرى)) ٧٩٤٤/٥١. وأخرجه (أحمد) في ((مسند الأنصار)) ٢١٠٣٦ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) هكذا أورده الحافظ المزي في ((تهذيب الكمال)) ٢٠٤/١٩ -. ٢٠٥ ٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِعَاذَةِ ٤٩- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ فِتْنَةِ الْمَخيَا) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((فتنة المحيا)) -كما قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى -: هو ما يَعرِض للإنسان مدة حياته، من الافتتان بالدنيا، والشهوات، والجهالات، وأعظمها -والعياذ بالله -أمر الخاتمة عند الموت. وفتنة الممات: يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك، ويجوز أن يراد بها فتنة القبر، وقد صح -يعني في حديث أسماء المتقدم في ((الجنائز)): ((إنكم تفتنون في قبوركم، مثل أو قريبا من فتنة الدجال))، ولا يكون مع هذا الوجه متكررا مع قوله: ((عذاب القبر))؛ لأن العذاب مرتب على الفتنة، والسبب غير المسبب. وقيل: أراد بفتنة المحيا الابتلاء، مع زوال الصبر، وبفتنة الممات السؤال في القبر، مع الحيرة، وهذا من العام بعد الخاص؛ لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجال داخلة تحت فتنة المحيا. وأخرج الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)» عن سفيان الثوري: أن الميت إذا سئل من ربك؟ تراءى له الشيطان، فيشير إلى نفسه أني أنا ربك، فلهذا ورد سؤال التثبت له حين يسأل، ثم أخرج بسند جيد إلى عمرو بن مرة: ((كانوا يستحبون إذا وضع الميت في القبر أن يقولوا: اللهم أعذه من الشيطان)). ذكره في ((الفتح))٥٨٤/٢ . والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٥١٠- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَمَالِكٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّيْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((عُوذُوا بِاللَّهِ مِنَ عَذَابِ الْقَبْرِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنَ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((مالك)): هو إمام دار الهجرة. و((أبو الزناد)»: هو عبد الله بن ذكوان. و((الأعرج)): هو عبد الرحمن بن هرمز. وقوله: ((عوذوا بالله)) فعل أمر من عاذ يعوذ، كقال يقول: إذا اعتصم بالله تعالى، والتجأ إليه، أي اعتصموا بالله سبحانه وتعالى من هذه الأشياء، حتى يعصكم منها. والحديث متفق عليه بنحوه، وتقدّم في ((الجنائز)) ١١٥/ ٢٠٦٠ ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو = ٦٩ ٤٩ - (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ فِتْنَةِ الْمَخيا) - حديث رقم ٥٥١٣ حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥١١- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَلْقَمَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ خَمْسٍ، يَقُولُ: ((عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عَبْدُ الرَّحمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ)»: هَو ابن سلّام -بتشديد اللام- البغداديّ، ثم الطوسيّ، لا بأس به [١١] من أفراد المصنّف، وأبي داود. و((أبو داود)): هو سليمان بن داود الطيالسيّ. و((يعلى بن عطاء)): هو الطائفيّ، ثقة [٤]. و((أبو علقمة)): هو الفارسيّ المصريّ، مولى بني هاشم، ويقال: حليف الأنصار، ثقة، وكان قاضي إفريقية، من كبار [٣]١٣٥٤٠/٩٦ وقوله: ((عوذوا بالله الخ)) بصيغة الأمر، كما سبق. والحديث صحيح، وهو بهذا السياق من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٥٥١١/٤٩ و٥٥١٢ و ٥٥١٣ - وفي ((الكبرى)) ٧٩٤٦/٥٢ و٧٩٤٧ و ٧٩٤٨. وقد أخرجه مسلم في ((كتاب الإمارة))، لكن لم يسق متنه، بل أحاله على ما سبق، وهو مختصر على طاعة الأمير فقط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥١٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا: حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ((مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَكَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابٍ جَهَنَّمَ، وَفِتْتَةِ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، وَفِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد)): هو ابن جعفر المعروف بغندر. وقوله: ((وذكر كلمة الخ)): الذاكر هو محمد بن جعفر، وحاصله أن ابن بشّارلم يتأكد من لفظ صيغة الأداء، وإنما حفظ معناه، وهو ((حدثنا شعبة الخ)). وقوله: ((وفتنة الأحياء والأموات)): هما بفتح الهمزة: جمع حيّ، وميت، أي من الفتنة التي تصيب الأحياء، والأموات. والحديث سبق الكلام فيه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥١٣ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَوِ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ يَعْلَى ٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِعَاذَةِ ابْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ، قَالَ: وَقَالَ - يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْتَةِ الْمَحْيَا، وَالْمُمَاتِ، وَفِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أبو داود)): هوَ سليمان بن سيف الحرّاني الثقة الحافظ [١١] من أفراد المصنّف. و((أبو الوليد)): هو هشام بن عبد الملك الطيالسيّ البصريّ الثقة الثبت [٩]. و((أبو عوانة)): هو الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ الثقة الثبت [٧]. و((أبو يعلى)): هو عطاء العامريّ الطائفيّ، مقبول [٣]. وقوله: ((عن أبيه)): قال المصنف رحمه الله تعالى في ((الكبرى))٤٦٢/٤ رقم ٧٩٤٧: هذا خطأ، والصواب: ((يعلى بن عطاء، عن أبي علقمة)). انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى أن رواية شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة تَظّه هي الصواب، ورواية أبي عوانة عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن أبي علقمة غلط؛ لأن شعبة أحفظ، وأثبت من أبي عوانة، ولأن يعلى صرّح بسماعه من أبي علقمة، كما في الروايتين السابقتين، وأيضاً فقد روي عن أبي عوانة ما يوافق رواية شعبة، فقد أخرجه مسلم في ((صحيحه)) من طريق أبي كامل الجحدريّ، عن أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن أبي علقمة، لكنه لم يسق متنه، بل أحاله على ما قبله، وعلى هذا فيحتمل أن يكون الخطأ من أبي الوليد، لا من أبي عوانة، ويحتمل أن يكون من أبي عوانة، فكان يضطرب فيه، فیرویه تارة بزيادة ((عن أبيه))، وتارة بدونها. وهذا الذكرناه هو النوع المسمّى في مصلح الحديث بـ ((المزيد في متّصل الأسانيد))، ويقابله ((الإرسال الخفيّ))، وإليهما أشار السيوطيّ في ((ألفية الحديث)) بقوله: بِعَدَمِ السَّمَاعِ وَاللَّقَاءِ وَيُعْرَفُ الإِرْسَالُ ذُو الْخَفَاءِ وَبِزِيَادَةٍ تَجِي وَرُبَّمَا يُقْضَى عَلَى الزَّائِدِ أَنْ قَدْ وَهِمَا سَمّاعُهُ لِذَيْنِ لَّمَّا حَمْلَا حَيْثُ قَرِيئَةٌ وَإِلَّ احْتَمَلَا وقوله: ((من فيه إلى فيّ)): أي مشافهة. والحديث صحيح، وقد سبق البحث عنه قريباً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٥١ـ (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ عَذَب القَبْر) - حديث رقم ٥٥١٦ ٧١ ٥٠- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ فِتْنَةِ الْمَمَاتِ) ٥٥١٤- (أَخْبَرَنَا قُتِبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ، كَمَا يُعَلِّمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، قُولُوا: ((اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((أبو الزبير)): هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس. وقوله: ((كما يُعَلَّم السورة الخ)): فيه تأكيد أمر هذا الدعاء، حيث إن النبيّ وَلَو كان يعتني بتعيلمه كعنايته بتعليم القرآن، فينبغي التمسّك به. والحديث أخرجه مسلم ٥٩٠، وقد تقدّم في ((الجنائز) ٢٠٦٣/١١٥ سنداً ومتناً، ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥١٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (عُوذُوا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ عَذَابٍ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ)): هو الخيّاط البزاز، أبو عبد الله المكيّ، بغداديّ الأصل، صدوقٌ، ربّما أخطأ[١٠]. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((عمرو)): هو ابن دینار. وقوله: ((عوذوا)) أمر بالاستعاذة. والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٥١- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْر) ٥٥١٦- (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ = ٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِعَاذَةِ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَدْعُو، يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: ((اللَّهَمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة حافظ. و((ابن القاسم)): هو عبد الرحمن. و((مالك)): هو إمام دار الهجرة. والحديث متفقٌ عليه، وتقدّم الكلام عليه قبل باب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٥٢- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ فِتْنِ الْقَبْرِ) ٥٥١٧- (أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِم، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ كَثِيرِ الْمُقْرِيُّ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعٌ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: («اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمُمَاتِ)). قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأْ، وَالصَّوَابُ سُلَيْمَانُ بْنُ سِنَاٍ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أبو عاصم)): هو خُشيش بن أصرم بن الأسود النسائيّ، ثقة حافظ [١١] من أفراد المصنّف، وأبي داود. و((القاسم بن كثير بن النعمان المقرىء)) الإسكندرانيّ قاضيها، ويقال: المصري أبو العباس، مولى قريش، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن أبي شريح عبد الرحمن بن شريح بن عبيد الله المعافري الإسكندراني، وأبي غسان محمد بن مطرف، وسليمان بن القاسم الزاهد، والليث بن سعد. وروى عنه محمد بن سهل بن عسكر، وخُشيش بن أصرم، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، ويزيد بن سنان البصري، وغيرهم. قال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائي: ثقة. وذكر الداني أنه كان من متصدري القراء بمصر. وقال ابن يونس: يقال: إنه من أهل العراق سكن الإسكندرية، وهو عندي من أهل مصر، وكان رجلا صالحا، توفي قريبا من سنة عشرين ومائتين. تفرد به المصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط، والترمذيّ، وله عنده حدیث سهل ٥٤- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ عَذَبِ جَهَنَّمٌ) - حديث رقم ٥٥١٩ ٧٣ = ابن حنيف في ((تمني الشهادة)). وشرح الحديث تقدم غير مرّة. وقوله: ((هذا خطأ الخ)): يعني أن كونه من رواية سليمان بن يسار غلطٌ، وإنما الصواب من رواية سليمان بن سنان، عن أبي هريرة، كما سيأتي على الصواب بعد ثلاثة أبواب، إن شاء الله تعالى. والحديث صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٥٣- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ عَذَاب اللّهِ) ٥٥١٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّنََّ، قَالَ: ((عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابٍ الْقَبْرِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجالَ الصحيح، غير شيخه، وهو الْجَوّاز المكيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و((سفيان)): هو ابن عيينة. والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٥٤- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ) ٥٥١٩- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ، يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَالْمَسِيحِ الدَّجَّالِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهَم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((أبو عامر العقّديّ)): هو عبد الملك بن عمرو القيسيّ البصريّ الثقة [٩]. (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِعَاذَةِ و ((بُديل بن ميسرة)): هو الْعُقيليّ البصريّ، ثقة [٥]. و((عبد الله بن شقيق)): هو العُقيليّ البصريّ، ثقة فيه نَصْبٌ [٣]. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٥٥- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ) ٥٥٢٠- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، عَنْ يَحْتِى، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَّ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْتَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»). قال الجَامع عفا الله تعالى عنه: ((مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ)): هو أبو عليّ الدمشقيّ، ثقة، من صغار [١٠]. و((الوليد)): هو ابن مسلم الدمشقيّ. و((أبو عمرو)): هو الأوزاعيّ. و((يحيى)): هو ابن أبي كثير. و((أبو سلمة)): هو ابن عبد الرحمن بن عوف. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٥٦- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ حَرِّ النَّارِ) ٥٥٢١- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ سُفْيَّانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ، عَنْ جَسْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَرَبَّ إِسْرَافِيلَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ حَرّ الثَّارِ، وَمِنْ ٧٥ ٥٦- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ حَرِّ النّارِ) - حديث رقم ٥٥٢١ ٠٠ عَذَابِ الْقَبْرِ))). رجال هذا الإسناد: سبعة : ١- (أَخْمَدُ بْنُ حَقْصٍ) أبو عليّ النيسابوريّ، صدوقٌ [١١] ٤٠٩/٧. ٢- (أبوه) حفص بن عبد الله، أبو عمرو السلميّ النيسابوريّ القاضي، صدوق [٩] ٤٠٩/٧ . ٣- (إِبْرَاهِيمُ) بن طهمان الخراسانيّ، نزيل مكة، ثقة يُغرب، ورمي بالإرجاء، ويقال: رجع عنه [٧] ٤٠٩/٧. ٤- (سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ) الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٧/٣٣. ٥- (أبو حسّان) أَقْلَتُ، ويقال: فُلَيت بن خليفة العامريّ، ويقال: الذهليّ، ويقال: الهذليّ الكوفيّ، صدوقٌ [٥] ٣٤٠٨/٤. ٦- (جسرة) بنت دجاجة العامريّة الكوفيّة، مقبولة [٣] ١٠١٠/٧٩، ويقال: إن لها إدراكًا . ٧- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/ ٥. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (أَنَّا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلّى: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ) فَالََّلُ، وفيه لغات: كسر الجيم والراء، وبعدها ياء ساكنة، والثانية: كذلك، إلا أن الجيم مفتوحة. والثالثة: فتح الجيم والراء، وبهمزة، بعدها ياء، يقال: هو اسم مركّب من ((جبر))، وهو العبد، و((إيل))، وهو الله تعالى، وفيه لغات غير ذلك. قاله الفيّوميّ (وَمِيكَائِيلَ) باللام، ويقال بالنون أيضًا (وَرَبَّ إِسْرَافِيلَ) بكسر الهمزة، خصّ هؤلاء الثلاثة من بين الملائكة عليهم السلام؛ لمزيد شرفهم؛ فإن جبريلَّالَّلهُ أمين الوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وميكائيلغَلَّهُ موكّل بالأرزاق، وإسرافيل فَ لَّهُ موكْل بالصور (أَعُوذُ بِكَ مِنْ حَرِّ النَّارِ) أي من عذابها (وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) أي بالحيّات، والمقامع، وغير ذلك مما أُعد لتعذيب العصاة في القبر، أعاذنا للَّه تعالى منه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . وهذا الحديث صحيح، ولا يضر كلام ابن حزم في جسرة، فإنها روى عنها جماعة، ووثقها العجليّ، وابن حبّان، وقد ردّ ابن القطّان الفاسيّ على ابن حزم، ويشهد لحديثها هذا حديث أبي هريرة رضي الذي بعده، وحديث أسامة بن عمير رَظّه أنه صلى ركعتي ٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِعَاذَةِ الفجر، وأن رسول اللَّه وَ لقوله صلى قريبًا منه ركعتين خفيفتين، ثم سمعته يقول: وهو جالس: ((اللّهم رب جبريل، وإسرافيل، وميكائيل، ومحمد بن لهول أعوذ بك من النار))، ثلاث مرّات. أخرجه الحاكم ٦٢٢/٣ وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) ١٠١، وفي إسناده مقال. وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٥٥٢١/٥٦- وفي ((الكبرى)) ٧٩٥٩/٦٠. وأخرجه (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٣٨٠٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥٢٢- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سِنَانِ الْمُزَنِيّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ وَّهِ، يَقُولُ فِي صَلَائِهِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْتَةِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ)). قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: هَذَا الصَّوَابُ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ))- بتشديد الواو -: هو أبو محمد المصريّ، ثقة [١١]. و((سليمان بن سنان)) المزنيّ، ويقال: المدنيّ المصريّ، ثقة [٣]. روى عن أبي هريرة، وابن عباس، وعبد الرحمن بن أبي هريرة. وعنه يزيد بن أبي حبيب، وجعفر بن ربيعة. قال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قال ابن يونس في ((التاريخ)): سليمان المزنيّ، يقال له: من مواليهم. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. والسند مسلسل بثقات المصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. وقوله: ((هذا الصواب)): يعني أن كونه من رواية سليمان بن سنان، عن أبي هريرة رَمّ هو الصواب، وأما كونه من رواية سليمان بن يسار عنه، فغلط، وقد سبق تحقيق ذلك قبل ثلاثة أبواب، فراجعه تستفد. والحديث أخرجه مسلم، وقد مرّ بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥٢٣- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَتِ الْجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَمَنِ اسْتَجَارَ مِنَ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنَ الثَّارِ»). ٧٧ ٥٦- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ حَرّ النّارِ) - حديث رقم ٥٥٢٣ رجال هذا الإسناد : خمسة : ١ (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١ . ٢- (أبو الأحوص) سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ، ثقة متقن [٧] ٩٦/٧٩. ٣- (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الهمداني الكوفيّ، ثقة عابد اختلط [٣] ٤٢/٣٨ . ٤- (بُريد بن أبي مريم) مالك بن ربيعة السلوليّ البصريّ، ثقة [٤] ٥٥/ ٦٢١. ٥- (أنس بن مالك) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير بُريد، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى أبي إسحاق، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أنس ◌َّه من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم بالبصرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَّهِ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّهِ: ((مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ) بأن قال: اللَّهم إني أسألك الجنة، أو قال: اللَّهم أدخلني الجنّة (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي كرّره في مجلس، أو مجالس بطريق الإلحاح؛ إذ هو من آداب الدعاء (قَالَتِ الْجَنَّةُ) أي بلسان المقال، وقد أبعد من قال: بلسان الحال (اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ) أي دخولا أوليا من غير سبق عذاب، أو لحوفًا آخريّا، والأول أقرب (وَمَنِ اسْتَجَارَ) أي طلب الجوار، أي الحفظ (مِنَّ النَّارِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ) بأن قال: اللّهم أجرني من النار (قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِزْهُ مِنَ النَّارِ) أي احفظه، أو أنقذه منها. قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: وفي وضع الجنة والنار موضع ضمير المتكلم تجريد، ونوع من الإلتفات. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس بن مالك تَّه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٥٢٣/٥٦- وفي ((الكبرى)) ٧٩٦٢/٦٠. وأخرجه (ت) في ((صفة ٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ الجنة)) ٢٥٧٢ (ق) في ((الزهد)) ٤٣٤٠ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١١٧٦٠ و١٣٠٣٠ و١٣٣٤٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٥٧- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعَ، وذِكُرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَیْدَةَ فِیهِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((من شرّ ما صنع)) ((ما)) يحتمل أن تكون مصدريّة، أو موصولة، والعائد محذوف، و((صنع)) يحتمل أن يكون مبنيّا للفاعل، وفاعله ضيمر يعود إلى الصانع، ويحتمل أن يكون مبنيّا للمفعول. وقوله: و((ذكر الاختلاف الخ)): وجه الاختلاف أن حسينًا المعلّم رواه عن عبد الله ابن بريدة، عن بُشير بن كعب، عن شدّاد بن أوس تَّ، كما في هذه الرواية، وهي رواية البخاريّ، وقد تابع حسينا على ذلك ثابت البناني، وأبو العوام، عن بريدة، ولكنهما لم يذكرا بشير بن كعب، بل قالا: عن ابن بريدة، عن شداد، أخرجه المصنّف في ((عمل اليوم والليلة)) ٤٦٥ . وخالفه الوليد بن ثعلبة الطائيّ، فراوه عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، أخرجه أبو داود في ((كتاب الأدب))، وابن ماجه في ((الدعاء))، والمصنّف في ((عمل اليوم والليلة)) ٤٦٦، وصححه ابن حبان، والحاكم، لكن لم يقع في رواية الوليد أول الحديث، قال المصنّف: حسين المعلم أثبت من الوليد بن ثعلبة، وأعلم بعبد الله بن بريدة، وحديثه أولى بالصواب. قال الحافظ: كأن الوليد سلك الجادة؛ لأن جُلَّ رواية عبد الله بن بريدة، عن أبيه، وكأن من صححه جَوّز أن يكون عن عبد الله بن بريدة على الوجهين. والله أعلم. أفاده في (الفتح)) ٣٧٧/١٢. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٥٢٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ - وَهُوَ ابْنُ زُرَيْع- قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنَ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عَنِ ٥٧- (الاستعاذةُ مِنْ شَرٌ ما صنعَ، وذكرُ ... - حديث رقم ٥٥٢٤ ٧٩ النَّبِيِّ نَّهِ، قَالَ: ((إِنَّ سَيّدَ الإِسْتِغْفَارِ، أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ، مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، وَأَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغَفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ أَنْتَ، فَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ، مُوقِنَا بِهَا، فَمَاتَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي، مُوقِنًا بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ))). رجال هذا الإسناد : ستة : ١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/٤. ٢- (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/٥. ٣- (حُسين) بن ذكوان المعلّم المكتّب الْعَوْذيّ البصريّ، ثقة ربما وَهِمَ [٦] ١٢٢/ ١٧٤ . ٤- (عبد الله بن بُريدة) بن الحصيب الأسلميّ، أبو عبد الله المروزيّ، ثقة [٣] ٣٩٣/٢٥ . ٥- (بُشير- مصغّرًا- ابن كعب) بن أبي الحِمْيريّ العدوي، ويقال: العامري، أبو أيوب البصريّ، ثقة، مخضرم، [٢]. رَوَى عن ربيعة الْجُرَشي، وشهد معه اليرموك، وشداد بن أوس، وأبي الدرداء، وأبي ذر، وأبي هريرة، وعنه ابن بريدة، وقتادة، وثابت البناني، وطلق بن حبيب، والعلاء بن زياد، وغيرهم. قال ابن المديني: معروف. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وقال: كان ثقة إن شاء الله تعالى. وقال عمرو ابن دينار: قال لي طاوس: اذهب بنا نجالس الناس، فجلسنا إلى رجل من أهل البصرة، يقال له: بُشير بن كعب العدوي، فقال طاوس: رأيتُ هذا، أَتَّى ابن عباس، فجعل يحدثه، فقال ابن عباس: كأني أسمع أبي، وهو الذي أنكر عليه ابن عباس الإرسال، وقصته في مقدمة ((صحيح مسلم))، وهو الذي قال لعمران بن حصين- لَمّا حَدّث عن النبي ◌َّر بحديث: ((الحياء خير كله))، فقال بُشَير بن كعب: إن في الحكمة مكتوبا: منه ضعف، ومنه وقار، فغضب عمران عليه، أخرج ذلك البخاري ومسلم، من حديث أبي السوار، عنهما، وخرجه مسلم من حديث أبي قتادة العدوي أيضا عنهما. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. وقال الحاكم عن الدار قطني: ثقة. وذكر ابن حبان في ((الثقات)) أن بشير بن كعب الذي شهد اليرموك آخر، غير صاحب الترجمة، قال الحافظ: وقد أوضحت ذلك في ترجمته في الصحابة. روى له البخاريّ، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٨٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ ٦ - (شداد بن أوس) بن ثابت بن المنذر بن حَرَام - بمهملتين- الأنصاري، ابن أخي حسان بن ثابت الشاعر رَّه ، صحابي جليل، نزل الشام، وكنيته أبو يعلى، واختلف في صحبة أبيه، وليس لشداد رَوّه في البخاري إلا هذا الحديث الواحد، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث: هذا، وحديث: ((اللَّهم إني أسألك الثبات في الأمر ... )) تقدّم في ((الصلاة)) ١٣٠٤/٦١ وحديث: ((إن الله كتب الإحسان على كلّ شيء ... )) ٤٤٧ كرره خمس مرّات، وقد تقدّمت ترجمته في ١١٤١/١٧٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، وعبد الله بن بريدة، وإن كان مروزيًا، إلا أنه كان من أهل البصرة، فانتقل مع أبيه إلى مرو. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ) رضي اللّه تعالى عنه (عَنِ النَِّيِّ وَِّ، قَالَ: ((إِنَّ سَيِّدَ الإِسْتِغْفَارِ) قال الطيبي رحمه الله تعالى: لما كان هذا الدعاء جامعا لمعاني التوبة كلها، استعير له اسم السيد، وهو في الأصل الرئيس الذي يُقْصَد في الحوائج، ويُرجَع اليه في الأمور. وفي رواية: ((أفضل الاستغفار)): أي الأكثر ثوابًا للمستغفر به من المستغفر بغيره. قال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: [فإن قلت]: فما الحكمة في كونه أفضل الاستغفارات؟ [قلت] هذا وأمثاله من التعبديات، والله أعلم بذلك، لكن لا شك أن فيه ذكر الله بأكمل الأوصاف، وذكر نفسه بأنقص الحالات، وهو أقصى غاية التضرع، ونهاية الاستكانة لمن لا يستحقها إلا هو، أما الأول فلما فيه من الاعتراف بوجود الصانع، وتوحيده الذي هو أصل الصفات العدمية المسماة بصفات الجلال، والاعتراف بالصفات السبعة(١) التي هي الصفات الوجودية المسماة بصفات الاكرام، وهي القدرة اللازمة من الخلق، الملزومة للارادة، والعلم، والحياة، والخامسة الكلام اللازم من الوعد، والسمع والبصر اللازمان من المغفرة، إذ المغفرة للمسموع، وللمبصر لا يتصور إلا بعد السماع والإبصار، وأما الثاني، فلما فيه أيضا من الاعتراف بالعبودية، وبالذنوب في مقابلة النعمة التي تقتضي نقيضها، وهو الشكر. انتهى. ذكره السيوطيّ (١) هذه الصفات هي التي يثبتها الأشاعرة لله سبحانه وتعالى ويؤولون ما عداها مما ثبت في الكتاب والسنة وصفه تعالى به، وقد أشبعت الرد على هذا في مواضع من هذا الشرح، فراجعه تستفد. والله الهاري إلى سواء السبيل.