Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
٣٤- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ سُوءِ الْقَضَا) - حديث رقم ٥٤٩٣
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٥٤٩٣/٣٤ و٥٤٩٤/٣٥- وفي ((الكبرى)) ٧٩٢٧/٣٥ و٧٩٢٨/٣٦.
وأخرجه (خ) في ((الدعوات)) ٦٣٤٧ و((القدر)) ٦٦١٦ (م) في ((الذكر والدعاء)) ٢٧٠٧
(أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)» ٧٣٠٨.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان استحباب الاستعاذة من
سوء القضاء. (ومنها): أن النوويّ رحمه الله تعالى قال في ((شرح مسلم)) ٣٢/١٧-٣٣
ما معناه: أن فيه استحباب الدعاء، والاستعاذة من كلّ الأشياء المذكورة في هذا
الحديث، وما في معناها، وهذا هو الصحيح الذي أجمع عليه العلماء، وأهل الفتوى في
جميع الأعصار، والأمصار، وشذت طائفة من الزهاد، وأهل العبادة إلى أن ترك الدعاء
أفضل؛ استسلامًا للقضاء، وقال آخرون منهم: إن دعا للمسلمين فحسن، وإن دعا
لنفسه فالأولى تركه، وقال آخرون منهم: إن وجد في نفسه باعثا للدعاء استُحبّ، وإلا
فلا .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال غير الأول كلها من المحدثات الباطلة،
منابذة للكتاب العزيز، وهدي النبيّ وَّر، فإنه كان يدعو، ويأمر أمته بالدعاء، ويحثّهم
عليه، ويؤكّد عليهم أحيانًا بصيغة تقتضي الوجوب، كقوله والر: ((إذا صلى أحدكم،
فليتعوّذ بالله من أربع ... )) الحديث متفق عليه، وغير ذلك، وخير الهدي هدي محمد
وَلجر، وشر الأمور محدثاتها. والله أعلم.
قال: ودليل الجمهور ظواهر القرآن والسنّة في الأمر بالدعاء، وفعله وَله، والإخبار
عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمين بفعله. انتهى.
(ومنها): أن الكلام المسجوع لا يكره، إذا صدر عن غير قصد إليه، ولا تكلف،
قاله ابن الجوزي. (ومنها): مشروعية الاستعاذة، ولا يعارض ذلك كون ما سبق في
القدر لا يرد؛ لاحتمال أن يكون مما قضي، فقد يقضى على المرء مثلا بالبلاء، ويقضي
أنه إن دعا كُشف عنه، فالقضاء محتمل للدفع، والمدفوع، وفائدة الاستعاذة والدعاء،
إظهار العبد فاقته لربه، وتضرعه إليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».

٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِعَاذَةِ
٣٥- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الدرك))- بفتحتين، وحكي سكون الثاني: اللحاق،
و((الشقاء))- بالفتح، والمدّ: الشدة: أي من لحاق الشدّة، قال السيوطي رحمه الله
تعالى: المراد بالشقاء سوء الخاتمة، نعوذ بالله تعالى منه. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب .
٥٤٩٤- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ: ((أَنَّ النَِّيَّ نَّهِ، كَانَ يَسْتَعِيذُ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ، وَدَرُّكِ الشَّقَاءِ،
وَجَهْدِ الْبَلَاءِ»).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث هو المذكور في الباب الماضي، إلا أنه
اختلف شيخا المصنف، وقد تقدّم البحث عنه مستوفّى هناك، فراجعه. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٣٦- (الاسْتِعَاذَةُ مِنَ الْجُنُونِ)
٥٤٩٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ النَّبِّ ◌َّهِ، كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ،
وَالْبَرَصِ، وَسَيِّئِ الْأَسْقَامِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن المثنّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٨٠/٦٤.
٢- (أبو داود) سليمان بن داود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [٩] ٣٤٣/١٣.
٣- (همام) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ البصريّ، ثقة ربما وهم [٧] ٤٦٥/٥.
٤- (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت يدلّس [٤] ٣٤/٣٠.
٥- (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه٦/٦ . والله تعالى أعلم.

٤٣
٣٦- (الاستعاذةُ مِنَ الجُنُونِ) - حديث رقم ٥٤٩٥
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وهم تسعة، وقد
سبق ذكرهم غير مرّة. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، وفيه أنس رَّ أحد
المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) رَُّ (أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ، كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُنُونِ) أي
زوال العقل الذي هو منشأ الخيرات العلمية، والعمليّة (وَالْجُذَامِ) بالضم بوزن غُراب:
علة تحدث من انتشار السوداء في البدن، فيفسد مزاج الأعضاء وهيئتها، وربما انتهى إلى
سقوط الأعضاء (وَالْبَرَصِ) بالتحريك: مصدر برِص، من باب فرح، وهو بياض يظهر
في ظاهر البدن، يكون من فساد المزاج (وَسَيِّئِ الْأَسْقَام) من إضافة الصفة إلى
الموصوف: أي الأسقام السيئة التي تكون سببًا لخلل في عقل الإنسان، أو بدنه،
كالسلّ، والاستسقاء، والأمراض المزمنة، فهو من ذكر العامّ بعد الخاصّ.
قال الطيبيّ: وإنما لم يتعوّذ ◌َ له من الأسقام مطلقًا؛ لأن بعضها تخفّ مؤنته، وتكثر
مثوبته عند الصبر عليها مع عدم إزمانها، كالحمّى، والصداع، والرمد. وإنما استعاذ من
السقم المزمن، فينتهي بصاحبه إلى حالة يفرّ منه الحميم، ويقلّ معها المؤانس،
والمداوي، مع ما يورث من الشين، فمنها الجنون الذي يزيل العقل، فلا يأمن صاحبه
القتل، ومنها البرص، والجذام، وهما العلتان المزمنتان، مع ما فيهما من القذارة،
والبشاعة، وتغيير الصورة، وقد اتفقوا على أنهما معديان إلى الغير. انتهى. ذكره في
((المرقاة)) ٣٢٦/٥ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لعله أراد بالاتفاق اتفاق الأطباء على أنهما جرت
العادة بالعدوى فيهما، فهو كالحديث الصحيح: ((لا يورد ممرض على مصح))، وقد
ذكرنا أقوال أهل العلم في الجمع بينه، وبين الحديث الصحيح أيضًا: ((لا عدوى))، في
غير هذا المحلّ. والله تعالى أعلم.
وقال ابن الملك رحمه الله تعالی: الحاصل أن کلّ مرض يحترز الناس من صاحبه،
ولا ينتفعون منه، ولا ينتفع هو منهم، ويعجز بسبب ذلك المرض عن حقوق اللَّه
تعالى، وحقوق عباده، يستحبّ الاستعاذة منه. انتهى. ذكره في ((المرقاة أيضًا٣٢٦/٥
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِعَاذَةِ
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس تتټ صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٤٩٥/٣٦- وفي ((الكبرى)) ٧٩٢٩/٣٧. وأخرجه (د) في الصلاة))
١٥٥٤ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٢٥٩٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).
٣٧- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ عَيْنِ الْجَانٌ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الجانّ))- بتشديد النون -: قيل: هو أبو الجنّ خُلق
من نار، ثم خلق منه نسله، وقيل: الجانّ: هو الجنّ، وهو اسم جمع كالجامل،
والباقر. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٤٩٦- (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ،
عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، يَتَعَوَّذُ مِنْ
عَيْنِ الْجَانِّ، وَعَيْنِ الْإِنْسِ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ أَخَذَ بِهِمَا، وَتَرَكَ مَا سِوَى ذَلِكَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ) بن هلال بن عمرو الباهليّ مولاهم، أبو عمرو الرقّيّ، صدوق
[١١] ١١٩٩/١٠ .
٢- (سعيد بن سليمان) الضبيّ، أبو عثمان الواسطيّ، نزيل بغداد الملقّب سعدويه،
ثقة حافظ، من كبار [١٠] ١٥/ ١٨٥٤.
٣- (عباد) بن العوّام الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقة [٨] ٣٩٠٧/٢.
٤- (الجريريّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة، اختلط قبل موته بثلاث
سنين [٥] ٣٢ / ٦٧٢ .
٥- (أبو نضرة) المنذر بن مالك بن قُطَعة العبديّ البصري، ثقة [٣] ٥٣٨/٢١.

٤٥
٣٧- (الاستعاذةُ مِنْ عَیْن الجان) - حديث رقم ٥٤٩٦
٦- (ابو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخدريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله
تعالى عنهما ٢٦٢/١٦٩ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ.
(ومنها): أن فيه أبا سعيد تَّه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ، يَتَعَوَّذُ مِنْ
عَيْنِ الْجَانٌّ، وَعَيْنِ الْإنْسِ) أي يقول: أعوذ بالله من الجان، ومن عين الإنس (فَلَمَّا
نَزَّلَتِ الْمُعَوْذَتَانِ) بكسر الواو المشدّدة، أي ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ
النَّاسِ﴾ إلى آخر السورتين، سمّيتا معوّذتين لكونها محصّنتين من تعوّذ بهما من المكروه
(أَخَذَ بِهِمَا، وَتَرَكَ مَا سِوَى ذَلِكَ) أي مما كان يتعوّذ به من الكلام، غير القرآن؛ لما
تضمّنتاه من الاستعاذة من كلّ مكروه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث أبي سعيد الخدريّ رَّ هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٧ - وفي ((الكبرى)) ٧٩٣٠/٣٨. وأخرجه (ت) في ((الطبّ)) ٢٠٥٨
(ق) في ((الطب)) ٣٥١١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة الاستعاذة من عين
الجانّ. (ومنها): كونه ◌َله يكثر الاستعاذة من كلّ مكروه. (ومنها): بيان فضل هاتين
السورتين. (ومنها): أن الجانّ يتسلّطون على بني آم بالأذيّة، فينبغي الالتجاء إلى الله عز
وجل في دفع أذاهم؛ لأنهم يسلطون من حيث لا يقدر عليه الآدميّ، كما قال عز وجل :
﴿ إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا نَوْنَهُمَّ﴾ الآية [الأعراف: ٢٧]. (ومنها): أن ضررالعين
حقّ، وإن أنكره الفلاسفة، وقد ثبت ذلك في أحاديث كثيرة، فقد أخرج الشيخان من

٤٦
E
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِعَاذَةِ
حديث أبي هريرة رَظي مرفوعًا: ((العين حقّ))، وأخرج مسلم من حديث ابن عبّاس
رضي اللَّه تعالى عنهما، مرفوعًا: ((العين حقّ، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين،
وإذا استغتلتم فاغسلوا))، وسنستوفي البحث عنه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): عقد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحیحه)) بابين مهمّین،
لهما تعلّق بهذا الباب، أحببت إيراهما مع خلاصة ما كتبه الحافظ رحمه اللّه تعالى في
شرحه؛ تكميلًا للفائدة، ونشرًا للعائدة، قال رحمه اللّه تعالى: ((باب العين حق)):
قال في ((الفتح)): قوله: ((باب العين حق)): أي الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، أو
هو من جملة ما تحقق كونه، قال المازري: أخذ الجمهور بظاهر الحديث، وأنكره
طوائف المبتدعة؛ لغير معنى؛ لأن كل شيء ليس محالا في نفسه، ولا يؤدي إلى قلب
حقيقة، ولا إفساد دليل، فهو من متجاوزات العقول، فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن
لإنكاره معنى، وهل من فرق بين إنكارهم هذا، وإنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة.
انتھی .
قال: وأخرج مسلم من حديث ابن عباس رفعه: ((العين حق، ولو كان شيء سابق
القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا)).
فأما الزيادة الأولى ففيها تأكيد وتنبيه على سرعة نفوذها، وتأثيره في الذات، وفيها
إشارة إلى الرد على من زعم من المتصوفة، أن قوله: ((العين حق)) يريد به القدر: أي
العين التي تجري منها الأحكام، فإن عين الشيء حقيقته، والمعنى أن الذي يصيب من
الضرر بالعادة عند نظر الناظر، إنما هو بقدر اللّه السابق، لا بشيء يحدثه الناظر في
المنظور، ووجه الرد أن الحديث ظاهر في المغايرة بين القدر وبين العين، وإن كنا نعتقد
أن العين من جملة المقدور، لكن ظاهره إثبات العين التي تصيب، إما بما جعل الله
تعالى فيها من ذلك، وأودعه فيها، وإما باجراء العادة بحدوث الضرر عند تحديد النظر،
وإنما جرى الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين، لا أنه يمكن أن يرد القدر شيء،
إذ القدر عبارة عن سابق علم اللّه، وهو لا راد لأمره، أشار إلى ذلك القرطبي. وحاصله
لو فرض أن شيئا له قوة، بحيث يسبق القدر لكان العين، لكنها لا تسبق، فكيف غيرها.
وقد أخرج البزار من حديث جابر تَوقّه بسند حسن، عن النبي وَّ، قال: ((أكثر من
يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالأنفس))، قال الراوي: يعني بالعين. وقال
النووي: في الحديث إثبات القدر، وصحة أمر العين، وأنها قوية الضرر.
وأما الزيادة الثانية، وهي أمر العائن بالاغتسال، عند طلب المعيون منه ذلك، ففيها

٤٧
٣٧- (الاستعاذةُ مِنْ عَیْن الجان) - حديث رقم ٥٤٩٦
إشارة إلى أن الاغتسال لذلك، كان معلوما بينهم، فأمرهم أن لا يمتنعوا منه، إذا أريد
منهم، وأدنى ما في ذلك رفع الوهم الحاصل في ذلك، وظاهر الأمر الوجوب. وحكى
المازري فيه خلافا، وصحح الوجوب، وقال: متى خشي الهلاك، وكان اغتسال العائن
مما جرت العادة بالشفاء به، فإنه يتعين، وقد تقرر أنه يجبر على بذل الطعام للمضطر،
وهذا أولى.
ولم يبين في حديث ابن عباس صفة الاغتسال، وقد وقعت في حديث سهل بن
حنيف عند أحمد، والنسائي في («الكبرى»، وصححه ابن حبان، من طريق الزهري،
عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أن أباه حدثه أن النبي ◌َّر، خرج وساروا معه نحو
ماء، حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة، اغتسل سهل بن حنيف، وكان أبيض
حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة، فقال: ما رأيت كاليوم، ولا جلد
مخبأة، فلُبِط -أي صرع وزنا ومعنى- سهل، فأتي رسول اللّه وَل، فقال: ((هل تتهمون
به من أحد؟)) قالوا: عامر بن ربيعة، فدعا عامرا، فتغيظ عليه، فقال: ((علام يقتل
أحدكم أخاه، هلا إذا رأيت ما يعجبك، بَرّكت؟)) ثم قال: ((اغتسل له، فغسل وجهه
ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم يَصُبُّ ذلك الماء عليه
رجل من خلفه على رأسه وظهره، ثم يكفأ القدح، ففعل به ذلك، فراح سهل مع الناس
ليس به بأس))، لفظ أحمد من رواية أبي أويس، عن الزهري، ولفظ النسائي، من رواية
ابن أبي ذئب، عن الزهري بهذا السند: ((أنه يصب صبةً على وجهه بيده اليمني، وكذلك
سائر أعضائه صبة صبة في القدح))، وقال في آخر: ((ثم يكفأ القدح وراءه على
الأرض)). ووقع في رواية ابن ماجه من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن أبي أمامة :
أن عامر بن ربيعة مر بسهل بن حنيف، وهو يغتسل ... فذكر الحديث، وفيه: («فليدع
بالبركة))، ثم دعا بماء فأمر عامرا أن يتوضأ، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، وركبتيه
وداخلة إزاره، وأمره أن يصب عليه، قال سفيان: قال معمر، عن الزهري: وأمر أن
يكفأ الإناء من خلفه.
قال المازري: المراد بداخلة الإزار الطرف المتدلي، الذي يلي حِقْوَهُ الأيمن، قال:
فظن بعضهم أنه كناية عن الفرج. انتهى.
وزاد عياض: أن المراد ما يلي جسده من الإزار، وقيل: أراد موضع الإزار من
الجسد. وقيل: أراد وركه؛ لأنه معقد الإزار، والحديث في ((الموطا))، وفيه: عن
مالك، حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل، أنه سمع أباه، يقول: اغتسل سهل ...
فذكر نحوه، وفيه: فنزع جبة كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر، فقال: ما رأيت كاليوم

١
٤٨
E
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِعَاذَةِ
ولا جلد عذراء، فوُعِك سهل مكانه، واشتد وعكة، وفيه: ((ألا بَرّكت، إن العين حق،
توضأ له))، فتوضأ له عامر، فراح سهل ليس به بأس.
[تنبيهات]:
(الأول): اقتصر النووي في ((الأذكار)» على قوله: الاستغسال أن يقال للعائن: اغسل
داخلة إزارك مما يلي الجلد، فإذا فعل صبه على المنظور إليه، وهذا يوهم الاقتصار
على ذلك، وهو عجيب، ولا سيما وقد نقل في ((شرح مسلم)) كلام عياض بطوله.
(الثاني): قال المازري: هذا المعنى مما لا يمكن تعليله، ومعرفة وجهه من جهة
العقل، فلا يرد؛ لكونه لا يعقل معناه. وقال ابن العربي: إن توقف فيه متشرع، قلنا له :
قل: الله ورسوله أعلم، وقد عضدته التجربة، وصدقته المعاينة، أو متفلسف، فالرد
عليه أظهر؛ لأن عنده أن الأدوية تفعل بقواها، وقد تفعل بمعنى لا يدرك، ويسمون ما
هذا سبيله الخواص. وقال ابن القيم: هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها، ولا من سَخِر
منها، ولا من شك فيها، أو فعلها مجربا غير معتقد، وإذا كان في الطبيعة خواص، لا
يعرف الأطباء عللها، بل هي عندهم خارجة عن القياس، وإنما تفعل بالخاصية، فما
الذي تنكر جهلتهم من الخواص الشرعية، هذا مع أن في المعالجة بالاغتسال مناسبة،
لا تأباها العقول الصحيحة، فهذا ترياق سم الحية، يؤخذ من لحمها، وهذا علاج
النفس الغضبية، توضع اليد على بدن الغضبان، فيسكن، فكأن أثر تلك العين كشعلة
نار، وقعت على جسد، ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة، ثم لما كانت هذه الكيفية
الخبيثة، تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد؛ لشدة النفوذ فيها، ولا شيء أرق من
المغابن، فكان في غسلها إبطال لعملها، ولا سيما أن للأرواح الشيطانية في تلك
المواضع اختصاصا، وفيه أيضا وصول أثر الغسل إلى القلب من أرق المواضع،
وأسرعها نفاذا، فتنطفىء تلك النار التي أثارتها العين بهذا الماء.
(الثالث): هذا الغسل ينفع بعد استحكام النظرة، فأما عند الإصابة، وقبل الاستحكام
فقد أرشد الشارع إلى ما يدفعه بقوله في قصة سهل بن حنيف المذكورة، كما مضى:
((ألا بَرَّكْتَ عليه))، وفي رواية ابن ماجه: ((فليدع بالبركة))، ومثله عند ابن السني من
حديث عامر بن ربيعة. وأخرج البزار وابن السني من حديث أنس تَظّه رفعه: ((من
رأى شيئا فأعجبه، فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره)).
وفي الحديث من الفوائد أيضا: أن العائن إذا عُرِف يُقضَى عليه بالاغتسال، وأن
الاغتسال من النشرة النافعة، وأن العين تكون مع الإعجاب، ولو بغير حسد، ولو من
الرجل المحب، ومن الرجل الصالح، وأن الذي يعجبه الشيء، ينبغي أن يبادر إلى

٤٩
٣٧- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ عَيْنِ الْجَان) - حديث رقم ٥٤٩٦
الدعاء للذي يعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه، وأن الماء المستعمل طاهر، وفيه
جواز الاغتسال بالفضاء، وأن الإصابة بالعين قد تقتل، وقداختلف في جريان القصاص
بذلك، فقال القرطبي: لو أتلف العائن شيئا ضمنه، ولو قتل فعليه القصاص، أو الدية
إذا تكرر ذلك منه، بحيث يصير عادة، وهو في ذلك كالساحر عند من لا يقتله كفرا.
انتهى. ولم يتعرض الشافعية للقصاص في ذلك، بل منعوه، وقالوا: إنه لا يقتل غالبا،
ولا يعد مهلكا. وقال النووي في ((الروضة)): ولا دية فيه، ولا كفارة؛ لأن الحكم إنما
يترتب على منضبط عام، دون ما يختص ببعض الناس، في بعض الأحوال، مما لا
انضباط له، كيف ولم يقع منه فعل أصلا، وإنما غايته حسد، وتمن لزوال نعمة، وأيضا
فالذي ينشأ عن الإصابة بالعين حصول مكروه لذلل الشخص، ولا يتعين ذلك المكروه
في زوال الحياة، فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين. انتهى.
ولا يعكر على ذلك إلا الحكم بقتل الساحر، فإنه في معناه، والفرق بينهما فيه
عسر، ونقل ابن بطال عن بعض أهل العلم، أنه يبغي للإمام منع العائن إذا عُرِفَ بذلك،
من مداخلة الناس، وأن يلزم بيته، فإن كان فقيرا رزقه ما يقوم به، فإن ضرره أشد من
ضرر المجذوم، الذي أمر عمر رضي الله عنه بمنعه من مخالطة الناس، وأشد من ضرر
الثوم الذي منع الشارع آكله من حضور الجماعة، قال النووي: وهذا القول صحيح
متعين، لا يعرف عن غيره تصريح بخلافه. انتهى ((فتح)) ٣٦١/١١-٣٦٤. وهو بحث
نفيس جدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في ذكر الباب الثاني من البابين الذين ذكرهما البخاريّ رحمه الله
تعالى، وهو أولهما عنده، لكني رأيت المناسبة لغرضي هكذا، قال رحمه الله تعالى:
(باب رقية العين))، ثم أخرج عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: أمرني رسول
اللَّه وَلّ، أو أمر أن يُسترقى من العين)). وحديث أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها أن النبيّ
وَلير رأى في بيتها جارية في وجهها سَفْعَة- أي سواد- فقال: ((استرقوا لها، فإن بها
النظرة)) .
قال في ((الفتح)): قوله: ((باب رقية العين)): أي رقية الذي يصاب بالعين. قال:
والعين: نظر باستحسان مشوب بحسد، من خبيث الطبع، يحصل للمنظور منه ضرر،
وقد وقع عند أحمد، عن أبي هريرة ◌َظنّه رفعه: ((العين حق، ويحضرها الشيطان،
وحسد ابن آدم)).
وقد أشكل ذلك على بعض الناس، فقال: كيف تعمل العين من بعد حتى يحصل
الضرر للمعيون؟ .

٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِعَاذَةِ
والجواب: أن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سم، يصل من عين العائن
في الهواء إلى بدن المعیون. وقد نُقل عن بعض من کان معیانا أنه قال : إذا رأيت شيئا
يعجبني، وجدت حرارة تخرج من عيني، ويقرب ذلك بالمرأة الحائض، تضع يدها في
إناء اللبن فيفسد، ولو وضعتها بعد طهرها لم يفسد، وكذا تدخل البستان، فتضر بكثير
من الغروس من غير أن تمسها يدها، ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء
فيرمد، ويتثاءب واحد بحضرته، فيتثاءب هو، أشار إلى ذلك ابن بطال.
وقال الخطابي: في الحديث أن للعين تأثيرا في النفوس، وإبطال قول الطبائيعين: إنه
لا شيء إلا ما تدرك الحواس الخمس، وما عدا ذلك لا حقيقة له. وقال المازري: زعم
بعض الطبائعيين أن العائن ينبعث من عينه قوة سمية، تتصل بالمعين، فيهلك، أو
يفسد، وهو كإصابة السم من نظر الأفاعي، وأشار إلى منع الحصر في ذلك مع تجويزه،
وأن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة، أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها
الله تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص لآخر، وهل ثم جواهر خفية، أو لا هو
أمر محتمل، لا يقطع بإثباته ولا نفيه، ومن قال ممن ينتمي إلى الإسلام من أصحاب
الطبائع بالقطع بأن جواهر لطيفة غير مرئية، تنبعث من العائن، فتتصل بالمعيون،
وتتخلل مسام جسمه، فيخلق الباري الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب
السموم، فقد أخطأ بدعوى القطع، لكن جائز أن يكون عادة ليست ضرورة، ولا طبيعة
انتھی.
وهو كلام سديد، وقد بالغ ابن العربي في إنكاره، قال: ذهبت الفلاسفة إلى أن
الإصابة بالعين صادرة عن تأثير النفس بقوتها فيه، فأول ما تؤثر في نفسها، ثم تؤثر في
غيرها، وقيل إنما هو سم في عين العائن، يصيب بلفحه عند التحديق إليه، كما يصيب
لفح سم الأفعى من يتصل به، ثم رد الأول بأنه لو كان كذلك، لما تخلفت الإصابة في
كل حال، والواقع خلافه، والثاني بأن سم الأفعى جزء منها، وكلها قاتل، والعائن ليس
يقتل منه شيء في قولهم إلا نظره، وهو معنى خارج عن ذلك، قال: والحق أن اللَّه
يخلق عند نظر العائن إليه، وإعجابه به، إذا شاء ما شاء، من ألم، أو هلكة، وقد يصرفه
قبل وقوعه إما بالاستعاذة، أو بغيرها، وقد يصرفه بعد وقوعه بالرقية، أو بالاغتسال، أو
بغير ذلك. انتھی کلامه.
قال الحافظ: وفيه بعض ما يُتَعقب، فإن الذي مثل بالأفعى لم يرد أنها تلامس
المصاب حتى يتصل به من سمها، وإنما أراد أن جنسا من الأفاعي، اشتهر أنها إذا وقع
بصرها على الإنسان هلك، فكذلك العائن، وقد أشار و ير إلى ذلك، في حديث أبي

٣٨- (الاستعاذةُ مِنْ شَرِ الكِبر) - حدیث رقم ٥٤٩٧
==
٥١
لبابة ◌َّه عند البخاريّ في ((بدء الخلق)) عند ذكر الأبتر، وذي الطفيتين، قال: ((فإنهما
يطمسان البصر، ويسقطان الحبل))، وليس مراد الخطابي بالتأثير المعنى الذي يذهب إليه
الفلاسفة، بل ما أجرى اللَّه به العادة من حصول الضرر للمعيون. وقد أخرج البزار بسند
حسن عن جابر رفعه: ((أكثر من يموت بعد قضاء الله وقدره بالنفس))، قال الراوي:
يعني بالعين، وقد أجرى اللَّه العادة بوجود كثير من الْقُوَى، والخواص في الأجسام
والأرواح، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل، فيرى في وجهه حمرة
شديدة، لم تكن قبل ذلك، وكذا الاصفرار عند رؤية من يخافه، وكثير من الناس يسقم
بمجرد النظر إليه، وتضعف قواه، وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الأرواح من
التأثيرات، ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إلى العين، وليست هي المؤثرة، وإنما
التأثير للروح، والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها، فمنها ما يؤثر
في البدن بمجرد الرؤية، من غير اتصال به؛ لشدة خبث تلك الروح، وكيفيتها الخبيثة،
والحاصل أن التأثير بإرادة الله تعالى وخلقه، ليس مقصورا على الاتصال الجسماني،
بل يكون تارة به، وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرد الرؤية، وأخرى بتوجه الروح، كالذي
يحدث من الأدعية، والرُّقَى والالتجاء إلى الله، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل،
فالذي يخرج من عین العائن سهم معنوي، إن صادف البدن لا وقاية له أثر فيه، وإلا لم
ينفذ السهم، بل ربما رد على صاحبه، كالسهم الحسيّ سواء. انتهى ((فتح)) ٣٥٧/١١-
٣٥٨ . وهو أيضًا بحث نفيس جدًا ينبغي العناية بفهمه. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٣٨- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ شَرِ الْكِبَرِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الْكِبَرُ)) -بكسر الكاف، وفتح الموحّدة -: المراد به
كبر السنّ، وهو قريب من معنى الهرم، ولا يصحّ ضبطه بسكون الموحّدة، بمعنى
التكبّر؛ لأنه خلاف الرواية، وأيضًا أن الكِبْر ليس في شيء منه خير، بل كله سيّء.
والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٤٩٧- (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ

٥٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِعَاذَةِ
حُمَّيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَتَعَوَّذُ بَهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ
إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِّنَ الْكَسَلِ، وَالْهَرَمِ، وَالْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَسُوءِ الْكِبَرِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ،
وَعَذَابِ الْقَبْرِ»).
قالَ الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ)): هو الكنديّ المسروقيّ،
أبو عيسى الكوفيّ، ثقة، من كبار [١١]. و((حسين)): هو ابن عليّ الجعفيّ الكوفيّ الثقة
العابد القارىء [٩]. و((زائدة)): هو ابن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقة [٧].
و((حميد)): هو الطويل.
والحديث صحيح، تفرّد به المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٣٨/ ٥٤٩٧ وفي
((الكبرى)) ٧٩٣١/٣٩، ومضى شرحه غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٣٩- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الأرذل)) من كلّ شيء: الرديء منه. قال عز وجل:
﴿وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [الحج: ٥] قيل: هو الذي يخرف من الكبر، حتى
لا يعقل، وبيّنه بقوله: ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدٍ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]، فمعنى الاستعاذة
من أرذل العمر هو أن لا يصل إلى آخر عمره الذي لا يستطيع فيه أن يستقل بنفسه القيام
بالواجبات، ولا بخدمة نفسه، بل يصير مثل الصبيّ في عقله، وقواه.
فقوله: ((أرذل العمر)) هو بمعنى الكِبَرِ في الباب الماضي، وسوء العمر في الباب
التالي. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٤٩٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ
الْمَلِكِ ابْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُضْعَبَ بْنَ سَعْدٍ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: كَانَ يُعَلِّمُنَا خَمْسًا،
كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ، يَدْعُو بِهِنَّ، وَيَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ
الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَرَدَّ إِلَى أَزْذَلِ الْعُمُرٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((خالد)): هو ابن الحارث الهجيميّ.

٤١ - (الاسْتِعَاذَةُ مِنَ الْحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ) - حديث رقم ٥٥٠٠
٥٣
والحديث أخرجه البخاريّ، وتقدم في ٦/ ٥٤٤٧ ومضى شرحه، وبيان مسائله
هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٤٠- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ سُوءِ الْعُمُرِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الرجمة بمعنى الترجمتين المذكورتين قبله.
٥٤٩٩- (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَذَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ،
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ - يَعْنِي أَبَاهُ -عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ، فَسَمِعْتُهُ
يَقُولُ بِجَمْعٍ: أَلَا إِنَّ النَِّيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَّلَّمَ، كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ خَمْسٍ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ
بِكَ مِنَ الْبُخَّلِ، وَالْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ سُوءِ الْعُمُرٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الصَّذْرِ، وَأَعُوذُ
بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ)): هو البرّاد الكلاعيّ الحمصيّ
المؤذّن، ثقة [١١]. و((أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ»: هو الوهميُّ الکِنَديّ، صدوق[٩]. وایونس)):
هو ابن أبي إسحاق. و((أبو إسحاق)): هو السبيعيّ.
وقوله: ((بجمع)): أي بمزدلفة، سميت بذلك؛ لاجتماع الناس فيها، وقيل: غير
ذلك في وجه تسميتها، وقد سبق في ((كتاب الحجّ)).
والحديث ضعيف، وقد سبق البحث عنه في ٢٧ / ٥٤٨٠ فراجعه تستفد. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٤١- (الاسْتِعَاذَةُ مِنَ الْحَوْرِ بَعْدَ
الْكَوْرِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الْحَوْرُ والْگوْرُ)) -بفتح أول كلّ منهما، وسکون ثانیه،
قال الفيّوميّ: حار حَوْراً: نقص. وقال أيضاً: كار الرجل العمامة كَوْراً، من باب قال:

٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِعَاذَةِ
أدارها على رأسه، قال: والكَوْرُ مثل قَوْل أيضا: الزيادة، ((ونعوذ بالله من الْحَوْر بعد
الْكَوْر)): أي النقص بعد الزيادة، ويُروى ((بعد الكون)) بالنون، وهو بمعناه، ويقال: هو
الرجوع من الطاعة إلى المعصية. انتهى كلام الفيّومي. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٥٠٠- (أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَزَجِسَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ إِذَا
سَافَرَ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَغْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبٍ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ،
وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١- ( أَزْهَرُ بْنُ جَميلٍ) الهاشميّ مولاهم البصريّ الشَّطّيّ، صدوقٌ، يُغرب [١٠]٦٤/
٢٥٥٤ .
٢- (خالد بن الحارث) الهجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨]٤٧٠/٤٢
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الشهير[٧]٢٧٠/٢٤
٤-(عاصم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [٤]٢٣٩/١٤٨
٥-(عبد الله بن سَرْجِس) - بفتح المهملة، وسكون الراء، وکسر الجيم، بعدها
مهملة- المزنيّ، حليف بني مخزوم، صحابيّ سكن البصرة تظلّه ، وتقدّمت ترجمته في
(«الطهارة)) ٣٤٠/٣٠ والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن صحابيّه رَّه من
المقلين في الرواية، ليس له في الكتب الستة إلا نحو سبعة أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
كَانَ إِذَا سَافَرَ) أي شرع في السفر، وركب راحلته، ففي حديث أبي هريرة رَّه الآتي
بعد باب: ((كان رسول الله * إذا سافر، فركب راحلته ... )) الحديث، وفي حديث
ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عند مسلم: ((كان إذا استوى على بعيره، خارجاً إلى
( سفر، كبر ثلاثاً، ثم قال: ﴿سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَيِّنَا
لَمُنْقَلِبُونَ﴾ اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم
هَوِّن علينا سفرنا هذا، واطو عنا بُعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في

٥٥
٤١- (الاسْتِعَاذَةُ مِنَ الْحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ) - حديث رقم ٥٥٠٠
=
الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال
والأهل))، وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن: ((آيبون، تائبون، عابدون لربنا حامدون)).
(قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَغْثَاءِ السَّفَرِ) الوعثاء- بفتح الواو، وإسكان العين
المهملة، وبالثاء المثلثة، وبالمد -: وهي المشقة والشدة. (وَكَآبَةٍ) -بفتح الكاف،
وبالمد، هي تغير النفس من حزن ونحوه. (الْمُنْقَلَبٍ) - بفتح اللام -: قيل: هو مصدر
بمعنى الانقلاب، أو اسم مكان، قال الخطابيّ رحمه الله تعالى: معناه أن ينقلب إلى
أهله كئيباً حزيناً؛ لعدم قضاء حاجته، أو إصابة آفة له، أو يجدهم مرضى، أو مات منهم
بعضهم. انتهى. (وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ) بالراء، والكور: لَفّ العمامة، والحور: نقضها،
والمراد الاستعاذة من النقصان بعد الزيادة، أو من الشتات بعدالانتظام، أو من فساد
الأمور بعد صلاحها، وقيل: من الرجوع عن الجماعة بعد الكون فيهم.
وفي ((صحيح مسلم)): ((بعد الكون)) بالنون بدل الراء، قال النوويّ رحمه الله تعالى
في ((شرح مسلم)): هكذا هو في معظم النسخ من ((صحيح مسلم)): ((بعد الكون))
بالنون، بل لا يكاد يوجد في نسخ بلادنا إلا بالنون، وكذا ضبطه الحفاظ المتقنون في
(صحيح مسلم))، قال القاضي: وهكذا رواه الفارسيّ وغيره، من رواة ((صحيح مسلم))،
قال: ورواه العذريّ: ((بعد الكور)» بالراء، قال: والمعروف في رواية عاصم الذي رواه
مسلم عنه بالنون، قال القاضي: قال إبراهيم الحربى: يقال: إن عاصما وَهِمَ فيه، وأن
صوابه ((الكور)) بالراء، قلت: وليس كما قال الحربي، بل كلاهما روايتان، وممن ذكر
الروايتين جميعا الترمذي في ((جامعه))، وخلائق من المحدثين، وذكرهما أبو عبيد،
وخلائق من أهل اللغة، وغريب الحديث، قال الترمذي بعد أن رواه بالنون: ويروى
بالراء أيضا، ثم قال: وكلاهما له وجه، قال: ويقال: هو الرجوع من الإيمان إلى
الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، ومعناه الرجوع من شيء إلى شيء من الشر. هذا
كلام الترمذى، وكذا قال غيره من العلماء: معناه بالراء والنون جميعا: الرجوع من
الاستقامة، أو الزيادة إلى النقص، قالوا: ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة، وهو
لَفّها وجمعها، ورواية النون مأخوذة من الكون، مصدر كان يكون كونا: إذا وُجد،
واستقر. قال المازري في رواية الراء: قيل أيضا: إن معناه: أعوذ بك من الرجوع عن
الجماعة، بعد أن كنا فيها، يقال: كار عمامته: إذا لفها، وحارها: إذا نقضها. وقيل:
نعوذ بك من أن تفسد أمورنًا بعد صلاحها، كفساد العمامة بعد استقامتها على الرأس،
وعلى رواية النون قال أبو عبيد: سئل عاصم عن معناه؟ فقال: ألم تسمع قولهم: حار
بعد ما كان: أي إنه كان على حالة جميلة، فرجع عنها. انتهى كلام النوويّ في ((شرح

=
٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِعَاذَةِ
مسلم)) ٩ / ١١٥-١١٦ .
(وَدَعْوَةِ الْمَظْلُوم) أي أعوذ بك من الظلم، فإنه يترتب عليه دعاء المظلوم، ودعوة
المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ففيه التحذير من الظلم، ومن التعرض لأسبابه.
قاله النوويّ.
(وَسُوءِ الْمَنْظَرِ) بالظاء: أي المرأى، وهو كلّ منظر يُعقب النظر إليه سوءاً (فِي الْأَهْلِ
وَالْمَالِ) أراد أن لا يرى في أهله وماله مكروهاً يسوءه. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن سَرجِس وَفي هذا أخرجه مسلم
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٥٠١/٤١ و٥٥٠٢/٤٢ - وفي («الكبرى»٧٩٣٥/٤٣ و٧٩٣٦/٤٤
و٧٩٣٧٠/٥٤ وأخرجه (م) في ((الحج))١٣٤٣ (ت) في ((الدعوات))٣٤٣٩ (ق) في
((الدعاء)).٣٨٨٨ والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان استحباب الاستعاذة من
الحور بعد الكور: أي النقص بعد الزيادة. (ومنها): الاستعاذة من أن يصاب الإنسان في
أهله، وماله بسوء. (ومنها): التحذير من الظلم، والابتعاد من أسبابه. (ومنها): أن
دعوة المظلوم مستجابة، فلا ينبغي لعاقل أن يتعرض لها بسبب ظلمه لأي مسلم كان.
(ومنها): استحباب هذا الذكر، ونحوه عند ابتداء الأسفار كلها، وقد جاءت فيه أحاديث
كثيرة ، جمعها النوويّ في (كتاب الأذكار))، وكذا غيره من العلماء. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٥٠١- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَاصِمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ سَرْجِسَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ إِذَا سَافَرَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ
بِكَّ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبٍ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءٍ
الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدٍ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ)): هو ابن راهويه. و((جرير)):
هو ابن عبد الحميد. و((عاصم)): هو الأحول المذكور قبله.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه

٤٣- (الاستعاذةُ مِنْ كآبة المُنقلب) - حديث رقم ٥٥٠٣
=
٥٧
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٤٢- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُوم)
٥٥٠٢- (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَاصِم، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: كَانَ النَِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا سَافَرَ بَتَعَوَّذُ مِنَ وَعْثَاءِ
السَّفَرِ، وَكََّبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((يوسف بن حماد)): هو الْمَعْنيّ، أبو يعقوب
البصريّ، ثقة [١٠]. و((بشر بن منصور)): هو أبو محمد الأزديّ البصريّ، صدوقٌ عابد
زاهد[٨]. و((عاصم)): هو ابن سليمان الأحول.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه قريباً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٤٣ - (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ كَابَةِ الْمُنْقَلَبِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الكآبة)) -بفتح الكاف، والمدّ: هي تغير النفس من
حزن، ونحوه. و((المنقلب)) بصيغة اسم المفعول: أي الرجوع، أو مكان الرجوع. والله
تعالى أعلم بالصواب.
٥٥٠٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ مُقَدَّم، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ
شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرِ الْخَثْعَمِيِّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا سَافَرَ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، قَالَ بِإِصْبَعِهِ، وَمَذَّ شُعْبَةُ بِإِصْبَعِهِ،
قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ

=
٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِعَاذَةِ
مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَابَةِ الْمُنْقَلَبٍ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ مُقَدَّم)): هو المقدّميّ
البصريّ، صدوقٌ، من صغار[١٠]. و((ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ)): هو محمد بنّ إبراهيم بن أبي
عديّ البصريّ الثقة [٩].
و((عَبْدُ اللَّهِ بْنِ بِشْرِ الْخَثْعَمِيِّ)) أبو عُمير الكاتب الكوفيّ، صدوقٌ [٤].
روى عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، وعروة البارقيّ، وجَبَلَة بن حممة. وعنه ابنه
عمير، وابن ابنه بشر بن عمير، وشعبة، والسفيانان. قال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن
حبان في ((الثقات)). تفرد به المصنف، والترمذيّ، وله عندهما هذا الحديث فقط.
و ((أبو زرعة)): هو ابن عمرو بن جرير البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هرم، وقيل:
غيره، ثقة [٣].
وقوله: ((قال بإصبعه)): أي أشار بها، ففيه إطلاق القول على الفعل، وهو شائع، كما
ذكرناه في مواضع من هذا الشرح. والظاهر أن المد هو رفعها إلى السماء إشارة إلى
توحيد الله سبحانه وتعالى.
وقوله: ((أنت الصاحب)): أي أنت صاحبنا الذي تصحبنا بحفظك ورعايتك. وقوله:
((والخليفة الخ)): أي يخلُّفنا في أهلنا بإصلاح أحوالهم بعد مغيبنا عنهم، وفيه إطلاق
الصاحب، والخليفة على الله تعالى. وتمام شرح الحديث سبق في حديث عبد الله بن
سرجس رَێ قريباً.
والحديث صحيح، أخرجه المصنف رحمه الله تعالى هنا-٥٥٠٣/٤٣- وفي
((الكبرى)) ٧٩٣٨/٤٦. وأخرجه (د) في ((الجهاد)) ٢٥٩٨ (ت) في ((الدعوات)) ٣٤٣٨
(أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٨٩٥٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٤٤- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ جَارِ السُّوءِ)
٥٥٠٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ،
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

٥٩
٤٤-(الاستعانةُ مِنْ جَارِ السُّوءِ) - حدیث رقم ٥٥٠٤
وَسَلَّمَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَارِ السَّوْءِ، فِي دَارِ الْمُقَامِ، فَإِنَّ جَارَ الْبَادِيَةِ يَتَحَوَّلُ عَنْكَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١٠- (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠]٤/٤.
٢- (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩]٤/٤.
٣- (محمد بن عجلان) المدنيّ، صدوق اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ([٥]٣٦/
٤٠ .
٤-(سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبريّ، أبو سعد المدنيّ، ثقة تغير قبل موته بأربع
سنين [٣]١١٧٠/٩٥
٥ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١٠/١ والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه
مسلسل بالمدنيين من ابن عجلان، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَّهِ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((تَعَوَّذُوا
بِاللَّهِ) بصيغة الأمر، وعند الحاكم في ((مستدركه): أنه وَليل كان يقول في دعائه: ((اللهم
إني أعوذ بك من جار السوء . .. )) الحديث (مِنْ جَارِ السَّوْءِ) بفتح السين المهملة،
وسكون الواء، من إضافة المصوف إلى الصفة، وهو قليل، قال الفيوميّ: هو رجل
سَوْء بالفتح والإضافة، وعملُ سَوْء، فإن عرّفت الأول، قلت: الرجل السَّوْءُ، والعملُ
السَّوْء. انتهى (فِي دَارِ الْمُقَامِ) بضم الميم: مصدر ميميّ لأقام: أي دار الإقامة (فَإِنَّ جَارَ
الْبَادِيَةِ) أي الذي جاور في البادية يعني السفر (يَتَحَوَّلُ عَنْكَ) أي يفارقك بسهولة، فلا
يطول ضرره معك، وفي رواية أحمد في «مسنده»٣٤٦/٢ والحاكم في ((المستدرك)»١/
٥٣٢ من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد المقبريّ: ((استعيذوا بالله من شرّ
جار الْمُقام، فإن جار المسافر إذا شاء أن يزايل زايل)). وفي حديث عقبة بن عامر لظله
عند الطبرانيّ: كان النبيّ وَّل يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من يوم السوء، ومن ليلة
السوء، ومن ساعة السوء، ومن صاحب السوء، ومن جار السوء في دار المقام)). قال
الحافظ الهيثميّ رحمه الله تعالى في ((مجمع الزوائد)»١٤٤/١٠ : رجاله رجال الصحيح،

٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِعَاذَةِ
غير بشر بن ثابت البزار، وهو ثقة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث صحيح، ولا يقال: في إسناده محمد بن عجلان، وقد اختلطت عليه
أحاديث أبي هريرة تَظّه ؛ لأنه لم ينفرد به، بل تابعه عليه عبد الرحمن بن إسحاق،
وهو القرشي مولاهم عن سعيد المقبريّ، عند أحمد، والحاكم، كما مرّ آنفاً، وله أيضاً
شاهد من حديث عقبة ◌َظّه ، كما مرّ أيضاً.
وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا- ٥٥٠٤/٤٤ - وفي
(«الكبرى»٧٩٣٧٠/٤٧ وأخرجه (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين» ٨٣٤٨ (الحاكم) في
(مستدركه))٥٣٢/١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).
٤٥- (الاسْتِعَاذَةُ مِنْ غَلَبَةِ الرِّجَالِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: معنى ((غلبة الرجال)): أي شدّة تسلّطهم، كاستيلاء
الرعاع هرجا ومَزْجاً. قال الكرمانيّ: هذا الدعاء من جوامع الكلم؛ لأن أنواع الرذائل
ثلاثة: نفسانية، وبدنية، وخارجية، فالأولى بحسب القوى التي للإنسان، وهي ثلاثة:
العقلية، والغضبيّة، والشهوانية، فالهم، والحزن يتعلّق بالعقليّة، والجبن بالغضبيّة،
والبخل بالشهوانيّة، والعجز، والكسل بالبدنيّة. والثاني عند سلامة الأعضاء، وتمام
الآلات والقوى، والأول عند نقصان عضو ونحوه، والضلع بالخارجيّة، فالأول ماليّ،
والثانيّ جاهيّ، والدعاء مشتمل على جميع ذلك. ذكره في ((الفتح)) ١٢ / ٤٦٦٠ والله
تعالى أعلم بالصواب.
٥٥٠٥- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي
عَمْرِو، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ،َ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي
طَلْحَّةَ: ((الْتَمِسْ لِي غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ، يَرْدُفُنِي وَرَاءَهُ،
فَكُنْتُ أَخِدُمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَّيْهِ وَسَلَّمَ، كُلَّمَا نَزَّلَّ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ، يُكْثِرُ أَنْ
يَقُولَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَرَمِ، وَالْحُزْنٍ، وَالْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ، وَالْجُبْنِ،
وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَّبَةِ الرِّجَالِ))).