Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١ ==
٣١- (قضاءُ الحاکم على الغَائِبِ إِذا عرفه) - حديث رقم ٥٤٢٢
البخاريّ حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها في قصة هند، وقد احتج بها الشافعي،
وجماعة لجواز القضاء على الغائب. وتُعُقّب بأن أبا سفيان كان حاضرا في البلد.
وقال في ((الفتح)) أيضًا في ((كتاب النفقات)) ٦٣٩/١٠ -٦٤٠ ما حاصله: استدل به
الخطابي على جواز القضاء على الغائب، وقد ترجم البخاري في ((كتاب الأحكام)):
((القضاء على الغائب))، وأورد هذا الحديث من طريق سفيان الثوري، عن هشام بلفظ: ((إن
أبا سفيان رجل شحيح، فأحتاج أن أخذ من ماله، قال: خذي ما يكفيك وولدك
بالمعروف)»، وذكر النووي أن جمعا من العلماء من أصحاب الشافعي، ومن غيرهم استدلوا
بهذا الحديث لذلك، حتى قال الرافعي في القضاء على الغائب: احتج أصحابنا على الحنفية
في منعهم القضاء على الغائب بقصة هند، وكان ذلك قضاء من النبي وَّر على زوجها، وهو
غائب، قال النووي: ولا يصح الاستدلال؛ لأن هذه القصة کانت بمكة، وكان أبو سفيان
حاضرا بها، وشرط القضاء على الغائب، أن یکون غائبا عن البلد، أو مستترا لا يُقدر عليه،
أو متعززا، ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجودا، فلا يكون قضاء على الغائب، بل
هو إفتاء، وقد وقع في كلام الرافعي في عدة مواضع: أنه كان إفتاء انتهى .
واستدل بعضهم على أنه كان غائبا بقول هند: لا يعطيني، إذ لو كان حاضرا لقالت:
لا ينفق عليّ؛ لأن الزوج هو الذي يباشر الإنفاق، وهذا ضعيف؛ لجواز أن يكون عادته
أن يعطيها جملة، ويأذن لها في الإنفاق مفرقا، نعم قول النووي: إن أبا سفيان كان
حاضرا بمكة حق، وقد سبقه إلى الجزم بذلك السهيلي، بل أورد أخص من ذلك، وهو
أن أبا سفيان كان جالسا معها في المجلس، لكن لم يسق إسناده، قال الحافظ: وقد
ظَفِرت به في ((طبقات ابن سعد)) أخرجه بسند رجاله رجال الصحيح، إلا أنه مرسل عن
الشعبي: أن هندا لما بايعت، وجاء قوله: ((ولا يسرقن))، قالت: قد كنت أصبت من
مال أبي سفيان، فقال أبو سفيان: فما أصبت من مالي فهو حلال لك)). قال: ويمكن
تعدد القصة، وأن هذا وقع لما بايعت، ثم جاءت مرة أخرى، فسألت عن الحكم،
وتكون فهمت من الأول إحلال أبي سفيان لها ما مضى، فسألت عما يُستقبل، لكن
يشكل على ذلك ما أخرجه ابن منده في ((المعرفة)) من طريق عبد الله بن محمد بن
زاذان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قالت هند لأبي سفيان: إني أريد أن أبابع،
قال: فإن فعلت فاذهبي معك برجل من قومك، فذهبت إلى عثمان، فذهب معها،
فدخلت منتقبة، فقال: ((بايعي أن لا تشركي ... )) الحديث، وفيه: فلما فرغت، قالت:
يا رسول الله إن أبا سفيان رجل بخيل ... الحديث، قال: ما تقول: يا أبا سفيان؟ قال:
أما يابسا فلا، وأما رطبا فأحله،، وذكر أبو نعيم في ((المعرفة)» أن عبد الله تفرد به بهذا

٣٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
السياق، وهو ضعيف، وأول حديثه يقتضي أن أبا سفيان لم يكن معها، وآخره يدل على أنه
كان حاضرا، لكن يحتمل أن يكون كل منهما توجه وحده، أو أرسل إليه لما اشتكت منه،
ويؤيد هذا الاحتمال الثاني، ما أخرجه الحاكم في ((تفسير الممتحنة)) من ((المستدرك)) عن
فاطمة بنت عتبة، أن أبا حذيفة بن عتبة ذهب بها، وبأختها هند يبايعان، فلما اشترط: ((ولا
يسرقن))، قالت هند: لا أبايعك على السرقة، إني أسرق من زوجي، فكفّ، حتى أرسل
إلى أبي سفيان يتحلل لها منه، فقال: أما الرطب فنعم، وأما اليابس فلا.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن البخاري لم يرد أن قصة هند كانت قضاء على أبي
سفيان، وهو غائب، بل استدل بها على صحة القضاء على الغائب، ولو لم يكن ذلك
قضاء على غائب بشرطه، بل لما كان أبو سفيان غير حاضر معها في المجلس، وأذن لها
أن تأخذ من ماله بغير إذنه قدر كفايتها، كان في ذلك نوع قضاء على الغائب، فيحتاج
من منعه أن يجيب عن هذا.
وقد انبنى على هذا خلاف يتفرع منه، وهو أن الأب إذا غاب، أو امتنع من الإنفاق
على ولده الصغير، أذن القاضي للأم إذا كانت فيها أهلية ذلك في الأخذ من مال الأب،
إن أمكن، أو في الاستقراض عليه، والإنفاق على الصغير، وهل لها الاستقلال بذلك
بغير إذن القاضي وجهان، ينبنيان على الخلاف في قصة هند، فإن كانت إفتاءً جاز لها
الأخذ بغير إذن، وإن كانت قضاء، فلا يجوز إلا بإذن القاضي.
ومما رُجّح به أنه کان قضاء لا فتيا التعبير بصفة الأمر، حیث قال لها: «خذي))، ولو كان
فتيا لقال مثلا: لا حرج عليك، إذا أخذت، ولأن الأغلب من تصرفاته وَلَو إنما هو الحكم.
ومما رُجّح به أنه كان فتوى، وقوع الاستفهام في القصة في قولها: ((هل عليّ
جناح))، ولأنه فَوّض تقدير الاستحقاق إليها، ولو كان قضاء لم يفوضه إلى المدعي،
ولأنه لم يستحلفها على ما ادعته، ولا كلفها البينة.
والجواب أن في ترك تحليفها، أو تكليفها البينة حجةً لمن أجاز للقاضي أن يحكم
بعلمه، فكأنه وَلتر علم صدقها في كل ما ادعت به، وعن الاستفهام أنه لا استحالة فيه من
طالب الحكم، وعن تفويض قدر الاستحقاق أن المراد الموكول إلى العرف، كما تقدم.
انتهى ما في ((الفتح)) كتاب النفقات)) ٦٣٩/١٠ -٦٤٠.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأرجح ما ذهب إليه الجمهور من جواز
القضاء على الغائب، وأن الاستدلال بحديث الباب صحيح، كما صنعه البخاريّ،
والمصنّف، وقبلهما الشافعيّ رحمهم الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.

٣٦٣
٣٢-(النّئُ عنْ أَنْ یقضِیَ فِی نَضَاءِ بقضاءین)-حديث رقم ٥٤٢٣
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب» .
٣٢- (النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَقْضِيَ فِي قَضَاءٍ
بِقَضَاءَیْنِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: معنى قوله: ((في قضاء)): أي في أمر واحد، كما جاء
في بعض طرق الحديث. وقوله: ((بقضاءين)): أي بحكم متناقضين، بأن يحكم بلزوم
الدين وسقوطه مثلًا؛ إذ المقصود من نصب القضاة قطع النزاع، ولا ينقطع بمثل هذا
القضاء، والمراد أن يكون القاضي على تثبّت من حكمه، بأن يراعي القضيّة، ويدرسها
من جميع جوانبها، حتى لا يقع في تناقض، فينظر بين البيّنات، فإذا اختلفت سلك
مسلك الترجيح بينها، وعمل بما يترجّح لديه، ويلغي سائرها. والله تعالى أعلم
بالصواب .
٥٤٢٣- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَكَانَ
عَامِلًا عَلَى سِجِسْتَانَ، قَالَ: كَتَبَ إِلَّيَّ أَبُو بَكْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ يَقُولُ:
((لَا يَقْضِيَنَّ أَحَدٌ فِي قَضَاءٍ بِقَضَاءَيْنٍ، وَلَا يَقْضِي أَحَدٌ بَيْنَ خَصْمَيْنٍ، وَهُوَ غَضْبَانُ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرٍ)): هو أبو عليّ
النيسابوريّ الثقة الفقيه [١٠] من أفراد البخاريّ، والمصنّف. و((مُبَشِّرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ)): هو
أبو بكر النيسابوريّ الثقة، من كبار [٩] من أفراد المصنّف. و((سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ)): هو
الواسطيّ الثقة باتفاقهم في غير الزهريّ [٧]. و((جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ)): هو ابن أبي وحشيّة
الواسطيّ الثقة [٥]. و((عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ)): هو الثقفيّ الكوفيّ الثقة [٢].
وقوله: ((وكان عاملًا على سجستان الخ)»: ظاهر هذا أن الضمير لعبد الرحمن، وهو
مخالف لما سبق في ٥٤٠٨/١٨ من أن العامل على سجستان هو أخوه عبيد الله، وهو
الذي كتب إليه أبو بكرة والده، وعبد الرحمن هو الكاتب، وهو الذي في الرواية
المتقدّمة للمصنّف بالرقم المذكور، وهو الذي في ((الصحيحين))، والظاهر أن هذه
الرواية شاذّة، والمحفوظ ما في ((الصحيحين))، ويحتمل على بعد أن يتولّى عبد الرحمن

٣٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ
بعد أخيه أو قبله، ويكتب إليه أبوه مرّة أخرى. والله تعالى أعلم.
والحديث بهذا السياق تفرّد به المصنّف، وقد تقدّم في ٥٤٠٨/١٨ من رواية عبد
الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بلفظ: ((لا يحكم أحد بين اثنين، وهو غضبان»،
وهو متفقٌ عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٣٣- (مَا يَقْطَعُ الْقَضَاءُ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم الشيء الذي يقطعه القضاء من مال
الخصم لخصمه، فـ((ما)) موصولة، وصلته قوله: ((يقطع)) بالبناء للفاعل، والعائد
محذوف: أي يقطعه، و((القضاء)) بالرفع على الفاعلية. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٤٢٤- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ
أَبِهِ، عَنْ زَيْتَبَ بِنْتِ أُمّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّكُمْ
تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَإِنَّمَا أَقْضِي
بَيْتَكُمَا عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقُّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةٌ مِنَ
النَّارِ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة .
والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم في ٥٤٠٣/١٣ ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك،
فراجعه تستفد، واستدلال المصنّف رحمه اللّه تعالى على ما ترجم له واضح في قوله:
((فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار))، حيث إن فيه بيان
حكم ما يقطعه القضاءُ، وهو الحرمة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

٣٦٥
٣٤- (بَأَبُ الأَلَدِّ الْخَصِم) - حديث رقم ٥٤٢٥
٣٤- (بَابُ الأَلَدِّ الْخَصِم)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الألد)): الشديد اللدد: أي الجدال، مشتقّ من
اللديدين، وهما صفحتا العنق، والمعنى من أي جانب أخذ من الخصومة قوي، وقيل:
غير ذلك في معناه، وسيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٤٢٥- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَنْجِ ح
وَأَنْبَأَنَا(١) مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَنجِ، عَنِ ابْنِ آپِي
مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ أَبْغَضَ الرَّجَالِ إِلَى اَللَّهِ الْأَلَّدُّ
الْخَصِمُ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْجَوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢١/٢٠.
٢ - (سفيان) بن عيينة الهلالي مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت حجة [٨] ١/١.
٣- (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة
فقيه فاضل، يدلس ويرسل [٦] ٣٢/٢٨.
٤- (ابن أبي مليكة) هو عبد الله بن عُبيد الله بن أبي مليكة/ زهير بن عبد الله بن
جُدعان الثقة الفقيه [٣] ١٣٢/١٠١. والباقون تُرجموا قبل بابين. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه الثاني، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بثقات
المكيين. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ:
((إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ) قال الكرمانيّ رحمه اللّه تعالى: الأبغض هو الكافر، فمعنى
الحديث: أبغض الرجال الكفّار: الكافر المعاند، أو أبغض الرجال المخاصمين. قال
الحافظ رحمه الله تعالى: والثاني هو المعتمد، وهو أعمّ من أن يكون كافرًا، أو
(١) وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٣٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
مسلمًا، فإن كان كافرًا، فأفعل التفضيل في حقّه على حقيقتها في العموم، وإن كان
مسلمًا، فسبب البغض أن كثرة المخاصمة تُفضي غالبًا إلى ما يُدمّ صاحبه، أو يخصّ في
حقّ المسلمين بمن يُخاصم في باطل، ويشهد للأول حديث: ((كفى بك إثمًا أن لا تزال
مخاصمًا))، أخرجه الطبرانيّ، عن أبي أمامة بسند ضعيف، وورد الترغيب في ترك
المخاصمة، فعند أبي داود من طريق سليمان بن حبيب، عن أبي أمامة تَّه ، رفعه:
((أنا زعيم ببيت في رَبَض الجنّة لمن ترك المراء، وإن كان محقّا))، وله شاهد عند
الطبرانيّ من حديث معاذ بن جبل رَزمي. و((الربض))- بفتح الراء، والموحّدة، بعدها
ضاد معجمة: الأسفل. انتهى ((فتح)) ٨٩/١٥. (إِلَى اللَّهِ الْأَلَّدُّ الْخَصِمُ) بفتح المعجمة،
وكسر الصاد المهملة: فسره البخاريّ رحمه اللّه تعالى بأنه الدائم الخصومة.
وقال ابن المنيّر رحمه الله تعالى: ((الألد)»: مشتقّ من اللدد، وهو الاعوجاج
والانحراف عن الحقّ، وأصله من اللديد، وهو جانب الوادي، ويُطلق على جانب
الفم، ومنه ((اللدود))، وهو صبّ الدواء منحرفًا عن وسط الفم إلى جانبه. انتهى (فتح))
١٥/ ٨٨-٨٩ .
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: ((الألد الخصم))- هو بفتح الخاء، وكسر الصاد،
و((الألد)): شديد الخصومة، مأخوذ من لديدي الوادي، وهما جانباه؛ لأنه كلما احتُجْ
عليه بحجة، أخذ في جانب آخر. وأما ((الخصم)): فهو الحاذق بالخصومة، والمذموم
هو الخصومة بالباطل في رفع حقّ، أو إثبات باطل. انتهى ((شرح مسلم)) ٢١٩/١٦ .
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: ((الألد الخصم)): الرواية ((الْخَصْمُ))-
بسكون الصاد- وقد قيّده بعضهم بكسرها، وكلاهما اسم للمخاصم، غير أن الذي
بالسكون هو مصدر في الأصل، وُضع موضع الاسم، ولذلك يكون في المذكّر
والمؤنّث، والتثنية، والجمع بلفظ واحد في الأكثر، ومن العرب من يُثنّه، ويَجمعه؛
لأنه يذهب به مذهب الاسم، وقد جاءت اللغتان في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى:
﴿وَهَلْ أَتَئِكَ نَبَؤُأْ الْخَصْيِ إِذْ نَوَُّواْ الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] ثم قال: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَ
بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢]. فأما الذي بالكسر، فهو الشديد الخصومة. و((الألدّ)): هو الشديد
الخصومة، مأخوذ من اللديدين، وهما جانبا الوادي؛ لأنه كلما أَخذ عليه جانب أخذ
في جانب آخر. وقيل: لإعماله لديديه، وهو صفحتا عنقه عند خصومته. وكان حكم
((الألدّ)) أن يكون تابعًا لل((خصم))؛ لأن ((الألدّ)) صفة، و((الخصم) اسم، لكن لما كان
الخصم مصدرًا في الأصل، وكان ((الألد)» صفة مشهورة عُكس الأمر، فجُعل التابع
متبوعًا، وهذا على نحو قوله تعالى: ﴿وَغَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] وإنما يُقال: أسود

٣٦٧
٣٤- (بَأَبُ الأَلَدُّ الْخَصِم) - حديث رقم ٥٤٢٥
غِرْبيب. انتهى ((المفهم)) ٦٨٩/٦ -٦٩٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٥٤٢٥/٣٤- وفي ((الكبرى)) ٥٩٨٦/٣٨. وأخرجه (خ) في («المظالم
والغصب)) ٢٤٥٧ و(التفسير)) ٤٥٢٣ و((الأحكام)) ٧١٨٨ (م) في ((العلم)) ٢٦٦٨ (ت)
في ((التفسير)) ٢٩٧٦ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٣٧٥ و٢٣٨٢٢ و٢٥١٧٦ .
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ذمّ شدّة الخصومة،
والمراد به الخصومة في دفع الحقّ، أو إثبات الباطل، كما سبق في كلام النوويّ رحمه
اللّه تعالى. وقال القرطبي رحمه الله تعالى في ((المفهم)) ٦/ ٦٩٠: هذا الخصم
المبغوض عند الله تعالى هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق، ورده بالأوجه
الفاسدة، والشُّبَهِ الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين، كخصومة أكثر
المتكلمين، المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب اللَّه، وسنة رسوله وَله، وسلف
أمته إلى طُرُق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدلية، وأمور صناعية، مدار
أكثرها على مباحث سوفسطائية، أو مناقشات لفظية، تَرِد بسببها على الآخذ فيها شُبَةٌ،
ربما يَعجَز عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالا عنها أجدلهم، لا
أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حَلُها، وكم من منفصل عنها لا
يدرك حقيقة علمها، ثم إن هؤلاء المتكلّمين قد ارتكبوا أنواعا من المحال، لا يرتضيها
الْبُلْهُ، ولا الأطفال، لَمّا بحثوا عن تَيُّز الجواهر، والألوان، والأحوال ... إلى آخر
كلامه الذي نقلته برمّته فيما سبق من هذا الشرح في ((كتاب الإيمان))، فراجعه تستفد.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

٣٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ
٣٥- (الْقَضَاءُ فِيمَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيْنَةٌ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر من ترجمة المصنّف رحمه الله تعالى هذه أنه
يرى أن المتخاصمين إذا لم تكن لهما بيّنة، يقضى بينهما نصفين دون استحلاف، وهو
ظاهر الحديث، لكن إن صحّ الإجماع -كما هو ظاهر كلام الموفّق في ((المغني)) الآتي في
المسألة الثالثة- على أن كلّ واحد منهما يحلف لصاحبه، فيؤول ما اقتضاه ظاهر كلام
المصنف على أنه مع استحلاف كل منهما، وإن لم يصح الإجماع، فهو على ظاهره؛
لظاهر الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٤٢٦- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيّ
وَلَّه فِي دَابَّةٍ، لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْنَةٌ، فَقَضَى بِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنٍ).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (عمرو بن عليّ) الفلاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/٤.
٢- (عبد الأعلى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٨] ٣٨٦/٢٠.
٣- (سعيد) بن أبي عروبة مِهْرَان البصريّ، ثقة ثبت، اختلط بآخره، ويدلّس [٦]
٣٨/٣٤ .
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت يدلّس [٤] ٣٤/٣٠.
٥- (سعيد بن أبي بردة) الأشعريّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٥] ٢٥٣٨/٥٦.
٦- (أبوه) أبو بردة بن أبي موسى الأشعريّ، اسمه عامر، وقيل: الحارث، وقيل:
اسمه كنيته الكوفيّ الثقة [٣] ٣/٣ .
٧- (أبو موسى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ الشهير
رَّ مات سنة (٥٠) وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في ٣/٣ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى قتادة، وبعده بالكوفيين. (ومنها): أن فيه
رواية تابعي عن تابعيّ، وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن قتادة من الطبقة
الرابعة، وسعيدًا من الخامسة، وفيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.

٣٥- (الْقَضَاءُ فِیمَنْ لَمْ تكُنْ لَهُ بَة) - حدیث رقم ٥٤٢٦
٣٦٩ =
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي مُوسَى) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ وَِّ فِي دَابَّةٍ) أي
ملكها، بأن ادّعى كلّ منهما أنها ملكه. ولفظ أبي داود: ((أن رجلين ادّعيا بعيرًا، أو دابّة))
(لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْنَةٌ) قال في ((فتح الودود)»: أي بعينه، بل لهما، أو لا بيّنة أصلاً.
انتهى ((عون المعبود)» ٢٩/١٠. وقال السنديّ: كناية عن عدم رجحان أحدهما على
الآخر بأن لا تكون في يد أحدهما، أو تكون في يدهما جميعًا. انتهى (فَقَضَى بِهَا بَيْنَهُمَا
نِصْفَيْنٍ) قسمها بينهما نصفين. قال الخطّابيّ رحمه اللّه تعالى: يُشبه أن يكون هذا
البعير، أو الدّابة كان في أيديهما معًا، فجعله النبيّ وَّل بينهما؛ لاستوائهما في الملك
باليد، ولولا ذلك لم يكونا بنفس الدعوى يستحقّانه لو كان الشيء في يد غيرهما.
انتهى. قال القاري: أو في يد ثالث، غير منازع لهما. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي موسى الأشعريّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح، وقال المصنف رحمه
اللَّه تعالى في ((الكبرى)) ٤٨٧/٣ بعد أن أخرجه: ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: إسناد
هذا الحدیث جيّد. انتهى.
[فإن قلت]: كيف يصح، وفيه عنعنة سعيد، وقتادة، وهما مدلّسان؟.
[قلت]: لم ينفرد به سعيد، بل تابعه شعبة، وهو لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا
ما صرّحوا بسماعه، فقد أخرج الحديث الإمام أحمد رحمه الله تعالى في ((مسنده)) ٤/
٤٠٢ فقال: حدّثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن
أبي بردة، عن أبيه: ((أن رجلين اختصما إلى رسول اللَّه ◌َ لقر في دابّة، ليس لواحد منهما
بيّنة، فجعله بينهما نصفين)). والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ضعّف الشيخ الألبانيّ هذا الحديث، فأرده في ((ضعيف سنن
النسائيّ)) ص٢٣٦، وفي كتابه ((إرواء الغليل)) ٢٧٣/٨، وأعله بالاضطراب سندًا
ومتنّا، لكن الذي يظهر لي أن سند المصنّف صحيح، كما أشار إليه المصنّف في كلامه
السابق؛ فقد اتفق شعبة وسعيد بن أبي عروبة على وصله، وأما الاختلاف في متنه،
فيرجّح ما اتفقا عليه أيضًا. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

٣٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
أخرجه هنا- ٥٤٢٦/٣٥ - وفي ((الكبرى)) ٥٩٩٧/٤٥ و٥٩٩٨ . وأخرجه (د) في
((الأقضية)) ٣٦١٢ (ق) في ((الأحكام)) ٢٣٣٠ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٩١٠٦.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيما إذا تنازع رجلان في عين في أيديهما:
قال الموفّق رحمه الله تعالى: ما خلاصته: إذا تنازع رجلان في عين في أيديهما،
فادعى كل واحد منهما أنها ملكه دون صاحبه، ولم تكن لهما بينة، حَلَف كل واحد
منهما لصاحبه، وجُعلت بينهما نصفين، لا نعلم في هذا خلافا؛ لأن يد كل واحد منهما
على نصفها، والقول قول صاحب اليد مع يمينه، وإن نكلا جميعا عن اليمين، فهي
بينهما أيضا؛ لأن كل واحد منهما يستحق ما في يد الآخر بنكوله، وإن نكل أحدهما،
وحَلَفَ الآخر قُضي له بجميعها؛ لأنه يستحق ما في يده بيمينه، وما في يد صاحبه إما
بنكوله، وإما بيمينه التي رُدّت عليه عند نكول صاحبه، وإن كانت لإحداهما بينة دون
الآخر حُكم له بها، لا نعلم في هذا خلافا، وإن أقام كل واحد منهما بينة، وتساوتا
تعارضت البينتان، وقُسمت العين بينهما نصفين، وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور،
وأصحاب الرأي؛ لما روى أبو موسى رضي الله عنه: ((أن رجلين اختصما إلى رسول
اللَّه وَ له في بعير، فأقام كل واحد منهما شاهدين، فقضى رسول اللَّه وَ له بالبعير بينهما
نصفين))، رواه أبو داود(١) ولأن كل واحد منهما داخل في نصف العين، خارج عن
نصفها، فتُقدم بينة كل واحد منهما فيما في يده عند من يقدم بينة الداخل، وفيما في يد
صاحبه عند من يقدم بينة الخارج، فيستويان على كل واحد من القولين. وذكر أبو
الخطاب فيها رواية أخرى: أنه يُقرَع بينهما، فمن خرجت قرعته حُلْف أنها لا حق للآخر
فيها، وكانت اليمين له، كما لو كانت في يد غيرهما، والأول أصح؛ للخبر(٢)
والمعنى.
واختلفت الرواية هل يُحلّف كل منهما على النصف المحكوم له به، أو يكون له من
غير يمين، فرُوي أنه يحلف، وهذا ذكره الخرقي؛ لأن البينتين لما تعارضتا من غير
ترجيح وجب إسقاطها، كالخبرين إذا تعارضا وتساويا، وإذا سقطا صار المختلفان كمن
لا بينة لهما، ويحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به، وهذا أحد قولي
الشافعي بناءً على أن اليمين تجب على الداخل مع بينته، وكل واحد منهما داخل في
(١) لكن الحديث ضعيف؛ للاضطراب بالإرسال والوصل، ولأن الصحيح بلفظ: ((ليس لأحدهما
بيّنة))، كما هو في رواية المصنّف في الباب .
(٢) قد عرفت أن الخبر لا يصح، فتنبّه.

٣٧١
٣٦- (عِظَةُ الْحَاكِم عَلَى الْيَمِين) - حديث رقم ٥٤٢٧
نصفها، فيحكم له به ببينته، ويحلف معها في أحد القولين، والرواية الأخرى أن العين
تقسم بينهما من غير يمين، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، وهو
أصح؛ للخبر، والمعنى الذي ذكرناه. انتهى ((المغني)) ٢٨٥/١٤-٢٨٦. وهو بحث
نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٣٦- (عِظَةُ الْحَاكِم عَلَى الْيَمِينِ)
٥٤٢٧- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ
نَافِعِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: كَانَتْ جَارِيَتَانِ تَخْرُزَانِ بِالطَّائِفِ، فَخَرَجَثْ
إِحْدَّاهُمَا، وَيَدُهَا تَذْمَى، فَزَّعَمَتْ أَنَّ صَاحِبَتَهَا أَصَابَتْهَا، وَأَنْكَرَتِ الْأُخْرَى، فَكَتَبْتُ إِلَى
اِبْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، قَضَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَوْ
أَنَّ النَّاسََ أَعْطُوا بِدَعْوَاهُمْ، لَاذَّعَى نَاسٌ أَمْوَالَ نَاسٍ وَدِمَاءَهُمْ، فَادْعُهَا، وَاتْلُ عَلَيْهَا هَذِهِ
الْآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا أُوْلَكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِ اَلْأَخِرَقِ﴾ [آل
عمران: ٧٧] حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ، فَدَعَوْتَهَا، فَتَلَوْتُ عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ، فَسَرَّهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عليّ بن سعيد بن مسروق) الكنديّ الكوفيّ، صدوق [١٠] ٤٨٠٤/٣٤ من
أفراد المصنّف، والترمذيّ.
٢- (يحيى بن أبي زائدة) هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمدنيّ الكوفيّ، ثقة
متقنٌّ، من كبار [٩] ١١٥/٩٣ .
٣- (نافع بن عمر) بن عبد الله بن جميل الْجُمَحيّ المكيّ، ثقة ثبت، من كبار [٧]
١٤٩٨/٢١ .
٤- (ابن أبي مليكة) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة المذكور قبل باب.
٥- (ابن عباس) عبد اللَّه رضي اللّه تعالى عنهما٣١/٢٨. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم

٣٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل
بالمكيين، غير شيخه، ويحيى، فكوفيان. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي اللّه تعالى
عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن) عبد الله بن عُبيد اللَّه (بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) زُهير بن عبد الله بن جُدعان، أنه (قَالَ:
كَانَتْ جَارِیَتَانِ تَخَرُزَانِ) بكسر الراء، وضمها، يقال: خرزت الجلدَ خَزْزًا، من باب
ضرب، وقتل، وهو كالخياطة في الثياب. قاله الفيّوميّ. (بِالطَّائِفِ) البلد المعروف،
قال الفيّوميّ: الطائف: بلاد الْغَوْر، وهي على ظهر جبل غَزْوَان، وهو أبرد مكان
بالحجاز، والطائف بلاد ثقيف. انتهى. (فَخَرَجَتْ إِحْدَاهُمَا، وَيَدُهَا تَدْمَى) بفتح أوله،
وثالثه، كترضَى، يقال: دَمِي الجرحُ دَمّى، من باب تَعِب وَدَمْيًا أيضًا على التصحيح:
خرج منه الدم، فهو دَم على النقص، ويتعدّى بالألف، والتشديد. قاله في ((المصباح))
(فَزَعَمَتْ أَنَّ صَاحِبَتَهَا أَصَابَتْهَا) أي جرحتها (وَأَنْكَرَتِ الْأُخْرَى، فَكَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ)
رضي اللّه تعالى عنهما، وفي رواية البيهقيّ من طريق عبد الله بن إدريس، عن ابن
جريج، وعثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة، قال: كنت قاضيًا لابن الزبير على
الطائف، فذكر قصّة المرأتين، فكتبت إلى ابن عبّاس، فكتب إليّ أن رسول الله
وَر ... )) الحديث (فِي ذَلِكَ) أي في شأن حادثة المرأتين (فَكَتَبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ).
يجوز فتح همزة ((إن)) على أنها في تأويل المصدر مفعول ((كتب))، ويجوز كسرها، على
أن الجملة هي مفعول به محكيّة (قَضَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) ورواه الطبراني من
رواية سفيان، عن نافع، عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، بلفظ: ((البينة على
المدعي، واليمين على المدعَى عليه))، وقال: لم يروه عن سفيان إلا الفريابي. وأخرجه
الإسماعيلي من رواية ابن جريج، بلفظ: ((ولكن البينة على الطالب، واليمين على
المطلوب))، وأخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، وعثمان
ابن الأسود، عن ابن أبي مليكة: كنت قاضيا لابن الزبير على الطائف، فذكر قصة
المرأتين، فكتبت إلى ابن عباس، فكتب إلي: ((أن رسول اللّه وَ لإل قال: «لو يُعطَى الناس
بدعواهم لاذعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من
أنكر))، وهذه الزيادة ليست في ((الصحيحين))، وإسنادها حسن. ذكره في ((الفتح)) ٥٪
٦١٧ في ((كتاب الشهات)) رقم ٢٦٦٨.
[تنبيهان]:
(الأول): الحكمة في كون البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، هو ما

٣٧٣
٣٦- (عظةُ الحاكم علی الیمِین) - حديث رقم ٥٤٢٧
بيّنه النبيّ وَّهُل بقوله وَله: «لو يُعطَى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال،
وأموالهم)).
وقال العلماء: الحكمة في ذلك أن جانب المدعي ضعيف؛ لأنه يقول خلاف
الظاهر، فَكُلّف الحجة القوية، وهي البينة؛ لأنها لا تجلب لنفسها نفعا، ولا تدفع عنها
ضررا، فيقوى بها ضعف المدعي، وجانب المدعى عليه قوي؛ لأن الأصل فراغ ذمته،
فاكتُفي منه باليمين، وهي حجة ضعيفة؛ لأن الحالف يجلب لنفسه النفع، ويدفع
الضرر، فكان ذلك في غاية الحكمة.
(الثاني): اختلف الفقهاء في تعريف المدْعِي، والمدّعَى عليه، والمشهور فيه
تعريفان: [الأول]: المدعي من يخالف قولُه الظاهرَ، والمدعَى عليه بخلافه.
[والثاني]: المدعي من إذا سكت تُرك وسكوتَهُ، والمدعَى عليه من لا يُخَلَّى إذا سكت،
والأول أشهر، والثاني أسلم، وقد أورد على الأول بأن المودع إذا ادّعى الردّ، أو
التلف، فإن دعواه تخالف الظاهر، ومع ذلك فالقول قوله، وقيل: في تعريفهما غير
ذلك. قاله في ((الفتح)) ٦١٧/٥ .
(وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ أُعْطُوا) بضم الهمزة، والطاء، وأصله: أعطِيُوا، كأكرموا، فأعلّ بنقل
حركة الياء إلى الطاء بعد سلب حركتها، ثم حُذفت الياء للالتقاء الساكنين (بِدَغْوَاهُمْ)
متعلّق بما قبله، والباء سببيّة (لَادَّعَى نَاسٌ) قال الفيّوميّ: الناس اسم وُضع للجمع،
كالقوم، والرهط، وواحده إنسانٌ من غير لفظه، مشتقّ من ناس ينُوس: إذا تدلّى،
وتحرّك، فيُطلق على الجنّ والإنس، قال تعالى: ﴿اُلَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ
النَّاسِ﴾، ثم فسّر الناس بالجنّ والإنس، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. انتهى
(أَمْوَالَ نَاسِ وَدِمَاءَهُمْ، فَادْعُهَا) أي المرأة المدَّعَى عليها، حتى تحلف أنها ما جرحت
صاحبتها (َوَاتْلُ عَلَيْهَا هَذِهِ الْآيَةَ) أي اقرأ هذه الآية على المرأة قبل أن تتوجّه إلى اليمين؛
تذكيرًا لها بالوعيد على من يحلف كاذبًا (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا
أُوْلَكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِي الْأَخِرَةِ﴾ حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ) أي قرأ ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى
عنهما الآية حتى ختمها، وتمامها: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا
يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلٌِ﴾ [آل عمرا: ٧٧] (فَدَعَوْتَهَا، فَتَلَوْتُ عَلَيْهَا) أي قرأت عليها
الآية (فَاعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ) أي بكونها جنت على صاحبتها، يعني أنها لَمّا سمعت الوعيد
المذكور في الآية الكريمة لمن حلف كاذبًا اتّعظت، فتركت الحلف، واعترفت بجنايتها
(فَسَرَّهُ) أي فأفرح ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما ذلك؛ حيث اعترفت المرأة خوفًا
من العقاب المترتّب على يمينها كاذبة لو حلفت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه

٣٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٤٢٧/٣٦ - وفي ((الكبرى)) ٤٣/ ٥٩٩٤ قال-٤٣- ((على من اليمين))-
٥٩٩٤- أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا خالد، قال: ثنا ابن جريج، قال:
سمعت ابن أبي مليكة، قال: أرسلت إلى ابن عباس، فذكرت له، قال: قال رسول الله
وَلير: لو أعطي الناس بدعواهم لاذعى ناس دماء رجال، وأموالهم، ولكن اليمين على
المدّعى عليه)). هذا قول النبيّ وَلهر. وأخرجه (خ) في ((الرهن)) ٢٥١٤ و((الشهادات))
٢٦٦٨ و(التفسير)) ٤٥٥٢ (م) في ((الأقضية)) ١٧١١ و١٧١٢ (ت) في ((الأحكام)) ١٣٤٢
(ق) في ((الأحكام)) ٢٣٢١ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ٢٢٨٠ و٣١٧٧ و٣٤١٧.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة وعظ من تتوجّه
عليه اليمين بهذه الآية الكريمة، ونحوها؛ ليرتدع عن الإقدام على اليمين الكاذبة، كما
اتّفق لهذه المرأة، فقد اعترفت لَمّا وعظوها بالآية. (ومنها): أن في أمر ابن عبّاس رضي
الله تعالى عنهما بتلاوة الآية الإشارة إلى العمل بعموم الآية، دون النظر إلى خصوص
سببها، فإنها كما تقدّم نزلت في الأشعث بن قيس وظي كانت بينه وبين رجل أرض،
فجحده إياها، وقد تقدّمت قصّته في ((الأيمان والنذور)). (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله:
((الیمین علی المدعى عليه» للجمهور بحمله على عمومه، في حق كل واحد، سواء كان
بين المدعي والمدعى عليه اختلاط أم لا، وعن مالك: لا تتوجه اليمين إلا على من بينه
وبين المدعي اختلاط؛ لئلا يَبْتَذِل أهل السَّفَه أهل الفضل بتحليفهم مرارا، وقريب من
مذهب مالك قول الإصطخري من الشافعية: إن قرائن الحال إذا شهدت بكذب
المدعي، لم يُلتفت إلى دعواه.
(ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: ((لادّعَى ناس دماء ناس وأموالهم)) على إبطال قول
المالكية في التدمية، ووجه الدلالة تسويته و اللهبن الدماء والأموال. [وأجيب]: بأنهم لم
يُسندوا القصاص مثلا إلى قول المدعي، بل للقسامة، فيكون قوله ذلك لَوْئاً يقوي
جانب المدعي في بداءته بالأيمان. ذكره في ((الفتح)) ٦١٧/٥-٦١٨ في ((كتاب

٣٧- (كَيفَ يَسْتَخْلِفُ الحَاكِم؟) - حديث رقم ٥٤٢٨
٣٧٥
الشهادات)) رقم ٢٦٦٨ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٣٧- (كَيْفَ يَسْتَخْلِفُ الْحَاكِمُ؟)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((يَستَحلِفُ)) بالبناء للفاعل، و((الحاكم)) فاعله،
ومفعوله محذوف: أي من توجه إليه اليمين. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٤٢٨- (أَخْبَرَنَا سَوَارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدْثَنَا مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي
نَعَامَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَّهِ خَرَجَ عَلَى خَلْقَةٍ يَعْنِي مِنْ أَصْحَابِهِ - فَقَالَ: ((مَا أَجْلَسَكُمْ؟))،
قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْهُو اللَّهَ، وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَذَانَا لِدِينِهِ، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِكَ، قَالَ: ((آللَّهُ مَا
أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ؟)) قَالُوا: آللَّهُ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَلِكَ، قَالَ: ((أَمَا إِنّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ ثََّمَةٌ
لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامِ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (سوار بن عبد الله) أبو عبد الله التميميّ العنبريّ البصريّ، ثقة [١٠] ١٦٠/
١١٢٩ .
٢- (مرحوم بن عبد العزيز) العطّار الأمويّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٨] ٢٥/
٣٢٥٠ .
٣- (أبو نَعامة) السعديّ البصريّ، اسمه عبد ربّه، وقيل: عمرو، ثقة [٦].
قال ابن معين: اسمه عبد ربه. وقال ابن حبان: قيل اسمه عمرو، رَوَى عن أبي
عثمان النَّهْدي، وعبد الله بن الصامت، وأبي نضرة العبدي، ومطرف بن عبد الله بن
الشّخِّير، وشهر بن حوشب. وعنه أيوب، وأبو عامر الخزاز، ومرحوم بن عبد العزيز
العطار، ومبارك بن فضالة، وشعبة، وحماد بن سلمة. قال ابن أبي خيثمة، عن ابن
معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال
الدارقطني: بصري صالح. ولَمّا أخرج الترمذي حديثه عن أبي عثمان، عن أبي سعيد،
عن معاوية في ((فضل مجالس الذكر))، قال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه،
وأبو نعامة عمرو بن عيسى. وتعقبه المزي في ((الأطراف))، فقال: كذا قال، وأبو نعامة

٣٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
عمرو بن عيسى شيخ آخر، وهو العدوي، وأما هذا فهو السعدي، واسمه عبد ربه،
فجزم بذلك في أنه حَكَى عن ابن حِبّان ما يقتضي أنه اختلف فيه. روى له الجماعة،
سوى البخاريّ، وابن ماجه، وله عندهم هذا الحديث فقط.
٤- (أبو عثمان النَّهْديّ)- بفتح النون، وسكون الهاء- عبد الرحمن بن ملّ- مثلّث
الميم، واللام مشدّدة- الكوفيّ، مخضرم ثقة، من كبار [٢] ١١/ ٦٤١.
٥- (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله
تعالى عنهما ١٦٩/ ٢٦٢ .
٦- (معاوية) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أميّة الأمويّ، أبو عبد الرحمن
الخليفة، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي للنبيّ ◌َّر، ومات في رجب سنة (٦٠)، وقد
قارب الثمانين، وتقدم في ٢٩٤/٢٨٦ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، سوى شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل
بالبصريين إلى أبي نعامة. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ) رضي اللَّه تعالى عنه (قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان
(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)ما (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَهَ، خَرَجَ) وفي رواية مسلم: ((عن أبي سعيد
الخدريّ، قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا
نذكر الله، قال: آللَّه ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني
لم أستحلفكم ثُمَةً لكم، وما كان أحدٌ بمنزلتي من رسول اللَّه وَ ر أقلّ عنه حديثًا منّي،
وإن رسول اللّهُ وَّر خرج على حلقة ... )) الحديث (عَلَى حَلْقَةٍ) بفتح، فسكون (يَغْنِي
مِنْ أَضْحَابِهِ) العناية من بعض الرواة، وفي رواية مسلم، والترمذيّ: ((خرج على حلقة
من أصحابه)) بدون ((يعني)) (فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟) ((ما)) استفهاميّة، والمعنى: ما السبب
الذي جعلكم جالسين ههنا (قَالُوا: جَلَسْتَا نَدْعُو اللَّهَ، وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِدِينِهِ) كما
حكى الله تعالى عن قول أهل دار السلام: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَيْنَا لِهَذَا وَمَا كَُّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَّ
أَنْ هَدَنَا اَللّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] الآية (وَمَنَّ عَلَيْنَا) من بين الأنام (بِكَ) أي ببعثتك، لأنه
الرحمة المهداة من اللَّه تعالى، كما قال عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾
[الأنبياء: ١٠٧] (قَالَ) وَلِّ (آللَّهُ) بهمزة ممدودة، هي عوض من باء القسم. قال السيّد

٣٧- (گی یستحلِفُ الحاکمُ؟) - حدیث رقم ٥٤٢٩
٣٧٧
جمال الدين: قيل: الصواب بالجر لقول المحقّق الشريف في ((حاشيته)): همزة استفهام
وقعت بدلًا عن حرف القسم، ويجب الجرّ معها. انتهى. وكذا صحّح في أصل سماعنا
من ((المشكاة))، ومن ((صحيح مسلم)). ووقع في بعض نسخ ((المشكاة)) بالنصب. انتهى
كلامه. وقال الطيبيّ: قيل: ((اللّه)) بالنصب: أي أتُقسمون باللّه، فحُذف الجارّ،
وأُوصل الفعل، ثم حُذف الفعل. كذا في ((المرقاة))، قاله في ((تحفة الأحوذي)) ٩/ ٢٦١
(مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ؟) أي ما جلستم لشيء دنيويّ (قَالُوا: آللَّهُ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّ ذَلِكَ،
قَالَ) وَ (أَمَّا) أداة استفتاح وتنبيه (إِنِّي) بكسر الهمة (لَمْ أَسْتَخْلِفْكُمْ ثَُّمَةً لَكُمْ) بضم
التاء، وفتح الهاء، وتسكّن، وقال في ((النهاية)) ١/ ٢٠١: التُّهْمة، وقد تفتح الهاء فُعْلة
من الوهم، والتاء بدلٌ من الواو، والتَّهمته: أي ظننت فيه ما نُسب إليه. انتهى. أي ما
أستحلفكم تهمة لكم بالكذب؛ لأنه خلاف حسن الظنّ بالمؤمنين. قال الطيبيّ: أي
فأردت أن أتحقّق ما هو السبب في ذلك، فالتحليف لمزيد التقرير والتأكيد، لا للتهمة،
كما هو الأصل في وضع التحليف، فإن من لا يُتّهم لا يُحلّف. انتهى. (وَإِنَّمَا أَتَانِي
جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامِ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ))) أي يفاخر بكم
إياهم. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: معناه: يُظهر فضلكم لهم، ويُريهم حسن
عملكم، ويُثني عليكم عندهم، وأصل البهاء: الحسن والجمال، وفلانٌ يباهي بماله:
أي يفخر، ويتجمّل به على غيره، ويُظهر حسنه لهم. انتهى. وقال المباركفوريّ رحمه
اللَّه تعالى: قيل: معنى المباهاة بهم أن اللّه تعالى يقول لملائكته: انظروا إلى عبيدي
هؤلاء، كيف سلّطتُ عليهم أنفسهم، وشهواتهم، وأهويتهم، والشيطان وجنوده، ومع
ذلك قَوِيت همّتهم على مخالفة هذه الدواعي القويّة إلى البطالة، وترك العبادة والذكر،
فاستحقّوا أن يُمدحوا أكثر منكم؛ لأنكم لا تجدون للعبادة مشقّة بوجه، وإنما هي منكم
كالتنفّس منهم، ففيها غاية الراحة، والملائمة للنفس. ذكره في ((تحفة الأحوذيّ)) ٩/ ٢٦٢ .
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث معاوية رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٤٦٨/٣٧- ولم يخرجه في ((الكبرى)). وأخرجه (م) في ((الذكر
والدعاء)) ٢٧٠١ (ت) في ((الدعوات)) ٢٣٧٩ (أحمد) في ((مسند الشاميين)) ١٦٣٩٣ .
والله تعالى أعلم.

٣٧٨
E
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان كيفية الاستحلاف، وهو
أن يقول للمستحلَف قل: آللَّه ما فعلت كذا مثلًا. (ومنها): فضل الاجتماع في المسجد
لأجل ذكر الله تعالى، وتذكّر نعمه. (ومنها): أنه ينبغي للمؤمن أن يشكر الله تعالى أن
هداه للإسلام، وأن جعله من أمة النبيّ وَّر، فإنه فخر لا فخر بعده، وقد أجاد من قال،
وأحسن في المقال :
وَكِدتُ بِأَخْمَصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا
وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفًا وَتَيْهَا
وَأَنْ صَيَّرْتَ لِي أَخْمَدَ نَبِهَا
دُخُولِي ثُحتَّ قَوْلِكَ يَا عِبَادِي
(ومنها): أن الله سبحانه وتعالى يباهي الملائكة بعباده الصالحين من بني آدم، وذلك لعظم
شأنهم، حيث أقبلوا عليه سبحانه وتعالى مدافعين عنهم النفس الأمارة بالسوء، والشيطان
العدو اللدود، وكسرهم الشهوات، فاستحقّوا بذلك الثناء عليهم في الملأ الأعلى، وهذا
معني الحديث القدسيّ: ((ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه ... ))، متّفق عليه.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٤٢٩- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَقْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِیمُ بْنُ
طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((وَأَى عِيسَى ابْنُ مُرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامِ، رَجُلًا يَسْرِقُ،
فَقَالَ لَهُ: أَسَرَقْتَ؟ قَالَ: لَا، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، قَالَ: عِيسَى عَلَّيْهِ السَّلَامِ: آمَنْتُ
بِاللَّهِ، وَكَذَّبْتُ بَصَرِي))(١) ).
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١- (أحمد بن حفص) السلميّ، أبو عليّ بن أبي عمرو النيسابوريّ، صدوق [١١]
٧/ ٤٠٩ من أفراد البخاريّ، والمصنّف، وأبي داود.
٢- (أبوه) حفص بن عبد الله بن راشد السلميّ، أبو عمرو النيسابوريّ، قاضيها،
صدوقٌ [٩] ٧ /٤٠٩.
٣- (إبراهيم بن طهمان) الخراسانيّ، نزيل مكة، ثقة يُغرب، وتكلم فيه للإرجاء،
ويقال: رجع عنه [٧] ٤٠٩/٧ .
٤- (موسى بن عُقبة) الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقة فقيه، إمام في المغازي [٥]
٩٦/ ١٢٢ .
(١) يوجد في النسخة ((الهندية)) هنا: ما نصّه: آخر كتاب آداب القاضي)).

٣٧- (کیف یستحلِفُ الحاکِمُ؟) - حدیث رقم ٥٤٢٩
٣٧٩ =
٥- (صفوان بن سُليم) أبوعبد الله الزهريّ مولاهم المدنيّ، ثقة مفتٍ عابد، رُمي
بالقدر [٤] ٤٧ /٥٩ .
٦- (عطاء بن يسار) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقة فاضل، صاحب
مواعظ وعبادة، من صغار [٣] ٦٤ /٨٠.
٧- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من موسى بن عقبة، وإبراهيم خراسانيّ، ثم
مكيّ، والباقيان نيسابوريان. (ومنها): أن فيه ثلاثة من تابعي المدينة يروي بعضهم عن
بعض: موسى عن صفوان، عن عطاء، وفيه أبو هريرة رضي أكثر من روى الحديث في
دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((رَأَى عِيسَى
ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلَامِ، رَجُلًا يَسْرِقُ) بكسر الراء، من باب ضرب (فَقَالَ) عيسىَالَّلِمُ
(لَهُ: أَسَرَقْتَ؟ قَالَ) الرجل (لَا) أَي لم أسرق (وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) وفي رواية
البخاريّ: ((كلّا، والذي لا إله إلا اللّه))، وفي رواية: ((إلا هو)). قال القرطبيّ رحمه الله
تعالى: ظاهر قول عيسى فعّالَّلهُ لهذا الرجل: سرقتَ أنه خبر عمّا فعل الرجل من
السرقة، وكأنه حقّق السرقة عليه؛ لأنه رآه قد أخذ مالًا لغيره من حرز في خُفية.
ويحتمل أن يكون مستفهمًا له عن حقيقة ذلك، فحُذفت همزة الاستفهام، وحذفها
قليل. انتهى ((المفهم)) ١٧٩/٦. (قَالَ: عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامِ: آمَنْتُ بِاللَّهِ) أي بأمره أن
الحالف يُصدّق إذا أمكن ذلك، أو بأنه عظيم لا ينبغي حرمان من توسّل باسمه إلى أمره
(وَكَذَّبْتُ بَصَرِي) أي حكمت، وأظهرت خطأه.
وقال النوويّ رحمه اللّه تعالى: قال القاضي: ظاهر الكلام صدّقت من حلف بالله
تعالى، و کذبت ما ظهر لي من ظاهر سرقته، فلعله أخذ ما له فیه حقّ، أو بإذن صاحبه،
أو لم يقصد الغصب، والاستيلاء، أو ظهر له من مدّ يده أنه أخذ شيئًا، فلما حلف له
أسقط ظنّه، ورجع عنه. انتهى ((شرح مسلم)) ١٢١/١٥.
وقال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى: هذا مشكلٌ من جهة أن العين
لا تكذّب، وإنما يُكذّب القلب بظنّه، والذي يطابق صدقتَ أيها الرجل، فإنه لم يمض

٣٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
لله في الواقعة خبرٌ، ولا ذكر، فكيف يُصَدّق؟. قال: [والجواب]: أن إضافة الكذب
إلى العين إضافة الفعل إلى سببه؛ لأنها سبب لاعتقاد القلب، وأما قوله: ((صدق الله))،
فإشارة إلى إخبار الله عز وجل بأنه حكم في الظاهر بما ظهر، وفي الباطن بما يظنه،
وأن الظاهر إذا تبيّن خلافه تُرك. انتهى ذكره السيوطيّ في ((زهر الربى)) ٢٥٠/٨.
وفي رواية البخاريّ: ((وكذّبتُ عَيْنَيَّ)): قال في ((الفتح)) ١٦٤/٧: قوله: ((وكذبت
عيني)) - بالتشديد على التثنية، ولبعضهم بالإفراد، وفي رواية المستملى: ((كَذَبَتْ))
بالتخفيف، وفتح الموحدة، و((عيني)) بالإفراد في محل رفع، ووقع في رواية مسلم:
((وكذّبتُ نفسي)). قال ابن التين: قال عيسىبنعلَّلهُ ذلك على المبالغة في تصديق
الحالف، وأما قوله: ((وكذبت عيني))، فلم يُرد حقيقة التكذيب، وإنما أراد كذبت عيني
في غير هذا، قاله ابن الجوزيّ، وفيه بُعْدٌ. وقيل: إنه أراد بالتصديق والتكذيب ظاهر
الحكم، لا باطن الأمر، وإلا فالمشاهدة أعلى اليقين، فكيف يُكَذّب عينه، ويصدق قول
المدعي. ويحتمل أن يكون رآه مَدّ يده إلى الشيء، فظن أنه تناوله، فلما حلف له،
رجع عن ظنه. وقال القرطبي: ظاهر قول عيسى للرجل: سرقت أنه خبر جازم عما فعل
الرجل من السرقة؛ لكونه رآه أخذ ما لا من حرز في خفية، وقول الرجل كَلّا نفي
لذلك، ثم أكده باليمين، وقول عيسى: ((آمنت بالله، وكذبت عيني)): أي صدقت من
حلف بالله، وكذبت ما ظهر لي من كون الأخذ المذكور سرقة، فإنه يحتمل أن يكون
الرجل أخذ ماله فيه حق، أو ما أذن له صاحبه في أخذه، أو أخذه ليقلبه وينظر فيه، ولم
يقصد الغصب والإستيلاء، قال: ويحتمل أن يكون عيسى كان غير جازم بذلك، وإنما
أراد استفهامه بقوله: ((سرقت))، وتكون أداة الاستفهام محذوفة، وهو سائغ كثير.
انتھی .
قال الحافظ: واحتمال الاستفهام بعيد مع جزمه ◌َل # بأن عيسى رأى رجلا يسرق،
واحتمال كونه يَحِلّ له الأخذ بعيد أيضا بهذا الجزم بعينه، والأول مأخوذ من كلام
القاضي عياض، وقد تعقبه ابن القيم في كتابه ((إغاثة اللَّهفان))، فقال: هذا تأويل
مُتَكَلّف، والحق أن اللَّه كان في قلبه أجل من أن يحلف به أحد كاذبًا، فدار الأمر بين
تهمة الحالف، وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره، كما ظن آدم ◌ِالكَلامُ صدق إبليس لما
حلف له، أنه له ناصح. قال الحافظ: وليس بدون تأويل القاضي في التكلف، والتشبيه
غير مطابق. والله أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن القيم رحمه اللّه تعالى أظهر مما
قاله القاضي وغيره، ودعوى الحافظ التسوية فيه نظر، وكذا كون التشبيه غير مطابق،