Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
١٦ - (ذِكْرُ شُعَب الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠٠٦
العشرة، وبما دون العشرين، فإذا جاوز العشرين امتنع، قال: وأجازه أبو زيد، فقال:
يقال: بضعة وعشرون رجلا، وبضع وعشرون امرأة، وقال الفراء: وهو خاص
بالعشرات إلى التسعين، ولا يقال: بضع ومائة، ولا بضع وألف، ووقع في بعض
الروايات بضعة بتاء التأنيث، ويحتاج إلى تأويله.
وقال القرطبيّ: ((البضع، والبضعة واحدٌ، وهو من العدد بكسر الباء، وقد تُفتح،
وهو قليلٌ، فأما من بضع اللحم، فبفتح الباء لا غير، والْبَضْعة من اللحم بالفتح: القطعة
منه. واستعملت العرب البضع في المشهور من كلامها فيما بين الثلاث إلى العشر.
وقيل: إلى التسع. وقال الخليل: البضع سبع. وقيل: هو ما بين اثنين إلى عشر، وما
بين عشر إلى عشرين، ولا يقال في أحد عشر، ولا في اثني عشر. وقال الخليل أيضًا:
هو ما بين نصف العقد، يريد من واحد إلى أربع. انتهى.
(وَسَبْعُونَ) هكذا في رواية المصنّف: ((وسبعون)) من دون شكّ، وكذا عند أبي داود،
وابن ماجه، وفي رواية البخاريّ: ((وستون))، قال في ((الفتح)): لم تختلف الطرق عن أبي
عامر، شيخ شيخ البخاريّ في ذلك، وتابعه يحيى الْحِمّاني -بكسر المهملة، وتشديد
الميم -عن سليمان بن بلال، أخرجه أبو عوانة، من طريق بشر بن عُمَر، عن سليمان بن
بلال، فقال: ((بضع وستون، أو بضع وسبعون))، وكذا وقع التردد في رواية مسلم، من
طريق سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، ورواه أصحاب السنن الثلاثة، من
طريقه، فقالوا: ((بضع وسبعون))، من غير شك، ولأبي عوانة في ((صحيحه)) من طريق:
(ست وسبعون، أو سبع وسبعون))، ورجح البيهقي رواية البخاري؛ لأن سليمان لم
يشك، وفيه نظر؛ لما ذكرنا من رواية بشر بن عُمَر عنه، فتردد أيضا، لكن يرجح بأنه
المتيقن، وما عداه مشكوك فيه، وأما رواية الترمذي بلفظ: ((أربع وستون))، فمعلولة،
وعلى صحتها لا تخالف رواية البخاري، وترجيحُ روايةٍ: ((بضع وسبعون))؛ لكونها زيادة
ثقة؛ كما ذكره الْحَلِيمِيّ، ثم عياض، لا يستقيم، إذ الذي زادهالم يستمر على الجزم
بها، لا سيما مع اتحاد المخرَج، وبهذا يتبين شفوف نظر البخاري، وقد رجح ابن
الصلاح الأقل؛ لكونه المتيقن. انتهى ((فتح)) ١/ ٧٥ .
(شُعْبَةً)- بالضم -: أي قطعة، والمراد الخصلة، أو الجزء. قاله في ((الفتح)). وقال
القرطبيُّ رحمه الله تعالى في ((المفهم)): والشعبة في أصلها واحدة الشُّعَب، وهي
أغصان الشجرة، وهي بضمّ الشين، فأما شَعب القبائل، فواحدها شَعْب بفتحها. وقال
الخليل: الشعب: الاجتماع، والافتراق. وفي (الصحاح)): هو من الأضداد، فيراد
بالشُّعبة في الحديث الخصلة، ويعني أن الإيمان ذو خصال معدودة. وقد ذكر الترمذيّ

٢٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
هذا الحديث، وسمّى الشعبة بابًا.
قال: ومقصود هذا الحديث أن الأعمال الشرعيّة تُسمّى إيمانًا على ما ذكرناه آنفًا،
وأنها منحصرة في ذلك العدد، غير أن الشرع لم يُعيّن ذلك العدد لنا، ولا فضّله، وقد
تكلّف بعض المتأخرین تعدید ذلك، فتصفّح حصال الشريعة، وعددها، حتى انتھی بها
في زعمه إلى ذلك العدد، ولا يصحّ له ذلك؛ لأنه يمكن الزيادة على ما ذكر، والنقصان
مما ذكر ببيان التداخل، والصحيح ما صار إليه أبو سليمان الخطّابِيُّ وغيره: أنها
منحصرة في علم الله تعالى، وعلم رسوله وَله، وموجودة في الشريعة مفصّلة فيها، غير
أن الشرع لم يوقفنا على أشخاص تلك الأبواب، ولا عيّن لنا عددها، ولا كيفيّة
انقسامها، وذلك لا يضرّنا في علمنا بتفاصيل ما كُلّفنا به من شريعتنا، ولا في عملنا، إذ
كلّ ذلك مفصّلٌ مبيّنٌ في جملة الشريعة، فما أمرنا بالعمل به عملناه، وما نُهينا عنه انتهينا،
وإن لم نُحط بحصر أعداد ذلك. والله تعالى أعلم. انتهى ((المفهم)) ٢١٦/١-٢١٧.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: سيأتي تمام البحث في عدد الشعب في المسألة
الخامسة، إن شاء الله تعالى.
(وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ) ((الحياء))- بالمد -هو في اللغة: تغير، وانكسار، يَعتَرِي
الإنسانَ من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو
من لوازمه، وفي الشرع: خُلُقٌ يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق
ذي الحق، ولهذا جاء في الحديث الآخر: ((الحياء خير كله)). انتهى ((فتح)) ٧٦/١.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: الحياء: انقباض، وحشمة يجدها
الإنسان من نفسه عند ما يُطْلع منه على ما يُستقبح، ويُذمّ عليه، وأصله غريزيّ في
الفطرة، ومنه مكتسبٌ للإنسان، كما قال بعض الحكماء في العقل:
وَمَضْنُوعُ
فَمَطْبُوعٌ
عَقْلَیْنِ
رَأَيْتُ الْعَقْلَ
إِذَا لَمْ يَكُ مَطْبُوعُ
وَلَا يَنْفَعُ مَضْتُوع
كَمَا لَا تَتْفَعُ الْعَيْنُ وَضَوْءُ الشَّمْسِ مَمْنُوعُ
وهذا المكتسب هو الذي جعله الشرع من الإيمان، وهو الذي يُكلّف به، وأما
الغريزيّ، فلا يُكلّف به، إذ ليس ذلك من كسبنا، ولا في وُسعنا، ولم يُكلّف اللَّه نفسًا
إلا وسعها، غير أن هذا الغريزيّ يَحمل على المكتسب، ويُعين عليه، ولذلك قال وَله:
((الحياء لا يأتي إلا بخير))، ((والحياء خير كلّه)). وأول الحياء، وأولاه: الحياء من اللَّه
تعالى، وهو أن لا يراك حيث نهاك، وذلك لا يكون إلا عن معرفة بالله تعالى كاملة،
ومراقبة له حاصلة، وهي المعبّر عنها بقوله وَّله: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن

١٦ - (ذِكْرُ شُعَب الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠٠٦
=
٢٨٣
تراه، فإنه يراك)). وقد روى الترمذيّ من حديث ابن مسعود رضي أنه وَ ل قال:
((استحيوا من اللَّه حقَّ الحياء))، فقالوا: إنا نستحيي، والحمد لله، فقال: ((ليس ذلك،
ولكن الاستحياء من الله حقّ الحياء أن تحفظ الرأس، وما حوى، والبطن وما وعى،
وتذكر الموت والبِلَى، فمن فعل ذلك، فقد استحيى من اللَّه حقّ الحياء)(١).
قال: وأهل المعرفة في هذا الحياء منقسمون، كما أنهم في أحوالهم متفاوتون، وقد
كان النبيّ وَّ جُمع له كمال نوعي الحياء، فكان في الحياء الغريزيّ أشد حياء من العذراء
في خِدرها، وفي حيائه الكسبيّ في ذِروتها. انتهى ((المفهم)) ٢١٧/١-٢١٩.
وقال في ((الفتح)): [فإن قيل]: الحياء من الغرائز، فكيف جعل شعبة من الإيمان؟.
[أجيب]: بأنه قد يكون غريزة، وقد يكون تخلقا، ولكن استعماله على وفق الشرع،
يحتاج إلى اكتساب، وعلم، ونية، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثا على فعل
الطاعة، وحاجزا عن فعل المعصية، ولا يقال: رُبَّ حياء يمنع عن قول الحق، أو فعل
الخير؛ لأن ذاك ليس شرعيا .
[فإن قيل]: لِمَ أفرده بالذكر هنا؟. [أجيب]: بأنه كالداعي إلى باقي الشعب، إذ
الْحَيِيُّ يخاف فضيحة الدنيا والآخرة، فيأتمر، وينزجر. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة تَظْثُهُ متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٠٠٦/١٦ و٥٠٠٧ و٥٠٠٨- وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) ٩ (م) في
((الإيمان)) ٣٥ (د) في ((السنة)) ٤٦٧٦ (ت) في ((الإيمان)) ٢٦١٤ (ق) في ((المقدمة)) ٥٧
(أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٨٧٠٧ و٩٠٩٧ و٩٤١٧ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان شعب الإيمان. (ومنها):
أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وهو الحقّ الذي عليه أهل السنة والجماعة،
وخالف فيه بعضهم، ولا اعتداد به، كما تقدّم بيانه مفصّلًا أول كتاب الإيمان. (ومنها):
بيان عظم شأن الحياء، وأنه من أفضل الشعب إذ يدعو إلى بقية الشعب، فمن كان حييًا
(١) حديث حسن أخرجه أحمد، ٣٨٧/١ والترمذيّ ٢٤٦٠.

٢٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
فإن حياءه يدعوه إلى أن يعمل بمقتضى إيمانه، ويتجنب ما يناقضه. (ومنها): ما قاله
الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: في قوله: «أعلاها قول إله إلا الله)): ما يَستدلّ به
من يقول: إن هذه الكلمة أفضل الكلام مطلقًا، وإنها أفضل من كلمة الحمد، وفي ذلك
اختلاف، ذكره ابن عبد البرّ، وغيره. انتهى. (ومنها): أن في قوله: ((أعلاها لا إله الا
الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)): إشارةً إلى أن مراتبها متفاوتة. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف الحفّاظ في إسناد هذا الحديث:
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بعد أن أورد رواية البخاريّ بلفظ: ((الإيمان
بضع وستون شعبة)): ما نصّه: وخرّجه مسلم من هذا الوجه، ولفظه: ((بضع وسبعون)).
وخرّجه مسلم أيضًا من رواية جرير، عن سُهيل، عن عبد الله بن دينار به، وقال في
حديثه: ((بضع وسبعون، أو بضع وستون)) بالشكّ، وهذا الشكّ من سُهيل، كذا جاء
مصرّحًا به في ((صحيح ابن حبّان))، وغيره. وخرّجه مسلم أيضًا من حديث ابن الهاد،
عن عبد الله بن دينار به، وقال في حديثه: ((الإيمان سبعون، أو اثنان وسبعون بابًا))(١).
ورواه ابن عجلان، عن عبد الله بن دينار، وقال: ((ستّون، أو سبعون)). ورُوي عنه أنه
قال في حديثه: ((ستون، أو سبعون، أو بضع وأحد من العددين)»، أخرجه ابن أبي شيبة
في ((الإيمان)) ٦٧ ومن طريقه ابن ماجه ٥٧ . ورُوي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن
دينار، عن أبيه بهذا اللفظ أيضًا. أخرجه ابن منده في ((الإيمان)) ٢٩٦/١ . وروي عنه
بلفظ آخر، وهو: ((الإيمان تسعة، أو سبعة وسبعون شعبة)). وخرجه الترمذيّ من رواية
عُمارة بن غَزِيّة، وقال فيه: ((الإيمان أربعة وسبعون بابًا)). وقد رُوي عن عمارة بن
غزيّة، عن سُهيل، عن أبيه، وسهيل لم يسمعه من أبيه، إنما رواه عن عبد الله بن دينار،
عن أبي صالح. فمدار الحديث على عبد الله بن دينار، لا يصحّ عن غيره.
وقد ذكر العيقليّ أن أصحاب عبد الله بن دينار على ثلاث طبقات: أثبات، كمالك،
وشعبة، وسفيان بن عيينة. ومشايخ: كسهيل، ويزيد بن الهاد، وابن عجلان. قال:
وفي رواياتهم عن عبد الله بن دينار اضطراب، وقال: إن هذا الحديث لم يُتابع هؤلاء
المشايخ عليه أحد من الأثبات عن عبد الله بن دينار، ولا تابع عبد اللَّه بن دينار، عن
أبي صالح عليه أحد. والطبقة الثالثة: الضعفاء، فيروون عن عبد الله بن دينار المناكير،
(١) هكذا نصّ ابن رجب، وعلق عليه المحقق، فقال: بهذا الطريق أخرجه ابن منده في ((الإيمان)) ١/
٢٩٦ ولم نجده في مسلم من المطبوع، ولا عزاه في ((التحفة)) إليه من هذا الطريق، فإن لم يكن
في بعض نسخ ((صحيح مسلم))، فلعله وهم من المصنّف رحمه اللّه تعالى. انتهى. ٣٠/١.

٢٨٥ ===
١٦ - (ذِكْرُ شُعَبِ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠٠٦
إلا أن الحمل فيها عليهم.
قال ابن رجب: قد رواه عن عبد الله بن دينار سليمان بن بلال، وهو ثقة ثبتٌ، قد
خُرّج حديثه في ((الصحيحين)). انتهى كلام ابن رجب رحمه اللّه تعالى ((شرح البخاري))
٣٢/٣٠/١ .
(المسألة الخامسة): في الاختلاف الواقع في لفظ الحديث، واختلاف أهل العلم في
تعداد شُعب الإيمان:
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وأما الاختلاف في لفظ الحديث فالأظهر أنه
من الرواة، كما جاء التصريح في بعضه بأنه شكّ من سُهيل بن أبي صالح، وزعم بعض
الناس أن النبيّ وَلّ كان يذكر هذا العدد بحسب ما ينزل من خصال الإيمان، فكلما نزلت
خصلة منها ضمّها إلى ما تقدّم، وزادها عليها. وفي ذلك نظر. وقد ورد في بعض
روايات ((صحيح مسلم)) عدد بعض هذه الخصال، ولفظه: ((أعلاها قول: لا إله إلا
اللَّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان))(١).
فأشار إلى أن خصال الإيمان منها ما هو قولٌ باللسان، ومنها ما هو عملٌ بالجوارح،
ومنها ما هو قائم بالقلب، ولم يزد في شيء من هذه الروايات على هذه الخصال.
وقد انتدب لعدّها طائفة من العلماء، كالْحَلِيميّ(٢)، والبيهقيّ، وابن شاهين،
وغيرهم، فذكروا كلّ ما ورد تسميته إيمانًا في الكتاب والسنّة من الأقوال والأعمال،
وبلغ بها بعضهم سبعا وسبعين، وبعضهم تسعًا وسبعين.
وفي القطع على أن ذلك هو مراد الرسول وَ ل# من هذه الخصال عسر، كذا قاله ابن
الصلاح، وهو كما قال. انتهى كلام ابن رجب ((شرح البخاريّ)) ٣٢/١-٣٤ .
وقال الحافظ في ((الفتح)): قال القاضي عياض: تكلف جماعة حصر هذه الشعب،
بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة، ولا يَقدَح عدم معرفة حصر
ذلك على التفصيل في الإيمان. انتهى.
ولم يَتّفق من عَدَّ الشعب على نمط واحد، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان،
لكن لم نقف على بيانها من كلامه، وقد لخصت مما أوردوه ما أذكره، وهو: أن هذه
الشعب تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن، فأعمال القلب فيه
(١) هو الرواية التالية للنسائي، ولكن بلفظ: ((أفضلها لا إله إلا الله، وأوضعها إماطة الأذى عن
الطريق)) .
(٢) هو أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاريّ الشافعيّ، المولود سنة (٣٣٨هـ)
في شهر ربيع الأول، والمتوفّى سنة (٤٠٣ هـ)

٢٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
المعتقدات، والنيات، وتشتمل على أربع وعشرين خصلة:
الإيمان بالله، ويدخل فيه الإيمان بذاته، وصفاته، وتوحيده بأنه ليس كمثله شيء،
واعتقاد حدوث ما دونه، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره،
والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه المسألة في القبر، والبعث، والنشور، والحساب،
والميزان، والصراط، والجنة، والنار، ومحبة اللَّه، والحب والبغض فيه، ومحبة النبي
وَلخير، واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه الصلاة عليه، واتباع سنته، والإخلاص، ويدخل فيه
ترك الرياء، والنفاق، والتوبة، والخوف، والرجاء، والشكر، والوفاء، والصبر،
والرضا بالقضاء، والتوكل، والرحمة، والتواضع، ويدخل فيه توقير الكبير، ورحمة
الصغير، وترك الكبر، والعجب، وترك الحسد، وترك الحقد، وترك الغضب.
وأعمال اللسان، وتشتمل على سبع خصال: التلفظ بالتوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلم
العلم، وتعليمه، والدعاء، والذكر، ويدخل فيه الاستغفار، واجتناب اللغو.
وأعمال البدن، وتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة، منها ما يختص بالأعيان، وهي
خمس عشرة خصلة: التطهير حسا وحكما، ويدخل فيه اجتناب النجاسات، وستر
العورة، والصلاة فرضا ونفلا، والزكاة كذلك، وفك الرقاب، والجود، ويدخل فيه
إطعام الطعام، وإكرام الضيف، والصيام فرضا ونفلا، والحج والعمرة كذلك،
والطواف، والاعتكاف، والتماس ليلة القدر، والفرار بالدين، ويدخل فيه الهجرة من
دار الشرك، والوفاء بالنذر، والتحرى في الأيمان، وأداء الكفارات، ومنها ما يتعلق
بالاتباع، وهي ست خصال: التعفف بالنكاح، والقيام بحقوق العيال، وبر الوالدين،
وفيه اجتناب العقوق، وتربية الأولاد، وصلة الرحم، وطاعة السادة، أو الرفق بالعبيد،
ومنها ما يتعلق بالعامة، وهي سبع عشرة خصلة: القيام بالإمرة مع العدل، ومتابعة
الجماعة، وطاعة أولي الأمر، والإصلاح بين الناس، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة،
والمعاونة على البر، ويدخل فيه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود،
والجهاد، ومنه المرابطة، وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس، والقرض مع وفائه، وإكرام
الجار، وحسن المعاملة، وفيه جمع المال من حله، وإنفاق المال في حقه، ومنه ترك
التبذير والإسراف، ورد السلام، وتشميت العاطس، وكَفُّ الأذى عن الناس، واجتناب
اللَّهو، وإماطة الأذى عن الطريق.
فهذه تسع وستون خصلة، ويمكن عدها تسعا وسبعين خصلة، باعتبار إفراد ما ضم
بعضه إلى بعض مما ذكر، والله أعلم. انتهى ((فتح)) ٧٦/١ -٧٧.
[تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: [فإن قيل]: فأهل الحديث والسنة

٢٨٧
١٦- (ذِكْرُ شُعَبِ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠٠٧
عندهم أن كلّ طاعة، فهي داخلة في الإيمان، سواء كانت من أعمال الجوارح، أو
القلوب، أو من الأقوال، وسواء في ذلك الفرائض، والنوافل، هذا قول الجمهور
الأعظم منهم، وحينئذ، فهذا لا ينحصر في بضع وسبعين، بل يزيد على ذلك زيادة
كثيرةٌ، بل هي غير منحصرة.
[قيل]: يمكن أن يجاب عن هذا يأجوبة: [أحدها]: أن يقال: إن عدد خصال
الإيمان عند قول النبيّ وٍَّ﴾ كان منحصرًا في هذا العدد، ثم حدثت الزيادة فيه بعد ذلك،
حتى كملت خصال الإيمان في آخر حياة النبيّ وَّ. وفي هذا نظر.
[والثاني]: أن تكون خصال الإيمان كلّها تنحصر في بضع وسبعين نوعًا، وإن كانت
أفراد كل نوع تتعدّد تعدّدًا كثيرًا، وربّما كان بعضها لا ينحصر. وهذا أشبه، وإن كان
الوقوف على ذلك يعسر، أو يتعذّر.
[والثالث]: أن ذكر السبعين على وجه التكثير للعدد، لا على وجه الحصر، كما في
قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، والمراد تكثير
التعداد من غير حصوله هذا في العدد، ويكون ذكره للبضع يُشعر بذلك، كأنه يقول: هو
يزيد على السبعين المقتضية لتكثير العدد، وتضعيفه. وهذا ذكره بعض أهل الحديث من
المتقدّمین، وفيه نظر.
[والرابع]: أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها، وهو الذي
تدعو إليه الحاجة منها. قاله ابن حامد من الحنابلة. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله
تعالى ((شرح البخاريّ)) ٣٤/١-٣٥ .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن القول الثاني أظهر الأقوال، وأقربها إلى
الفهم، كما سبق ميل ابن رجب رحمه اللّه تعالى إليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٠٧- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: و حَدَّثَنَا
أَبُو نُعَيْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ
أَبِي هُرَيِّرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَفْضَّلُهَا لَآَّ إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ، وَأَوْضَعُهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقٍ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أحمد بن سليمان)): هو أبو الحسين الرُّهاويّ الثقة
الحافظ [١١] ٣٨/ ٤٢ من أفراد المصنّف. و((أبو داود)): هو عمر بن سَعْد الْحَفَريّ الثقة
العابد [٩] ٥٢٣/١٥. و((أبو نعيم)): هو الفضل بن دُكين التيميّ مولاهم الكوفيّ،
واسم دُكين عمرو بن حمّاد بن زُهير، ثقة ثبت [٩] ٥١٦/١١. و((سفيان)): هو

٢٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
الثوريّ. و((سُهيل)): هو ابن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، صدوق تغيّر حفظه بآخره
[٦] ٣٢ /٨٢٠ .
وقوله: ((قال: وحدثنا أبو نُعيم الخ)): القائل هو أحمد بن سليمان، شيخ المصنّف،
فهو يروي عن شيخين: أبو داود، وأبو نُعيم، وكلاهما يرويان عن سفيان الثوريّ، عن
سهيل، وهو ولد أبي صالح، شيخ عبد الله بن دينار في هذا الحديث.
وقوله: ((وأوضعها)): أي أدناها، كما في الرواية الأخرى.
وقوله: ((إماطة الأذى: أي تنحية ما يؤذي المارّة في الطريق، كالشوك، والحجر،
والنجاسة، ونحوها.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٠٨- (حَذَّثَنَا يَخْيَى بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ -
عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ ◌ََّ،
قَالَّ: (الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((ابن عجلان)): هو محمد. والحديث مختصر من الحديث الماضي. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
١٧- (تَفَاضُلُ أهْلِ الإِيمَانِ)
٥٠٠٩- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَخِيلَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ
أَصْحَابِ النَّبِّ ◌ِهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: (مُلِئَ عَمَّارٌ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (إسحاق بن منصور) الكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقة ثبت [١١]
٨٨/٧٢ .

=
٢٨٩
١٧ - (تَفَاَضُلُ أَهْل الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠٠٩
٢- (عمرو بن عليّ) الفلاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/٤.
٣- (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤٩/٤٢.
٤- (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللّه الكوفيّ، ثقة ثبت إمام [٧] ٣٧/٣٣ .
٥- (أبو عمّار) عَرِيب بن حُميد الدُّهْنِيّ الكوفيّ، ثقة [٣] ٢٣٨٥/٧٥.
٦- (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، لكنه يدلّس [٥]١٨/١٧.
٧- (عمرو بن شُرَخبيل) الْهَمْدَانيّ، أبو ميسرة الكوفيّ، ثقة عابدٌ مخضرم [٢]
١٨٠ / ٢٨٥ .
٨- (رجل من أصحاب النبيّ وَل*) هو ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، كما سيأتي
قريبًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَلَّهِ) فيه أن الرجل مجهول، ولكن جهالة الصحابة لا
تضرّ بصحّة الحديث؛ لإنهم كلهم عدول، على أنه قد سُمّي عند الحاكم في
((المستدرك)) أنه عبد الله بن مسعود رضيه، كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى، أنه
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((مُلِئَ عَمَّارٌ) فعلٌ ونائب فاعله، وعمّار هو ابن ياسر بن عامر
بن مالك الْعَنْسيّ، أبو الْيَفْظَان، مولى بني مخزوم، الصحابيّ المشهور، من السابقين
إلى الإسلام، بدريّ، قُتل ◌َّه بصِفّين مع عليّ ◌َّ سنة (٣٧) هـ، وتقدمت ترجمته
في ١٩٥/ ٣١٢ (إِيمَانًا) الظاهر أنه منصوب على التمييز، وليس مفعولًا ثانيا ((ملىء))؛
لأنه يتعدّى لمفعول واحد، كما في (القاموس))، و((اللسان))، و((المصباح))، ويحتمل أن
يكون منصوبًا بنزع الخافض، على رأي من يجعله مقيسًا؛ لكثرته. والله تعالى أعلم
(إِلَى مُشَاشِهِ) بضم الميم، وتخفيف الشين المعجمة: هي رءوس العظام، كالمرفقين،
والكتفين، والركبتين. وقال الجوهريّ: هي رءوس العظام الليّنة التي يُمكن مضغها.
قاله في ((النهاية)) ٣٣٣/٤ .
والمعنى أن عمارًا رَّ ملأ الإيمان قلبه حتى فاض على جميع أجزاءبدنه، فملأها
حتى وصل إلى رءوس عظامه. ففيه فضيلة لعمار رَزي ، حيث امتلأ إيمانًا، وفيه ما
ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان تفاضل أهل الإيمان فيه، فإنه يدلّ على
أن بَعْضَ المؤمنين وصلوا إلى أن ملأ الإيمان قلبهم حتى فاض على جسدهم، ومنهم
من لیس کذلك.
وعمّار رَّه هو الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌّ﴾ الآية
[النحل: ١٠٦]:

٢٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في ((تفسيره)): رَوَى العوفي، عن ابن عباس
رضي اللّه تعالى عنهما أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر، حين عذبه المشركون،
حتى يكفر بمحمد وَّله، فوافقهم على ذلك، مُكرها، وجاء معتذرا إلى النبي ◌َّ، فأنزل
الله هذه الآية. وهكذا قال الشعبي، وقتادة، وأبو مالك. وقال ابن جرير: حدثنا ابن
عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة
ابن محمد بن عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، حتى قاربهم في
بعض ما أرادوا، فشكا في ذلك إلى النبي وَّ، فقال النبي ◌َّ: ((كيف تجد قلبك؟)) قال:
مطمئنا بالإيمان، قال النبي ◌َّير: ((إن عادوا فعد))، ورواه البيهقي بأبسط من ذلك،
وفيه: أنه سب النبي وَ لتر، وذكر آلهتهم بخير، فشكا ذلك إلى النبي بَطهور، فقال: يا
رسول الله، ما تركت حتى سببتك، وذكرت آلهتهم بخير، قال: ((كيف تجد قلبك؟))
قال: مطمئنا بالإيمان، فقال: ((إن عادوا فعد))، وفي ذلك أنزل الله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ
وَقَلْبُهُ مُظْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. ذكره ابن كثير في ((تفسيره)) ٢ / ٥٨٨-٥٨٩.
ومعنى الآية - والله تعالى أعلم- إلا من أظهر الكفر بلسانه، ووافق المشركين
بلفظه، مُكرها لما ناله من ضرب، وأذى، وقلبه يأبى ما يقول، وهو مطمئن بالإيمان
بالله ورسوله، فإنه لا إثم عليه في ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث رجل من أصحاب النبيّ ◌َّر هذا صحيح،
وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، لم يروه من هذا الوجه من أصحاب الأصول
غيره، وقد أخرجه ابن ماجه من حديث عليّ رَّه ، كما يأتي في التنبيه التالي.
[تنبيه]: هذا الحديث أخرجه الحاكم في ((مستدركه)) ٣٩٢/٣ - من طريق محمد بن
أبي يعقوب، ثنا عبد الرحمن مهديّ، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي عمّار، عن
عمرو بن شُرحبيل، عن عبد اللَّه رَيه أن النبيّ وَّر قال: ((ملىء عمار إيمانًا إلى
مشاشه))، وقال: هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، إن كان محمد بن أبي
يعقوب حفظ عن عبد الرحمن بن مهديّ. انتهى. ووافقه الذهبيّ.
وابن أبي يعقوب هذا ثقة من شيوخ البخاريّ، واسم أبيه إسحاق، فإذا كان حفظه،
فلا يزيد على كونه صحيحًا؛ لأن أبا عمّار ليس من رجال الشيخين. أفاده الشيخ الألباني
رحمه الله تعالى في ((الصحيحة)) ٤٦٦/٢-٤٦٧.
وأخرجه ابن ماجه في ((سننه))، فقال:
١٤٧ - حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا عَثَّام بن عليّ، عن الأعمش، عن أبي

٢٩١
١٧- (تَفَاَضُلُ أَهْلِ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٠
=
إسحاق، عن هانىء بن هانىء، قال: ((دخل عمار على عليّ، فقال: مرحبًا بالطيّب
المطيّب، سمعت رسول اللَّه تَمْثُ يقول: ((ملىء عمّارٌ إيمانًا إلى مشاشه)). ورجاله
ثقات، رجال البخاريّ، غير هانىء بن هانىء، وهو مستورٌ، كما في ((التقريب)).
وأخرجه أبو نُعيم في ((الحلية)) ١٣٩/١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠١٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقٍ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ إِلَّهه
قَالَ: (مَنْ رَأَىْ مُتْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ
أَضْعَفُ الْإِيمَانِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (محمد بن بشار) بُندار البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٢٧/٢٤.
٢- (قيس بن مسلم) الْجَدَليّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة، رُمي بالإرجاء [٦] ٥٠٪
٢٧٣٨ .
٣- (طارق بن شهاب) البجليّ الأحمسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، يقال: إنه رأى النبيّ
وَّر، ولم يسمع منه [٢] ٢٠٤ /٣٢٤.
٤- (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنهما١٦٩/ ٢٦٢
. والباقيان تقدّما في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين من سفيان، ومن قبله بصريان،
وفيه أبو سعيد الخدريّ رَّه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى
أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ طَارِقٍ بْنِ شِهَابٍ) البجليّ الأحمسيّ، أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك
ابن سنان رضي اللَّه تعالى عنهما.
[تنبيه]: رواية المصنف رحمه الله تعالى لهذا الحديث مختصرة، وقد رواه مسلم
رحمه الله تعالى في ((صحيحه))، مطوّلًا، فقال:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن سفيان ح و حدثنا محمد بن المثنی،

٢٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِهِ
حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، كلاهما عن قيس بن مسلم، عن طارق بن
شهاب، وهذا حديث أبي بكر، قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد، قبل الصلاة
مروان، فقام إليه رجل، فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد تُرِك ما هنالك، فقال أبو
سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول اللَّه وَ لقر يقول: ((من رأى منكم منكرا
فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).
قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: قوله: ((أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة
مروان)): قال القاضي عياض رحمه الله: اختلف في هذا، فوقع هنا ما نراه، وقيل: أول
من بدأ بالخطبة قبل الصلاة عثمان رضى الله عنه، وقيل: عمر بن الخطاب رضى الله
عنه، لَمّا رأى الناس يذهبون عند تمام الصلاة، ولا ينتظرون الخطبة، وقيل: بل ليدرك
الصلاة من تأخر وبعد منزله، وقيل: أول من فعله معاوية، وقيل: فعله ابن الزبير رضى
الله عنه، والذى ثبت عن النبى وَّر، وأبى بكر، وعمر، وعثمان، وعلى رضى الله
عنهم تقديم الصلاة، وعليه جماعة فقهاء الأمصار، وقد عَدّه بعضهم إجماعا- يعنى واللّه
أعلم -بعد الخلاف، أولم يلتفت إلى خلاف بنى أمية، بعد إجماع الخلفاء، والصدر
الأول. وفي قوله بعد هذا: ((أما هذا فقد قضى ما عليه))، بمحضر من ذلك الجمع
العظيم، دليل على استقرار السنة عندهم على خلاف ما فعله مروان، وبينه أيضا
احتجاجه بقوله: سمعت رسول اللَّه وَ ليل يقول: ((من رأى منكرا فليغيره))، ولا يسمى
منكرا لو اعتقده، ومن حضر، أوسبق به عمل، أو مضت به سنة، وفي هذا دليل على
أنه لم يعمل به خليفة قبل مروان، وأن ما حُكِي عن عمر، وعثمان، ومعاوية ـ
لا
يصح. والله أعلم. انتهى ((شرح مسلم)) ٢١/٢.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((أول من بدأ بالخطبة يوم العيد
قبل الصلاة مروان)): هذا أصحّ ما رُوي في أول من قدّم الخطبة على الصلاة، وقد روي
أول من فعل ذلك عمر، وقيل: عثمان، وقيل: ابن الزبير، وقيل: معاوية الله. قال:
وبعيد أن يصحّ شيء من ذلك عن مثل هؤلاء؛ لأنهم شاهدوا رسول اللَّه رَظّه، وصلّوا
معه أعيادًا كثيرةً، والصحيح المنقول عنه، والمتواتر عند أهل المدينة، تقديم الصلاة
على الخطبة، فكيف يعدل أحد منهم عمّا فعله النبيّ وَّرَ، وداوم عليه إلى أن تُوفّي؟ فإن
صحّ عن واحد من هؤلاء أنه قدّم ذلك، فلعلّه إنما فعله لما رأى من انصراف الناس عن
الخطبة، تاركين لسماعها، مستعجلين، أو ليُدرك الصلاة من تأخّر، وبعد منزله، ومع
هذين التأويلين، فلا ينبغي أن تُترك سنة رسول اللَّه بَّه لمثل ذلك، وأولئك الملأ أعلم،
وأجلّ من أن يصيروا إلى ذلك. والله أعلم.

٢٩٣
١٧ - (تَفَأَضُلُ أَهْلِ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٠
وأما مروان، وبنو أميّة، فإنما قدّموا لأنهم كانوا في خُطبهم ينالون من عليّ رَّه ،
ويُسمعون الناس ذلك، فكان الناس إذا صلّوا معهم انصرفوا عن سماع خُطبهم لذلك،
فلمّا رأى مرون ذلك، أو من شاء اللّه من بني أميّة قدّموا الخطبة ليُسمِعوا الناس من ذلك
ما يكرهون، والصواب تقديم الصلاة على الخطبة، كما تقدّم، وقد حكي بعض علمائنا
الإجماع. انتهى ((المفهم)) ٢٣١/١-٢٣٢.
وقوله: ((فقام إليه رجل، فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد تُرِك ما هنالك، فقال
أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول اللَّه ◌َله، يقول: ((من رأى منكم
منكرا فليغيره بيده ... )) الحديث:
قد يقال: كيف تأخر أبو سعيد رضى الله عنه، عن إنكار هذا المنكر، حتى سبقه إليه
هذا الرجل؟ وجوابه أنه يحتمل أن أبا سعيد، لم يكن حاضرا أول ما شَرَع مروان في
أسباب تقديم الخطبة، فأنكر عليه الرجل، ثم دخل أبو سعيد، وهما في الكلام.
ويحتمل أن أبا سعيد كان حاضرا من الأول، ولكنه خاف على نفسه أو غيره حصول
فتنة، بسبب إنكاره، فسقط عنه الإنكار، ولم يخف ذلك الرجل شيئا؛ لاعتضاده بظهور
عشيرته، أو غير ذلك، أو أنه خاف، وخاطر بنفسه، وذلك جائز في مثل هذا، بل
مستحب. ويحتمل أن أبا سعيد هَمَّ بالإنكار، فبدره الرجل، فعضده أبو سعيد. والله
أعلم.
ثم إنه جاء في الحديث الآخر، الذى اتفق البخارى ومسلم رضى الله عنهما على
إخراجه، في ((باب صلاة العيد)) أن أبا سعيد رَّ هو الذى جذب بيد مروان، حين رآه
يصعد المنبر، وكانا جاءا معًا، فرد عليه مروان بمثل ما ردّ هنا على الرجل، فيحتمل
أنهما قضيتان: إحداهما لأبى سعيد، والأخرى للرجل، بحضرة أبى سعيد. والله أعلم.
وأما قوله: ((فقد قضى ما عليه))، ففيه تصريح بالإنكار أيضا من أبى سعيد. انتهى
((شرح مسلم)) ٢١/٢-٢٢.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((فقام إليه رجل الخ)): مقتضى هذا السياق أن
المنكر على مروان رجلٌ غير أبي سعيد، وأن أبا سعيد مُصوّبٌ للإنكار، مستدلّ على
صحّته، وفي الرواية الأخرى أن أبا سعيد هو المنكر، والمستدلّ، ووجه التوفيق بينهما
أن يقال: إن كلّ واحد من الرجل وأبي سعيد أنكر على مروان، فرأى بعض الرواة إنكار
الرجل، ورأى بعضهم إنكار أبي سعيد. وقيل: هما واقعتان في وقتين، وفيه بُعْدٌ.
انتهى («المفهم)) ٢٣٢/١.
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، قَالَ: ((مَنْ رَأَى مُتْكَرًا فَلْيُغَيِّرُهُ بِيَدِهِ) إذا كان مما يحتاج في

٢٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
تغييره إلى اليد، مثل كسر أواني الخمر، وآلات اللَّهو، كالمزامير، والأوتار، والطبل،
وكمنع الظالم من الضرب، والقتل، وغير ذلك (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ) أي إن لم
يستطع تغييره بيده، فليُنكره بلسانه، بأن يقول ما يُرَجَى نفعه، من لين، أو إغلاظ،
حسبما يكون أنفع، فقد يبلغ بالرفق، والسياسة، ما لا يبلغ بالسيف والرياسة (فَإِنْ لَمْ
يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ) أي فليُغيره بقلبه، ومعناه أن يكره ذلك الفعل بقلبه، ويَعزم على أن لو قدر
على تغييره لغيّره (وَذَلِكَ) أي الاكتفاء بالكراهة بالقلب (أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) أي أضعف
خصال الإيمان. يعني أن تغيير المنكر بقلبه، وهو إنكاره آخر خصلة من الخصال
المتعيّنة على المؤمن في تغيير المنكر، فلم يبق بعدها للمؤمن مرتبة أخرى في تغييره،
ولذلك قال في الرواية الأخرى: وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل))، أي لم يبق
وراء هذه المرتبة رتبة أخرى. أفاده القرطبيّ رحمه الله تعالى.
وقال السنديّ رحمه اللّه تعالى: قوله: ((أضعف الإيما)): أي أضعف أعمال الإيمان
المتعلّقة بإنكار المنكر في ذاته، لا بالنظر إلى غير المستطيع، فإنه بالنظر إليه تمام الوسع
والطاقة، وليس عليه غيره. انتهى.
[تنبيه]: قال الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام رحمه الله تعالى: فيه سؤالان:
(الأول): ما العامل في المجرورين الأخيرين؟. (الثاني): قوله: أضعف الإيمان
مشكلٌ؛ لأنه يُذمّ فاعله، وأيضًا فقد يعظم إيمان الشخص، وهو لا يستطيع التغيير بيده،
فلا يلزم من العجز عن التغيير ضعف الإيمان، لكنه قد جعله أضعف الإيمان، فما
الجواب؟.
قال: الجواب عن الأول أنه لا يجوز أن يكون العامل ((يُغَيِّرْه)) المنطوق به؛ لأنه لو
كان كذلك، لكان المعنى: فليغيّره بلسانه، وقلبه، لكن التغيير لا يتأتّى باللسان، ولا
بالقلب، فيتعيّن أن يكون العامل فليُنكره بلسانه، وليكرهه بقلبه، فيثبت لكلّ واحد من
الأعضاء ما يناسبه.
وعن الثاني: أن المراد بالإيمان هنا الإيمان المجازيّ (١) الذي هو الأعمال، ولا شك
أن التقرّب بالكراهة، ليس كالتقرّب بالذي ذكره قبله، ولم يُذكر ذلك للذمّ، وذُكر ليعلَم
المكلّف حَقَارة ما حصل في هذا القسم، فيرتقي إلى غيره. انتهى كلام ابن عبد السلام.
نقله السيوطيّ في كتابه (زَهْرِ الرُّبَى في ((شرح المجتبى)) ١١٢/٨-١١٣. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) التعبير بالإيمان المجازيّ فيه نظر لا يخفى، فتبصّر.

٢٩٥
١٧ - (تَفَاَضُلُ أَهْلِ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٠
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد تَنوفي هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٧ / ٥٠١٠ و٥٠١١- وأخرجه (م) في ((الإيمان)) ٤٩ (د) في ((الصلاة))
١١٤٠ و((الملاحم)) ٤٣٤٠ (ت) في ((الفتن)) ٢١٧٢ (ق) في ((الصلاة)) ١٢٧٥ و((الفتن))
٤٠١٣ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٠٦٨٩ و١٠٧٦٦ و ١١٠٦٨ و١١١٠٠
و١١١٢٢ و١١٤٦٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان تفاضل أهل الإيمان فيه،
ووجه الاستدلال به أنه وَ لي جعل الإنكار بالقلب أضعف الإيمان، فهو يدلّ على ما
قبله، وهو الإنكار بالقول، قويّ الإيمان، والذي قبله، وهو الإنكار باليد أقوى منه،
وهذا هو التفاوت. (ومنها): أن قوله وَله: ((فليغيّره)) أمر، وهو للوجوب، فالأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر من واجبات الإيمان، ودعائم الإسلام، بالكتاب،
والسنّة، وإجماع الأمة، ولا يُعتدّ بخلاف الرافضة في ذلك؛ لأنهم إما مكفَّرون، وإما
مبدَّعون، فلا يُعتدّ بخلافهم؛ لظهور فسقهم. قاله القرطبيّ. (ومنها): أن وجوب الأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر على الكفاية، ؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةُ
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ الآية [آل عمران: ١٠٤]، فقد عبّر
بـ((من)) التبعيضيّة، إشارة إلى أنه واجب كفائيّ، والله تعالى أعلم. (ومنها): أن شرط
وجوبه أمران: العلم بكون ذلك الفعل معروفًا، أو منكرًا؛ لأن ذلك لا يتأتّى للجاهل.
والثاني: القدرة عليه؛ لأنه قال: ((فإن لم يستطع الخ))، فدلّ على أن غير المستطيع لا
يجب عليه، وإنما عليه أن ينكر بقلبه. والله تعالى أعلم. (ومنها): أنه يدلّ على مراتب
الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فأولها الإنكار باليد، والثاني الإنكار باللسان،
والثالث، وهو الأخير الإنكار بالقلب. (ومنها): أنه يدلّ على أن من خاف على نفسه
القتل، أو الضرب سقط عنه تغيير المنكر، وهو مذهب المحقّقين سلفًا وخلفًا، وذهبت
طائفة من الغُلاة إلى أنه لا يسقط، وإن خاف ذلك. قاله في ((المفهم)) ١/ ٢٣٤. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قد تكلّم النوويّ رحمه اللّه تعالى على هذا الحديث في ((شرح
مسلم)) بكلام نفيسٍ، ملخّص مما قاله المحقّقون، أحببت إيراده هنا، وإن كان بعضه

٢٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
تقدّم، إلا أن ذكره مجموعًا في موضع واحد أعون على استيعابه، وأسرع لاستحضاره:
قال رحمه الله تعالى: وأما قوله وَ له: «فليغيره)): فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد
تطابق على وجوب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر الكتاب، والسنة، وإجماع
الأمة، وهو أيضا من النصيحة التي هي الدين، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة،
ولا يُعتَدّ بخلافهم، كما قال الإمام أبو المعالى، إمام الحرمين: لا يُكترث بخلافهم فى
هذا، فقد أجمع المسلمون عليه قبل أن ينبغ هؤلاء.
ووجوبه بالشرع، لا بالعقل، خلافا للمعتزلة، وأما قول الله عز وجل: ﴿عَلَيْكُمْ
أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ الآية [المائدة: ١٠٥]، فليس مخالفا لما ذكرناه؛
لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية: إنكم إذا فعلتم ما كُلّفتم به، فلا
يضركم تقصير غيركم، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٌ﴾ [الإسراء: ١٥]،
وإذا كان كذلك، فمما كُلِّف به الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، فإذا فعله، ولم
يمتثل المخاطب، فلا عَتْبَ بعد ذلك على الفاعل؛ لكونه أدى ما عليه، فإنما عليه الأمر
والنهى، لا القبول. والله أعلم.
ثم إن الامر بالمعروف، والنهى عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به بعض الناس، سقط
الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه، بلا عذر، ولا خوف.
ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أولا يتمكن من إزالته الا
هو، وكمن يرى زوجته، أو ولده، أو غلامه على منكر، أو تقصير في المعروف.
قال العلماء رضى الله عنهم: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف، والنهى عن
المنكر؛ لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله، ﴿وَذَّكْرٌ فَإِنَّ الذِّكْرَى نَنفَعُ الْمُؤْمِينَ﴾
[الذاريات: ٥٥]، وقد قدمنا أن الذى عليه الأمر والنهي، لا القبول، وكما قال الله عز
وجل: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَغُ﴾ [العنكبوت: ١٨] ومَثَّل العلماء هذا بمن یری إنسانا
في الحمام، أو غيره، مكشوف بعض العورة، ونحو ذلك، والله أعلم.
قال العلماء: ولا يشترط في الآمر والناهى أن يكون كامل الحال، ممتثلا ما يأمر به،
مجتنبا ما ينهى عنه، بل عليه الأمر، وإن كان مُخِلّاً بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبسا
بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه، وينهاها ويأمر غيره وينهاه، فإذا
أخلّ بأحدهما، كيف يباح له الإخلال بالآخر؟.
قال العلماء: ولا يختص الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، بأصحاب الولایات،
بل ذلك جائز لآحاد المسلمين، قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين، فإن
غير الولاة في الصدر الأول، والعصر الذى يليه، كانوا يأمرون الولاة بالمعروف،

٢٩٧ -
١٧ - (تَفَأَضُلُ أَهْلِ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٠
وينهونهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم، وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر
بالمعروف، والنهى عن المنكر، من غير ولاية، والله أعلم.
ثم إنَّه إنما يأمر وينهى، من كان عالما بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف
باختلاف الشىء، فإن كان من الواجبات الظاهرة، والمحرمات المشهورة، كالصلاة،
والصيام، والزنا، والخمر، ونحوها، فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق
الأفعال، والأقوال، ومما يتعلق بالاجتهاد، لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره،
بل ذلك للعلماء، ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه، أما المختلف فيه، فلا إنكار
فيه؛ لأن على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثيرين من
المحققين، أو أكثرهم، وعلى المذهب الآخر المصيب واحد، والمخطىء غير متعين
لنا، والإثم مرفوع عنه، لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف، فهو
حسن محبوب، مندوب إلى فعله برفق، فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج
من الخلاف، إذا لم يلزم منه إخلال بسنة، أو وقوع فى خلاف آخر.
وذكر أقضى القضاة، أبو الحسن الماورديّ البصري الشافعيّ فى كتابه ((الأحكام
السلطانية)) خلافا بين العلماء في أن من قلّده السلطان الْحِسْبة، هل له أن يَحمِل الناس
على مذهبه، فيما اختلف فيه الفقهاء، إذا كان المحتسب من أهل الاجتهاد، أم لا يغير
ما كان على مذهب غيره، والأصح أنه لا يغير لما ذكرناه، ولم يزل الخلاف في
الفروع، بين الصحابة والتابعين، فمن بعدهم رضى الله عنهم أجمعين، ولا ينكر
محتسب، ولا غيره على غيره، وكذلك قالوا: ليس للمفتى، ولا للقاضى أن يعترض
على من خالفه، إذا لم يخالف نصا، أو اجماعا، أوقياسا جليا، والله أعلم.
(واعلم): أن هذا الباب أعني باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قد ضُيِّع
أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبق منه فى هذه الأزمان، إلا رسوم قليلة جدًا، وهو باب
عظيم، به قوام الأمر ومِلاكه، وإذا كثر الخبث عَمّ العقاب الصالح والطالح، وإذا لم
يأخذوا على يد الظالم، أوشك أن يعمهم اللَّه تعالى بعقابه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ
أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَهُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
فيبغى لطالب الآخرة، والساعى في تحصيل رضا اللَّه عز وجل، أن يعتنى بهذا الباب،
فإن نفعه عظيم، لا سيما وقد ذهب معظمه، ويُخلِص نيته، ولا يهابَنّ من ينكر عليه؛
لارتفاع مرتبته، فإن اللَّه تعالى قال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ [الحجّ: ٤٠]، وقال
تعالى: ﴿وَمَن يَعْنَصِمِ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، وقال
تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَئًا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ

٢٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ
النَّاسُ أَن يُتْرَّكُواْ أَنْ يَقُولُوَاْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ
صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اُلْكَذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢-٣].
(واعلم): أن الأجر على قدر النَّصَب، ولا يتاركه أيضا لصداقته ومودته، ومداهنته،
وطلب الوجاهة عنده، ودوام المنزلة لديه، فإن صداقته ومودته، توجب له حرمة وحقا،
ومن حقه أن ينصحه، ويَهديه إلى مصالح آخرته، وينقذه من مضارها، وصديق الإنسان
ومحبه، هو من سعى في عمارة آخرته، وإن أدى ذلك إلى نقص في دنياه، وعدُوُّه من
يسعى في ذهابٍ، أو نقص آخرته، وإن حصل بسبب ذلك صورة نفع في دنياه، وإنما
كان إبليس عدوا لنا لهذا، وكانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أولياء
للمؤمنين؛ لسعيهم فى مصالح آخرتهم، وهدايتهم إليها، ونسأل الله الكريم توفيقنا،
وأحبابنا، وسائر المسلمين لمرضاته، وأن يعمنا بجوده ورحمته، والله أعلم.
وينبغى للآمر بالمعروف، والناهى عن المنكر، أن يَرفُقَ؛ ليكون أقرب إلى تحصيل
المطلوب، فقد قال الإمام الشافعيّ رضى الله عنه: من وعظ أخاه سرا فقد نصحه
وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه. ومما يتساهل أكثر الناس فيه من هذا
الباب: ما إذا رأى إنسانا يبيع متاعا معيبا، أو نحوه، فإنهم لا ينكرون ذلك، ولا يُعَرِّفون
المشتري بعيبه، وهذا خطأ ظاهر، وقد نص العلماء على أنه يجب على من عَلِم ذلك،
أن ينكر على البائع، وأن يُعلم المشتري به، والله أعلم.
وأما صفة النهى، ومراتبه، فقد قال النبيّ ◌َّ في هذا الحديث الصحيح: ((فليغيره
بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه))، فقوله وَ له: ((فبقلبه)): معناه:
فليكرهه بقلبه، وليس ذلك بإزالة، وتغيير منه للمنكر، ولكنه هو الذي فى وسعه، وقوله
وَالر: ((وذلك أضعف الإيمان))، معناه -والله أعلم -: أقله ثمرة.
قال القاضى عياض رحمه الله: هذا الحديث أصل فى صفة التغيير، فحق المغير أن
يغيره بكل وجه أمكنه زواله به، قولا كان أو فعلًا، فيكسر آلات الباطل، ويريق المسكر
بنفسه، أو يأمر من يفعله، وينزع الغُصوب، ويردها إلى أصحابها بنفسه، أو بأمره إذا
أمكنه، ويرفق في التغيير جهده بالجاهل، وبذي العزة الظالم الْمَخُوف شره؛ إذ ذلك
أدعى إلى قبول قوله، كما يستحب أن يكون متولي ذلك من أهل الصلاح والفضل؛
لهذا المعنى، ويُغلظ على المتمادى في غيه، والمسرف في بطالته، إذا أمن أن يؤثر
إغلاظه منكرا أشد مما غيره؛ لكون جانبه محميا عن سطوة الظالم، فإن غلب على ظنه
أن تغییره بیده، یسبب منکرا أشد منه، من قتله، أو قتل غيره، بسببه، گفّ يده، واقتصر
على القول باللسان، والوعظ، والتخويف، فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك، غَيَّر

١٧ - (تَفَاَضُلُ أَهْلِ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٠
٢٩٩ ===
بقلبه، وكان في سعة، وهذا هو المراد بالحديث- إن شاء الله تعالى -وإن وجد من
يستعين به على ذلك، استعان ما لم يؤد ذلك إلى إظهار سلاح وحرب، ولْيرفع ذلك إلى
من له الأمر، إن كان المنكر من غيره، أو يقتصر على تغييره بقلبه، هذا هو فقه المسألة،
وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين، خلافا لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل
حال، وإن قُتل ونيل منه كل أَذِّى. هذا آخر كلام القاضى رحمه الله تعالى.
قال إمام الحرمين رحمه الله تعالى: ويسوغ لآحاد الرعية، أن يَصُدّ مرتكب الكبيرة،
إن لم يندفع عنها بقوله، ما لم ينته الأمر إلى نصب قتال، وشَهْر سلاح، فإن انتهى الأمر
إلى ذلك، ربط الأمر بالسلطان، قال: وإذا جار والى الوقت، وظهر ظلمه وغشمه، ولم
ينزجر حين زُجر عن سوء صنيعه بالقول، فلأهل الحل والعقد التواطؤ على خلعه، ولو
بشهر الأسلحة، ونصب الحروب، هذا كلام إمام الحرمين، وهذا الذى ذكره من خلعه
غريب، ومع هذا فهو محمول على ما إذا لم يُخَف منه إثارة مفسدة أعظم منه.
قال: وليس للآمر بالمعروف البحث، والتنقير، والتجسس، واقتحام الدور
بالظنون، بل إن عثر على منكر غَيّره جهده، هذا كلام إمام الحرمين.
وقال أقضى القضاة الماوردى: ليس للمحتسب أن يبحث عمالم يظهر من
المحرمات، فإن غلب على الظن استسرار قوم بها؛ لأمارة، وآثار ظهرت، فذلك
ضربان: [أحدهما]: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة، يفوت استدراكها، مثل أن يُخبره
من يثق بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له فى مثل هذا
الحال أن يتجسس، ويُقدم على الكشف، والبحث حذرا من فوات مالا يُستدرك، وكذا
لوعَرَف ذلك غير المحتسب من المتطوعة، جازلهم الإقدام على الكشف، والإنكار.
[الضرب الثاني]: ما قصر عن هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه، ولا كشف
الأستار عنه، فإن سمع أصوات الملاهي المنكرة من دار، أنكرها خارج الدار، لم يُجم
عليها بالدخول؛ لأن المنكر ظاهر، وليس عليه أن يكشف عن الباطن. وقد ذكر
الماوردي في آخر (الأحكام السلطانية)) بابا حسنا فى الحسبة، مشتملا على جمل من
قواعد الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وقد أشرنا هنا إلى مقاصده، وبسطت
الكلام فى هذا الباب؛ لعظم فائدته، وكثرة الحاجة إليه، وكونه من أعظم قواعد
الإسلام. والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى ((شرح صحيح مسلم)
٢١/٢-٢٦. وهو كلام نفيسٌ جدًا، ولنفاسته نقلته برمّته. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
٥٠١١- (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدْ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ

1
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
سـ
٣٠٠
مِغْوَلٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقٍ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُذْرِيُّ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَهِ، يَقُولُ: ((مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَيََّهُ بِيَدِهِ، فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَغَيَّرَهُ بِلِسَانِهِ، فَقَدْ بَرِئٍّ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِلِسَانِهِ، فَغَيَّرَهُ بِقَلْبِهِ، فَقَدْ
بَرِئَ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير
شيخه، فإنه من أفراده، وهو حرّانيّ، ثقة [١١] ٩٣٢/٢٢. و((مَخْلد)): هو ابن يزيد
القرشيّ الْحَرّانيّ، صدوقٌ له أوهام، من كبار [٩] ٢٢٢/١٤١. و((مالك بن مِغْول))-
بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة، وفتح الواو -: هو أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة
ثبت، من كبار [٧] ٩٨ /١٢٧ .
وقوله: ((فقد برىء)): جواب ((إذا)) مقدّرةً: أي فإذا فعل ذلك، فقد برىء من
المشاركة مع أهله في الإثم.
والحديث صحيح، وقد سبق شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به في الحديث الذي
قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٨ - (زِيَادَةُ الإِيمَانِ)
٥٠١٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ زَيْدِ
ابْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنَّ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ: ((مَا
مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ فِي الْحَقْ، يَكُونُ لَهُ فِي الدُّنْيَا، بِأَشَدَّ مُجَادَلَةٌ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَهِمْ فِي
إِخْوَانِهِم، الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ))، قَالَ: ((يَقُولُونَ: رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا،
وَيَصُومُّونَ مَعَنَا، وَيَحُجُونَ مَعَنَا، فَأَدْخَلْتَهُمُ النَّارَ))، قَالَ: فَيَقُولُ: ((اذْهَبُوا، فَأَخْرِجُوا مَنْ
عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ))، قَالَ: (فَيَأْتُونُهُمْ، فَيَعْرِفُونُهُمْ بِصُوَرِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَى أَنْصَافٍ
سَاقَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ إِلَى كَعْبَيْهِ، فَيُخْرِجُونُهُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا قَدْ أَخْرَجْنَا مَنْ
أَمَرْتَنَا)»، قَالَ: ((وَيَقُولُ: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنَ الْإِيمَانِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ
كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفٍ دِينَارٍ، حَتَّى يَقُولَ: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ»، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ:
فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ، فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِءَ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ