Indexed OCR Text
Pages 241-260
= ٢٤١ ٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عز وجل: ﴿قَالَتِ اٌلْأَعْرَابُ - حديث رقم ٤٩٩٦ أخرجه هنا-٤٩٩٦/٧- وفي ((الكبرى)) في ((الصيام)) ٢٨٩٥ و٢٨٩٦ . وأخرجه (ق) في ((الصيام)) ١٧٢٠ (أحمد) في ((مسند المكتّين)) ١٥٠٢ و((مسند الكوفيين)) ١٨٤٧٦ (الدارمي) في ((الصوم)) ١٧٠١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان تأويل الآية الكريمة، ووجه ذلك أن الحديث دلّ على أنه لا يدخل الجنة أحد إلا إذا كان مؤمنًا، والإيمان هو عقد القلب المصدّق لإقرار اللسان الذي لا ينفع عند اللَّه تعالى غيره، وهذا هو الذي نفته الآية عن هؤلاء الأعراب؛ حيث إنهم أظهروا الاستسلام، وتظاهروا بالأعمال الظاهرة، فقالوا: آمنا بألسنتهم، وليس ذلك في صميم قلوبهم، فحيث انتفى عنهم ذلك، فإنهم لا يدخلون الجنةً. (ومنها): أنه استُدِلّ بهذا على تحريم صوم أيام التشريق، وفي ذلك خلاف بين الصحابة، فمن بعدهم، قال في ((الفتح)): وقد رَوَى ابن المنذر وغيره، عن الزبير بن العوام، وأبي طلحة، من الصحابة الجواز مطلقا. وعن علي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، المنع مطلقا، وهو المشهور عن الشافعي، وعن ابن عمر، وعائشة، وعُبيد بن عمير، في آخرين، منعه إلا للمتمتع الذي لا يجد الهدي، وهو قول مالك، والشافعي في القديم، وعن الأوزاعي، وغيره أيضا يصومها المحصر، والقارن. انتهى. واستَدَلّ القائلون بالمنع مطلقا، بأحاديث الباب التي لم تقيد بالجواز للمتمتع. واستدل القائلون بالجواز للمتمتع، بحديث عائشة، وابن عمر ﴾ قالا: لم يُرخّص في أيام التشريق أن يُصَمْن إلا لمن لم يجد الهدي. رواه البخاريّ. وهذه الصيغة لها حكم الرفع، وقد أخرجه الدارقطني، والطحاوي، بلفظ: ((رَخَّص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمتمتع، إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق))، وفي إسناده یحیی بن سلام، وليس بالقوي، ولكنه يؤيد ذلك عموم الآية، قالوا: وحمل المطلق على المقيد واجب، وكذلك بناء العام على الخاص، وهذا أقوى المذاهب. وأما القائل بالجواز مطلقا، فترد عليه الأحاديث، كحديث الباب، وحديث كعب بن مالك رَّه أن رسول اللّه وَ له بعثه، وأوس بن الْحَدَثَان أيام التشريق: ((أنه لا يدخل الجنّة إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب)). رواه أحمد، ومسلم. وحديث أنس رَطِّ: أن النبيّ وَلّله نهى عن صوم خمسة أيام في السنة: يوم الفطر، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق))، رواه الدارقطنيّ، وفي سنده محمد بن خالد الطحان، ضعيف. وفي الباب عن عبد الله بن حُذافة السهمي، عند الدارقطني، بلفظ: ((لا تصوموا في ٢٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ هذه الأيام، فإنها أيام أكل، وشرب، وبعال))- يعني أيام منى. وفي إسناده الواقدي. وعن أبي هريرة ◌َّه عند الدارقطني، وفي إسناده سعد بن سلام، وهو قريب من الواقدي، وفيه أن المنادي بُديل بن ورقاء، وأخرجه أيضا ابن ماجه من وجه آخر، وابن حبان. وعن ابن عباس عند الطبراني بنحو حديث عبد الله بن حُذافة، وفيه: ((والبعال وقاع النساء))، وفي إسناده إسماعيل بن أبي حبيب، وهو ضعيف. وعن عمر بن خَلْدة، عن أبيه، عند أبي يعلى، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه بنحوه، وفي إسناده موسى بن عُبيدة الرَّبَذِيّ، وهو ضعيف. وعن مسعود بن الحكم، عن أمه، عند النسائي في ((الكبرى)) رقم٢٨٧٩: أنها رأت وهي بمنى، في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، راكبا يصيح، يقول: يا أيها الناس، إنها أيام أكل، وشرب، ونساء، وبعال، وذكر اللَّه))، قالت: فقلت: من هذا؟ فقالوا: علي بن أبي طالب، وأخرجه البيهقي من هذا الوجه، لكن قال: إن جدته حدثته، وأخرجه ابن يونس في (تاريخ مصر)) من طريق يزيد بن الهاد، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أمه، قال يزيد: فسألت عنها؟ فقيل: إنها جدته. ذكره في ((التخليص الحبير)) ٣٧٥/٢-٣٧٧ . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما ذكر أن أصح المذاهب مذهب القائلين بتحريم صوم أيام التشريق؛ إلا لمن عليه صوم التمتّع، فيجوز أن يصوم فيها؛ لحديث البخاريّ المتقدّم. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن هذه الأيام يستحبّ فيها الإكثار من ذكر الله تعالى؛ للزيادة التي في رواية مسلم من حديث نُبيشة الْهُذَلِيّ رَّه، قال: قال رسول اللَّه وَ له: ((أيام التشريق، أيام أكل، وشُرب، وذكر لله))، فزاد ذكر الله تعالى، فدلّ على استحباب الإكثار منه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٨- (صِفَةُ الْمُؤْمِنِ) ٤٩٩٧- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاع بْنِ حَكِیم، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، قَالَ: ((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلَّمَ النَّاسُ مِّنْ ٢٤٣ ٨- (صِفةُ الْمُؤْمِن) - حديث رقم ٤٩٩٧ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ))). رجال هذا الإسناد : ستة: ١-٠ قتيبة) المذكور في الباب الماضي. ٢- (الليث) بن سعد الإمام الحجة الفقيه المصريّ [٧] ٣٥/٣١ . ٣- (ابن عجلان) هو محمد القرشيّ، مولى فاطمة بنت الوليد، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ◌َّه [٥] ٤٠/٣٦. ٤- (القعقاع بن حكيم) الكنانيّ المدنيّ، ثقة [٤] ٤٠/٣٦. ٥- (أبو صالح) ذكون السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٤٠/٣٦. ٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، والليث، فمصريان. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، وفيه أبو هريرة رَظْثُ أَحْفَظُ من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً) رضي اللَّه تعالى عنه (عَنْ رَسُولِ اللّهِ) أنه (قَالَ: ((الْمُسْلِمُ) مبتدأ خبره قوله: ((من سلم الخ)). قال في ((الفتح)): قيل: الألف واللام فيه للكمال، نحو زيد الرجل: أي الكامل في الرجولية. وتُعُقْب بأنه يستلزم أن من اتصف بهذا خاصة، كان كاملا، ويجاب بأن المراد بذلك مع مراعاة باقي الأركان. قال الخطابي: المراد أفضل المسلمين، مَنْ جَمع إلى أداء حقوق اللّه تعالى أداء حقوق المسلمين. انتهى. وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلامهم. ويحتمل أن يكون المراد بذلك أن يبين علامة المسلم، التي يُستَدّل بها على إسلامه، وهي سلامة المسلمين من لسانه ويده، كما ذُكر مثله في علامة المنافق. ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحث، على حسن معاملة العبد مع ربه؛ لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه، فأولى أن يحسن معاملة ربه، من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. (مَنْ سَلِمَ النَّاسُ) المراد بالناس هنا المسلمون، كما في حديث عبد الله بن عمرو الآتي بعده، فهم الناس حقيقة عند الإطلاق؛ لأن المطلق يُحمل على الكامل، ولا ٢٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِهِ كمال في غير المسلمين، ويمكن حمله على عمومه، على إرادة شرط، وهو إلا بحق، مع إن إرادة هذا الشرط متعينةً على كل حال؛ لما سيأتي من استثناء إقامة الحدود، ونحوها على المسلم. أفاده في ((الفتح)) ٧٩/١. (مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) أي من لا يؤذي أحدًا بوجه من الوجوه، لا باليد، ولا باللسان، ولا اعتراض بإجراء الحدود، والتعزير، وما يستحقّه المرء؛ لأن ذلك مستثنى من هذا العامّ بالإجماع، ولأنه إصلاح، أو طلب للحقّ، لا إيذاء شرعًا. والمقصود أن الكمال في الإسلام لا يتحقّق بدون هذا، ولا يكون المرء بدون هذا الوصف مؤمنا كاملًا، لا أنه إذا تحقّق هذا الوصف تحقّق هذا الكمال في الإسلام، وإن كان مع ترك الصلاة، ونحوها؛ لجواز عموم المحمول من الموضوع . وقال القرطبي رحمه الله تعالی: أي من كانت هذه حاله، کان أحقّ بهذا الاسم، وأمكنهم فيه، ويُبيّن ذلك أنه لا ينتهي الإنسان إلى هذا حتى يتمكّن من قلبه خوف عقاب اللّه تعالى، ورجاء ثوابه، فيُكسبُهُ ذلك وَرَعًا يحمله على ضبط لسانه ويده، فلا يتكلّم إلا بما يَعنيه، ولا يفعل إلا ما يسلم فيه، ومان كان كذلك فهو المسلم الكامل، والمتّقي الفاضل. ويقرب من هذا المعنى، بل يزيد عليه قوله وَالفقير: ((لا يؤمن أحدكم حتى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه))، إذ معناه أنه لا يتمّ إيمان أحد الإيمان التامّ الكامل حتى يضمّ إلى سلامة الناس منه إرادته الخير لهم، والنصح لجميهم، فيما يُحاوله معهم. انتهى ((المفهم)) ٢٢٤/١. وإنما خص اللسان بالذكر؛ لأنه المعبر عما في النفس، وهكذا اليد؛ لأن أكثر الأفعال بها، والحديث عام بالنسبة إلى اللسان، دون اليد؛ لأن اللسان يمكنه القول في الماضين، والموجودين، والحادثين بعدُ بخلاف اليد، نعم يمكن أن تشارك اللسانَ في ذلك بالكتابة، وأن أثرها في ذلك لعظيم. وقدّم اللسان على اليد؛ لأن إيذاء اللسان أكثر وقوعًا، وأسهل؛ ولأنه أنه أشدّ نكايةً، ولهذا كان النبيّ وَ لَه يقول لحسّان رَّ: ((اهجُ المشركين، فإنه أشدّ عليهم من رَشْق النبل))، وقال الشاعر: جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِثَامُ وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللْسَانُ وفي التعبير باللسان دون القول نكتة، فيدخل فيه من أخرج لسانه على سبيل الاستهزاء، وفي ذكر اليد دون غيرها من الجوارح نكتة، فيدخل فيها اليد المعنوية، كالاستيلاء على حق الغير بغير حق. (وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ) بكسر الميم، من باب تعب (النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ) يعني ٢٤٥ ٩- (صِفة المُسْلِم) - حديث رقم ٤٩٩٨ أنه لا يظلم الناس، لا في أنفسهم، ولا في أموالهم، فهذه الجملة بمعنى الجملة السابقة، فهي متضمّنةٌ لمعناها، وإنما أعادها نظرًا إلى تغاير لفظي ((المسلم))، و(المؤمن)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٩٩٧/٨ -. وأخرجه (ت) في ((الإيمان)) ٢٦٢٧ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٨٧١٢ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان صفة المؤمن الكامل، وهو كونه متّصفًا بأمن الناس له على دمائهم، وأموالهم. (ومنها): أنه يستفاد منه أن الأصل في الحقوق النفسيّة، والماليّة التحريم، فلا يحلّ شيء منها إلا بوجه شرعيّ. (ومنها): أن فيه بيان تفاوت درجات المسلمين، حيث إن بعضهم وصل إلى درجة الكمال، وبعضه لم يصل إليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٩- (صِفَةُ الْمُسْلِم) ٤٩٩٨- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَّةِ، يَقُولُ: ((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَّى اللَّهُ عَنْهُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عمرو بن عليّ) الفلاس الصيرفيّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/٤. ٢- (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/٤. ٢٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ ٣- (إسماعيل) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ، ثقة ثبت [٤] ٤٧١/١٣. ٤- (عامر) بن شَرَاحيل، أبو عمرو الشعبيّ الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٨٢/٦٦. ٥- (عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما١١١/٨٩. والله تعالى أعلم . [تنبيه]: وقع في جميع النسخ التي بين يديّ، من ((المجتبى، والكبرى)): ((عبد الله بن عمر)) بضم العين، وفتح الميم، وهو غلط فاحش، والصواب ((ابن عَمرو)) بفتح المهملة، وسكون الميم، وهو الذي في ((الصحيحين))، وغيرهما، وكذا هو في ((تحفة الأشراف)) ٣٤٥/٦-٣٤٦. فتنبّه. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو) ابن العاص رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ، يَقُولُ: (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) قال في ((الفتح)): ذكر المسلمين هنا خرج مخرج الغالب؛ لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه المسلم، أشد تأكيدا؛ ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا، وإن كان فيهم من يجب الكف عنه، والإتيان بجمع التذكير للتغليب، فإن المسلمات يدخلن في ذلك. انتهى. وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: ما حاصله: يقتضي حصر المسلم فيمن سلم المسلمون من لسانه ويده، والمراد بذلك الكامل في الإسلام، فمن لم يَسلّم المسلمون من لسانه ويده، فإنه ينتفي عنه كما الإسلام الواجب، فإن سلامة المسلمين من لسان العبد ويده واجبة، فإن أذى المسلم حرامٌ، باللسان، وباليد، فأذى اليد الفعل، وأذى اللسان القول. والظاهر أن النبيّ وَلّ إنما وصف بهذا في هذا الحديث؛ لأن السائل كان مسلمًا، قد أتى بأركان الإسلام الواجبة لله عز وجل، وإنما يجهل دخول هذا القدر الواجب من حقوق العباد في الإسلام، فبيّن له النبيّ وَلّ ما جهله. ويشبه هذا أن النبيّ وَلّ لَمّا خطب في حجة الوداع، وبيّن للناس حرمة دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم، أتبع ذلك بقوله: ((سأخبركم مَنِ المسلم؟: من سلم المسلمون ٢٤٧ ٩٠- (صِفَةُ الْمُسْلِم) - حديث رقم ٤٩٩٨ من لسانه ويده، والمؤمن من أَمِنه الناس على أموالهم، وأنفسهم)). خرّجه ابن حبّان في (صحيحه) من حديث فَضَالة بن عُبيد. وكان النبيّ وَّ﴿ أحيانًا يجمع لمن قَدِم عليه يريد الإسلام بين ذكر حقّ اللّه تعالى، وحقّ العباد، كما في ((مسند الإمام أحمد)) عن عمرو ابن عَبَسَةَ رَّه، قال: قال رجل: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: ((أن تُسلم قلبك للَّه، وأن يَسلَم المسلمون من لسانك، ويدك)). وفيه أيضًا عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه رَّيهِ أنه أتى النبيّ وَله ليُسلم، فقال له: أسألك بوجه اللّه بم بعثك اللَّه ربنا إلينا؟ قال: ((بالإسلام))، قال: وما آية الإسلام؟ قال: ((أن تقول: أسلمت وجهي للّه، وتخلّيتُ، وتُقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وكلّ مسلم على مسلم محرّم))، وذكر الحديث، وقال فيه: قلت: يا رسول اللَّه هذا ديننا؟ قال: ((هذا دينكم))، وأخرجه النسائيّ بمعناه رقم ٢٤٣٦ . انتهى كلام ابن رجب في ((شرح البخاريّ)) ١/ ٣٧-٣٩ . (وَالْمُهَاجِرُ) هو في الأصل من فارق عشيرته، ووطنه، وهو مبتدأ خبره قوله: (مَنْ هَجَرَ مَا نَّى اللَّهُ عَنْهُ) أي ترك فعل الشي الذي نهى اللَّه تعالى عن فعله. يقال: هجره يهجُرِه هَجْرًا، من باب نصر، وهِجْرانًا، والاسم الهجرة، وفي ((العباب)): الهجرة: ضدّ الوصل، والتركيب يدلّ على القطع، والقطيعة، والمهاجر مُفاعلٌ منه. قاله في ((عمدة القاري)) ١/ ١٤٩. وقال في ((الفتح)): والمهاجر هو بمعنى الهاجر، وإن كان لفظ المفاعل يقتضي وقوع فعل من اثنين، ولكنه هنا للواحد، كالمسافر. ويحتمل أن يكون على بابه؛ لأن مِنْ لازم كونه هاجرا وطنه مثلا، أنه مهجور من وطنه. وهذه الهجرة ضربان: ظاهرة، وباطنة، فالباطنة: ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، والظاهرة: الفرار بالدين من الفتن، وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك؛ لئلا يتكلوا على مجرد التحول من دارهم، حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، ويحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة، لَمّا فُتحت مكة؛ تطييبا لقلوب من لم يُدرك ذلك، بل حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى اللَّه عنه، فاشتملت هاتان الجملتان، على جوامع من معاني الحكم، والأحكام. انتهى ((فتح)) ٧٨/١ . وقال الحافظ ابن رجب رحمه اللّه تعالى: أصل الهجرة هجران الشرّ، ومباعدته لطلب الخير، ومحبّته، والرغبة فيه، والهجرة عند الإطلاق في الكتاب والسنّة إنما تنصرف إلى هجران بلد الشرك إلى دار الإسلام؛ رغبةً في تعلّم الإسلام، والعمل به، وإذا كان كذلك، فأصل الهجرة أن يهجر ما نهاه اللّه تعالى عنه، من المعاصي، فيدخل ٢٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِهِ في ذلك هجران بلد الشرك؛ رغبةً في دار الإسلام، وإلا فمجرّد هجرة بلد الشرك، مع الإصرار على المعاصي ليس بهجرة تامّة كاملة، بل الهجرة التامّة الكاملة هجران ما نهى الله تعالى عنه، ومن جملة ذلك هجرن بلد الشرك مع القدرة عليه. انتهى ((شرح البخاريّ)) ٣٩/١ . [فائدة]: في الحديث من أنواع البديع: تجنيس الاشتقاق، وهو أن يرجع اللفظان في الاشتقاق إلى أصل واحد، نحو قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِّينِ الْقَبِّمِ﴾ الآية [الروم: ٤٣]، فإن ﴿فَقِمْ﴾، و﴿اَلْقَيِّمِ﴾ يرجعان في الاشتقاق إلى القيام. قاله في ((عمدة القاري)) ١٤٩/١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله عمرو رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٩/ ٤٩٩٨ -. وأخرجه (خ) في ((الإيمان) ١٠ و((الرقاق)) ٦٤٨٤ (م) في ((الإيمان)) ٤٠ (د) في ((الجهاد)) ٢٤٨١ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٦٤٥١ و٦٤٧٩ و ٦٧١٤ و ٦٧٥٣ و ٦٧٦٧ و٦٧٩٦ و ٦٧٩٨ و٦٨٧٣ و٦٨٨٦ و٦٩١٤ و٦٩٤٣ و٦٩٧٨ و٧٠٤٦ (الدارمي) في ((الرقاق)) ٢٦٠٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو بيان صفة المسلم. (ومنها): الحثّ على ترك أذى المسلمين بأي نوع من الأذى، وسرّ الأمر في ذلك حسن التخلّق مع العالم، كما قال الحسن البصريّ في تفسير الأبرار: هم الذين لا يؤذون الذَّرّ، ولا يرضون الشرّ. ذكره في ((العمدة)) ١/ ١٥٠. (ومنها): أن فيه الردّ على المرجئة، فإنه ليس عندهم إسلام ناقص. (ومنها): أن فيه الحثّ على ترك المعاصي، واجتناب المناهي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٩٩- (أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاءٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ: ((مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَّبِيحَتَنَا، فَذَلِكُمِّ الْمُسْلِمُ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((حفص بن عمر)) بن عبد الرحمن الرازيّ، أبو عمر ٢٤٩ ٩- (صِفةُ الْمُسْلِمِ) - حديث رقم ٤٩٩٩ الْمِهْرَقانيّ- بقاف- صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن أبي أحمد الزبيري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبي ضمرة أنس بن عياض، والقطان، وأبي داود الطيالسي، ومحمد بن سعيد بن سابق، وعبد الرزاق، ومكي بن إبراهيم، وغيرهم. وعنه النسائي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن الضريس، وعلي بن سعيد، وعبد الله ابن أحمد الدشتكي، وأبو بكر محمد بن داود بن يزيد، ومحمد بن عمار بن عطية الرازيون، وابنه محمد بن حفص، ومحمد بن إبراهيم بن شعيب القاري، وغيرهم. قال أبو زرعة: صدوق، ما علمته إلا صدوقا. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن حبان: صدوق حسن الحديث، يُغرِب. وقال النسائي في ((مشيخته)): رازي، لا بأس به. وقال مسلمة: ثقة. تفرّد به المصنّف. [تنبيه]: ((الْمِهْرقانيّ- بكسر الميم، والراء، بعدها قاف: نسبة إلى مِهْرقان قريةٌ بالريّ. قاله في ((اللباب)) ٢٨٢/٢. [تنبيه آخر]: كون حفص بن عمر في هذا السند هو المهرقانيّ هو الذي قاله الحافظ أبو القاسم ابن عساكر رحمه الله تعالى ردًا على من ادّعى جهالته، كما نقله عنه في ((تحفة الأشراف))، ونصّه ٤١٥/١-٤١٥ -: قال ابن الكسّار: سمعت عبد الصمد البخاريّ يقول: حفص لا أعرفه، إلا أن يكون سقط الواو من حفص بن عمرو الرَّبَاليّ المشهور بالرواية عن البصريين، وهو ثقةٌ. قال أبو القاسم: وهذا حفص بن عمر، أبو عمر الْمِهْرَقانيّ الرازيّ معروف. انتهى. وكلام ابن الكسّار هذا سيأتي في ((المجتبى)) آخر (كتاب الإيمان)) ٥٠٤١/٣٣. إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم. وقوله: ((من صلّى صلاتنا الخ)): المراد به من أظهر شعائر الإسلام. والحديث أخرجه البخاريّ، وتقدم في ٣٩٦٧/١ ((كتاب تحريم الدم)»، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله، ودلالته على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى هنا واضحة، حيث إن فيه بيان صفة المسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٢٥٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ ١٠- (حُسْنُ إِسْلَام الْمَزْءِ) ٥٠٠٠-(١) (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيِّدِ بَنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِّي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلّهِ: ((إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ، فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ، كَانَ أَزْلَفَهَا، وَمُحِيَتْ عَنْهُ كُلُّ سَيْئَةٍ، كَانَ أَزْلَفَهَا، ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ، الْحَسَنَّةُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعٍ مِائَةٍ ضِعْفٍ، وَالسَّيْئَةُ بِمِثْلِهَا، إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا))). رجال هذا الإسناد: سبعة : ١- (أحمد بن الْمُعَلّى) بن يزيد الأَسديّ، أبو بكر الدمشقيّ، نائب أبي زرعة في قضائها، صدوقٌ [١٢]. روى عن سليمان بن عبد الرحمن، وصفوان بن صالح، وخَتَنه دُحَيم، وأبي داود السجستانيّ، وغيرهم. وروى عنه النسائيّ، وابن جَوْصا، والطبرانيّ، وخيثمة، وأبو ميمون البجليّ، وأبو عليّ الحصائريّ، وغيرهم. قال النسائيّ: لا بأس به. قال محمد ابن يوسف الْهَرَويّ: مات في شهر رمضان سنة (٢٨٦هـ). تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط . ٢- (صفوان بن صالح) بن صفوان بن دينار الثففي مولاهم أبو عبد الملك الدمشقي مؤذن الجامع، ثقة، كان يدلّس تدليس التسوية [١٠]. رَوَى عن الوليد بن مسلم، ومروان بن محمد، وابن عيينة، ومحمد بن شعيب بن شابور، وسويد بن عبد العزيز، وغيرهم. وعنه أبو داود، روى له في ((كتاب القدر))، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه في ((التفسير)) بواسطة عبد السلام بن عتيق الدمشقي، ويزيد بن محمد بن عبد الصمد، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وجعفر بن محمد بن (١) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث تمام الألف الخامس، وصلت إليه، والمؤذن يؤذن لصلاة المغرب ليلة الجمعة المباركة ١٤٢٠/١٢/٢٥ هـ الموافق ٣١/ مارس/ ٢٠٠٠ ملادية. وقد كان نهاية الألف الرابع ليلة الخميس ١٤٢٠/٥/١٥ الموافق ٢٦/ أغسطس ١٩٩٩ الميلادي، فكان ما بين نهايتيهما نحو سبعة أشهر وعشرة أيام، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى عليّ، الحمد لله الذي هداني لهذا، وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله، والحمد لله الذي تتمّ بنعمته الصالحات. ١٠ - (حُسْنُ إِسْلَام الْمَزْءٍ) - حديث رقم ٥٠٠٠ ٢٥١ = المفضل، والحسن بن علي الخلال، وأحمد بن المعلى بن يزيد الأسدي، وزكرياء بن يحيى السجزي، وأبو زرعة الرازي، وأبو زرعة الدمشقي، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وعبد الله ابن حماد الآملي، وعلي بن الحسين بن الجنيد، وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، ومحمد بن الحسن بن قتيبة، وجماعة. قال الآجري، عن أبي داود: حجة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان منتحل مذهب أهل الرأي. وقال الترمذي: هو ثقة عند أهل الحديث. ووثقه مسلمة بن قاسم، وأبو علي الجياني، وغيرهما. وقال ابن حبان في آخر مقدمة ((الضعفاء)): سمعت بن جَوْصا، يقول: سمعت أبا زرعة الدمشقي، يقول: كان صفوان بن صالح، ومحمد بن مُصَفّى يسويان الحديث -يعني يدلسان تدليس التسوية. قال أبو زرعة الدمشقي: أخبرنا أن مولده سنة ثمان، أو تسع وستين. وقال يعقوب ابن سفيان: مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. وقال عبد الرحمن بن الرواس: سنة ثمان. وقال أبو زرعة الدمشقي، وعمرو بن دُحيم: سنة (٩). روى له المصنّف، وأبو داود في ((القدر))، والترمذي، وابن ماجه في ((التفسير))، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط . ٣- (الوليد) بن مسلم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة، كثير التدليس، والتسوية [٨] ٥٪ ٤٥٤ . ٤- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الإمام الحجة الثبت [٧] ٧/٧ . ٥- (زيد بن أسلم) العدويّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ٨٠/٦٤. ٦- (عطاء بن يسار) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] ٦٤ /٨٠. ٧- (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما٢٦٢/١٦٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده، وصفوان، فتفرد به هو والترمذيّ، وابن ماجه، وأبو داود في ((القدر)). (ومنها): أن أوله مسلسل بالدمشقيين، إلى الوليد، وبعده بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: زيد، عن عطاء، وهو من رواية الأقران، وفيه أبو سعد الخدريّ ◌َّه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. ٢٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ) هذا الحكم يشترك فيه الرجال والنساء، وذكره بلفظ المذكّر تغليبًا (فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ) أي صار إسلامه حسنًا، باعتقاده، وإخلاصه، ودخوله فيه بالباطن والظاهر، وأن يستحضر عند عمله قرب ربه منه، واطلاعه عليه، كما دل عليه تفسير («الإحسان)) في حديث سؤال جبريلَى الَّلهُ كما سبق (كَتَبَ اللَّهُ) أي أمر أن يكتب، ورواه الدار قطني من طريق زيد بن شعيب، عن مالك، بلفظ: ((يقول اللَّه لملائكته: اكتبوا)) (لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ، كَانَ أَزْلَفَهَا) أي أسلفها، وقدّمها، يقال: أزلف، وزلف، مخفّفًا، وزلّف مشدّدًا بمعنى واحد. وقال في ((الفتح)): قوله: ((كان أزلفها))، كذا لأبي ذرّ، ولغيره: ((زَلَفَها))، وهي بتخفيف اللام، كما ضبطه صاحب ((المشارق))، وقال النووي: بالتشديد، ورواه الدار قطني من طريق طلحة بن يحيى، عن مالك، بلفظ: ((ما من عبد يُسلم، فيُحسن إسلامه، إلا كتب اللّه كل حسنة زلفها، ومحا عنه كل خطيئة زلفها))، بالتخفيف فيهما، والنسائي نحوه، لكن قال: ((أزلفها))، وزَلْف- بالتشديد- وأزلف بمعنى واحد،: أي أسلف، وقَدّم، قاله الخطابي. وقال في ((المحكم)): أزلف الشيءَ: قَرّبه، وزلفه، مخففا، ومثقلًا: قَدَّمه. وفي ((الجامع)): الزلفة تكون في الخير والشر. وقال في ((المشارق)): زَلَفَ- بالتخفيف -: أي جَمع، وكَسَب، وهذا يشمل الأمرين، وأما القربة فلا تكون إلا في الخير، فعلى هذا تترجح رواية غير أبي ذرّ، لكن منقول الخطابي يساعدها . (وَمُحِيَثْ) بالبناء للمفعول: أي أُزليت، يقال: محوته مَحْوًا، من باب نصر، ومحيته مَحْيّا بالياء، من باب نفع لغةٌ: أزلته، وانمحى الشيءُ: ذهب أثره. قاله في ((المصباح)). والمعنى هنا: أزيل (عَنْهُ) أي عن صحيفة أعماله (كُلُّ سَيْئَةٍ، كَانَ أَزْلَفَهَا) أي قدّمها. [تنبيه]: ذكر البخاريّ هذا الحديث في ((صحيحه)) معلّقًا، وسقط من روايته ذكر كتابة الحسنات المتقدّمة قبل الإسلام، فقال في ((الفتح)): قيل: إن المصنف أسقط ما رواه غيره عمدًا؛ لأنه مشكل على القواعد. وقال المازري: الكافر لا يصح منه التقرب، فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه؛ لأن من شرط المتقرب، أن يكون عارفا لمن يتقرب إليه، والكافر ليس كذلك، وتابعه القاضي عياض على تقرير هذا الإشكال، واستضعف ذلك النووي، فقال: الصواب الذي عليه المحققون، بل نقل بعضهم فيه الإجماع، أن الكافر إذا فعل أفعالا جميلة، كالصدقة، وصلة الرحم، ثم أسلم، ومات على الإسلام، أن ثواب ذلك يكتب له، وأما دعوى أنه مخالف للقواعد، فغير مُسَلّم؛ ٢٥٣ ١٠- (حُسْنُ إِسْلَام الْمَزْءٍ) - حديث رقم ٥٠٠٠ لأنه قد يُعتَدّ ببعض أفعال الكافر في الدنيا، ككفارة الظهار، فإنه لا يلزمه إعادتها إذا أسلم، وتجزئه. انتھی. والحق أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم، في حال إسلامه، تفضلًا من الله، وإحسانا أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولًا، والحديث إنما تضمن كتابة الثواب، ولم يتعرض للقبول. ويحتمل أن يكون القبول يصير معلقًا على إسلامه، فيُقبل، ويثاب إن أسلم، وإلا فلا، وهذا قوي، وقد جزم بما جزم به النووي إبراهيم الحربي، وابن بطال، وغيرهما من القدماء، والقرطبي، وابن الْمُنَيِّر من المتأخرين، قال ابن المنير: المخالف للقواعد دعوى أن يُكتَب له ذلك في حال كفره، وأما أن الله يُضيف إلى حسناته في الإسلام، ثواب ما كان صدر منه، مما كان يظنه خيرا، فلا مانع منه، كما لو تفضل عليه ابتداء، من غير عمل، وكما يتفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل، هو قادر، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل البتة، جاز أن يُكتب له ثواب ما عمله، غير مُوَفَّى الشروط. وقال ابن بطال: للَّه أن يتفضل على عباده بما شاء، ولا اعتراض لأحد عليه. واستَدَلَّ غيره: بأن من آمن من أهل الكتاب، يؤتى أجره مرتين، كما دل عليه القرآن، والحديث الصحيح، وهو لو مات على إيمانه الأول، لم ينفعه شيء من عمله الصالح، بل يكون هباء منثورا، فدل على أن ثواب عمله الأول، يكتب له مضافا إلى عمله الثاني، وبقوله وَلَرَ، لَمّا سألته عائشة رضي الله تعالى عنها عن ابن جُذْعان، وما يصنعه من الخير، هل ينفعه؟، فقال: ((إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين))، فدل على أنه لو قالها، بعد أن أسلم نفعه ما عمله في الكفر. انتهى ((فتح)) ١٣٨/١. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تمام البحث للمسألة قريبًا، إن شاء الله تعالى. (ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ) أي كتابة المجازاة، والمماثلة الشرعيّة، وضعها الله تعالى؛ فضلًا منه، ولطفًا، لا العقليّة، و((القصاص)): مرفوع على أنه اسم ((كان))، ويجوز أن تكون ((كان)) تامة، وعبر بالماضي؛ لتحقق الوقوع، فكأنه وقع، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَىّ أَصْحَبُ اَلْجَنَّةِ﴾ الآية [الأعراف: ٤٤] (الْحَسَنَةُ) مبتدأ خبره قوله (بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا) والجملة مستأنفة؛ استئنافًا بيانيّا، وهو ما وقع جوابًا لسؤال مقدّر، تقديره هنا: كيف القصاص؟. وقوله: (إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ) متعلّق بمقدّر: أي منتهيةً إلى سبعمائة ضعف. وحَكَى الماوردي: أن بعض العلماء أخذ بظاهر هذه الغاية، فزعم أن التضعيف لا يتجاوز سبعمائة. ورُدَّ عليه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]، والآية محتملة للأمرين، فيحتمل أن يكون المراد، أنه يضاعف تلك المضاعفة، بأن يجعلها سبعمائة، ويحتمل أنه ٢٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ يضاعف السبعمائة، بأن يزيد عليها، والْمُصَرِّح بالرد عليه حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المخرّج عند البخاريّ في ((الرقاق))، ولفظه: ((كتب الله له عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة)). (وَالسَّيْئَةُ بِمِثْلِهَا) مبتدأ وخبر: أي تكتب بمثلها (إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا))) زاد سمويه في ((فوائده)): ((إلا أن يغفر الله، وهو الغفور))، وفيه دليل على الخوارج، وغيرهم، من المكفرين بالذنوب، والموجبين لخلود المذنبين في النار، فأول الحديث يُرُدّ على من أنكر الزيادة والنقص في الإيمان؛ لأن الحسن تتفاوت درجاته، وآخره یرُدّ على الخوارج والمعتزلة. قاله في ((الفتح)) ١٣٩/١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ رَّه هذا صحيح، وهو بهذا السياق من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، فلم يخرجه من أصحاب الأصول موصولًا غيره، أخرجه هنا ١٠/ ٥٠٠٠ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): ذكر الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) هذا الحديث معلّقًا، فقال: قال مالك: أخبرني زيد بن أسلم، أن عطاء بن يسار أخبره، أن أبا سعيد الخدريّ أخبره أنه سمع رسول اللّه وَ له يقول: إذا أسلم العبد ... )) فذكره. قال في ((الفتح)): هكذا ذكره معلقًا، ولم يوصله في موضع آخر، من هذا الكتاب، وقد وصله أبو ذر الهروي في روايته لـ(الصحيح))، فقال عقبه: أخبرناه النضروي، هو العباس بن الفضل، قال: حدثنا الحسن بن إدريس، قال: حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد بن مسلم، عن مالك به، و کذا وصله النسائي، من رواية الوليد بن مسلم، حدثنا مالك، فذكره أتم مما هنا، وكذا وصله الحسن بن سفيان، من طريق عبد الله بن نافع، والبزار من طريق إسحاق الفروي، والإسماعيلي، من طريق عبد الله بن وهب، والبهيقي في ((الشعب)) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، كلهم عن مالك، أخرجه الدارقطني، من طرق أخرى، عن مالك، وذكر أن معن بن عيسى، رواه عن مالك، فقال: ((عن أبي هريرة)) بدل ((أبي سعيد))، وروايته شاذة. ورواه سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء مرسلًا، قال الحافظ: ورويناه في ((الخلعيات))، وقد حفظ مالك الوصل فيه، وهو أتقن لحديث أهل المدينة من غيره. وقال الخطيب: هو حديث ثابت، وذكر البزار أن مالكا تفرد بوصله. انتهى ((فتح)) ١٣٧/١. والله تعالى أعلم ٢٥٥ ١٠ - (حُسْنُ إِسْلَام الْمَزْءِ) - حديث رقم ٥٠٠٠ بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في قبول حسنات الكافر بعد إسلامه: لقد أجاد الحافظ المحقّق ابن رجب رحمه الله تعالى في ((شرح البخاريّ)) حیث کتب بحثًا نفيسًا، تقدّم خلاصته، لكن لَمّا اشتمل في سياقه الطويل من التفصيل، والتحقيق أحببت إيراده هنا؛ تتميمًا للفائدة، وتكميلًا للعائدة، قال رحمه الله تعالى: إحسان الإسلام يُفسّر بمعنيين: [أحدهما]: بإكمال واجباته، واجتناب محرّماته. ومنه الحديث المشهور المرويّ في ((السنن)): ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))(١)، فكما حسن إسلامه بترك ما لا يعنيه، وفعل ما يعنيه. ومنه حديث ابن مسعود رَّيه الذي خرّجاه في (الصحيحين)) أن النبيّ وَّرَ سُئل أنؤاخذ بأعمالنا في الجاهليّة؟، فقال: ((من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهليّة، ومن أساء في الإسلام أُخذ بالأول، والآخر)). فإن المراد بإحسانه في الإسلام فعل واجباته، والانتهاء عن محرّماته، وبالإساءة في الإسلام: ارتكاب بعض محظوراته التي كانت تُرتكب في الجاهليّة . وفي حديث ابن مسعود تظلّه هذا، مع حديث أبي سعيد رَّه الذي علّقه البخاريّ هنا دليل على أن الإسلام إنما يُكفّر ما كان قبله من الكفر، ولواحقه التي اجتنبها المسلم بإسلامه، فأما الذنوب التي فعلها في الجاهليّة إذا أصرّ عليها في الإسلام، فإنه يؤاخذ بها، فإنه إذا أصرّ عليها في الإسلام لم يكن تائبًا منها، فلا يكفّر عنه بدون التوبة منها. وقد ذكر طوائف من العلماء، من أصحابنا- الحنبلية- كأبي بكر عبد العزيز بن جعفر، وغيره، وهو قول طائفة من المتكلّمين، من المعتزلة، وغيرهم، وهو اختيار الحليميّ. قال ابن رجب: وقد وجدته منصوصًا عن الإمام أحمد، فنقل الميمونيّ في (مسائله)) عن أحمد، قال: بلغني عن أبي حنيفة أنه كان يقول: لا يؤاخذ بما كان في الجاهليّة، والنبيّ وَّلي يقول في غير حديث: ((إنه يؤاخذ)»، يعني حديث شقيق، عن ابن مسعود، أراد: ((إذا أحسنت في الإسلام)). انتهى. وكذلك حكى الْجُوزجانيّ عن أهل الرأي أنهم قالوا: إن من أسلم، وهو مُصرّ على الكبائر كفّر الإسلام كبائره كلّها، ثم أنكر ذلك عليهم، وجعله من جملة أقوال المرجئة. وخالف في ذلك آخرون، وقالوا: بل يُغفر له في الإسلام كلُّ ما سبق منه في (١) أخرجه الترمذيّ ٢٣١٧ وابن ماجه ٣٩٧٦ وراجع ((علل ابن أبي حاتم)) ٢/ ١٣٢، و)) علل الدار قطني ٢٥/٨-٢٨ وقد تكلم ابن رجب عليه بتوسّع في كتابه الحافل ((جامع العلوم والحكم) وبين أن الصواب فيه الإرسال. = ٢٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ الجاهليّة، من كفر، وذنب، وإن أصرّ عليها في الإسلام. وهذا قول كثير من المتكلّمين، والفقهاء، من الحنابلة، وغيرهم، كابن حامد، والقاضي، وغيرهما. واستدلوا بقول النبيّ وَّر: ((الإسلام يهدم ما كان قبله))، أخرجه مسلم من حديث رَصِ لعينيه. عمرو بن العاص وأجاب الأولون عنه بأن المراد أنه يَهَدِم ما كان قبله مما ينافيه الإسلام، من كفر، وشرك، ولواحق ذلك، مما يكون الإسلام توبةً منه، وإقلاعًا عنه؛ جمعًا بينه وبين الحديثين المتقدمين. واستدلّوا بقوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٨]. وأجاب الأولون بأن المراد يُغفر لهم ما سلف مما انتهوا عنه. وتأول بعض أهل القرن الثاني حديث ابن مسعود تنظيم على أن إساءته في الإسلام ارتداده عنه إلى الكفر، فيؤاخذ بكفره الأول والثاني. ومنهم من حمله على إسلام المنافق. وهذا بعيدٌ جدًا. ومتى ارتدّ عن الإسلام، أو كان منافقًا، فلم يبق معه إسلام حتى يُسِيئَ فيه. والاختلاف في هذه المسألة مبنيّ على أصول: [أحدها]: أن التوبة من ذنب تصحّ مع الإصرار على غيره. وهذا قول جمهور أهل السنّة والجماعة، والخلاف فيه عن الإمام أحمد، لا يثبت، وقد تأوّل ما رُوي عنه في ذلك المحقّقون من أصحابه، كابن شَاقَلا، والقاضي في كتاب ((المعتمد))، وابن عقيل في ((فصوله)). وأما المعتزلة، فخالفوا في ذلك، وقال من قال منهم، كالجبّائِيّ؛ بناء على هذا: إن الكافر لا يصحّ إسلامه، مع إصراره على كبيرة، كان عليها في حال كفره. وهذا قول باطل، لم يوافقهم عليه أحدٌ من العلماء. [الأصل الثاني]: أن التوبة، هل من شرط صحّتها إصلاح العمل بعدها، أم لا؟، وفي ذلك اختلافٌ بين العلماء، وقد ذكره، ابن حامد من الحنبليّة، وأشار إلى بناء الخلاف في هذه المسألة على ذلك، والصحيح عنده، وعند كثير من العلماء أن ذلك لیس بشرط. [والأصل الثالث]: أن بعض الذنوب قد يُعفى عنها بشرط اجتناب غيرها، فإن لم يحصل الشرط، لم يحصُل ما علّق عليه. وهذا مأخذ أبي بكر عبد العزيز من الحنابلة، وجعل من هذا أن الصغائر إنما تكفّر باجتناب الكبائر، فإن لم يجتنب الكبائر وقعت المؤاخذة بالصغائر والكبائر. وهذا فيه خلاف، وجعل منه أن النظرة الأولى يُعفى عنها بشرط عدم المعاودة، فإن أعاد النظرة أُخذ بالأولى والثانية. ٢٥٧ == ١٠ - (حُسْنُ إِسْلَام الْمَزْءٍ) - حديث رقم ٥٠٠٠ [والأصل الرابع]: أن التوبة من الذنب هي الندم عليه بشرط الإقلاع عنه، والعزم على عدم العود إليه، فالكافر إذا أسلم، وهو مصرّ على ذنب آخر، صحّت توبته، مما تاب منه، وهو الكفر، دون الذنب الذي لم يتُب منه، بل هو مصرّ عليه. وأخرج النسائيّ حديث مالك الذي علّقه البخاريّ هنا، وزاد في أوله: ((كتب اللَّه له كلّ حسنة كان أزلفها)). وهذا يشبه قول النبيّ وَّ﴿ لحكيم بن حزام رَمّي لَمَّا قال له: أرأيت أُمورًا، كنت أتبرّر بها في الجاهلية، هل لي منها من سيء؟ فقال رسول اللَّه ◌َلّر: ((أسلمت على ما أسلفت من خير)). أخرجه مسلم. وكلاهما يدلّ على أن الكافر إذا عمل حسنة في حال كفره، ثم أسلم، فإنه يُثاب عليها، ويكون إسلامه المتأخّر كافيًا له في حصول الثواب على حسناته السابقة منه قبل إسلامه. ورجّح هذا القول ابن بطّال، والقرطبيّ، وغيرهما، وهو مقتضى قول من قال: إنه يُعاقب بما أصرّ عليه من سيئاته إذا أسلم، كما سبق، وحُكي مثله عن إبراهيم الحربيّ، ويدلّ عليه أيضًا أن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها لَمّا سألت النبيّ وَّ عن ابن جُذْعان، وما كان يصنعه من المعروف، هل ينفعه؟ فقال وَالر: «إنه لم يقل يومًا قط: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)). وهذا يدلّ على أنه لو قال ذلك يومًا من الدهر، ولو قبل موته بلحظة لنفعه ذلك. ومما يُستدلّ به أيضًا قول النبيّ وَ له في مؤمن أهل الكتاب إذا أسلم: ((إنه يؤتى أجره مرّتين))، متّفق عليه، مع أنه لو وافى على عمله بكتابه الأول لكان حابطًا، وهذا هو اللائق بكرم الله، وجوده، وفضله. وخالف في ذلك طوائف، من المتكلّمين، وغيرهم، وقالوا: الأعمال في حال الكفر حابطةٌ، لا ثواب لها بكلّ حال، وتأوّلوا هذه النصوص الصحيحة بتأويلات مستكرهة، مستبعدة. ولذلك(١) من كان له عمل صالح، فعمل سيّئة أحبطته، ثم تاب، فإنه يعود إليه ثواب ما حُبط من عمله بالسيئات. وقد ورد في هذا آثار عن السلف، قال ابن مسعود رَُِ: ((عَبَدَ اللَّهَ رجلٌ سبعين سنة، ثم أصاب فاحشة، فأحبط اللّه عمله، ثم أصابته زمانة، وأُقعد، فرأى رجلًا يتصدّق على مساكين، فجاء إليه، فأخذ منه رغيفًا، فتصدّق به على مسكين، فغفر الله له، ورد عليه عمل سبعين سنة)). أخرجه ابن المبارك في ((كتاب البرّ والصلة)). بل عود العمل ههنا بالتوبة أولى؛ لأن العمل الأول كان مقبولًا، وإنما طرأ عليه ما يُحبطه، بخلاف عمل الكافر قبل إسلامه. ومن كان مسلمًا، وعمل صالحًا في إسلامه، ثم ارتدّ، ثم عاد إلى الإسلام، ففي حبوط عمله الأول بالرذة خلاف مشهور، ولا يبعد أن (١) قوله: ((ولذلك)) هكذا النسخة، والظاهر أن الصواب: ((وكذلك)) بالكاف بدل اللام. والله تعالى أعلم. ٢٥٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ يقال: إنه يعود إليه بإسلامه الثاني على تقدير حبوطه. والله أعلم. وقد وردت نصوصٌ أُخر تدلّ على أن الكافر إذا أسلم، وحسن إسلامه، فإنه تُبدّل سيئاته في حال كفره حسنات، وهذا أبلغ مما قبله، وهو يدلّ على أن التائب من ذنب تُبدل سيئاته قبل التوبة بالتوبة حسنات، كما دلّت عليه الآية في ((سورة الفرقات))، وفي ذلك كلام يطول ذكره ههنا. ولا يستبعد إثابة المسلم في الآخرة بما عمل قبل إسلامه من الحسنات، فإنه لا بُدّ أن يثاب عليها في الدنيا، وفي إثابته عليها في الآخرة بتخفيف العذاب نزاعٌ مشهور، فإذا لم يكن بدّ من إثابته عليها، فلا يستنكر أن يثاب عليها بعد إسلامه في الآخرة؛ لأن المانع من إثابته عليها في الآخرة هو الكفر، وقد زال. وقد يُستدلّ لهذا أيضًا بقول الله عز وجل في قصّة أسارى بدر: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِمَنْ فِىّ أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىّ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِّكُمْ خَيْرَ مِعَّاً أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٧٠]، وقد كان العباس بن عبد المطلب ◌َطيه - وهو من جملة هؤلاء الأسارى- يقول: أما أنا فقد آتاني اللّه خيرًا مما أُخذ مني وعدني المغفرة. أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) ٣٥/١٠ . فهذه الآية تدلّ على أن الكافر إذا أُصيب بمصيبة في حال كفره، ثم أسلم، فإنه يُئاب على مصيبته، فلأن يُثاب على ما سلف منه من أعماله الصالحة أولى، فإن المصائب يُثاب على الصبر عليها، والرضى بها، وأما نفس المصيبة فقد قيل: إنه يُثاب عليها، وقيل: إنه لا يثاب عليها، وإنما يُكفّر عنه ذنوبه. وهذا هو المنقول عن كثير من الصحابة . [والمعنى الثاني]: مما يُفسّر به إحسان الإسلام أن تقع طاعات المسلم على أكمل وجوهها، وأتمها، بحيث يستحضر العامل في حال عمله قرب اللَّه تعالى منه، واطّلاعه عليه، فيعمل له على المراقبة، والمشاهدة لربّه بقلبه، وهذا هو الذي فسّر النبيّ ◌َّر به الإحسان في حديث سؤال جبريل نَّالَّلهُ. وقد دلّ حديث أبي سعيد، وأبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنهما المذكوران (١) على أن مضاعفة الحسنات للمسلم بحسب حسن إسلامه. وأخرج ابن أبي حاتم من رواية عطيّة العوفيّ، عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، قال: نزلت ﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ (١) ٤٢ أما حديث أبي سعيد، فهو الذي أورده النسائيّ في هذا الباب، وأما حديث أبي هريرة فما أخرجه الشيخان، واللفظ للبخاريّ، من طريق همام بن منبه، عنه، قال: قال رسول اللّه وَلير: ((إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها، تكتب له بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها)) . ١٠- (حُسْنُ إِسْلَام الْمَزْءِ) - حديث رقم ٥٠٠٠ ٢٥٩ == أَمْثَالِهًا﴾ الآية [الأنعام: ١٦٠] في الأعراب، فقال رجلٌ: يا أبا عبد الرحمن، فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أكثر، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَُّنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. ويشهد لهذا المعنى ما ذكره الله عز وجل في حقّ أزواج نبيّهِ وَّ، فقال: ﴿يَنِسَآءَ النَبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ تُبَيِّنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَالِحًا تُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا يَنِسَآءُ النَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ أَتَّقَيُّنُّ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٠ - ٣٣]، فدلّ على أن من عظمت منزلته، ودرجته عند اللَّه، فإن عمله يُضاعف له أجره. وقد تأوّل بعض السلف من بني هاشم دخول آل النبيّ وَل قر في هذا المعنى؛ لدخول أزواجه، فلذلك(١) من حسن إسلامه بتحقيق إيمانه وعمله الصالح، فإنه يضاعف له أجر عمله، بحسب حسن إسلامه، وتحقيق إيمانه وتقواه. والله أعلم. ويشهد لذلك أن اللَّه ضاعف لهذه الأمة لكونها خير أمة أخرجت للناس أجرها مرّتين، قال اللّه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾ الآية [الحديد: ٢٨]. وفي الحديث الصحيح: ((إن أهل التوراة عملوا إلى نصف النهار على قيراط قيراط، وعمِل أهل الإنجيل إلى العصر على قيراط قيراط، وعمِلتم أنتم من العصر إلى غروب الشمس على قيراطين، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: ما لنا أكثر عملًا، وأقلّ أجرًا؟ فقال اللّه: هل ظلمتكم من أجوركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء)) . وأما من أحسن عمله، وأتقنه، وعمِله على الحضور والمراقبة، فلا ريب أنه يتضاعف بذلك أجره، وثوابه في هذا العمل بخصوصه على من عمل ذلك العمل بعينه على وجه السهو والغفلة . ولهذا رُوي في حديث عمّار رَّه المرفوع: ((إن الرجل ينصرف من صلاته، وما كُتب له إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، حتى بلغ العشر))، فليس ثواب من كُتب له عشر عمله كثواب من كتب له نصفه، ولا ثواب من كتب له نصفه كثواب من كتب له عمله كلّه. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في ((شرح صحيح البخاريّ)) ١٥٤/١- ١٦٣. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تحرّر مما سبق أن الحقّ قول من قال: إن الكافر (١) هكذا النسخة، والظاهر أن الصواب: وكل ذلك، فتأمله. ٠ ٢٦٠ E شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ إذا أسلم وحَسُنَ إسلامه، يُكتَبُ له ما عمله من أعمال البرّ في حال كفره؛ فضلا من الله سبحانه وتعالى وكرمًا ببركة إسلامه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١١- (أيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟) ٥٠٠١- (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَخْتَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ، وَهَوَ بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟، قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (سعيد بن يحيى بن سعيد الأمويّ) أبو عثمان البغداديّ، ثقة، ربّما أخطأ [١٠] ٧٣٧/٤٣ . ٢- (أبوه) يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأمويّ الأمويّ، أبو أيوب الكوفيّ، نزيل بغداد، لقبه الْجَمَل، صدوقٌ، يُغرب، من كبار [٩] ٧٣٧/٤٣. ٣- (أبو بُردة بريد بن عبد الله بن أبي بردة) الكوفيّ، ثقة، يخطىء قليلًا [٦] ٢٥/ ١٥٠٣ . ٤ - (أبو بردة) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقة [٣] ٣/٣ ٠ ٥- (أبو موسى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ اليمنيّ المشهور، مات رَّه سنة (٥٠هـ) وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في ٣/٣ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، وسعيد بن يحيى، وإن كان بغدادیّا إلا أنه كوفي الأصل، وفيه رواية الراوي، عن جدّه، عن أبيه. والله تعالى أعلم. [تنبيهان]: (الأول): هذا الإسناد هو الذي أخرج به البخاريّ هذا الحديث في