Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
٤٦- (كِتَبُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ)
متعارضة. وقال الخطابي: صنف في المسألة إمامان كبيران، وأكثرا من الأدلة للقولين،
وتباينا في ذلك، والحق أن بينهما عموما وخصوصا، فكل مؤمن مسلم، وليس كل
مسلم مؤمنا. انتهى كلامه ملخصًا. ومقتضاه أن الإسلام لا يُطلق على الاعتقاد والعمل
معا، بخلاف الإيمان، فإنه يطلق عليهما معا، ويَرُدّ عليه قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ
اَلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فإن الإسلام هنا يتناول العمل والاعتقاد معا؛ لأن العامِل غير
المعتقد، ليس بذي دين مرضيّ، وبهذا استدل المزني، وأبو محمد البغوي، فقال في
الكلام على حديث جبريل هذا: جعل النبي ◌َّ الإسلام هنا اسما لما ظهر من
الأعمال، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من
الإيمان، ولا لأن التصديق ليس من الإسلام، بل ذاك تفصيل لجملةٍ كُلُّها شيء واحد،
وجِماعُها الدين، ولهذا قال ◌َله: ((أتاكم يعلمكم دينكم))، وقال سبحانه وتعالى:
﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ أَلْإِسْلَكِمِ دِينًا فَنْ يُقْبَلَ
مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ولا يكون الدين في محل الرضا والقبول، إلا بانضمام
التصديق. انتهى كلامه. قال الحافظ: والذي يظهر من مجموع الأدلة، أن لكل منهما
حقيقة شرعية، كما أن لكل منهما حقيقة لغوية، لكن كل منهما مستلزم للآخر، بمعنى
التكميل له، فكما أن العامل لا يكون مسلما كاملا، إلا إذا اعتقد، فكذلك المعتقد لا
يكون مؤمنا كاملا، إلا إذا عمل، وحيث يطلق الإيمان في موضع الإسلام، أو العكس،
أو يطلق أحدهما على إرادتهما معا، فهو على سبيل المجاز، ويتبين المراد بالسياق، فإن
وردا معا في مقام السؤال، حُمِلا على الحقيقة، وإن لم يردا معا، أو لم يكونا في مقام
سؤال، أمكن الحمل على الحقيقة، أو المجاز بحسب ما يظهر من القرائن، وقد حكى
ذلك الإسماعيلي عن أهل السنة والجماعة، قالوا: إنهما تختلف دلالتهما بالاقتران، فإن
أفرد أحدهما دخل الآخر فيه، وعلى ذلك يُحمّل ما حكاه محمد بن نصر، وتبعه ابن
عبد البر عن الأكثر، أنهم سووا بينهما، على ما في حديث عبد القيس، وما حكاه
اللالكائي، وابن السمعانيّ عن أهل السنة، أنهم فرقوا بينهما على ما في حديث جبريل.
واللّه تعالى وليّ التوفق. انتهى ((فتح)) ١٥٧/١-١٥٨ بيسر من التصرّف.
وقال الإمام النوويّ رحمه الله تعالى: في ((شرح صحيح مسلم)): أهم ما يُذكر فى
الباب اختلاف العلماء فى الإيمان والإسلام، وعمومهما وخصوصهما، وأن الايمان
يزيد وينقص، أم لا؟ وأن الأعمال من الإيمان أم لا، وقد أكثر العلماء رحمهم الله
تعالى من المتقدمين والمتأخرين، القول فى كل ما ذكرناه، وأنا أقتصر على نقل
أطراف، من متفرقات كلامهم، يحصل منها مقصود ما ذكرته، مع زيادات كثيرة، قال

١٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
الامام أبو سليمان حمد بن محمد إبن ابراهيم الخطابى البستى الفقيه الأديب الشافعى
المحقق رحمه اللّه فى كتابه («معالم السنن)): ما أكثر ما يَغلَط الناس فى هذه المسألة،
فأما الزهرى، فقال: الاسلام الكلمة، والإيمان العمل، واحتج بالآية يعنى قوله سبحانه
وتعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اُلْإِمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾
الآية [الحجرات: ١٤]. وذهب غيره إلى أن الإسلام والإيمان شىء واحد، واحتج
◌َا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيّرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
٣٥
بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[الذاريات: ٣٥-٣٦]، قال الخطابي: وقد تكلم فى هذا الباب رجلان، من كبراء أهل
العلم، وصار كل واحد منهما إلى قول من هذين، ورد الآخر منهما على المتقدم،
وصنف عليه كتابا يبلغ عدد أوراقه المئين، قال الخطابي: والصحيح من ذلك أن يقيد
الكلام فى هذا، ولا يُطلَق، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنًا فى بعض الأحوال، ولا
يكون مؤمنا فى بعضها، والمؤمن مسلم فى جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم، وليس
كل مسلم مؤمنًا، وإذا حملت الأمر على هذا، استقام لك تأويل الآيات، واعتدل القول
فيها، ولم يختلف شىء منها. وأصل الإيمان: التصديق، وأصل الإسلام: الاستسلام،
والانقياد، فقد يكون المرء مستسلما فى الظاهر، غير منقاد فى الباطن، وقد يكون
صادقا فى الباطن، غير منقاد فى الظاهر.
وقال الخطابى أيضا، فى قول النبى وَله: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة)): فى هذا
الحديث، بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنىّ ذى شُعَب، وأجزاء، له أدنى، وأعلى،
والاسم يتعلق ببعضها، كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضى جميع شعبه، وتَستَوْفِي جملة
أجزائه، كالصلاة الشرعية، لها شُعب وأجزاء، والاسم يتعلق ببعضها، والحقيقة تقتضي
جميع أجزائها، وتستوفيها، ويدل عليه قوله وَلير: ((الحياء شعبة من الإيمان))، وفيه إثبات
التفاضل فى الإيمان، وتباين المؤمنين فى درجاته. هذا آخر كلام الخطابيّ .
وقال الإمام أبو محمد، الحسين بن مسعود البغوى الشافعي رحمه الله، فى حديث
سؤال جبريل وَلير، عن الإيمان والإسلام، وجوابه، قال: جعل النبيّ وَلَه الإسلام اسما
لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن
الأعمال ليست من الإيمان، والتصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل
لجملة، هي كلها شيء واحد، وجماعها الدين، ولذلك قال بَّر: ((ذاك جبريل أتاكم
يعلمكم دينكم))، والتصديق والعمل، يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعا، يدل عليه
قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الذِينَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ

١٤٣
٤٦- (كِتَبُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ)
اَلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل
عمران: ٨٥]، فأخبر سبحانه وتعالى، أن الدين الذي رضيه، ويقبله من عباده هو
الإسلام، ولا يكون الدين فى محل القبول والرضا، إلا بانضمام التصديق إلى العمل.
هذا كلام البغوي.
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التميميّ الأصبهانيّ
الشافعيّ رحمه اللَّه فى كتابه ((التحرير فى شرح صحيح مسلم)): الإيمان فى اللغة هو
التصديق، فإن عُنِي به ذلك، فلا يزيد ولا ينقص؛ لأن التصديق ليس شيئا يتجزأ، حتى
يتصور كماله مرة، ونقصه أخرى، والإيمان فى لسان الشرع، هو التصديق بالقلب،
والعمل بالأركان، وإذا فُسر بهذا، تطرق إليه الزيادة والنقص، وهو مذهب أهل السنة،
قال: فالخلاف فى هذا على التحقيق، إنما هو أن المصدّق بقلبه، إذا لم يَجمَع إلى
تصديقه العملَ بموجَب الإيمان، هل يُسمى مؤمنا مطلقا، أم لا؟ والمختار عندنا أنه لا
يسمى به، قال رسول اللّه وَلير: ((لا يزنى الزانى حين يزني، وهو مؤمن))، لأنه لم يعمل
بموجب الإيمان، فيستحق هذا الإطلاق. هذا آخر كلام صاحب ((التحرير)).
وقال الامام أبو الحسن عليّ بن خَلَف بن بطال المالكيّ المغربيّ، فى ((شرح صحيح
البخاريّ)): مذهب جماعة أهل السنة، من سلف الأمة وخلفها، أن الإيمان قول وعمل،
يزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصانه، ما أورده البخاريّ من الآيات -يعني قوله
عز وجل: ﴿لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَا مَعَ إِيَمَنِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَزِدْنَهُمْ هُدَّى)
[الكهف: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ أُهْتَدَوْاْ هُدَّىٌ﴾ [مريم: ٧٦]، وقوله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَّى﴾ [محمد: ١٧] وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيََّ﴾
[المدثر: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿أَيُِّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِءٍ إِيمَنَّأْ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾
[التوبة: ١٢٤]، وقوله تعالى: ﴿فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقوله
تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلََّ إِيَمَنَا وَتَسْلِمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
قال ابن بطال: فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص، قال: [فإن قيل]: الإيمان فى
اللغة التصديق، [فالجواب]: أن التصديق يكمل بالطاعات كلها، فكلما ازداد المؤمن
من أعمال البر كان إيمانه أكمل، وبهذه الجملة يزيد الإيمان، وبنقصانها ينقص، فمتى
نقصت أعمال البر، نقص كمال الإيمان، ومتى زادت زاد الإيمان كمالا، هذا توسط
القول فى الإيمان، وأما التصديق بالله تعالى، ورسوله ◌َّر، فلا ينقص، ولذلك توقف
مالك رحمه الله فى بعض الروايات، عن القول بالنقصان، إذ لا يجوز نقصان
التصديق؛ لأنه إذا نقص صار شكّا، وخرج عن اسم الإيمان، وقال بعضهم: إنما توقف

١٤٤
-
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
مالك عن القول بنقصان الإيمان؛ خشية أن يُتَأَوَّل عليه موافقة الخوارج، الذين يُكَفِّرون
أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب، وقد قال مالك بنقصان الإيمان، مثل قول جماعة
أهل السنة، قال عبد الرزاق: سمعت من أدركت من شيوخنا، وأصحابنا: سفيان
الثوريّ، ومالك بن أنس، وعبيد الله بن عمر، والأوزاعيّ، ومعمر بن راشد، وابن
جريج، وسفيان بن عيينة، يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهذا قول ابن
مسعود، وحذيفة، والنخعيّ، والحسن البصريّ، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعبد
الله بن المبارك، فالمعنى الذى يستحق به العبد المدح، والولاية من المؤمنين، هو إتيانه
بهذه الأمور الثلاثة: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، وذلك أنه
لا خلاف بين الجميع، أنه لو أقر، وعمل على غير علم منه ومعرفة بربه، لا يستحق
اسم مؤمن، ولو عرفه وعمل، وجحد بلسانه، وكذّب ما عُرف من التوحيد، لا يستحق
اسم مؤمن، وكذلك إذا أقر بالله تعالى، وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين،
ولم يعمل بالفرائض، لا يسمى مؤمنا بالإطلاق، وإن كان فى كلام العرب، يسمى مؤمنا
بالتصديق، فذلك غير مستحق فى كلام اللّه تعالى، لقوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَنْتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ
أُوْلَبِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ -
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ
٤]، فأخبرنا سبحانه وتعالى: أن المؤمن من كانت هذه صفته.
وقال ابن بطال فى ((باب من قال الإيمان هو العمل)): [فإن قيل]: قد قَدّمتم أن
الإيمان هو التصديق، [قيل]: التصديق هو أول منازل الإيمان، ويوجب للمصدق
الدخول فيه، ولا يوجب له استكمال منازله، ولا يسمى مؤمنا مطلقا، هذا مذهب جماعة
أهل السنة، أن الإيمان قول وعمل، قال أبو عبيد: وهو مالك، والثوريّ، والأوزاعيّ،
ومن بعدهم، من أرباب العلم والسنة، الذين كانوا مصابيح الهدى، وأئمة الدين، من
أهل الحجاز، والعراق، والشام، وغيرهم. قال ابن بطال: وهذا المعنى أراد البخارى
رحمه اللَّه إثباته فى (كتاب الإيمان))، وعليه بوب أبوابه كلها، فقال: ((باب أمور
الإيمان))، و((بابٌ الصلاةُ من الإيمان))، و((بابٌ الزكاةُ من الإيمان)»، و«بابٌ الجهادُ من
الإيمان))، وسائر أبوابه، وانما أراد الردّ على المرجئة فى قولهم: إن الإيمان قول بلا
عمل، وتبيينُ غلطهم، وسوء اعتقادهم، ومخالفتهم للكتاب والسنة، ومذاهبِ الأئمة.
ثم قال ابن بطال فى باب آخر: قال المهلب: الإسلام على الحقيقة هو الإيمان، الذي
هو عقد القلب، المصدق لإقرار اللسان، الذي لا ينفع عند اللَّه تعالى غيره. وقالت
الكرامية، وبعض المرجئة: الإيمان هو الإقرار باللسان، دون عقد القلب، ومن أقوى ما

١٤٥
٤٦- (كِتَبُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ)
يُرَدّ به عليهم إجماع الأمة على إكفار المنافقين، وإن كانوا قد أظهروا الشهادتين، قال الله
تعالى: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَىَ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِّهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، إلى
قوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ﴾ [التوبة: ٨٣-٨٤-٨٥]. هذا آخر كلام
ابن بطال.
وقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: قوله وَله: ((الإسلام أن تشهد أن
لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول اللّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان،
وتحج البيت إن استطع إليه سبيلا، والإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله،
واليوم الآخر بالقدر، خيره وشره))، قال: هذا بيان لأصل الإيمان، وهو التصديق
الباطن، وبيان أصل الإسلام، وهو الاستسلام والانقياد، وحكم الإسلام فى الظاهر
ثبت بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم؛ لكونها أظهر
شعائر الإسلام، وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يُشعر بانحلال قيد
انقياده، أو اختلاله، ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فُسر به الإسلام فى هذا الحديث،
وسائر الطاعات؛ لكونها ثمرات للتصديق الباطن، الذى هو أصل الإيمان، ومقويات،
ومتممات، وحافظات له، ولهذا فسر ◌َّر، الإيمان فى حديث وفد عبد القيس،
بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وإعطاء الخمس من المغنم، ولهذا لا
يقع اسم المؤمن المطلق، على من ارتكب كبيرة، أو بدل فريضة؛ لأن اسم الشىء
مطلقا، يقع على الكامل منه، ولا يستعمل فى الناقص ظاهرا، إلا بقيد، ولذلك جاز
إطلاق نفيه عنه، فى قوله ◌َلهير: ((لا يسرق السارق حين يسرق، وهو مؤمن))، واسم
الإسلام يتناول أيضا ما هو أصل الإيمان، وهو التصديق الباطن، ويتناول أصل
الطاعات، فإن ذلك كله استسلام، قال: فخرج مما ذكرناه، وحققنا أن الإيمان
والإسلام، يجتمعان، ويفترقان، وأن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، قال:
وهذا تحقيق وافر، بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة، الواردة فى الإيمان
والإسلام، التي طالما غَلِط فيها الخائضون، وما حققناه من ذلك، موافق لجماهير
العلماء، من أهل الحديث، وغيرهم. هذ آخر كلام الشيخ أبى عمرو بن الصلاح.
فإذا تقرر ما ذكرناه من مذاهب السلف، وأئمة الخلف، فهي متظاهرة، متطابقة على
كون الإيمان يزيد وينقص، وهذا مذهب السلف، والمحدثين، وجماعة من المتكلمين،
وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه، وقالوا: متى قبل الزيادة كان شكا وكفرا، قال
المحققون، من أصحابنا المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان
الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته، وهي الأعمال ونقصانها، قالوا: وفى هذا توفيق بين

١٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة، وأقاويل السلف، وبين أصل وضعه فى اللغة،
وما عليه المتكلمون، وهذا الذي قاله هؤلاء، وان كان ظاهرا حسنًا، فالأظهر - والله
أعلم- أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر، وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان
الصديقين، أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشُّبَه، ولا يتزلزل إيمانهم
بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة، وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم
من المؤلفة، ومن قاربهم، ونحوهم، فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا
يتشكك عاقل فى أن نفس تصديق أبى بكر الصديق رضى الله عنه، لا يساويه تصديق
آحاد الناس، ولهذا قال البخارى فى ((صحيحه)) قال ابن أبى مليكة: أدركت ثلاثين من
أصحاب النبيّ وَلير، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان
جبريل وميكائيل، والله أعلم. وأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال، فمتفق عليه عند
أهل الحق، ودلائله فى الكتاب والسنة، أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تشهر، قال
الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أجمعوا على أن المراد
صلاتكم، وأما الأحاديث، فستمر بك فى هذا الكتاب، منها جُلٌ مستكثرات، واللّه
أعلم. واتفق أهل السنة من المحدثين، والفقهاء، والمتكلمين، على أن المؤمن الذي
يُحكَم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد فى النار، لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين
الإسلام، اعتقادا جازما، خاليًا من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على
إحداهما، لم يكن من أهل القبلة أصلًا، إلا إذا عجز عن النطق؛ لخلل فى لسانه، أو
لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية، أو لغير ذلك، فإنه يكون مؤمنا، أما إذا أتى
بالشهادتين، فلا يشترط معهما، أن يقول: وأنا بريء من كل دين، خالف الإسلام، إلا
اذا كان من الكفار، الذين يعتقدون اختصاص رسالة نبينا وَظهر، إلى العرب، فإنه لا
يُحكم بإسلامه، إلا بأن يتبرأ، ومن أصحابنا أصحاب الشافعي رحمه اللَّه مَن شرط أن
يتبرأ مطلقا، وليس بشيء، أما إذا اقتصر على قوله: لا إله إلا الله، ولم يقل: محمد
رسول اللّه، فالمشهور من مذهبنا، ومذاهب العلماء أنه لا يكون مسلما، ومن أصحابنا
من قال: يكون مسلما، ويطالب بالشهادة الأخرى، فإن أبى جُعل مرتدا، ويُحتَجُّ لهذا
القول، بقوله وآله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا اله الا الله، فاذا قالوا: ذلك
عصموا مني دماءهم وأموالهم))، وهذا محمول عند الجماهير على قول الشاهدتين،
واستغنى بذكر إحداهما عن الأخرى؛ لارتباطهما، وشهرتهما. والله أعلم. أما إذا أقر
بوجوب الصلاة، أو الصوم، أو غيرهما من أركان الإسلام، وهو على خلاف ملته التي
كان عليها، فهل يجعل بذلك مسلما، فيه وجهان لأصحابنا، فمن جعله مسلما، قال:

١٤٧ ==
٤٦- (كِتَبُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ)
كل ما يكفر المسلم بإنكاره يصير الكافر بالإقرار به مسلما، أما إذا أقر بالشهادتين
بالعجمية، وهو يحسن العربية، فهل يُجعل بذلك مسلما، فيه وجهان لأصحابنا،
الصحيح منهما أنه يصير مسلما؛ لوجود الإقرار، وهذا الوجه هو الحق، ولا يظهر
للآخر وجه، وقد بينت ذلك مستقصى فى ((شرح المهذب))، والله أعلم. انتهى كلام
النوويّ ((شرح مسلم)) ١٤٤/١-١٤٩. وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): قد حقّق هذا الموضوع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى
تحقيقا بالغًا، أحببت إيراده؛ تأكيدًا، وتفصيلاً لما سبق من كلام الأئمة الذين نقلنا
نصوصهم في المسائل السابقة، قال رحمه الله تعالى:
[اعلم]: أن الإيمان والإسلام يجتمع فيهما الدين كلّه، وقد كثر كلام الناس في
حقيقة الإيمان والإسلام، ونزاعهم، واضطرابهم، وقد صُنّت في ذلك مجلّدات،
والنزاع في ذلك من حين خرجت الخوارج بين عامة الطوائف، ونحن نذكر ما يُستفاد
من كلام النبيّ وَّر، مع ما يُستفاد من كلام اللّه تعالى، فيصل المؤمن إلى ذلك من نفس
كلام اللّه تعالى ورسوله وَلهير، فإن هذا هو المقصود، فلا نذكر اختلاف الناس ابتداء، بل
نذكر من ذلك في ضمن ما يُستفاد من كلام اللَّه تعالى، ورسوله وَلهو ما يبيّن أن ردّ موارد
النزاع إلى اللّه تعالى، وإلى الرسول وَلّله خير، وأحسن تأويلاً، وأحسن عاقبة في الدنيا
والآخرة.
فنقول: قد فرق النبيّ ◌َّ في حديث جبريلِالَّلُ بين مسمّى الإسلام، ومسمّى
الإيمان، ومسمّى الإحسان، فقال: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا
رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت
إليه سبيلا))، وقال: ((الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر،
وتؤمن بالقدر خيره وشرّه)). والفرق مذكور في حديث عمر رَّه الذي انفرد به مسلم،
وفي حديث أبي هريرة تظلّه الذي اتّفق البخاريّ ومسلم عليه، وكلاهما فيه أن جبريل
جاءه في صورة إنسان أعرابيّ، فسأله، وفي حديث عمر تَظّه أنه جاءه في صورة
أعرابيّ. وكذلك فسّر الإسلام في حديث ابن عمر المشهور، قال: ((بني الإسلام على
خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء
الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)). وحديث جبريل يبيّن أن الإسلام المبنيّ على
خمس هو الإسلام نفسه، ليس المبنيّ غير المبنيّ عليه، بل جعل النبيّ وَّ # الدين ثلاث
درجات: أعلاها الإحسان، وأوسطها الإيمان، ويليه الإسلام، فكل محسن مؤمن،

١٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
وكلّ مؤمن مسلم، وليس كلّ مؤمن محسنًا، ولا كلّ مسلم مؤمنًا، كما سيأتي بيانه- إن
شاء الله تعالى- في سائر الأحاديث، كالحديث الذي رواه حمّاد بن زيد، عن أيوب،
عن أبي قلابة، عن رجل من أهل الشام، عن أبيه، عن النبيّ وَّ، قال له: ((أسلِيم
تسلم))، قال: وما الإسلام؟ قال: ((أن تُسلم قلبك لله، وأن يسلم المسلمون من
لسانك، ويدك))، قال: فأيّ الإسلام أفضل؟ قال: ((الإيمان))، قال: وما الإيمان؟ قال:
((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالبعث بعد الموت))، قال: فأي الإيمان
أفضل؟ قال: ((الهجرة))، قال: وما الهجرة؟ قال: ((أن تهجر السوء))، قال: فأيّ الهجرة
أفضل؟ قال: ((الجهاد))، قال: وما الجهاد؟ قال: ((أن تجاهد))، أو ((تقاتل الكفّار إذا
لقيتهم، ولا تغلُل، ولا تجبُن))، ثم قال رسول اللّه وَّر: ((عملان هما أفضل الأعمال،
إلا من عمل بمثلهما))-قالها ثلاثًا- ((حجة مبرورة، أو عمرة))، رواه أحمد، ومحمد بن
نصر المروزيّ.
ولهذا يذكر هذه المراتب الأربعة، فيقول: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه،
ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر من هجر السيئات،
والمجاهد من جاهد نفسه))، وهذا مرويّ عن النبيّ وَل من حديث عبد الله بن عمرو،
وفَضَالة بن عبيد، وغيرهما بإسناد جيّد، وهو في ((السنن))، وبعضه في ((الصحيحين)).
وقد ثبت عنه من غير وجه أنه قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده،
والمؤمن مَنْ أَمِنَّهُ الناس على دمائهم وأموالهم))، ومعلوم أن من كان مأمونًا على الدماء
والأموال كان المسلمون يسلمون من لسانه ويده، ولولا سلامتهم منه لما ائتمنوه،
وكذلك في حديث عُبيد بن عُمير، عن عمرو بن عَبَسَة ◌َّه . وفي حديث عبد الله بن
عُبيد بن عُمير أيضًا، عن أبيه، عن جدّه أنه قيل لرسول اللّه ◌َلّر: ما الإسلام؟ قال:
((إطعام الطعام، وطيب الكلام))، قيل: فما الإيمان؟ قال: ((السماحة، والصبر))، قيل:
فمن أفضل المسلمين إسلامًا؟ قال: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده)»، قيل: فمن
أفضل المؤمنين إيمانًا؟ قال: ((أحسنهم خُلُقًا))، قيل: فما أفضل الهجرة؟ قال: ((من هجر
ما حرّم الله عليه))، قال: أيّ الصلاة أفضل؟ قال: ((طول القنوت))، قال: أي الصدقة
أفضل؟ قال: ((جهد مقلّ))، قال: أيّ الجهاد أفضل؟ قال: ((أن تجاهد بمالك، ونفسك،
فيُعقرُ جوادك، ويُراق دمك))، قال: أيّ الساعات أفضل؟ قال: ((جوف الليل الغابر)).
ومعلوم أن هذا كله مراتب، بعضها فوق بعض، وإلا فالمهاجر لا بدّ أن يكون
مؤمنًا، وكذا المجاهد، ولهذا قال: ((الإيمان السماحة والصبر))، وقال في الإسلام:
(إطعام الطعام، وطيب الكلام))، والأول مستلزم للثاني، فإن من كان خلقه السماحة،

١٤٩ ==
٤٦- (كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ)
فعل هذا بخلاف الأول، فإن الإنسان قد يفعل ذلك تخلّقا، ولا يكون في خلقه سماحة،
وصبرٌ، وكذلك قال: ((أفضل المسلمين من سلم المسلمون من لسانه ويده))، وقال:
((أفضل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقا))، ومعلومٌ أن هذا يتضمّن الأول، فمن كان حسن
الخلق فعل ذلك. قيل للحسن البصريّ: ما حسن الخلق؟ قال: بذل الندى، وكفّ
الأذى، وطلاقة الوجه، فكف الأذى جزء من حسن الخلق، وستأتي الأحاديث
الصحيحة بأنه جعل الأعمال الظاهرة من الإيمان، كقوله وَالر: ((الإيمان بضع وسبعون
شعبةً، أعلاها قول: لا إله إلا اللَّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق))، وقوله لوفد عبد
القيس: ((آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟: شهادة أن لا إله
إلا الله، وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤذوا خمس ما غنمتم)).
ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانًا باللّه بدون إيمان القلب؛ لِمَا قد أخبر
في غير موضع أنه لا بدّ من إيمان القلب، فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان.
وفي ((المسند)) عن أنس تظفيه عن النبيّ وَير أنه قال: ((الإسلام علانية، والإيمان في
القلب))(١)، وقال ◌َله: ((إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا
فسدت فسد سائر الجسد، ألا وهي القلب))، فمن صلح قلبه صلح جسده قطعًا،
بخلاف العكس. وقال سفيان بن عيينة: كان العلماء فيما مضى يكتب بعضهم إلى بعض
بهؤلاء الكلمات: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله،
أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته، كفاه الله أمر دنياه. رواه ابن أبي
الدنيا في ((كتاب الإخلاص)). فعلم أن القلب إذا صلح بالإيمان صلح الجسد بالإسلام،
وهو من الإيمان، يدلّ على ذلك أنه قال في حديث جبريل ◌َالَّل: ((هذا جبريل جاءكم
يُعلّمكم دينكم))، فجعل الدين هو الإسلام، والإيمان، والإحسان))، فتبين أن ديننا
يجمع الثلاثة، لكن هو درجات ثلاث: مسلم، ثم مؤمن، ثم محسنٌ، كما قال تعالى:
﴿ِثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالٌِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ
سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]، والمقتصد، والسابق كلاهما يدخل الجنّة
بلا عقوبة، بخلاف الظالم لنفسه، وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب،
لكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن، فإنه معرّضٌ للوعيد، كما سيأتي بيانه،
إن شاء الله .
وأما الإحسان: فهو أعمّ من جهة نفسه، وأخصّ من أصحابه من الإيمان، والإيمان
(١) ضعيف. انظر ((ضعيف الجامع الصغير)) لليشخ الألباني رحمه الله تعالى ص٣٣٦.

١٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
أعمّ من جهة نفسه، وأخصّ من جهة أصحابه من الإسلام، فالإحسان يدخل فيه
الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخصّ من المؤمنين، والمؤمنون
أخصّ من المسلمين، وهذا كما يقال: في الرسالة، والنبوّة، فالنبوّة داخلة في الرسالة،
والرسالة أعمّ من جهة نفسها، وأخصّ من جهة أهلها، فكلّ رسول نبيّ، وليس كلّ نبيّ
رسولًا، فالأنبياء أعمّ، والنبوّة نفسها جزء من الرسالة، فالرسالة تتناول النبوّة، وغيرها،
بخلاف النبوّة، فإنها لا تتناول الرسالة. والنبيّ وَلهر فسّر الإسلام، والإيمان بما أجاب
به، كما يجاب عن المحدود بالحدّ، إذا قيل: ما كذا؟ قيل: كذا وكذا، كما في الحديث
الصحيح لَمّا قيل: ما الغيبة؟ قال: ((ذكرك أخاك بما يَكره))، وفي الحديث الآخر:
((الكبر بطر الحقّ، وغمط الناس))، وبطر الحقّ: جحده، ودفعه، وغمط الناس:
احتقارهم، وازدراؤهم. وسنذكر- إن شاء الله تعالى- سبب تنوّع أجوبته، وأنها كلّها
حقّ. ولكن المقصود أن قوله وَله: (بُني الإسلام على خمس))، كقوله: الإسلام هو
الخمس، كما ذكر في حديث جبرائيلفِىالَّله، فإن الأمر مركّبٌ من أجزاء تكون الهيئة
الاجتماعيّة فيه مبنيّة على تلك الأجزاء، ومركبةً منها، فالاسلام مبنيّ على هذه الأركان-
وسنبيّن إن شاء الله - اختصاص هذه الخمس بكونها هي الإسلام، وعليها بُني الإسلام،
ولم خُصّت بذلك، دون غيرها من الواجبات.
وقد فسّر الإيمان في حديث وفد عبد القيس بما فسّر به الإسلام هنا، لكنه لم يذكر
فيه الحجّ، وهو متّفقٌ عليه، فقال: ((آمركم بالإيمان بالله وحده، هل تدرون ما الإيمان
بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا
رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدّوا خمس ما غنمتم،
أو خمسًا من المغنم)). وقد رُوي في بعض طرقه: ((الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا
اللَّه))، لكن الأول أشهر، وفي رواية أبي سعيد تظّه: ((آمركم بأربع، وأنهاكم عن
أربع: اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا)).
وقد فَسَّر في حديث شعب الإيمان الإيمان بهذا، وبغيره، فقال: ((الإيمان بضع
وستّون، أو بضع وسبعون شعبةً، أفضلها قول: لا إله إلا اللَّه، وأدناها إماطة الأذى عن
الطريق، والحياء شبعة من الإيمان)). وقد ثبت عنه من وجوه متعدّدة أنه قال: ((الحياء
شعبة من الإيمان)) من حديث ابن عمر، وابن مسعود، وعمران بن حصين * ، وقال
أيضًا: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين))،
وقال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه))، وقال: ((والله لا يؤمن،
والله لا يؤمن، والله لا يؤمن))، قيل: من يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يأمن جاره

١٥١ ==
٤٦- (كِتَبُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ)
بوائقه». وقال: ((من رأى منكم منكرا، فليُغیّره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم
يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). وقال: ((ما بعث اللَّه من نبيّ، إلا كان في أمته
قوم يهتدون بهديه، ويستنّون بسنته، ثم إنه يخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا
يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه
فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمنٌ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل))،
وهذا من أفراد مسلم. وكذلك في أفراد مسلم قوله وَل: ((والذي نفسي بيده لا تدخلون
الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم،
أفشوا السلام بينكم))، وقال في الحديث المتّفق عليه من رواية أبي هريرة تظلّه ، ورواه
البخاريّ من حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما، قال النبيّ وَّر: ((لا يزني الزاني
حين يزني، وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها، وهو مؤمن، ولا يسرق السارق
حين يسرق، وهو مؤمن، ولا ينتهب النهبة، يرفع الناس إليه فيها أبصارهم، وهو
مؤمن)) .
فيقال: اسم الإيمان تارةً يُذكر مفردًا، غير مقرون باسم الإسلام، ولا باسم العمل
الصالح، ولا غيرهما، وتارة يُذكر مقرونًا، إما بالإسلام، كقوله في حديث جبرائيل:
((ما الإسلام، وما الإيمان؟، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥]، وقوله عز وجل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَبُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ
وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] الآية، وقوله عز وجل: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيَهَا مِنَ
اُلْمُؤْمِنِينَ
ـ) فَا وَحَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥-٣٦]. وكذلك ذكر
٣٥
الإيمان مع العمل الصالح، وذلك في مواضع من القرآن، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَنُواْ
وَعِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ الآية [الكهف: ١٠٧]، وإما مقرونا بالذين أوتوا العلم، كقوله تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَآلْإِيمَنَ﴾ الآية [الروم: ٥٦]، وقوله: ﴿يَرْفَعَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ
وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾ الآية [المجادلة: ١١]، وحيث ذكر الذين آمنوا، فقد دخل فيهم
الذين أوتوا العلم، فإنهم خيارهم، قال تعالى: ﴿وَالرَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ، كُلٌّ ◌ِنْ
عِندِ رَيِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] الآية، وقال: ﴿لَّكِنِ الرَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَّ
أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكٌ﴾ الآية [النساء: ١٦١].
ويذكر أيضًا لفظ المؤمنين، مقرونًا بالذين هادوا، والنصارى، والصابئين، ثم يقول:
﴿مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَبُهُمْ عِندَ رَيِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، فالمؤنون في ابتداء الخطاب غير الثلاثة، والإيمان الآخر

١٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
عمّهم، كما عمّهم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعِلُواْ الصَِّحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيِّرُ الْبِيَّةِ﴾
[البينة: ٧]، وسنبسط هذا إن شاء الله.
فالمقصود هنا العموم والخصوص بالنسبة إلى ما في الباطن والظاهر من الإيمان،
وأما العموم بالنسبة إلى الملل، فتلك مسألة أخرى، فلما ذكر الإيمان مع الإسلام،
جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحجّ،
وجعل الإيمان ما في القلب، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم
الآخر، وهكذا في الحديث الذي رواه أحمد، عن أنس ◌َّيه، عن النبيّ وَّ أنه قال:
((الإسلام علانيةٌ، والإيمان في القلب))(١). وإذا ذكر اسم الإيمان مجرّدًا دخل فيه
الإسلام، والأعمال الصالحة، كقوله و الر في حديث الشعب: ((الإيمان بضع وسبعون
شعبةً، أعلاها قول: لا إله إلا اللّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق))، وكذلك سائر
الأحاديث التي يُجعل فيها أعمال البرّ من الإيمان.
ثم إن نَفَى الإيمان عند عدمها دلّ على أنها واجبة، وإن ذكر فضل إيمان صاحبها،
ولم ينف إيمانه دلّ على أنها مستحبّةٌ، فإن اللَّه تعالى، ورسوله وَ لَّ لا ينفي اسم مُسمّى
أمر، أمر الله به رسوله وَله إلا إذا ترك بعض واجباته، كقوله: ((لا صلاة إلا بأم القرآن»،
وقوله: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له))، ونحو ذلك.
فأما إذا كان الفعل مستحبًا في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحبّ، فإن هذا لو جاز
لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان، والصلاة، والزكاة، والحجّ؛ لأنه ما من
عمل إلا وغيره أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البرّ مثل ما فعلها النبيّ وَّ، بل ولا
أبو بكر، ولا عمر، فلو كان من لم يأت بكمالها المستحبّ يجوز نفيها لجاز أن ينفى
عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل. فمن قال: إن المنفيّ
هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يُذمّ تاركه، ويتعرّض للعقوبة، فقد
صدق، وإن أراد أنه نفي الكمال المستحبّ، فهذا لم يقع قط في كلام اللّه عز وجل
ورسوله وَلّره، ولا يجوز أن يقع، فإن من فعل الواجب كما وجب عليه، ولم ينتقص من
واجبه شيئًا، لم يجز أن يقال: ما فعله، لا حقيقةً، ولا مجازًا، فإذا قال للأعرابيّ
المسيء في صلاته: ((ارجع، فصلّ، فإنك لم تصلّ))، وقال لمن صلّى خلف الصفّ،
وقد أمره بالإعادة: ((لا صلاة لفذّ خلف الصفّ))، كان لترك واجب، وكذلك قوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِمْ فِ
(١) تقدم أنه حديث ضعيف.

١٥٣ =
٤٦- (كِتَبُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ)
سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الضَدِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]، يبيّن أن الجهاد واجب، وترك
الاتياب واجب، والجهاد، وإن كان فرضًا على الكفاية، فجميع المؤمنين يخاطبون به
ابتداء، فعليهم كلّهم اعتقاد وجوبه، والعزم على فعله، إذا تعيّن، ولهذا قال النبيّ وَّ:
((من مات، ولم يغز، ولم يُحدّث نفسه بغزو، مات على شعبة نفاق))، رواه مسلم،
فأخبر أنه من لم يهمّ به كان على شعبة نفاق.
وأيضًا فالجهاد جنس تحته أنواع متعدّدة، ولا بدّ أن يجب على المؤمن نوع من
أنواعه، وكذلك قوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ
اُلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَا رَزَقْتَهُمْ
عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَُّونَ
يُنْفِقُونَ
أُوْلَكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ الآية [الأنفال: ٢ - ٤]، هذا كله واجب، فإن
التوكّل على اللَّه واجبٌ، من أعظم الواجبات، كما أن الإخلاص لله واجب، وحبّ
الله ورسوله واجب، وقد أمر الله بالتوكّل عليه في غير آية، أعظم مما أمر بالوضوء،
والغسل من الجنابة، ونهى عن التوكّل على غير اللَّه، قال تعالى: ﴿فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ
عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّه لا إله إلا هو، وعلى الله فليتوكّل المؤمنون﴾،
وقال تعالى: ﴿إِن يَنصُرُّكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنصُرُكُمْ مِّنْ بَعْدِهِ،
وَعَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَقَوْم إِن كُمْ
ءَامَنْثُم بِاللَّهِ فَعَلَّهِ تَوَكَُّواْ إِن كُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤].
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ.
زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، فيقال: من أحوال القلب، وأعماله ما يكون من لوازم
الإيمان الثابتة فيه، بحيث إذا كان الإنسان مؤمنًا، لزم ذلك بغير قصد منه، ولا تعمّد له،
وإذا لم يوجد دلّ على أن الإيمان الواجب لم يحصل في القلب، وهذا كقوله تعالى:
﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ
ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمَّ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم
بِرُوجِ مِنْهٌ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢]، فأخبر أنك لا تجد مؤمنًا يوادّ المحادّين لله
ورسوله، فإن نفس الإيمان ينافي موادّته، كما ينفي أحد الضدّين الآخر، فإذا وُجد
الإيمان انتفى ضدّه، وهو موالاة أعداء اللَّه، فإذا كان الرجل يوالي أعداء اللَّه بقلبه، كان
ذلك دليلاً على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب.
ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لَبِتْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ (0َ وَلَوْ كَانُواْ
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾

١٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
[المائدة: ٨٠]، فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وُجد الشرط وُجد المشروط بحرف
((لو)) التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فقال: ﴿وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَِّيْ
وَمَا أُنْزِفَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَةَ﴾، فدلّ على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم
أولياء، ويُضادّه، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودلّ ذلك على أن من
اتخذهم أولياء، ما فعل الإيمان الواجب، من الإيمان بالله، والنبيّ، وما أنزل إليه.
ومثله قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ الْهُودَ وَالنَّصَرَبِّ أَوْلِيَةٌ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ وَمَن يَتَوَُّم مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ
مِنْهُمُّ﴾ الآية [المائدة: ٥١]، فإنه أخبر في تلك الآيات أن متولّيهم لا يكون مؤمنًا، وأخبر
هنا أن متولّيهم هو منهم، فالقرآن يصدّق بعضه بعضًا، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ
الْحَدِيثِ كِتَبًا مُتَشَبِهَا مَّثَانِىَ نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَهُمْ﴾ الآية [الزمر: ٢٣]،
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلّهِ وَرَسُولِ، وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَى أَمْرِ جَاِعِ لَّمْ
يَذْهَبُواْ حَّى يَسْتَذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَعْذِنُونَكَ﴾ الآية [النور: ٦٢] دليلٌ على أن الذهاب المذكور
بدون استئذانه لا يجوز، وأنه يجب أن لا يذهب حتى يستأذن، فمن ذهب، ولم
يستأذن، كان قد ترك بعض ما يجب عليه من الإيمان، فلهذا نفى عنه الإيمان، فإن
حرف ((إنما)) تدلّ على إثبات المذكور، ونفي غيره، ومن الأصوليين من يقول: ((إنّ))
للإثبات، و((ما)) للنفي، فإذا جمع بينهما دلّت على النفي والإثبات، وليس كذلك عند
أهل العربيّة، ومن يتكلّم بعلم، فإن ((ما)) هذه هي الكافة التي تدخل على ((إن))
وأخواتها، فتكفّها عن العمل؛ لأنها إنما تعمل إذا اختصّت بالجمل الاسميّة، فلما كُفّت
بطل عملها، واختصاصها، فصار يليها الجمل الفعليّة، والاسميّة، فتغيّر معناها،
وعملها جميعا بانضمام ((ما)) إليها، وكذلك ((كأنما))، وغيرها.
وكذلك قوله تعالى:
﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَيِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُم مِّنَ بَعْدِ ذَلِكٌ وَمَا أُوْلَكَ
◌ِلْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَهُمْ إِذَا فَرِقٌ مِنْهُم مُّعْرِضُونَ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأُوْلَكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٤٧-٥١].
[فإن قيل]: إذا كان المؤمن حقًا هو الفاعل للواجبات، التارك للمحرّمات، فقد
قال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]، ولم يذكر إلا خمسة أشياء، وكذلك قال
في الآية الأخرى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَتِكَ هُمُ الضَدِّقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَسْتَعْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِ﴾ الآية [النور: ٦٢].

١٥٥
٤٦- (كِتَبُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ)
[قيل]: عن هذا جوابان:
[أحدهما]: أن يكون ما ذُكر مستلزمًا لما تُرك، فإنه ذَكَر وَجَلَ قلوبهم إذا ذُكر الله،
وزيادة إيمانهم إذا تُليت عليهم آياته، مع التوكل عليه، وإقام الصلاة على الوجه المأمور
به باطنًا وظاهرًا، وكذلك الإنفاق من المال والمنافع، فكان هذا مستلزمًا للباقي، فإن
وجَلَ القلبِ عند ذكر الله يقتضي خشيته، والخوف منه، وقد فسّروا ((وجلت)) بفَرِقَت،
وفي قراءة ابن مسعود رَفيه: ((إذا ذُكر اللَّه فرِقَت قلوبهم))، وهذا صحيح، فإن الوجل
في اللغة هو الخوف، يقال: حمرة الْخَجَل، وصُفْرة الوجل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ
يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وََِةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قالت عائشة رضي الله
تعالى عنها: يا رسول اللَّه هو الرجل يزني، ويسرق، ويخاف أن يُعاقب؟ قال: ((لا یا
ابنة الصّدّيق، هو الرجل يصليّ، ويصوم، ويتصدّق، ويَخاف أن لا يُقبل منه)). وقال
السّدّيّ في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَسِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٥]: هو الرجل يريد
أن يظلم، أو يهمّ بمعصية، فينزع عنه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى
فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]، وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ
النَّفْسَ عَنِ الْمَّ
رَيْدِهِ جَّكَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، قال مجاهد، وغيره من المفسّرين: هو الرجل يهمّ
بالمعصية، فيذكر مقامه بين يدي الله، فيتركها خوفًا من الله.
وإذا كان وجل القلب من ذكره يتضمّن خشيته، ومخافته، فذلك يدعو صاحبه إلى
فعل المأمور، وترك المحظور. قال سهل بن عبد اللّه: ليس بين العبد وبين الله حجاب
أغلظ من الدعوى، ولا طريق إليه أقرب من الافتقار، وأصل كلّ خير في الدنيا والآخرة
الخوف من الله. ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ تُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ
الْأَ لْوَاحٌّ وَفِ نُسَخَتِهَا هُدَى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، فأخبر أن
الهدى والرحمة للذين يرهبون اللَّه. قال مجاهد، وإبراهيم: هو الرجل يريد أن يذنب
الذنب، فيذكر مقام الله، فيدع الذنب. رواه ابن أبي الدنيا عن ابن الجعد، عن شعبة،
عن منصور، عنهما في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّثَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]،
وهؤلاء هم أهل الفلاح المذكور في قوله تعالى: ﴿أُوْلَِكَ عَلَى هُدِّى مِّن رَّبِّهِمْ وَأَوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]، وهم المؤمنون، وهم المتّقون المذكورون في قوله تعالى:
ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِهِ هُدًى لِلْمَثَّفِينَ﴾ [البقرة: ١-٢]، كما قال في آية
﴿الرّ
البرّ: ﴿أَوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وهؤلاء هم المتّبعون
للكتاب، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]، وإذا

١٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِهِ
لم يضلّ، فهو متّبعٌ مهتد، وإذا لم يشقَ، فهو مرحوم، وهؤلاء هم أهل الصراط
المستقيم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين، غير
المغضوب عليهم، ولا الضّالّين، فإن أهل الرحمة ليسوا مغضوبًا عليهم، وأهل الهدى
ليسوا ضالين، فتبيّن أن أهل رهبة اللَّه يكونون متّقين للَّه، مستحقين للجنة بلا عذاب،
وهولاء هم الذين أتوا بالإيمان الواجب.
ومما يدلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ﴾ الآية
[فاطر: ٢٨]، والمعنى لا يخشاه إلا عالم، فقد أخبر الله أن كلّ من خشي اللَّه فهو
عالم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ
وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِيُ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَِّيْنَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الآية [الزمر: ٩].
والخشية أبدًا متضمّنة للرجاء، ولولا ذلك لكانت قُنوطًا، كما أن الرجاء يستلزم
الخوف، ولولا ذلك لكان أمنًا، فأهل الخوف للَّه، والرجاء له هم أهل العلم الذين
مدحهم الله. وقد رُوي عن أبي حيّان التيميّ أنه قال: العلماء ثلاثة: فعالم باللّه، ليس
عالمًا بأمر الله، وعالم بأمر اللَّه ليس عالمًا باللَّه، وعالم باللّه، عالم بأمر الله، فالعالم
بالله هو الذي يخافه، والعالم بأمر الله هو الذي يعلم أمره ونهيه، وفي ((الصحيح)) عن
النبيّ وَلّ أنه قال: ((والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بحدوده)). وإذا
كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنّة، لم يكونوا مستحقّين للذّمَ،
وذلك لا يكون إلا مع فعل الواجبات. ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَتُلِكَنَّ
وَلَنْسَكِنَتَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدٍ﴾
الظَّالِمِينَ
[إبراهيم: ١٣-١٤]، وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَّكَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٦]، فوعد بنصر
الدنيا، وبثواب الآخرة لأهل الخوف، وذلك إنما يكون لأنهم أدَّوا الواجب، فدلّ على
أن الخوف يستلزم فعل الواجب، ولهذا يقال للفاجر: لا يخاف الله. ويدلّ على هذا
المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن
قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ﴾ الآية [النساء: ١٧]. قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد وَال
عن هذه الآية، فقالوا لي: كلُّ من عصى اللَّهُ فهو جاهلٌ، وكلّ من تاب قبل الموت،
فقد تاب من قريب، وكذلك قال سائر المفسّرين، قال مجاهد: كلّ عاص فهو جاهل
حين معصيته. وقال الحسن، وقتادة، وعطاء، والسدّيّ، وغيرهم: إنما سُمُّوا جُهّالًا
لمعاصيهم، لا أنهم غير مميّزين. وقال الزجاج: ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء؛
لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءًا، وإنما يحتمل أمرين:

١٥٧
٤٦- (كِتَبُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ)
[أحدهما]: أنهم عملوه، وهم يجهلون المكروه فيه. [والثاني]: أنهم أقدموا على
بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل على الآجل، فسمّوا جُهّالًا؛ لإيثارهم
القليل على الراحة الكثيرة، والعافية الدائمة، فقد جعل الزجاج الجهل إما عدم العلم
بعاقبة الفعل، وإما فساد الإرادة. وقد يقال: هما متلازمان.
والمقصود هنا أن كلّ عاص للَّه، فهو جاهل، وكلّ خائف منه فهو عالمٌ، مطيع لله،
وإنما یکون جاهلًا لنقص خوفه من الله؛ إذ لو تمّ خوفه من الله لم يعصِ، ومنه قول ابن
مسعود رضيّ: كفى بخشية اللَّه علمًا، وكفى بالاغترار به جهلًا، وذلك لأن تصوّر
المخوف يوجب الهرب منه، وتصوّر المحبوب يوجب طلبه، فإذا لم يهرب من هذا،
ولم يطلب هذا، دلّ على أنه لم يتصوّره تصوّرًا تامًا، ولكن قد يتصوّر الخبر عنه،
وتصوّر الخبر، وتصديقه، وحفظ حروفه غير تصوّر المخبر عنه، وكذلك إذا لم يكن
المتصوّر محبوبًا له، ولا مكروهًا، فإن الإنسان يصدّق بما هو مخوف على غيره،
ومحبوب لغیرہ، ولا یورثه ذلك هربًا، ولا طلبًا، وکذلك إذا أُخبِر بما هو محبوبٌ له،
ومكروه، ولم يكذّب المخبر، بل عرفه صدقه، لكن قلبه مشغول بأمور أخرى عن
تصوّر ما أُخبر به، فهذا لا يتحرّك للهَرَبِ، ولا للطلب. وفي الكلام المعروف عن
الحسن البصريّ، ويُروى مرسلاً عن النبيّ وَله: ((العلم علمان، فعلم في القلب، وعلم
على اللسان، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على عباده)). وقد
أخرجا في (الصحيحين)) عن أبي موسى الأشعريّ رَّه عن النبيّ وَّل أنه قال: ((مثل
المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيّب، وريحها طيّبٌ، ومثل المؤمن الذي
لا يقرأ القرآن مثل التمرة، طعمها صيّبٌ، ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن
كمثل الريحانة، ريحها طيّبٌ، وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل
الحنظلة، طعمها مرّ، ولا ريح لها)). وهذا المنافق الذي يقرأ القرآن، يحفظه، ويتصوّر
معانيه، وقد يصدّق أنه كلام اللَّه، وأن الرسول حقّ، ولا يكون مؤمنًا، كما أن اليهود
يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وليسوا مؤمنين، وكذلك إبليس، وفرعون، وغيرهما،
لكن من كان كذلك، لم يكن حصل له من العلم التامّ، والمعرفة التامّة، فإن ذلك
يستلزم العمل بموجبه، لا محالة، ولهذا صار يقال: لمن لم يعمل بعلمه: إنه جاهل،
كما تقدّم.
وكذلك لفظ ((العقل)»، وإن كان في الأصل مصدر عقل يعقل عقلًا - من باب ضرب-
وكثير من النظّار جعله من جنس العلوم، فلا بدّ أن يُعتبر مع ذلك أنه علم يُعمل
بموجبه، فلا يسمّى عاقلًا إلا من عرف الخير، فطلبه، والشرّ فتركه، ولهذا قال

١٥٨
==
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
أصحاب النار: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيَ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، وقال
عن المنافقين: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَقََّّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّ يَعْفِلُونَ﴾
[الحشر: ١٤]، ومن فعل ما يعلم أنه يضرّه، فمثل هذا ما له عقلٌ، فكما أن الخوف
من اللَّه يستلزم العلم به، فالعلم به يستلزم خشيته، وخشيته تستلزم طاعته، فالخائف من
اللَّه ممتثلٌ لأوامره، مجتنب لنواهيه، وهذا هو الذي قصدنا بيانه أوّلًا .
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَىِ
ويدلّ على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى
الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبرَى﴾ [الأعلى: ٩-١٢]، فأخبر أن من يخشاه
وَيَنَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى
يتذكّر، والتذكّر هنا مستلزم لعبادته، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيَكُمْ ءَايَتِهِ، وَيُنَزِّكُ
لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ رِزْقًاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّ مَن يُنِبُ﴾ [غافر: ١٣]، وقال: ﴿َبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ
عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٨]، ولهذا قالوا في قوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: ١٠]:
سيتّعظ بالقرآن من يخشى الله، وفي قوله: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّ مَن يُنِيبُ﴾: إنما يتعظ من
يرجع إلى الطاعة، وهذا لأن التذكّر التامّ يستلزم التأثّر بما تذكّره، فإن تذكّر محبوبًا
طلبه، وإن تذكّر مرهوبًا هرب منه. ومنه قوله تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ
لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ أَتََّعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ
الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِّ﴾ [يس: ١١]، فنفى الإنذار عن غير هؤلاء مع قوله: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ
ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ نُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، فأثبت لهم الإنذار من وجه، ونفاه عنهم من وجه،
فالإنذار هو الإعلام بالمخوف، فالإنذار مثل التعليم، والتخويف، فمن علّمته، فتعلّم،
فقد تمّ تعليمه، وآخر يقول: علّمته، فلم يتعلّم، وكذلك من خوّفته، فخاف، فهذا هو
الذي تمّ تخويفه، وأما من خُوِّف فما خافٍ، فلم يتمّ تخويفه، وكذلك من هديته فاهتدى،
تمّ هداه، ومنه قوله تعالى: ﴿هُدِّى لِلْمَّقِينَ﴾، ومن هديته فلم يهتد، كما قال تعالى:
﴿وَمَّا تَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ اَلْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ الآية [فصلت: ١٣]، فلم يتمّ هداه، كما
تقول: قطعته فانقطع، وقطعته، فما انقطع. فالمؤثّر التام يستلزم أثره، فمتى لم يحصل
أثره لم يكن تامًا، والفعل إذا صادف محلًا قابلًا تمّ، وإلا لم يتمّ، والعلم بالمحبوب
يورث طلبه، والعلم بالمكروه يورث تركه، ولهذا يُسمّى هذا العلم: الداعي، ويقال:
الداعي مع القدرة، يستلزم وجود المقدور، وهو العلم بالمطلوب المستلزم الإرادة
المعلوم المراد، وهذا كلّه إنما يحصل مع صحّة الفطرة، وسلامتها، وأما مع فسادها،
فقد يُحسّ الإنسان باللذيذ، فلا يجد له لذّة، بل يؤلمه، وكذلك يلتذّ بالمؤلم لفساد
فطرته، والفساد يتناول القوّة العلميّة، والقوّة العمليّة جميعًا، كالممرور الذي يجد العسل
مُرّا، فإنه فسد نفس إحساسه، حتى كان يُحسّ به على خلاف ما هو عليه للمرّة التي

١٥٩
٤٦- (كِتَبُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ)
١٠٩
مازجته، وكذلك من فسد باطنه، قال تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ
وَتُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[الأنعام: ١٠٩- ١١٠]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوَأْ أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ الآية [الصف: ٥]،
وقال: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفُْ بَلْ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] وقال في الآية
الآخرى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفُأْ بَل لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، و((الغلف)) جمع
أغلف، وهو ذو الغلاف الذي في غلاف، مثل الأقلف، كأنهم جعلوا المانع خلقة: أي
خُلقت القلوب وعليها أغطية، فقال اللَّه تعالى: ﴿بَل لََّنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، ﴿طَبَعَ اَللَّهُ
عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىَ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ
عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءَائِفً أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوِهِمْ وَأَّعُواْ أَهْوَلَ هُمْ﴾
[محمد : ١٦] .
وكذلك قالوا: ﴿يَشْعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]، قال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ
فِيهِمْ خَيْرًّاً لَّأَسْمَعَهُمْ﴾: أي لأفهم ما سمعوه، ثم قال: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾: أي ولو أفهمهم
مع هذه الحال التي هم عليها ﴿لَتَوَلَّواْ وَّهُم ◌ُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، فقد فسدت
فطرتهم، فلم يفهموا، ولو فهموا لم يعملوا، فنفى عنهم صحّة القوّة العلميّة، وصحّة
القوّة العمليّة. وقال: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون، أو يعقلون، إن هم إلا كالأنعام،
بل هم أضلّ سبيلًا﴾، وقال: ﴿ولقد ذرأنا لجهنّم كثيرًا من الجنّ والإنس، لهم قلوب لا
يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام، بل
هم أضلّ، أولئك هم الغافلون﴾، وقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَّا لَا
يَسْمَعُ إِلَّا دُعَهُ وَنِدَآَةً مٌُّ بَكْمُّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، وقال عن المنافقين:
﴿ُمْ بُكْمُّ عُتِىٌ فَهُمْ لَا يَرَجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] .
ومن الناس من يقول: لَمّا لم ينتفعوا بالسمع والبصر، والنطق، صاروا من الصُّمِّ
العمي البكم، وليس كذلك، بل نفس قلوبهم عميت، وصُمّت، وبكمت، كما قال اللَّه
تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. والقلب
هو الملك، والأعضاء جنوده، وإذا صلح صلح سائر الجسد، وإذا فسد فسد سائر
الجسد، فيبقى يسمع بالأذن الصوت، كما تسمع البهائم، والمعنى: لا يفقه، وإن فقه
بعض الفقه لم يفقه فقهًا تامًا، فإن الفقه التامّ يستلزم تأثيره في القلب محبّة المحبوب،
وبغض المكروه، فمتى لم يحصل هذا لم يكن التصوّر حاصلًا، فجاز نفيه؛ لأن ما لم
يتمّ ينفى، كقوله وَّل﴾ للذي أساء في صلاته: ((صلّ، فإنك لم تصلّ))، فنَفْيُ الإيمان

١٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
حيث نُفي من هذا الباب.
وقد جمع الله تعالى بين وصفهم بوجَل القلب إذا ذُكر اللَّه، وبزيادة الإيمان إذا سمعوا
آياته، قال الضحاك: زادتهم يقينًا. وقال الربيع بن أنس: خشيةً. وعن ابن عبّاس
تصديقًا. وهكذا قد ذكر اللَّه هذين الأصلين في مواضع، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ
عَلَهِمُ الْأَمَّدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦].
والخشوع يتضمّن معنيين: [أحدهما]: التواضع والذلّ. [والثاني]: السكون
والطمأنينة، وذلك مستلزم للين القلب المنافي للقسوة، فخشوع القلب يتضمّن عبوديّته
للّه، وطمأنينته أيضًا، ولهذا كان الخشوع في الصلاة يتضمّن هذا، وهذا: التواضع،
والسكون. وعن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاتِهِمْ
خَشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]: قال: مخبتون أذِلّاءُ. وعن الحسن، وقتادة: خائفون. وعن
مقاتل: متواضعون. وعن عليّ رَّه: الخشوع في القلب، وأن تُلِين للمرء المسلم
كنفك، ولا تلتفت يمينًا وشمالًا. وقال مجاهد: غضّ البصر، وخفض الجناح. وكان
الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن، أن يشدّ بصره، أو أن يُحدّث نفسه
بشيء من أمر الدنيا. وعن عمرو بن دينار: ليس الخشوع الركوع والسجود، ولكنه
السكون، وحبّ حسن الهيئة في الصلاة. وعن ابن سيرين وغيره: كان النبيّ وَّ،
وأصحابه يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، وينظرون يمينًا وشمالًا حتى نزلت
الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٢]،
هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
فجعلوا بعد ذلك أبصارهم حيث يسجدون، وما رؤي أحد منهم بعد ذلك ينظر إلا إلى
الأرض. وعن عطاء: هو أن لا تعبث بشيء من جسدك، وأنت في الصلاة. وأبصر
النبيّ وَله رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: ((لو خشع قلب هذا لخشعت
جوارحه))(١) .
وخشوع الجسد تبع لخشوع القلب، إذا لم يكن الرجل مرائيًا يُظهر ما ليس في قلبه،
كما روي: ((تعوّذوا من خشوع النفاق))، وهو أن يري الجسد خاشعًا، والقلب خاليًا لا
هيّا، فهو سبحانه استبطأ المؤمنين بقوله: ﴿أَلَمّ ◌َأَنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ
وَمَا نَزَلَ مِنَ اُلْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، فدعاهم إلى خشوع القلب لذكره، وما نزل من كتابه،
ونهاهم أن يكونوا كالذين طال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، وهؤلاء هم ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ
(١) هذا موضوع مرفوعًا، وإنما هو من قول ابن المسيّب، وهو أيضًا ضعيف، انظر ((السلسة الضعيفة))
للشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى ١٤٣/١-١٤٤ رقم الحديث ١١١٠.