Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١ =
٢- (بَأَبُ امْتِحَانِ السَّارِقِ بِالضَّرْب وَالْحَبْس) - حديث رقم ٤٨٧٦
٢- (بَابُ امْتِحَانِ السَّارِقِ بِالضَّرْبِ
وَالْحَبْس)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن المصنّف رحمه الله تعالى يرى جواز
امتحان السارق بالضرب، والحبس، فأما جواز الحبس، فأخذه من حديثي الباب
ظاهر، وأما الضرب، فالذي يظهر أن النعمان ◌َظّه إنما قال لهم: ((إن شئتم أضربهم))
من باب الإرهاب لهم، كما قاله أبو داود رحمه اللَّه تعالى في ((سننه))، لا أنه يريد
ضربهم حقيقةً، فلا يكون حجة لمشروعيّة ضرب المتّهم. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٨٧٦- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَةُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي
صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنِي أَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَرَازِيُّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرِ، أَنَّهُ
رَفَعَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الْكَلَاعِيْينَ، أَنَّ حَاكَةَ سَرَقُوا مَتَاعًا، فَحَبَسَهُمْ أَيَّامًا، ثُمَّ خَلَّى سَبِيَلَهُمْ،
فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا: خَلَّيْتَ سَبِيلَ هَؤُلَاءِ، بِلَا امْتِحَانٍ، وَلَا ضَرْبٍ؟ فَقَالَ الُّعْمَانُ: مَا شِئْتُمْ،
إِنْ شِئْتُمْ أَضْرِبُهُمْ، فَإِنْ أَخْرَجَ اللَّهُ مَتَاعَكُمْ فَذَاكَ، وَإِلَّا أَخَذْتُ مِنْ ظُهُورِكُمْ مِثْلَهُ، قَالُوا:
هَذَا حُكْمُكَ؟ قَالَ: هَذَا حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَسُولِهِ نَّ).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (إسحاق بن إبراهيم) المعروف بابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠]
٢/٢ ٠
٢- (بقيّة بن الوليد) الكلاعيّ، أبو يُحمِد الحمصيّ، صدوقٌ، كثير التدليس عن
الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥ .
٣- (صفوان بن عمرو) السكسيّ، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة [٥] ٢٠٥٣/١١٢.
٤- (أزهر بن عبد اللَّه الْحَرَازيّ)- بمهملة، وراء خفيفة، وبعد الألف زاي -:
ويقال: أزهر بن سعيد الحمصيّ، صدوقٌ [٥] ١٦١٧/٩ .
٥- (النعمان بن بَشِير) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ رضي اللّه تعالى عنهما، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قُتل بحمص
سنة (٦٥) وله (٦٤) سنة، وتقدّم في ٥٢٨/١٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم

٣٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
رجال الصحيح، وبقية علق له البخاريّ، وأخرج له مسلم في المتابعات. (ومنها): أنه
مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فمروزيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ،
صفوان، عن أزهر، وكلاهما من الطبقة الخامسة، فهو من رواية الأقران. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) رضي اللّه تعالى عنهما (أَنَّهُ رَفَعَ إِلَيْهِ نَفَرٌ) ببناء الفعل للفاعل،
و((نفرٌ)) مرفوع على الفاعلية: أي أبلغ النعمان رَثه جماعةٌ (مِنَ الْكَلَاعِيِينَ) بفتح الكاف،
وتخفيف اللام: نسبة إلى ذي الكلاع قبيلة من حِمْيَر. أفاده في ((لبّ اللباب)) (أَنَّ حَاكَةً)
بتخفيف الكاف: جمع حائك، اسم فاعل، من حاك الثوب حَوْكًا، من باب قال،
وحِيَاكًا، وحِيّاكة: نسَجَه، فهو حائك، ويُجمع أيضًا على حَوَكَة. أفاده في ((القاموس))
(سَرَقُوا مَتَاعًا، فَحَبَسَهُمْ أَيَّامًا) أي حبس الحاكة، حتى يتبيّن له صدق المدّعيين، إما
بالاعتراف، أو بإقامة البيّنة عليهم (ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُمْ) أي ترك حبسهم لَمّا لم يتبيّن له
ثبوت ما ادُعِي عليهم (فَأَتَوْهُ) أي أتى الكلاعيّون النعمان. رَّهِ (فَقَالُوا: خَلَّيْتَ سَبِيلَ
هَؤُلَاءِ، بِلَا امْتِحَانٍ) أي بمساءلتهم، والتشديد في مناقشتهم (وَلَا ضَرْبٍ؟) أي ليعترفوا
بالسرقة (فَقَالَ النُّعْمَانُ) ◌َّهِ (مَا شِئْتُمْ) يحتمل أن تكون ((ما)) استفهامية، أي أيّ شيء
أردتم؟، ويحتمل أن تكون موصولة مبتدأ، وخبره محذوف: أي الذي أردتم فهو لكم،
ثم فصّل ذلك بقوله (إِنْ شِئْتُمْ) مفعوله محذوف: أي إن شئتم ضربهم (أَضْرِبُهُمْ) يجوز
جزمه، وهو الأحسن، ورفعه؛ لأن فعل الشرط إذا كان ماضيًا يجوز الوجهان في
الجواب، كما أشار إليه ابن مالك في ((الخلاصة))، حيث قال:
وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَّا حَسَنْ وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضَارِعٍ وَهَنْ
وقوله: ((حسن)) يدلّ على جزمه أحسن منه (فَإِنْ أَخْرَجَ اللَّهُ مَتَاعَكُمْ فَذَاكَ) أي فذاك
خير لكم (وَإِلَّا أَخَذْتُ مِنْ ظُهُورِكُمْ مِثْلَهُ) أي قصاصًا، قال أبو داود رحمه اللّه تعالى في
((سننه): إنما أرهبهم بهذا القول: أي لا يجب الضرب إلا بعد الاعتراف. انتهى. وقال
السنديّ: كنى به أنه لا يحلّ ضربهم، فإنه لو جاز لجاز ضربكم أيضًا قصاصًا. انتهى
(قَالُوا: هَذَا حُكْمُكَ؟) بتقدير همزة الاستفهام: أي أهذا الذي قلته حكمك الذي
حكمت به اجتهادًا؟ (قَالَ) النعمان رَّهِ (هَذَا حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَسُولِهِ بَّهِ﴾ أي إن
حبس المتّهم، وتخليته إذا لم يعترف هو الحكم الذي شرعه الله سبحانه وتعالى،
ورسوله و له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.

٢- (بَابُ امْتِحَانِ السَّارِقِ بِالضَّرْب وَالْحَبْس) - حديث رقم ٤٨٧٧
٣٦٣ =
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث النعمان بن بشير رضي اللَّه تعالى عنهما هذا حسنٌ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٨٧٦/٢- وفي ((الكبرى)) ٧٣٦١/٤. وأخرجه (د) في ((الحدود))
٤٣٨٣ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو بيان حكم امتحان السارق
بالضرب، والحبس، وهذا على ما فهمه المصنّف رحمه الله تعالى من قول النعمان بن
بشير رضي اللَّه تعالى عنهما: ((إن شئتم أضربهم))، وتقدّم ما فيه. (ومنها): جواز حبس
المتّهم؛ ليعترف بما ادُّعي عليه، وهذا ظاهر من حديثي الباب. (ومنها): ثبوت
القصاص على من أكره شخصًا بضرب شخص، حيث إن النعمان رَّهُ بيّن لهم أنه إذا
لم يثبت الحقّ بعد الضرب ضربهم. (ومنها): أن الصحابة *** كانوا يحكمون أحيانًا
باجتهادهم؛ حيث إن النعمان لم ينكر قولهم: هذا حكمك، بل بيّن لهم أن هذا مما
حكم اللَّه عز وجل ورسوله وَّل، لا من حكمه، وإن كان يحكم باجتهاده. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٧٧- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ بُهُزِ بْنِ حَكِيمٍ، عُنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
﴿َِّ، حَبَسَ نَاسًا فِي تُهُمَةٍ).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (عبد الرحمن بن محمد بن سلّام) البغداديّ، لا بأس به، وهو المذكور قبل
باب .
٢- (أبو أسامة) حمّاد بن أُسامة، ثقة ثبت، ربما دلّس [٩] ٤٤/ ٥٢.
٣- (ابن المبارك) عبد اللّه الإمام الحجة الثبت المشهور [٨] ٣٦/٣٢ .
٤- (معمر) بن راشد، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت [٧] ١٠/١٠.
٥- (بهز بم حكيم) القشيريّ، أبو عبد الملك البصريّ، صدوقٌ [٦] ٢٤٣٦/١.
٦- (أبوه) حكيم بن معاوية بن حَيْدة القشيريّ البصريّ، صدوقٌ [٣] ٢٤٣٦/١.
٧- (جدّه) معاوية بن حيدة بن معاوية بن كعب القشيريّ، صحابيّ نزل البصرة،
ومات بخراسان رضي اللَّه تعالى عنه٢٤٣٦/١ . والله تعالى أعلم.

٣٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
شرح الحديث
(عَنْ بُهْزِ بْنِ حَكِيم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِ،
حَبَسَ نَاسًا) لغة في أَنّاس (فِي تُهُمَةٍ) - بضم المثنّاة الفوقيّة، وفتح الهاء، كهُمَزة: ما يُتَّهَم
عليه، قاله في ((القاموس)). وقال ابن الأثير: ((التُّهْمة)) فُعْلةٌ من الْوَهْم، والتاء بدلٌ من
الواو، وقد تُفتح الهاء، واتّهمته: أي ظننت فيه ما نُسِب إليه. انتهى ((النهاية)) ١/ ٢٠١.
وقال الفيّوميّ: وأَتَّهِمْتُهُ بكذا: ظننته به، فهو تّهيم، واتّمته في قوله: شككت في
صدقه، والاسم ((التُّهَمَة))، وزانُ رُطَبة، والسكون لغة حكاها الفارابيّ، وأصل التاء واو.
انتھی .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: يُستفاد مما ذُكر أن التُّهمة بضم التاء، وفتح الهاء،
وسكونها لغتان فصيحتان، وقد صرّح بذلك السيّد مرتضى في ((تاج العروس شرح
القاموس)) ٩٧/٩ . والله تعالى أعلم.
وفي الرواية التالية: ((حبس رجلًا في تهمة، ثم خلّى سبيله)). وقال في ((تحفة
الأحوذيّ)) ٥٦٨/٤: قوله: ((حبس رجلًا في تهمة)): أي في أداء شهادة بأن كذب فيها،
أو بأن اذَّعَى عليه رجلٌ ذنبًا، أو دينًا، فحبسه وَّ ليعلم صدق الدَّغوى بالبيّنة، ثم لَمّا لم
يُقِم البيّنة خلى عنه: أي ترك حبسه، بأن أخرجه منه، قال: وهذا يدلّ على أن الحبس
من أحكام الشرع. كذا في ((المرقاة))، وقال في ((اللمعات)): فيه أن حبس المدّعى عليه
مشروع قبل أن تُقام البيّنة. انتهى.
وقال الترمذيّ رحمه الله تعالى بعد أن أخرج الحديث: وقد روى إسماعيل بن
إبراهيم، عن بهز بن حكيم هذا الحديث أتمّ من هذا، وأطول. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية إسماعيل أخرجها الإمام أحمد رحمه الله تعالى
في ((مسنده))، فقال:
١٩٥١٥ - حدثنا إسماعيل، أخبرنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن أباه، أو
عمه، قام إلى النبي ◌ّ، فقال: جيراني بم أخذوا؟، فأعرض عنه، ثم قال: أخبرني بم
أخذوا؟ فأعرض عنه، فقال: لئن قلتَ ذاك، إنهم ليزعمون أنك تَنْهَى عن الغي،
وتستخلي به، فقال النبي ◌َّثه: ((ما قال؟))، فقام أخوه، أو ابن أخيه، فقال: يا رسول
اللَّه، إنه قال، فقال: ((لقد قلتموها))، أو ((قائلكم، ولئن كنتُ أفعل ذلك، إنه لَعَلَيَّ، وما
هو علیکم، خَلُّوا له عن جيرانه)).
١٩٥١٧ - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه،
عن جده، قال: أخذ النبي ◌َّ ناسا، من قومي في تهمة، فحبسهم، فجاء رجل من

٢- (بَابُ امْتِحَانِ السَّارِقِ بِالضَّرْب وَالْحَبْس) - حديث رقم ٤٨٧٧
٣٦٥
قومي، إلى النبي وَّ، وهو يخطب، فقال: يا محمد علام تحبس جيرتي، فصمت النبي
وَّر عنه، فقال: إن ناسا ليقولون: إنك تنهى عن الشر، وتستخلي به، فقال النبي وَالر:
((ما يقول؟ قال: فجعلت أعرض بينهما بالكلام، مخافة أن يسمعها، فيدعو على قومي
دعوة، لا يفلحون بعدها أبدًا، فلم يزل النبي وَّر به، حتى فهمها، فقال: ((قد قالوها))،
أو ((قائلها منهم، والله لو فعلتُ لكان عليّ، وما كان عليهم، خَلُّوا له عن جيرانه)).
انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث معاوية بن حَيْدة رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيحٌ.
[تنبيه]: تكلّم الناس في حديث بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جدّه،
فصححه قوم، وممن صححه ابن معين، قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين:
ثقة، وقال أيضا: إسناد صحيح، إذا كان دون بهز ثقة. وقال أبو جعفر السبتي: بهز بن
حكيم، عن أبيه، عن جده صحيح. وقال ابن البراء، عن ابن المديني: ثقة. وقال
النسائي: ثقة. وقال ابن قتيبة: كان من خيار الناس. وقال الترمذي: وقد تكلم شعبة في
بهز، وهو ثقة عند أهل الحديث. وقال أبو جعفر، محمد بن الحسين البغدادي، في
(كتاب التمييز)): قلت لأحمد - يعني ابن حنبل: ما تقول في بهز بن حكيم؟ قال: سألت
غندرا عنه؟ فقال: قد كان شعبة مَسَّه، ثُمّ تَبَيَّنَ معناه، فكتبت عنه، قال: وسألت ابن
معين، هل روى شعبة عن بهز؟ قال: نعم حديث: ((أترعون عن ذكر الفاجر؟))، وقد
كان شعبة متوقفا عنه. وقال ابن عدي: قد رَوَى عنه ثقات الناس، وقد روى عنه
الزهري، وأرجو أنه لا بأس به، ولم أر له حديثا منكرا، وإذا حدث عنه ثقة، فلا بأس
به . وقال الآجري، عن أبي داود: هو عندي حجة، وعند الشافعي ليس بحجة، ولم
يحدث شعبة عنه، وقال له: من أنت، ومن أبوك؟. وقال أبو زرعة: صالح، ولكنه
ليس بالمشهور. وقال أبو حاتم: هو شيخ، يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال أيضا:
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أحب إلي. وقال صالح جزرة: إسناد أعرابي.
وقال الحاكم: كان من الثقات، ممن يجمع حديثه، وإنما أسقط من الصحيح روايته،
عن أبيه، عن جده؛ لأنها شاذة، لا متابع له عليها.
وقال ابن حبان: كان يخطىء كثيرا، فأما أحمد وإسحاق، فهما يحتجان به، وتركه
جماعة من أئمتنا، ولولا حديثه: ((إنا آخذوها وشطر ماله)) لأدخلناه في الثقات، وهو ممن

جـ
٣٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
أستخير الله فيه. وقال أحمد بن بشير: أتيت البصرة في طلب الحديث، فأتيت بهزا،
فوجدته يلعب بالشطرنج، مع قوم، فتركته، ولم أسمع منه. انتهى ملخّصًا من ((تهذيب
التهذيب)»: ٢٥١/١-٢٥٢.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد اتّضح مما سبق أن الأكثرين على تصحيح حديث
بهز، وتصحيح إسناد بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جدّه، ومثله عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جدّه، وبهذين الإسنادين نسختان جاءت فيهما أحاديث، وقد
رجّح بعضهم الأولى على الثانية؛ لأن البخاريّ استشهد بها في ((الصحيح))، دونها،
ومنهم من عكس، كما هو رأي أبي حاتم الرازيّ، قالوا: إن البخاريّ صحح نسخة
عمرو، وهو أقوى من استشهاده بنسخة بهز. أفاده السيوطيّ في ((تدريب الراوي)) ٢/
٢٥٩ .
وتعقّب بعضهم قوله: دونها، بأن البخاريّ أيضا استشهد بها أيضًا، وقد أشار
السيوطيّ في (ألفية الأثر)) إلى هذا بقوله:
عَنْ جَدِّهِ فَالأَكْثَرُونَ اخْتَجَّ بِه
وَمَا لِعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهْ
وَقِيلَ بِالإِقْصَاحِ وَاسْتِيعَابٍ
حَمْلًا لِجَدْهِ عَلَى الصَّحَابِي
أَثُمَا أَرْجَحُ وَالأُولَى أُلِفْ
وَهَكَذَا نُسْخَةُ بُهْزِ وَاخْتُلِفْ
والحاصل أن هذين الإسنادين صحيحان، وقد جريت في هذا الشرح بتصحيح
الأحاديث التي جاءت من هذين الطريقين، وإن كان الشيخ الألبانيّ رحمه اللّه تعالى
يُحسّنها. فتبّه لهذه القاعدة، تفيدك في كثير من الأحاديث التي أصححها، معخالفًا له.
والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٨٧٧/٢ و٤٨٧٨- وفي ((الكبرى)) ٧٣٦٢/٥ و٧٣٨٣. وأخرجه (د)
في ((الأقضية ٢٦٣١ (ت) في ((الديات)) ١٤١٧ . وفوائد الحديث تقدّمت في الذي
قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٧٨- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ مَسْرُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ
مَعْمَرٍ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِهِ، حَسَ رَجُلًا فِي
تَهْمَةٍ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عليّ بن سعيد بن مسروق)): هو الكنديّ الكوفيّ،
صدوقٌ [١٠] ٣٤ /٤٨٠٤.
وقوله: «خلّی سبيله)): أي تركه يذهب حيث شاء.

٣٦٧
٣- (تَلَقِينُ السَّارِقِ) - حديث رقم ٤٨٧٩
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٣- (تَلْقِينُ السَّارِقِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((التلقين)): مصدر لقّن، قال الفيّوميّ: لَقِنَ الرجلُ
الشيءَ لَقَنًا، فهو لَقِنٌ، من باب تعب: فهِمه، ويُعَدَّى بالتضعيف إلى ثان، فيقال: لقّنته
الشيءَ، فتلقّنه: إذا أخذه من فيك، مشافهةً، وقال الفارابيّ: تلقّن الكلامَ: أخذه،
وتمكّن منه، وقال الأزهريّ، وابن فارس: لَقِنَ الشيءَ، وتلقّنه: فهمه، وهذا يصدُقُ
على الأخذ، مشافهة، وعلى الأخذ من المصحف. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٨٧٩- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ
سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي الْمُنْذِرِ، مَوْلَى أَبِي ذَرِّ، عَنْ أَبِي
أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهِ أَتِيَ بِلِصِّ، اعْتَرَفَ اعْتِرَانًا، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ،
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ))، قَالَ: بَلَى، قَالَ اذْهَبُوا بِهِ، فَاقْطَعُوهُ، ثُمَّ
جِيتُوا بِهِ، فَقَطَعُوهُ، ثُمَّ جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُ: ((قُلْ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ))، فَقَالَ:
أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَأَتُوبُ إِلَّيْهِ، قَالَ: (اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (سُويد بن نصر) أبو الفضل المروزيّ، راوية ابن المبارك، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥ .
٢- (عبد الله بن المبارك) المذكور في الباب الماضي.
٣- (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، تغير بآخره [٨] ١٨١/
٢٨٨ .
٤ - (إسحاق بن بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاريّ المدنيّ، ثقة حجة [٤]٢٠/١٩.
٥- (أبو المنذر مولى أبي ذرّ) الغفاريّ، مقبول [٢] .
روى عن مولاه، وأبي أميّة المخزوميّ. وعنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة.
روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عندهم هذا الحديث فقط.

شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
٣٦٨
٦- (أبو أُميّة المخزوميّ) ويقال: الأنصاريّ، حجازيّ، روى عن النبيّ وَّل هذا
الحديث، وعنه أبو المنذر مولى أبي ذرّ، ويقال: مولى آل أبي ذرّ، قال الحافظ: ولم
يُختلف على حماد بن سلمة أنه مخزوميّ، والذي قال: إنه أنصاريّ همّام بن يحيى.
روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي أُمَّةَ الْمَخْزُومِيّ) ◌َّهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، أَتِيَ) بالبناء للمفعول (بِلِصِّ)
بتثليث اللام، وتشديد الصاد المهملة: أي بسارق. قال الفيّوميّ: اللّصّ بكسر
اللام: السارق، وضمّها لغة، حكاها الأصمعيّ، والجمع لُصوصٌ، وهو لصّ بَيّن
اللَّصُوصيّة بفتح اللام، وقد تُضمّ، ولَصَّ الرجلُ الشيءَ لَصّا، من باب قتل: سرقه.
انتهى. وفي ((القاموس)): اللَّصّ: فعل الشيء في سَتْر، وإغْلَاقُ الباب، وإطباقه،
والسارق، ويُثلّث، جمعه لُصُوصٌ، وأَلْصَاصٌ، وهي لَصَّةٌ، جمعها لَصّات،
ولَصَائصُ، والمصدر: اللَّصَصُ، واللَّصَاصُ، واللَّصُوصِيَّةُ بالفتح، واللُّصُوصيّة
بالضمّ. انتهى. (اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا) أي أقرّ إقرارًا صحيحًا (وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ) أي
من المسروق (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((مَا إِخَالُكَ) بكسر الهمزة، وفتحها،
والكسر هو الأفصح، وأصله الفتح، قُلبت الفتحة كسرةً على خلاف القياس، ولا
يفتح همزته إلا بنو أسد، فإنهم يُجرونها على القياس، وهو من خال الشيءّ يخاله
خَيْلًا، من باب نال: إذا ظنّه، وخاله يَخيله، من باب باع لغة: (سَرَقْتَ) أي ما
أظنّك سرقت شيئًا، قاله دَرْأَ للقطع.
قال السنديّ رحمه الله تعالى: قيل: أراد ◌َلّ تلقين الرجوع عن الاعتراف،
وللإمام ذلك في السارق، إذا اعترف، كما يُشير إليه ترجمة المصنّف، ومن لا يقول به
يقول: لعله ظنّ بالمعترف غفلة عن معنى السرقة، وأحكامها، أو لأنه استبعد اعترافه
بذلك؛ لأنه ما وُجِد معه متاع، واستدلّ به من يقول: لا بدّ في السرقة من تعدّد
الإقرار. انتهى.
وقال الخطّابيّ رحمه اللّه تعالى: وجه هذا الحديث عندي- والله أعلم - أنه ظنّ
بالمعترف بالسرقة غَفْلَةً، أو يكون قد ظنّ أنه لا يعرف معنى السرقة، ولعله قد كان مالا
له، أو اختلسه، أو نحو ذلك، مما يخرج من هذا الباب عن معاني السرقة، والمعترف
به قد يحسب أن حكم ذلك حكم السرقة، فوافقه رسول اللّه وَ القتل، واستثبت الحكم فيه،
إذا كان من سنّته: أن الحدود تُدرأ بالشبهات، ورُوي عنه أنه قال: ((أدرؤا الحدود ما

٣٦٩
٣- (تَلَقِينُ السَّارِقِ) - حديث رقم ٤٨٧٩
استطعتم)) (١)، وأمرنا بالستر على المسلمين، فكره أن يهتكه، وهو يجد السبيل إلى
ستره، فلما تبيّن وجود السرقة منه يقينًا، أقام الحدّ عليه، وأمر بقطعه .
على أن في إسناد هذا الحديث مقالًا، والحديث إذا رواه رجلٌ مجهولٌ لم يكن
حجةً، ولم يجب الحكم به .
وقد رُوي تلقين السارق عن جماعة من الصحابة ، وأتي عمر بن الخطّاب ◌َّه
برجل، فسأله: أسرقت؟ قل: لا، قال: فقال: لا، فتركه، ولم يقطعه.، ورُوي مثل
ذلك عن أبي الدرداء، وأبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنهما، وكان أحمد، وإسحاق لا
يريان بأسًا بتلقين السارق، إذا أتي به، وكذلك قال أبو ثور: إذا كان السارق امرأةً، أو
مصعوفًا. انتهى ((معالم السنن)) ٢١٦/٦-٢١٧.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث الباب لا يصحّ، فلا يستفاد منه الحكم
المذكور، وما روي عن الصحابة، على تقدير صحّته لا حجة فيه. فتأمل.
(قَالَ: بَلَى) أي سرقتُ، زاد في رواية أبي داود: ((فأعاد عليه مرّتين، أو ثلاثًا)) (قَالَ)
وَ (اذْهَبُوا بِهِ، فَاقْطَعُوهُ) أي لثبوت سرقته بإقراره (ثُمَّ جِيتُوا بِهِ) أي ليأمره بالاستغفار
(فَقَطَعُوهُ) أي قطعوا يده (ثُمَّ جَاءُوا بِهِ) إلى النبيّ ◌َِّ (فَقَالَ) وَ (لَهُ: ((قُلْ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ،
(وَأَتُوبُ إِلَيْهِ) قال السنديّ: لعلّ المراد بالاستغفار، والتوبة من سائر الذنوب، أو لعله
قال ذلك ليعزم على عدم العود إلى مثله، فلا دليل لمن قال: الحدود ليست كفّارات
لأهلها، مع ثبوت كونها كفّارات بالأحاديث الصحاح التي كادت تبلغ حدّ التواتر، كيف
والاستغفار مما أُمر به النبيّ وََّ، فقال تعالى: ﴿وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ﴾ الآية [غافر: ٥٥]،
وقد قال تعالى: ﴿لَّقَد تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، لمعان ومصالح ذكروا
في محله، فمثله لا يصلح دليلًا على بقاء ذنب السرقة. والله تعالى أعلم. انتهى.
(فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) أي أطلب منه تعالى ستر معصيتي (وَأَتُوبُ إِلَيْهِ) أي أرجع إليه
سبحانه وتعالى عما فعلته، وذلك بأن لا يعود إلى مثله أبدًا (قَالَ) وَّرِ (اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ)
أي تقبّل توبته، أو ثبته عليها.
قال الشوكانيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على مشروعيّة أمر المحدود بالاستغفار،
والدعاء له بالتوبة بعد استغفاره، قال: وفيه دليلٌ على أنه يُسحبّ تلقين ما يُسقط الحدّ.
انتھی .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا كله على تقدير صحة الحديث، وإلا فهو
(١) حديث ضعيف، انظر ((ضعيف الجامع الصغير)) للشيخ الألباني رحمه الله تعالى ص ٣٧-٣٠٨.

٣٧٠
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
ضعيف، كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث أبي أميّة المخزوميّ ◌َّه هذا ضعيف؛ لجهالة أبي المنذر مولى أبي ذرّ
رصِلمنه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٨٧٩/٣- وفي ((الكبرى)) ٧٣٦٣/٦. وأخرجه (د) في ((الحدود))
٤٣٨٠ (ق) في (الحدود)) ٢٥٩٧ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٢٠٠٢ (الدارمي)
في ((الحدود)) ٢٢٠١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٤- (الرَّجُلُ يَتَجَاوَزُ لِلسَّارِقِ عَنْ
سَرِقَتِهِ، بَعْدَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الإِمَامَ، وَذِكْرِ
الاختِلَافِ عَلَى عَطَاءِ فِي حَدِيثٍ
رَظِلّهِ فِیهِ)
صَفْوَانَ بْنِ أَمَئَةً
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف على عطاء، أن يزيد بن زيع رواه عن
سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عطاء، عن صفوان بن أميّة، وخالفه محمد بن
جعفر، فرواه عن سعيد، عن قتادة، عن عطاء، عن طارق بن مرقّع، عن صفوان،
فأدخل بين عطاء، وصفوان واسطة، وخالف الأوزاعيّ، قتادة، فرواه عن عطاء، أن
رجلًا سرق الخ، فأرسله.
وسيأتي تحقيق وجه الاختلاف، وترجيج الراجح من الروايات قريبًا، إن شاء الله
تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٨٨٠- (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِيٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَنِعٍ، عَنْ
سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أَمَيَّةَ، أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ بُرْدَةً لَهُ، فَرَفْعَهُ إِلَى

٤ - (الرَّجُلُ يَتَجَاوَزُ لِلسَّارِقِ عَنْ سَرِفَتِهِ، ... - حديث رقم ٤٨٨٠
٣٧١
النَّبِيِّ بَةِ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: ((أَبَا وَهْبٍ، أَفَلَا
كَانَّ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنَا بِهِ؟))، فَقَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (هلال بن العلاء) الباهليّ مولاهم الرّقْيّ، صدوقٌ [١١] ١٠/ ١١٩٩. من أفراد
المصنّف .
٢- (أبوه) العلاء بن بن هلال بن عمرو بن هلال، أبو محمد الرّقْيّ، فيه لينٌ [٩]
١٩٠ / ١١٦٧ .
٣- (يزيد بن زُرَيع) أبو معاوية البصريُّ، ثقة ثبت [٨] ٥/٥.
٤- (سعيد) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ، أبو النضر البصريّ، ثقة ثبت، يُدلّس،
وتغيّر بآخره [٦] ٣٨/٣٤ .
٥- (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس [٤] ٣٤/٣٠.
٦- (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت فقيه
فاضل، لكنه كثير الإرسال [٣] ١١٢ /١٥٤.
٧- (صفوان بن أميّة) بن خلف بن وهب بن قدامة بن جُمح القرشيّ الْجُمحيّ المكيّ،
صحابيّ من المؤلّفة قلوبهم، مات أيام قتل عثمان، وقيل: سنة (١) (٤٢) في أوائل
خلافة معاوية، وتقدّم في ١١٢/ ٢٠٥٤ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، وأبيه، فمن أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ بُرْدَةً لَهُ) بضمّ الموحّدة،
وسكون الراء: كساء صغير، مربّعٌ، ويقال: كساء أسود صغيرٌ. قاله في ((المصباح)).
وفي رواية الأوزاعيّ، عن عطاء: ((أن رجلًا سرق ثوبًا))، وفي رواية عكرمة، عن
صفوان: ((أنه طاف بالبيت، وصلّى، ثم لفّ رداء له، من بُرد))، وفي رواية حُميد بن
أخت صفوان، عن صفوان قال: كنت نائمًا في المسجد على خميصة لي، ثمنها ثلاثون
درهمًا))، ولا تنافي بين هذه الروايات؛ لأن يؤول إلى معنى واحد؛ فرواية ثوب أعمّ،
من الجميع، ورواية خميصة لا تنافي البردة، ولا الرداء؛ لأن الخميصة: كساء أسود

٣٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
مُعْلمُ الطرفين، ويكون من خزّ، أو صوف، فإن لم يكن معلما، فليس بخميصة،
فيمكن أن تكون البردة معلمة، فاتحدا، ثم تلك الخميصة كانت رداءً، والرداء بالكسر
والمدّ: ما يُرتدى به، مذكّر، ولا يجوز تأنيثه، قاله في ((المصباح))، وقال في ((النهاية)):
هو الثوب، أو البُرد الذي يضعه الإنسان على عاتقيه، وبين كتفيه، فوق ثيابه. انتهى.
وفي ((اللسان)): أن الرداء يقع على المنكبين، والكتفين، ومُجتمع العنق. انتهى.
(فَرَفَعَهُ) أي السارق (إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ) أي بعد اعترافه، ففي رواية عكرمة
الآتية: ((فقال: إن هذا سرق ردائيّ، فقال له النبيّ وَّ: أسرقتّ رداء هذا؟ قال: نعم،
قال: اذهبا به، فاقطعا يده)) (فَقَالَ) صفوان، صاحب الرداء (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ تَجَاوَزْتُ
عَنْهُ) أي عفوت عن سرقته، فلا تقطعه، وفي رواية الأوزاعيّ: ((يا رسول اللَّه، هو له))،
وفي رواية عكرمة: ((ما كنت أردت أن تُقطع يده في ردائي))، وفي رواية حميد: ((أتقطعه
من أجل ثلاثين درهمًا؟ أنا أبيعه، وأُنسئه ثمنها)) (فَقَالَ) وَرِ (أَبًا وَهْب) بحذف حرف
النداء، أي يا أبا وهب، كنية صفوان رَّه (أَفَلَا كَانَ) هذا التجاوز (قَّبْلَ أَنْ تَأْتِيَنَا بِهِ؟)
أي قبل أن ترفعه إليّ متحاكمًا، يعني أنه لو تركه قبل إحضاره عنده ربَّ ليحكم به لنفعه
ذلك، وأما بعد رفعه، وثبوت السرقة عليه، فالحقّ للشرع، لا للمالك (فَقَطَّعَهُ رَسُولُ
اللّهِ وَله) أي أمر بقطعه، فقُطع، كما تقدّم من قوله: ((فأمر بقطعه))، وقوله اَلّ: ((اذهبا
به، فاقطعا يده)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث صفوان بن أميّة رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤ / ٤٨٨٠ و٤٨٨١ و٤٨٨٢ و٤٨٨٣/٥ و٤٨٨٤ و ٤٨٨٥ و ٤٨٨٦-
وفي ((الكبرى)) ٧ / ٧٣٦٤ و٧٣٦٥ و٧٣٦٦ و ٨/ ٧٣٦٧ و٧٣٦٨ و٧٣٦٩ و٧٣٧٠ .
وأخرجه (د) في ((الحدود)) ٤٣٩٤ (ق) في ((الحدود) ٢٥٩٥ (أحمد) في ((مسند
المكيين)) ١٤٨٧٩ و((مسند القبائل)) ٢٧٠٩٠ و٢٧٠٩٧ (الموطأ) في ((الحدود)) ١٥٧٩
و٢١٩٧ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف الرواة في حديث صفوان بن أميّة رَبّه هذا:
(اعلم): أن المصنّف رحمه الله تعالى، قد ذكر اختلاف الرواة في حديث صفوان بن
أُميّة رَميّه هذا، في هذا الباب، وفي الباب الذي يليه، وقد بيّن ذلك الحافظ أبو عمر

٤- (الرَّجُلُ يَتَجَاوَزُ لِلسَّارِقِ عَنْ سَرِفَتِهِ، ... - حديث رقم ٤٨٨٠
٣٧٣ =
رحمه الله تعالى، في كتابه ((التمهيد)) أتمّ بيان، لذا أحببت إيراد ما قاله تتميمًا للفائدة،
وتكميلًا للعائدة، فقلت: قال رحمه الله تعالى:
((مالك، عن ابن شهاب، عن صفوان بن عبدالله بن صفوان بن أمية، أن صفوان بن
أمية، قيل له: إنه من لم يهاجر هَلَكَ، فقدم صفوان بن أمية المدينة، فنام في المسجد،
وتوسد رداءه، فجاءه سارق، فأخذ رداءه، فأخذ صفوان السارقَ، فجاء به إلى رسول
اللَّهِ وَله، فأمر به رسول اللَّه ◌َّل، أن تقطع يده، فقال صفوان: إني لم أُرد هذا يا رسول
اللّه، هو عليه صدقة، فقال رسول اللَّه ◌َّر :: فهلًا قبل أن تأتيني به)).
هكذا رَوَى هذا الحديث جمهور أصحاب مالك، مرسلًا، ورواه أبو عاصم النبيل،
عن مالك، عن الزهري، عن صفوان بن عبدالله بن صفوان، عن جده، قال: قيل
لصفوان: من لم يهاجر هلك ... وساق الحديث، على ما في ((الموطإ))، ولم يقل أحد
فيما علمت في هذا الحديث: ((عن صفوان بن عبدالله بن صفوان، عن جده)) غير أبي
عاصم. ورَوَاه شبابة بن سَوّار، عن مالك، عن الزهري، عن عبدالله بن صفوان، عن
أبيه، أن صفوان إلخ.
حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا
أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن
عبدالله بن صفوان، عن أبيه، أن صفوان قيل له: من لم يهاجر هلك، فدعا براحلته فركبها،
حتى أتى المدينة، فسأل النبي وَّ؟، قال: قد قيل لي: من لم يهاجر هلك، فقال النبي ◌َّطاهر:
((ذهبت الهجرة، فارجع إلى بطحاء مكة))، فنام صفوان في المسجد، وتوسد رداءه، فأخذ
من تحت رأسه، فجاء بسارقه إلى النبي وَّر، فأمر به أن يقطع، فقال صفوان بن أمية يا رسول
اللَّه، إني لم أُرد هذا، ردائي عليه صدقة، يا رسول اللَّه، إني لم أرد هذا، ردائي عليه
صدقة، فقال له رسول اللَّه وَالير: ((أفلا قبل أن تأتيني به)).
ورواه أبو علقمة الفروي، عن مالك، كما رواه شبابة بن سوار عنه، بإسناده سواء:
حدثنا بحديث شبابة بن سوار، عن مالك خلف بن قاسم، حدثني أبو عيسى العباس
ابن أحمد الأزدي، وأبو محمد الحسن بن رشيق، ونصر بن علي البزار، قالوا: حدثنا
أبو العلاء محمد بن أحمد بن جعفر الكوفي، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا
شبابة بن سوار المدائني، حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، فذكره.
وقد ذكر الطحاوي حديث شبابة، عن محمد بن أحمد بن جعفر، عن أبي بكر بن
أبي شيبة، عن شبابة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبدالله بن صفوان، عن أبيه،
فذكره هكذا: ابن شهاب، عن عبدالله بن صفوان، عن أبيه.
1

٣٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
وقال الطحاوي: جائز أن يسمع ابن شهاب هذا الحديث، من عبدالله بن صفوان بن
أمية، عن أبيه، ومن صفوان بن عبدالله، عن جده، وذلك غير مستنكر لابن شهاب،
في أحاديثه عن غير هذين، ممن يحدث عنه، وغير مستنكر سماعه من عبدالله بن
صفوان؛ لأن عبدالله بن صفوان قُتل مع عبدالله بن الزبير، في اليوم الذي قتل فيه، من
سنة ثلاث وسبعين، قال: والزهري يومئذ سِنُهُ أربع عشرة سنة؛ لأن مولده كان في
السنة التي قُتل فيها الحسين بن علي رضي الله عنهما، وهي سنة إحدى وستين.
قال: فإن قال قائل: قد يجوز أن يكون عبدالله بن صفوان هذا، هو عبدالله بن
صفوان بن عبدالله، قيل له: ما نعلم لصفوان بن عبدالله، ابنا أخذ عنه شيء من العلم،
وإنما عبدالله بن صفوان هذا، هو عبدالله بن صفوان بن أمية.
قال أبو عمر: قد روى هذا الحديث عطاء، وطاوس، عن صفوان بن أمية، ورواه
حماد بن سلمة، عن قتادة، وقيس بن سعد، وحبيب المعلم، وحميد بن قيس، كلهم
عن عطاء، ورواه حماد أيضا، عن عمرو بن دينار، عن طاوس جميعا، عن صفوان بن
أمية، أنه كان نائما في المسجد، تحت رأسه خميصة، فجاء لصّ، فانتزعها من تحت
رأسه، وذكر الحديث، ولم يسمعه عطاء من صفوان بن أمية؛ لأن شعبة، وسعيد بن أبي
عروبة، روياه عن قتادة، عن عطاء، عن طارق بن المرقع، عن صفوان بن أمية، أن
رجلا سرق برده، فرفعه إلى النبي وَلّر، فأمر بقطعه، فقال: يا رسول اللّه، قد تجاوزت
عنه، قال: ((أفلا قبل أن تأتيني به أبا وهب))، فقطعه رسول اللّه وَه.
أخبرناه عبدالله بن محمد بن يحيى، وعبدالرحمن بن عبدالله بن خالد، قالا: حدثنا
أحمد بن جعفر بن مالك، قال: حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبي،
قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عطاء، عن طارق بن
المرقع، عن صفوان بن أمية ... فذكره حرفا بحرف.
وذكره النسائي عن عبدالله بن أحمد بن حنبل، بإسناده مثله سواء.
وأخبرنا قاسم بن محمد، قال: حدثنا خالد بن سعد، قال: حدثنا أحمد بن عمرو،
قال: حدثنا محد بن سنجر، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا وهب، عن
عطاء، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن صفوان، أنه قيل له: إنه لا يدخل الجنة إلا من
قد هاجر، فقال: لا أترك (١) منزلي، حتى آتي النبي وَلّ، فأتاه برجل، فقال: يا رسول
الله، إن هذا سرق خميصة لي، والرجل معه، فأمر النبي ◌َّ بقطعه، فقال: يا رسول
(١) هكذا النسخة ((لا أترك)) بـ((لا)) النافية، والظاهر أنه ((لأترك)) بلام الابتداء، فليُحرّر.

٤ - (الرَّجُلُ يَتَجَاوَزُ لِلسَّارِقِ عَنْ سَرِقَتِهِ، ... - حديث رقم ٤٨٨٠
٣٧٥
اللّه، إني قد وهبتها له، قال: ((فهلا قبل أن تأتيني به؟))، قال: فقلت: يا رسول الله،
إنهم يقولون: لا يدخل الجنة إلا من قد هاجر، فقال: ((لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن
جهاد ونية، وإذا استُنفِرتم فانفروا)). متّفق عليه.
وطاوس سماعه من صفوان بن أمية، ممكن؛ لأنه أدرك زمن عثمان، وذكر يحيى
القطان، عن زهير، عن ليث، عن طاوس، قال: أدركت سبعين شيخا، من أصحاب
رسول اللَّهِ وَ له. وقد قيل: إن طاوسًا تُوفي وهو ابن بضع وسبعين سنة، في سنة ست
ومائة، قال: فإذا كان سنه هذا، فغير ممكن سماعه من صفوان بن أمية؛ لأن صفوان
توفي سنة ست وثلاثين، وقيل: كانت وفاته بمكة، عند خروج الناس إلى الجمل.
وقد رُوي هذا الحديث عن طاوس، وعكرمة، عن ابن عباس، ذكره البزار من
حديث الأشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس، ومن حديث زكرياء بن
إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي وَلّر، وهذا لفظ
حديث الأشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان صفوان بن أمية، نائما في
المسجد، فجاءه رجل، فأخذ رداءه، من تحت رأسه، فاتبعه، فأدركه، فأتى به النبي
وَلّ، فقال: هذا سرق ردائي، من تحت رأسي، فأمر به أن يُقطع، فقال: إن ردائي لم
يبلغ أن يقطع فيه هذا، قال: ((أفلا قبل أن تأتيني به)).
قال البزار: ورواه جماعة عن عكرمة مرسلًا.
ثم ساقه أبو عمر بسنده إلى النسائي، في روايته عن أحمد بن عثمان بن حكيم الآتية
في الباب التالي رقم ٤٨٨٥. انتهى كلام أبي عمر رحمه الله تعالى في كتابه ((التمهيد))
٢١٥/١١-٢٢٠ .
وذكر الحافظ أبو الحسن ابن القطّان في كتابه («بيان الوهم والإيهام»: وذكر- يعني
الحافظ عبد الحقّ الإشبيليّ صاحب ((الأحكام الوسطى - من طريق النسائيّ، عن صفوان
ابن أمية، قال: كنت نائمًا في المسجد على خميصة لي ثمنها ثلاثون درهمًا، فجاء
رجل، فاختلسها ... الحديث. ثم قال: رواه سماك بن حرب، عن حُميد ابن أخت
صفوان، عن صفوان. وعبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن صفوان، وأشعث
بن براز، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: كان صفوان نائمًا في المسجد. ورواه
عمرو بن دينار، عن طاوس، عن صفوان. ذكر هذه الطرق النسائيّ. ورواه مالك في
((الموطا)) عن ابن شهاب، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، أن صفوان بن أُميّة. وقدّ
روي من غير هذا الوجه، ولا أعلمه يتّصل من وجه يُحتجّ به. انتهى.
قال ابن القطّان: ولم يتبيّن به علّته، وفيه وهم بيّنْ، وهو تفسيره أشعث بأنه ابن

٣٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
براز، وفيه إيهام ضعف من ليس بضعيف، فلنُبيّن جميع هذا، فنقول:
أما الإسناد الذي رواه سماك بن حرب، عن حُميد ابن أخت صفوان، عن صفوان،
فضعفه بَيّنٌ بحميد المذكور، فإنه لا يُعرف في غير هذا، وقد ذكره ابن أبي حاتم بذلك،
ولم يزد عليه. وذكره البخاريّ، فقال: إنه حُميد بن حجير ابن أخت صفوان بن أميّة،
ثم ساق له هذا الحديث. وصحّف فيه زائدة، فقال: جُعيد بن حُجير، وهو كما قلنا
مجهول الحال. قال: وأما الطريق التي فيها عبد الملك بن أبي بشير، فقد أوهم بقوله:
لا أعلمه يتّصل من وجه يُحتجّ به ضعفَ عبد الملك هذا، وهو رجل ثقة، وثقه ابن
حبّان، والقطان، وابن معين، وأبو زرعة، وقال سفيان: كان شيخ صدقٍ. ولكن
الطريق المذكورة يمكن أن تكون منقطعة، فإنها من رواية عبد الملك المذكور، عن
عكرمة، عن صفوان، وعكرمة لا أعرف أنه سمع من صفوان، وإنما يرويه عن ابن
عبّاس، ومن دون عبد الملك المذكور إلى النسائيّ مخرجه ثقات.
وأما الطريق التي قال فيها أشعث بن براز، عن عكرمة، عن ابن عباس، فقد اعتراه
فيها خطأ في تفسير أشعث بأنه ابن براز، والصواب أنه أشعث بن سَوّار.
وأما الطريق التي فيها عمرو بن دينار، عن طاوس، عن صفوان، فيشبه أن لا تكون
منقطعة، قال أبو عمر بن عبد البرّ: أما طاوس، فسماعه من صفوان ممكن؛ لأنه أدرك
زمان عثمان. وذكر يحيى القطان، عن زهير، عن ليث، عن طاوس، قال: أدركت
سبعين شيخًا، من أصحاب رسول اللَّه ◌َليل.
فأما قول البزار: إنه رواه طاوس مرسلًا، فيُشبه أن يقول ذلك لرواية لم يقل فيها:
عن صفوان. والله أعلم. انتهى كلام القطان الفاسي ((بيان الوهم والإيهام)) ٥٦٨/٣-
٥٧١ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن حديث صفوان صحيح من روية طاوس،
عنه، ومن رواية عبد الله بن صفوان بن أمية، عن أبيه، كما تقدم عند ابن عبد البرّ.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده(١):
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم تجاوز المسروق منه
عن السارق بعد رفعه إلى الإمام، وهو عدم جواز ذلك. (ومنها): جواز العفو عن
السارق قبل الرافع إلى الإمام. (ومنها): وجوب قطع يد السارق إذا ثبتت السرقة.
(١) المراد الفوائد التي اشتمل عليها الحديث باختلاف رواياته، لا بخصوص سياق المصنّف فقط.
-

٣٧٧
٤- (الرَّجُلُ يَتَجَاوَزُ لِلسَّارِقِ عَنْ سَرِفَتِهِ، ... - حديث رقم ٤٨٨٠
(ومنها): ما في قصّة ((الموطّا)): أن الهجرة كانت قبل الفتح مفروضة. (ومنها): إباحة
النوم في المسجد. (ومنها): جواز طي الثياب وتوسدها. (ومنها): أن ما جعله الإنسان
تحت رأسه، فهو حرز له، فإذا سُرق وجب القطع؛ لأنه حرزه، وما سُرق من الحرز ففيه
القطع، وسيأتي اختلاف العلماء في اشتراط الحرز للقطع، في الباب التالي، إن شاء الله
تعالی .
(ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: لا أعلم بين أهل العلم اختلافا في
الحدود، إذا بلغت إلى السلطان، لم يكن فيها عفو، لا له ولا لغيره، وجائز للناس أن
يتعافوا الحدود ما بينهم، ما لم يبلغ السلطان، وذلك محمود عندهم.
ولذلك قيده الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)) بعدم الرفع إلى
السلطان، فقال: ((باب كراهية الشفاعة في الحدّ، إذا رُفع إلى السلطان))، ثم أورد
حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها الآتي في قصّة المخزوميّة، وفيه: قوله {وَلّ لأسامة
ابن زيد رضي اللَّه تعالى عنهما: ((أتشفع في حدّ من حدود اللَّه؟)).
قال في ((الفتح)) ٣٩/١٤- قوله: («باب كراهية الشفاعة في الحدّ، إذا رُفع إلى
السلطان))، كذا قَيَّدّ ما أطلقه في حديث الباب: ((أتشفع في حدّ من حدود اللَّه))، وليس
القيد صريحا فيه، وكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه صريحا، وهو في مرسل حبيب
ابن أبي ثابت الذي أشرت إليه، وفيه: أن النبي ◌َ ◌ّ قال لأسامة، لَمّا شفع فيها: ((لا
تشفع في حدّ، فان الحدود إذا انتهت إليَّ، فليس لها مَثْرَك))، وله شاهد من حديث
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، رفعه: ((تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من
حَدّ، فقد وجب))، ترجم له أبو داود: ((العفو عن الحد، ما لم يبلغ السلطان))، وصححه
الحاكم، وسنده إلى عمرو بن شعيب صحيح، وأخرج أبو داود أيضًا، وأحمد،
وصححه الحاكم من طريق يحيى بن راشد، قال: خرج علينا ابن عمر، فقال: سمعت
رسول اللَّهُ وَلّل، يقول: ((من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد اللَّه في
أمره))، وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر، أصح منه، عن ابن عمر، موقوفًا،
وللمرفوع شاهد من حديث أبي هريرة، في ((الأوسط)) للطبراني، وقال: ((فقد ضادّ اللَّه
في ملكه))، وأخرج أبو يعلى من طريق أبي المحياة، عن أبي مطر، رأيت عليا أُتى
بسارق، فذكر قصة فيها: أن رسول اللَّه و ﴿، أتى بسارق، فذكر قصة فيها: قالوا: يا
رسول اللَّه، أفلا عفوت؟ قال: ((ذلك سلطان سُوء، الذي يعفو عن الحدود بينكم))،
وأخرج الطبراني، عن عروة بن الزبير، قال: لقي الزبير سارقا، فشفع فيه، فقيل له:
حتى يبلغ الامام، فقال: إذا بلغ الإمام، فلعن اللَّه الشافع، والمشفّع))، وأخرج في

٣٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
((الموطأ)) عن ربيعة، عن الزبير، وهو منقطع مع وقفه، وهو عند ابن أبي شيبة، بسند
حسن، عن الزبير موقوفا، وبسند آخر حسن، عن عليّ نحوه كذلك، وبسند صحيح
عن عكرمة أن ابن عباس، وعمارا، والزبير، أخذوا سارقا، فخَلَّوا سبيله، فقلت لابن
عباس: بئسما صنعتم، حين خليتم سبيله، فقال: لا أُمَّ لك، أما لو كنت أنت لسرك أن
يُخَلَّى سبيلُك، وأخرجه الدار قطني، من حديث الزبير موصولا مرفوعا، بلفظ: ((اشفعوا
ما لم يصل إلى الوالي، فإذا وصل الوالي فعفا، فلا عفا الله عنه)). والموقوف هو
المعتمد .
وفي الباب غيرُ ذلك، حديث صفوان بن أمية، عند أحمد، وأبي داود، والنسائي-
يعني حديث الباب- وابن ماجه، والحاكم، في قصة الذي سرق رداؤه، ثم أراد أن لا
يُقطع، فقال له النبي ◌َّ: ((هل لا قبل أن تأتيني به))، وحديث ابن مسعود، في قصة
الذي سَرَق، فأمر النبي ◌َّرَ بقطعه، فرأوا منه أَسَفًا عليه، فقالوا: يا رسول اللّه، كأنك
كرهت قطعه؟ فقال: ((وما يمنعني، لا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم، إنه ينبغي
للإمام إذا أُنهي إليه حدٍّ أن يقيمه، واللَّه عَفُوٌّ يحب العفو)). وفي الحديث قصة مرفوعة،
وأُخرج موقوفًا، أخرجه أحمد، وصححه الحاكم.
وحديث عائشة مرفوعا: ((أقيلوا ذوي الهيآت زلاتهم، إلا في الحدود))، أخرجه
أبو داود(١)، ويستفاد منه جواز الشفاعة فيما يقتضي التعزير، وقد نقل ابن عبد البر،
وغيره فيه الاتفاق، ويدخل فيه سائر الأحاديث الواردة في ندب الستر على المسلم،
وهي محمولة على ما لم يبلغ الإمام. انتهى ما في ((الفتح)) ٣٩/١٤.
(ومنها): ما قاله أيضًا: في هذا دليل، على أن لصاحب السرقة في ذلك، ما ليس
للسلطان، وذلك ما لم يبلغ السلطان، فإذا بلغ السارق إلى السلطان، لم يكن للمسروق
منه شيء من حكمه، في عفو، ولا غيره؛ لأنه لا يتبعه بما سرق منه إذا وهبه له، ألا
ترى أنهم قد أجمعوا على أن السارق لو أقر بسرقة، عند الإمام يجب في مثلها القطع،
سرقها من رجل غائب، أنه يقطع، وإن لم يحضر رب السرقة، ولو كان لرب السرقة في
ذلك مقال، لم يقطع حتى يحضر، فيُعرَف ما عنده فيه. انتهى ((التمهيد)) ٢٢٥/١١ .
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عفو المالك عن السارق:
قال الموفّق رحمه الله تعالى: إذا ملك العين المسروقة، بهبة، أو بيع، أو غيرهما،
(١) حديث صحيح أخرجه أحمد، وأبو داود من حديث عائشة رضيبيتها .

٣٧٩=
٤- (الرَّجُلُ يَتَجَاوَزُ لِلسَّارِقِ عَنْ سَرِفَتِهِ، ... - حديث رقم ٤٨٨٠
من أسباب الملك، لم يخل من أن يملكها قبل رفعه إلى الحاكم، والمطالبة بها عنده، أو
بعد ذلك، فإن ملكها قبله، لم يجب القطع؛ لأن من شرطه المطالبة بالمسروق، وبعد
ملكه له لا تصح المطالبة، وإن ملكها بعده، لم يسقط القطع.
وبهذا قال مالك، والشافعي، وإسحاق. وقال أصحاب الرأي: يسقط؛ لأنها صارت
ملكه، فلا يقطع في عين هي ملكه، كما لو ملكها قبل المطالبة بها، ولأن المطالبة
شرط، والشرط يعتبر دوامها، ولم يبق لهذه العين مطالب.
قال: ولنا حديث صفوان بن أميّة رَّ وفيه: ((فهلا قبل أن تأتيني به))، فإن هذا يدل
على أنه لو وُجد قبل رفعه إليه، لدرأ القطع، وبعده لا يسقطه، وقولهم: إن المطالبة
شرط، قلنا: هي شرط القطع، بدليل أنه لو استرد العين، لم يسقط، وقد زالت
المطالبة .
قال: وإن أقر المسروق منه، أن المسروق كان ملكا للسارق، أو قامت به بينة، أو أن
له فيه شبهة، أو أن المالك أذن له في أخذها، أو أنه سلبها، لم يقطع؛ لأننا تبينا أنه لم
يجب، بخلاف ما لو وهبه إياها، فإن ذلك لا يمنع كون الحد واجبا، وإن أقر له بالعين
سقط القطع أيضا؛ لأن إقراره يدل على تقدم ملكه لها، فيحتمل أن تكون له حال
أخذها، والمنصوص عن أحمد أن القطع لا يسقط؛ لأنه ملك تجدد سببه بعد وجوب
القطع، فأشبه الهبة، ولأن ذلك حيلة على إسقاط القطع بعد وجوبه، فلم يسقط بها
كالهبة. انتهى ((المغني)) ٤٥١/١٢-٤٥٣. بتصرّف.
وقال الحافظ أبو عمر رحمه اللّه تعالى: واختلفوا أيضا في السارق يُرفع إلى
الحاكم، وسرقته بيده، فيحكم عليه بالقطع لثبوت سرقته، بإقراره، أو ببينة عدول،
قامت عليه، فيهب له المسروق منه ما سرقه، هل يقطع أم لا؟، فقال مالك، وأهل
المدينة، والشافعي، وأهل الحجاز: يقطع؛ لأن الهبة إنما وقعت بعد وجوب الحد،
فلا يسقط ما قد وجب لله، كما أنه لو غصب جارية، ثم نكحها قبل أن يقام عليه
الحد، لم يسقط ذلك الحد عنه، قال الطحاوي: ويختلفون في هذه المسألة، لو كانت
الهبة قبل أن يؤتى بالسارق إلى الإمام، فقال أهل الحجاز، منهم مالك، والشافعي:
يقطع، ووافقهم على ذلك ابن أبي ليلى، وقال أبو يوسف: في هذا لا يقطع، وأما أبو
حنيفة، ومحمد بن الحسن، فقالا: لا يقطع في شيء من ذلك، مع وقوع مالكه على
السرقة قبل أن يرفع إلى الإمام، وبعد أن يرفع إليه، وحجة أبي يوسف قوله وَله: ((فهلا
قبل أن تأتيني به))، وهذا يدل على أنه لو وهب للسارق رداءه، قبل أن يأتيه به لما قطع.
والله أعلم.

٣٨٠
===
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
قال أبو عمر: الحجة قائمة لمالك، والشافعي على أبي حنيفة بالحديث المذكور في
هذا الباب؛ لأن رسول اللّه وَلخير، قطع يد السارق الذي سرق ثوب صفوان بن أمية بعد
أن وهبه له، وقال: ((هلا قبل أن تأتيني به))، ومعنى قوله عندهم: ((فهلا قبل أن تأتيني
به)): هلا كان ما أردت من العفو عنه، قبل أن تأتيني به، فإن الحدود إذا لم أوت بها،
ولم أعرفها لم أقمها، وإذا أتتني لم يجز العفو عنها، ولا لغيري، هذا معناه. والله
أعلم. وقد احتج الشافعي بالزاني، توهب له الأمة التي زنى بها، أو يشتريها إنَّ ملكه
الطارئ لا يزيل الحد عنه، فكذلك السرقة.
ومن حجة أبي حنيفة في قوله: متى وهب السرقة صاحبها للسارق سقط الحد، قوله
وَله: (تعافوا عن الحدود بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب))، قال: فهذا الحد قد
عفي عنه بالهبة، وقد حصلت ملكا للسارق قبل أن يبلغ السلطان، فلم يبلغ الحد
السلطان، إلا وهو معفو عنه، قال: وما حصل ملكا للسارق، استحال أن يقطع فيه؛
لأنه إنما يقطع في ملك غيره، لا في ملك نفسه.
ومن حجتهم أيضا: أن الطارئ من الشبهة في الحدود، بمنزلة ما هو موجود في
الحال، قياسا على الشهادات. وبالله التوفيق.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قالوه كله قياس في مقابلة النصّ، فيكون
فاسدًا، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِينَ صَرْعَى تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
قال أبو عمر: وقد اختلفوا في السارق تُدَّعَى عليه السرقة في ثوب هو بيده يدعيه
لنفسه وصاحب السرقة غائب فقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما لا يخاصمه في ذلك
أحد إلا رب الثوب ولا يسمع من غيره في ذلك بينة ولا خصومة في ذلك بينه وبين من
يدعي عليه حتى يأتي رب الثوب أو وكيله في ذلك وقال ابن أبي ليلى ومالك كل من
خاصمه في ذلك من الناس كان خصما له وسمعت بينته فإن قبلت قطع وإن لم يأت
بمدفع وهذه المسائل كلها في معنى الحديث فلذلك ذكرناها وبالله التوفيق. انتهى
((التمهيد)) ٢٢٥/١١.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه المسألة أيضًا من نوع الذي قبلها، فهي غير
صحيحة، والحاصل أن الحقّ أن التجاوز عن السرقة إنما يجوز قبل أن يُرفع إلى الإمام،
فأما بعد رفعه، فلا يجوز؛ للنصّ الصحيح الصريح، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر
بالتقليد والاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.