Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
٤٥- (كِتَبُ قَطْعِ السَّارِقِ) - حديث رقم ٤٨٧٢
=
=
جهرًا قهرًا، ووقع في رواية همام، عند أحمد: ((والذي نفس محمد بيده، لا يَنْتَهِبَنَّ
أحدُكم نْبةَ ... )) الحديث. قاله في ((الفتح)) .
وقال القرطبيّ: (النُّهبةُ))، و(النُّهْبَى)): اسم لما يُنتهب من المال: أي يؤخذ من غير
قسمة، ولا تقدير، ومنه سُمّيت الغنيمة: نُبَى، كما قال: ((وأصبنا نُبَ إبل)) متفقٌ
عليه: أي غنيمة إبل؛ لأنها تؤخذ من غير تقدير، تقول العرب: أنهب الرجل ماله،
ونَهَبُوه، وناهبوه. قاله الجوهريّ. انتهى.
(ذَاتَ شَرَفٍ) أي ذات قيمة، وقدر، ورِفْعة، قال القرطبيّ: والرواية الصحيحة
بالشين المعجمة، وقد رواه الحربيّ: سرف بالسين المهملة، وقال: معناه: ذات مقدار
كثير، ينكره الناس، كنهب الْفُسّاق في الفتن المالَ العظيم، مما يستعظمه الناس،
بخلاف التمرة، والفلس، وما لا خطر له. انتهى.
وقال في ((الفتح)): ((ذات شرف)): أي ذات قدر، حيث يُشرف الناس لها، ناظرين
إليها، ولهذا وصفها بقوله: (يرفع الناس إليه فيها أبصارهم))، ولفظ ((شَرَف)) وقع في
معظم الروايات في ((الصحيحين))، وغيرهما بالشين المعجمة، وقيدها بعض رواة مسلم
بالمهملة، وكذا نقل عن إبراهيم الحربي، وهي ترجع إلى التفسير الأول، قاله ابن
الصلاح. انتهى ((فتح)) ٥/١٤ .
(يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهَا أَبْصَارَهُمْ) أي ينظرون إليها، ويستشرفونها. قال في ((الفتح)):
هكذا وقع تقييده بذلك في النهبة دون السرقة. قال: وأشار برفع البصر إلى حالة
المنهوبين، فإنهم ينظرون إلى من يَنهبهم، ولا يقدرون على دفعه، ولو تضرعوا إليه،
ويحتمل أن يكون كناية عن عدم التستر بذلك، فيكون صفة لازمة للنهب، بخلاف
السرقة، والاختلاس، فإنه يكون في خفية، والانتهاب أشد؛ لما فيه من مزيد الجراءة،
وعدم المبالاة. (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) تقدّم معنى التقييد به قريبًا.
[تنبيه]: زاد الإمام مسلم رحمه الله تعالى في ((صحيحه))- بعد أن أخرج الحديث من
طريق ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيّب، كلاهما عن أبي
هريرة ◌َّه -: ما نصّه: قال ابن شهاب: فأخبرنى عبد الملك بن أبى بكر بن عبد
الرحمن، أن أبا بكر، كان يحدثهم هؤلاء، عن أبى هريرة، ثم يقول: وكان أبو هريرة،
يُلحِق معهن: ((ولا ينتهب نهبة، ذات شرف، يرفع الناس إليه فيها أبصارهم، حين
ينتهبها، وهو مؤمن)).
قال النوويّ رحمه الله تعالى: ظاهر هذا الكلام، أن قوله: ((ولا ينتهب، إلى آخره))،
ليس من كلام النبى ◌َّ، بل هو من كلام أبى هريرة رضى الله عنه، موقوف عليه،

٣٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
ولكن جاء فى رواية أخرى، ما يدل على أنه من كلام النبى وَّ، وقد جمع الشيخ أبو
عمرو بن الصلاح رحمه اللَّه، فى ذلك كلاما حسنا، فقال: رَوَى أبو نعيم فى
((مستخرجه على كتاب مسلم)) رحمه الله، من حديث همام بن منبه هذا الحديث، وفيه:
((والذي نفس محمد بيده، لا ينتهب أحدكم))، وهذا مُصَرِّح برفعه إلى النبى وَّر، قال:
ولم يستغن عن ذكر هذا، بأن البخارى رواه من حديث الليث بإسناده هذا الذى ذكره
مسلم عنه، معطوفًا فيه ذكر النبهة على ما بعد قوله: قال رسول اللّه ◌َ ل نسقا، من غير
فصل بقوله: وكان أبو هريرة يُلحِق معهن ذلك، وذلك مراد مسلم رحمه الله بقوله:
واقتص الحديث يَذكُر مع ذكر النبهة، ولم يذكر ((ذات شرف))، وإنما لم يكتف بهذا فى
الاستدلال على كون النبهة من كلام النبى وَلّ؛ لأنه قد يُعَدُّ ذلك من قبل المدرج فى
الحديث، من كلام بعض رواته؛ استدلالًا بقول من فَصَلَ، فقال: وكان أبو هريرة يُلحق
معهن، وما رواه أبو نعيم يرتفع عن أن يتطرق إليه هذا الاحتمال.
وظهر بذلك أن قول أبى بكر بن عبد الرحمن: وكان أبو هريرة يُلحق معهن ...
معناه: يلحقها روايةً عن رسول اللَّه وَ لهر، لا من عند نفسه، وكأن أبا بكر خصها بذلك؛
لكونه بلغه أن غيره لا يرويها، ودليل ذلك ما تراه من رواية مسلم رحمه الله الحديث،
من رواية يونس، وعقيل، عن ابن شهاب، عن أبى سلمة، وابن المسيب، عن أبى
هريرة، من غير ذكر النهبة.
ثم إن فى رواية عقيل أن ابن شهاب، رَوَى ذكر النهبة عن أبى بكر بن عبد الرحمن
نفسه، وفى رواية يونس، عن عبد الملك بن أبى بكر عنه، فكأنه سمع ذلك من ابنه
عنه، ثم سمعه منه نفسه. انتهى كلام النوويّ ((شرح مسلم)) ٤٢/٢-٤٣. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١/ ٤٨٧٢ و٤٨٧٣ و٤٨٧٤ وفي ((الأشربة)) ٤٢ /٥٩٦١ و٥٦٦٢ - وفي
((الكبرى)) ٧٣٥٤/١ و٧٣٥٥ و٧٣٥٦. وأخرجه (خ) في ((المظالم والغصب)) ٢٤٧٥
و((الأشربة)) ٥٥٧٨ و(الحدود)) ٦٧٧٢ و٦٨١٠ (م) في ((لإيمان)) ٥٧ (د) في ((السنّة))
٤٦٨٩ (ت) في ((الإيمان)) ٢٦٢٥ (ق) في (الفتن)) ٢٩٣٦ (أحمد) في ((باقي مسند
المكثرين)» ٢٧٤١٩ ٨٦٧٨ و٨٧٨١ و٩٨٥٩ (الدارمي) في ((الأضاحي)) ١٩١٠

٣٤٣
٤٥- (كِتَبُ قَطْعِ السَّارِقِ) - حديث رقم ٤٨٧٢
و(الأشربة)) ٢٠١٤ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان تعظيم شأن السرقة، وأنها من
الكبائر؛ لشدّة الوعيد فيها، قال في ((الفتح)) ٨/١٤ -: وفي الحديث تعظيم شأن أخذ حق
الغير بغير حق؛ لأنه وَلّ أقسم عليه، ولا يُقسِم إلا على إرادة تأكيد المقسم عليه. انتهى.
(ومنها): أن من زنى دخل في هذا الوعيد، سواء كان بكرا، أو مُحصَنًا، وسواء كان
المزني بها أجنبية، أو مَخْرَما، ولا شك أنه في حق المحرم أفحش، ومن المتزوج
أعظم، ولا يدخل فيه ما يُطلق عليه اسم الزنا، من اللمس الْمُحَرَّم، وكذا التقبيل،
والنظر؛ لأنها وإن سُمِيت في عرف الشرع زنا، فلا تدخل في ذلك؛ لأنها من الصغائر،
كما قال العلماء ذلك في تفسير اللمم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَرَ الْإِثْمِ
وَاَلْفَوَاحِشَ إِلَّ اللََّمْ﴾ الآية [النجم: ٣٢].
قال الحافظ: وفيه أن من سرق قليلا أوكثيرا، وكذا من انتهب، أنه يدخل في
الوعيد، وفيه نظر، فقد شرط بعض العلماء، وهو لبعض الشافعيّة أيضًا في كون الغصب
كبيرة، أن يكون المغصوب نصابا، وكذا في السرقة، وإن كان بعضهم أطلق فيها، فهو
محمول على ما اشتهر أن وجوب القطع فيها متوقف على وجود النصاب، وإن كان
سرقةُ ما دون النصاب حرامًا.
(ومنها): أن فيه أن من شرب الخمر، دخل في الوعيد المذكور، سواء كان المشروب
كثيرا، أم قليلا؛ لأن شرب القليل من الخمر معدود من الكبائر، وإن كان ما يترتب على
الشرب من المحذور، من اختلال العقل، أفحش من شرب مالا يتغير معه العقل، وعلى
القول الذي رجحه النووي من تأويل نفي الإيمان بنفي كماله، كما سبق، ويأتي أيضًا، لا
إشكال في شيء من ذلك؛ لأن لنقص الكمال مراتب، بعضها أقوى من بعض.
(ومنها): أنه استَدَلَّ به من قال: إن الانتهاب كله حرام، حتى فيما أذن مالكه، كالنَّار
في العُزْس، ولكن صرح الحسن، والنخغي، وقتادة، فيما أخرجه ابن المنذر عنهم،
بأن شرط التحريم أن يكون بغير إذن المالك، وقال أبو عبيدة: هو كما قالوا، وأما النُّهْبَةُ
المختلف فيها، فهو ما أذن فيه صاحبه، وأباحه، وغرضه تساويهم، أو مقاربة التساوي،
فإذا كان القوي منهم يغلب الضعيف، ولم تطب نفس صاحبه بذلك، فهو مكروه، وقد
ينتهى إلى التحريم، وقد صرح المالكية، والشافعية، والجمهور بكراهيته، وممن كرهه
(١) المراد الفوائد التي اشتمل عليها الحيث بجميع رواياته التي أشرت إليها في الشرح، لا خصوص
سياق المصنف، فتنبه.

٣٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
من الصحابة أبو مسعود البدري تَّه ، ومن التابعين النخعي، وعكرمة، قال ابن
المنذر: ولم يكرهوه من الجهة المذكورة، بل لكون الأخذ في مثل ذلك، إنما يحصل
لمن فيه فضل قوة، أو قلة حياء. واحتج الحنفية، ومن وافقهم، بأنه وَ ل قال في
الحديث الذي أخرجه أبو داود، من حديث عبد الله بن قرظ: أن النبي وَّ قال في
البدن التي نحرها: ((من شاء اقتطع))، واحتجوا أيضا بحديث معاذ رَّه، رفعه: إنما
نهيتكم عن نُبَى العساكر، فأما العرسان(١) فلا ... )) الحديث، وهو حديث ضعيف،
في سنده ضعف، وانقطاع.
قال ابن المنذر: هي حجة قوية، في جواز أخذ ما يُنثَر في العرس ونحوه؛ لأن
المبيح لهم قد علم اختلاف حالهم في الأخذ، كما علم النبي ◌َّ ذلك، وأذن فيه في
أخذ البدن التي نحرها، وليس فيها معنى، إلا وهو موجود في النثار.
قال الحافظ: بل فيها معنى، ليس في غيرها، بالنسبة إلى المأذون لهم، فإنهم كانوا
الغاية في الورع، والإنصاف، وليس غيرهم في ذلك مثلهم. انتهى. ((فتح)) ١٤ / ٩.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي تعقّب به الحافظ كلام الإمام ابن المنذر
رحمهما الله تعالى فيه نظر؛ لأنه لو كان المعنى الذي ذكره هو المبيح، لبيّن النبيّ ◌َل
عليه، وقال: هذا لا يجوز إلا لمن كان على صفتكم، فلما أطلق، ولم يقيّده علمنا أنه
مباح، وقد مال الإمام البخاريّ رحمه اللَّه تعالى في ((صحيحه))، إلى جوازه بإذن
المالك، حيث قال في ((كتاب المظالم)): ((باب النُّهْبَى بغير إذن صاحبه))، ثم أورد
أحاديث النهي عن النهبى، فقد أفاد بتقييده الترجمة أن النهي إذا لم يأذن المالك، وإلا
جاز .
والحاصل أن القول بجواز النهبى في العرس ونحوه هو الأرجح؛ لما ذُكر. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في ذكر أقوال أهل العلم في تأويل هذا الحديث:
لقد أجاد الحافظ رحمه الله تعالى في تلخيص أقوالهم، وتهذيبها في ((الفتح))، فقال:
قال الطبري: اختلف الرواة في أداء لفظ هذا الحديث، وأنكر بعضهم أن يكون وَل
قاله، ثم ذكر الاختلاف في تأويله، ومن أقوى ما يُحمّل على صرفه عن ظاهره، إيجاب
الحد في الزنا، على أنحاء مختلفة، في حق الحر المحصن، والحر البكر، وفي حق
العبد، فلو كان المراد بنفي الإيمان ثبوت الكفر، لاستووا في العقوبة؛ لأن المكلفين
(١) هكذا في بعض النسخ بلفظ ((العرسان))، وفي بعضها: ((الفرسان)) بالفاء، ولعل الصواب: ((فأما
الْعُرس فلا)». والله أعلم.

٣٤٥=
٤٥- (كِتَابُ قطع السَّارِقِ) - حديث رقم ٤٨٧٢
فيما يتعلق بالإيمان والكفر سواء، فلما كان الواجب فيه من العقوبة مختلفا، دل على أن
مرتكب ذلك ليس بكافر حقيقة.
وقال النووي: اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، والصحيح الذي قاله
المحققون، أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي، وهو كامل الإيمان، هذا من الألفاظ التي
تُطلق على نفي الشيء، والمراد نفي كماله، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا
الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة، وإنما تأولناه؛ لحديث أبي ذر رَّه: ((من قال لا
إله إلا اللّه، دخل الجنة، وإن زنا وإن سرق))، وحديث عبادة تَظّه الصحيح المشهور:
أنهم بايعوا رسول اللّه ◌َّر على أن لا يسرقوا، ولا يزنوا ... الحديث، وفي آخره:
((ومن فعل شيئا من ذلك، فعوقب به في الدنيا، فهو كفارة له، ومن لم يعاقب فهو إلى
اللَّه، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه))، فهذا مع قول اللَّه عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ
يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، مع إجماع أهل السنة على أن
مرتكب الكبائر لا يكفر إلا بالشرك، يَضطَرُّنا إلى تأويل الحديث إلى آخر كلام النووي
الذي سبق نقله في الباب الماضي.
قال: وقد ورد في تأويله بالمستحلّ حديث مرفوع، عن علي رَمّه عند الطبراني في
((الصغير))، لكن في سنده راو كذبوه.
فمن الأقوال التي لم يذكرها: ما أخرجه الطبري، من طريق محمد بن زيد بن واقد
ابن عبد الله بن عمر: أنه خبر بمعنى النهي، والمعنى: لا يَزْنِيَنَّ مؤمن، ولا يَسْرِقَنَّ
مؤمن. وقال الخطابي: كان بعضهم يرويه: ((ولا يشرب)) بكسر الباء على معنى النهي،
والمعنى: المؤمن لا ينبغي له أن يفعل ذلك، ورد بعضهم هذا القول بأنه لا يبقى للتقييد
بالظرف فائدة، فإن الزنا منهي عنه في جميع الملل، وليس مختصا بالمؤمنين.
قال الحافظ: وفي هذا الرد نظر واضح لمن تأمله.
[ثانيها]: أن يكون بذلك منافقا، نفاق معصية، لا نفاق كفر، حكاه ابن بطال عن
الأوزاعي .
[ثالثها]: أن معنى نفي كونه مؤمنا، أنه شابه الكافر في عمله، وموقع التشبيه أنه مثله
في جواز قتله، في تلك الحالة؛ ليكف عن المعصية، ولو أَدَّى إلى قتله، فإنه لو قتل في
تلك الحالة، كان دمه هدرا، فانتفت فائدة الإيمان في حقه، بالنسبة إلى زوال عصمته
في تلك الحالة، وهذا يقوي ما تقدم من التقييد بحالة التلبس بالمعصية.
[رابعها]: معنى قوله: ليس بمؤمن: أي ليس بمستحضر في حالة تلبسه بالكبيرة
جلال من آمن به، فهو كناية عن الغفلة، التي جلبتها له غلبة الشهوة، وعبر عن هذا ابن
الجوزي بقوله: فإن المعصية تُذهله عن مراعاة الإيمان، وهو تصديق القلب، فكأنه

٣٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
نسي مَن صَدَّق به، قال ذلك في تفسير نزع نور الإيمان، ولعل هذا هو مراد المهلب.
[خامسها]: معنى نفي الإيمان نفي الأمان من عذاب اللَّه؛ لأن الإيمان مشتق من
الأمن. [سادسها]: أن المراد به الزجر والتنفير، ولا يراد ظاهره، وقد أشار إلى ذلك
الطيبي، فقال: يجوز أن يكون من باب التغليظ والتهديد، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ
اَللَّهَ غَنِىُّ عَنِ اٌلْعَلَمِينَ﴾: يعني أن هذه الخصال ليست من صفات المؤمن؛ لأنها منافية
لحاله، فلا ينبغي أن يتصف بها.
[سابعها]: أنه يسلب الإيمان حال تلبسه بالكبيرة، فإذا فارقها عاد إليه، وهو ظاهر ما
أسنده البخاري، عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، في باب ((إثم الزناة)) من ((كتاب
المحاربين)) عن عكرمة عنه، بنحو حديث الباب، قال عكرمة: قلت لابن عباس: كيف
يُنزع منه الإيمان؟ قال: هكذا، وشَبَّك بين أصابعه، ثم أخرجها، فإذا تاب عاد إليه،
هكذا .
ثم شبك بين أصابعه، وجاء مثل هذا مرفوعا، أخرجه أبو داود، والحاكم بسند
صحيح، من طريق سعد المقبري، أنه سمع أبا هريرة تنظيم رفعه: ((إذا زنى الرجل
خرج منه الإيمان، فكان عليه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان))، وأخرج الحاكم من
طريق بن حُجَيرة، أنه سمع أبا هريرة تَّه يقول: ((من زنى، أو شرب الخمر، نزع الله
منه الإيمان، كما يَخْلَع الإنسان القميص من رأسه)) (١)، وأخرج الطبراني بسند جيد، من
رواية رجل من الصحابة، لم يُسَمَّ رفعه: ((من زنى خرج منه الإيمان، فإن تاب تاب الله
عليه))، وأخرج الطبري، من طريق عبد الله بن رواحة رَمني: ((مَثَلُ الإيمان مثل
قميص، بينما أنت مُدبر عنه إذ لبسته، وبينما أنت قد لبسته إذ نزعته)).
قال ابن بطال: وبيان ذلك أن الإيمان هو التصديق، غير أن للتصديق معنيين:
[أحدهما]: قول، والآخر عمل، فإذا رَكِب المصدق كبيرة، فارقه اسم الإيمان، فإذا
كَفَّ عنها عاد له الاسم؛ لأنه في حال كفه عن الكبيرة، مجتنب بلسانه، ولسانه مصدق
عقد قلبه، وذلك معنى الإيمان.
قال الحافظ: وهذا القول قد يلاقي ما أشار اليه النووي، فيما نقله عن ابن عباس
رضي اللَّه تعالى عنهما: ((يُنزع منه نور الإيمان))؛ لأنه يُحمَل منه على أن المراد في هذه
الأحاديث نور الإيمان، وهو عبارة عن فائدة التصديق، وثمرته، وهو العمل بمقتضاه،
ويمكن رد هذا القول إلى القول الذي رجحه النووي، فقد قال ابن بطال في آخر كلامه،
(١) ضعيف، انظر ((السلسة الضعيفة)) ٤٣٤/٣ رقم ١٢٧٤.

٤٥- (کِتابُ قَطْع السَّارِقِ) - حديث رقم ٤٨٧٢
٣٤٧ ===
تبعا للطبري: الصواب عندنا قول من قال: يزول عنه اسم الإيمان، الذي هو بمعنى
المدح، إلى الاسم الذي بمعنى الذم، فيقال: له فاسق مثلا، ولا خلاف أنه يُسَمَّى
بذلك ما لم تظهر منه التوبة، فالزائل عنه حينئذ اسم الإيمان بالإطلاق، والثابت له اسم
الإيمان بالتقييد، فيقال: هو مصدق بالله ورسوله، لفظا واعتقادا، لا عملا، ومن ذلك
الكف عن المحرمات.
قال الحافظ: وأظن ابن بطال تلقى ذلك من ابن حزم، فإنه قال: المعتمد عليه عند أهل
السنة، أن الإيمان اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح، وهو يشمل عمل
الطاعة، والكف عن المعصية، فالمرتكب لبعض ما ذُكر لم يختل اعتقاده، ولا نطقه، بل
اختلت طاعته فقط، فليس بمؤمن، بمعنى أنه ليس بمطيع، فمعنى نفي الإيمان محمول
على الإنذار بزواله، ممن اعتاد ذلك؛ لأنه يُخشَى عليه أن يُفْضِي به إلى الكفر، وهو كقوله :
((ومن يَرتَع حول الحمى ... )) الحديث، أشار اليه الخطابي. وقد أشار المازري إلى أن
القول المصحح هنا، مبني على قول مَن يرى أن الطاعات تسمى إيمانا .
قال الحافظ: والعجب من النووي، كيف جزم بأن في التأويل المنقول عن ابن عباس
رضي اللّه تعالى عنهما حديثا مرفوعا، ثم صحح غيره، فلعله لم يطلع على صحته،
وقد قدمتُ أنه يمكن رده إلى القول الذي صححه.
وقال الطيبي: يحتمل أن يكون الذي نقص من إيمان المذكور الحياءُ، وهو المعبر
عنه في الحديث الآخر بالنور، وقد مضى أن الحياء من الإيمان، فيكون التقدير: لا
يزني حين يزني، وهو يستحي من اللَّه؛ لأنه لو استحى منه، وهو يَعرف أنه مشاهد
حاله، لم يرتكب ذلك، وإلى ذلك تصح إشارة ابن عباس بتشبيك أصابعه، ثم إخراجها
منها، ثم إعادتها إليها، ويعضده حديث: ((من استحى من اللَّه حق الحياء، فليحفظ
الرأس، وما وعى، والبطن، وما حوى))(١) . انتهى.
قال الحافظ: وحاصل ما اجتمع لنا من الأقوال في معنى هذا الحديث ثلاثة عشر
قولًا، خارجا عن قول الخوارج، وعن قول المعتزلة، وقد أشرت إلى بعض الأقوال
المنسوبة لأهل السنة، يمكن رد بعضها إلى بعض.
قال المازري: هذه التأويلات تَدفع قول الخوارج، ومن وافقهم من الرافضة، أن
(١) رواه الطبرانيّ، وأبو نعيم في (الحلية)) من حديث الحكيم بن عمير بلفظ: ((استحيوا من الله حقّ
الحياء، احفظوا الرأس، وما حوى، والبطن، وما وعى، واذكروا الموت والبلا، فمن فعل ذلك
كان ثوابه جنة المأوى)). وهو ضعيف جدًا، انظر ((ضعيف الجامع الصغير)) للشيخ الألباني رحمه
الله تعالى ص١١٦ رقم الحديث ٨٠٥ .

٣٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
مرتكب الكبيرة كافر، مخلد في النار، إذا مات من غير توبة، وكذا قول المعتزلة: إنه
فاسق مخلد في النار، فإن الطوائف المذكورين تعلقوا بهذا الحديث، وشبهه، وإذا
احتمل ما قلناه، اندفعت حجتهم.
قال القاضي عياض: أشار بعض العلماء، إلى أن في الحديث تنبيها على جميع أنواع
المعاصي، والتحذير منها، فنبه بالزنا على جميع الشهوات، وبالسرقة على الرغبة في
الدنيا، والحرص على الحرام، وبالخمر على جميع ما يَصُدُّ عن الله تعالى، ويوجب
الغفلة عن حقوقه، وبالانتهاب الموصوف على الاستخفاف بعباد الله، وترك توقيرهم،
والحياء منهم، وعلى جمع الدنيا من غير وجهها.
وقال القرطبي بعد أن ذكره ملخصا: وهذا لا يتمشى إلا مع المسامحة، والأولى أن
يقال: إن الحديث يتضمن التحرز من ثلاثة أمور، هى من أعظم أصول المفاسد،
وأضدادها من أصول المصالح، وهى استباحة الفروج المحرمة، وما يؤدى إلى اختلال
العقل، وخص الخمر بالذكر؛ لكونها أغلب الوجوه في ذلك، والسرقة بالذكر؛ لكونها
أغلب الوجوه التي يؤخذ بها مال الغير بغير حق.
قال الحافظ: وأشار بذلك إلى أن عموم ما ذكره الأول، يشمل الكبائر والصغائر،
وليست الصغائر مرادة هنا؛ لأنها تُكَفَّر باجتناب الكبائر، فلا يقع الوعيد عليها، بمثل
التشديد الذي في هذا الحديث. انتهى ما لَخّصه الحافظ رحمه الله تعالى في (الفتح))
٦/١٤-٠٨
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي لَخّص فيه الحافظ رحمه اللّه تعالى أقوال
أهل العلم في تأويل حديث الباب نفيسٌ جدًا، ويتضح منه أن أحسن التأويل هو ما نُقل
عن حبر الأمة، وبحرها، وترجمان القرآن عبد الله بن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما،
وهو أنه يُنزع منه نور الإيمان، وقد أوضح كيفيّة نزعه لَمّا سأله عكرمة بأن شبّك أصابه،
وأخرجها، ثم أعادها؛ لأنه ورد مرفوعًا، وخير ما فُسّر به الوارد هو الوارد، ولأنه تفسير
صحابي، وهو الراوي له، قال في ((ألفية الأثر)):
وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ اوْ عَنِ الصَّحَابِيِّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوْا
وقد صحّ، كما سبق حديث أبي هريرة تَظّه رفعه: ((إذا زنى الرجل خرج منه
الإيمان، فكان عليه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان))، فلا تفسير أحسن من تفسير
حديثه الَّهُ بحديثه، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يُنَبِئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]،
و((صاحب البيت أدرى بما فيه)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

٣٤٩
٤٥- (كِتَابُ قَطْع السَّارِقِ) - حديث رقم ٤٨٧٣
٤٨٧٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ
سُلَيْمَانَ ح وَأَنْبَأَنَا أَخْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ
الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ بَِّ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِهِ: قَالَّ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (لَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ،
وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، ثُمَّ الثَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((ابن أبي عديّ)): هو محمد بن إبراهيم.
و(سليمان)): هو الأعمش المذكور في السند التالي. و((أحمد بن سيّار)) بن أيوب، أبو
الحسن المروزيّ الفقيه، ثقة حافظ [١١] .
رَوَى عن عفان، وعبدان، وسليمان بن حرب، ويحيى بن بكير، وغيرهم. وعنه
النسائي، والبخاري في غير ((الجامع))، وقد رَوَى في ((الجامع)) عن أحمد غير منسوب،
عن محمد بن أبي بكر المقدّمي، فقيل: هو هو، وأبو عَمْرو المستملى، وابن أبي
داود، ومحمد بن نصر الفقيه، وابن صاعد، ومحمد بن المنذر شَكَّر، وأبو العباس
المحبوبي، وحاجب الطوسي، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة، وفي موضع آخر: لا بأس به. وقال ابن أبي حاتم: رأيت أبي
يُطنِب في مدحه، وذكره بالفقه والعلم. وقال الدارقطني: رحل إلى الشام، ومصر،
وصنف، وله كتاب في أخبار مرو، وهو ثقة في الحديث. وقال ابن أبي داود: كان من
حفاظ الحديث .
وقال ابن الْبَيِّع: حدثني بعض مشايخنا بمرو، أنه كان يُقاس بابن المبارك في عصره.
وقال ابن حبان في ((الثقات)): كان من الجَمَّاعين للحديث، والرحالين فيه، مع التيقظ،
والإتقان، والذب عن المذهب، والتضييق على أهل البدع. انتهى. وهو أحد من أدخل
فقه الشافعي على خراسان، أخذه عن الربيع وغيره، وله ((كتاب فتوح خراسان)). وقال
ابن عساكر: كانت له رحلة واسعة. وقال الحربي: كنا نعرفه بالفضل والورع، تُوفّي
(٢٦٨) ليلة الاثنين النصف من شهر ربيع الآخر. وذكر ابن ماكولا أنه عاش سبعين سنة
وثلاثة أشهر.
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
و((عبد الله بن عثمان)): هو ابن جَبَلَة بن أبي رَوّاد الْعَتَكيّ، أبو عبد الرحمن المروزيّ
المعروف بـ((عبدان))، ثقة حافظ [١٠] ٤٠٢٢/٦. و(«أبو حمزة)): هو السّكّريّ، محمد
ابن ميمون المروزيّ، ثقة فاضل [٧] ٢٠٦/٢٢ .
وقوله: ((وقال أحمد الخ)): بيّن به اختلاف ألفاظ شيخيه، فمحمد بن المثنى قال:

٣٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
((عن أبي هريرة، عن النبيّ وَِّّ))، وأحمد قال: ((عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله
◌َال)).
وقوله: ((ولا يسرق الخ)): تقدّم أن فاعله ليس ضمير ((الزاني))، وإنما هو محذوفٌ:
أي لا يسرق السارق، وهكذا قوله: ((ولا يشرب الخمر)): أي لا يشرب الشارب.
وقوله: ((والتوبة معروضة بعدُ)): أي الرجوع إلى الله تعالى بعد هذه الجرائم مهيأةٌ،
وميسّرة لمن أرادها، يقال: عرض لك الخير من باب ضرب: إذا أمكنك أن تفعله، كما
في ((المصباح)). يعني أن من تاب إلى الله سبحانه وتعالى بشروط التوبة، بعد أن يرتكب
شيئًا من هذه الذنوب، فإن الله تعالى يقبله، كما أخبر تعالى بقوله عز وجل: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى
يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥]، وقال عز
وجل: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
وشروط التوية: هي الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم أن لا يعود
إليها، وإن كانت من حقوق العباد، ردّها إليهم، أو استحلّهم منها.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: هذا منه وَلّ إرشاد لمن وقع في كبيرة،
أو كبائر إلى الطريق التي بها يتخلّص، وهي التوبة، ومعنى كونها معروضةً: أي عرضها
الله تعالى على العباد، حيث أمرهم بها،، وأوجبها عليهم، وأخبر عن نفسه أنه تعالى
يقبلها، كلُّ ذلك فضلٌ من اللّه تعالى، ولُطفٌ بالعبد، لَمَّا علم اللَّه تعالى من ضعفه عن
مقاومة الحوامل على المخالفات التي هي النفس، والهوى، والشيطان الإنسيّ،
والجنّيّ، فلما علم اللّه تعالى أنه يقع في المخالفات، رحمه بأن أرشده إلى التوبة،
فعرضها عليه، وأوجبها، وأخبر بقبولها، وأيضًا فإنه يجب على النصحاء أن يَعرِضوها
على أهل المعاصي، ويُعرّفونهم بها، ويوجبونها عليهم، وبعقوبة الله تعالى لمن تركها،
وذلك كله لُطْفٌ متّصلٌ إلى طلوع الشمس من مغربها، أو إلى أن يُغرغر العبد.
وقوله: ((بَعدُ)) ظرف مبنيّ على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة لفظًا، وإرادة المضاف إليه
ضمنًا، ويُقابلها ((قبلُ))، كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ الآية
[الروم: ٤]. انتهى ((المفهم)) ٢٤٨/١.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وقد أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على قبول
التوبة، ما لم يغرغر، كما جاء في الحديث، وللتوبة ثلاثة أركان: أن يُقلع عن
المعصية، ويندم على فعلها، ويعزم أن لا يعود إليها، فإن تاب من ذنب، ثم عاد إليه لم
تبطل توبته، وإن تاب من ذنب، وهو متلبّسٌ بآخر، صحّت توبته، هذا مذهب أهل

٣٥١ =
٤٥- (كِتَابُ قَطْع السَّارِقِ) - حديث رقم ٤٨٧٤
الحقّ، وخالفت المعتزلة في المسألتين. والله أعلم. انتهى ((شرح مسلم)) ٤٥/٢.
والحديث متفقٌ عليه، كما سبق بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٧٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتَى الْمَرْوَزِيُّ، أَبُو عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي زِيَادٍ - عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ
الْخَمْرَ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَذَكَرَ رَابِعَةً فَتَسِيتُهَا، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ،
فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد بن يحيى، أبو عليّ المروزيّ)): هو اليشكُريّ
الصائغ، ثقة [١١] ٣٥٢٤/٥٣.
و((يزيد بن أبي زياد)) القرشي الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله الكوفي، ضعيفٌ، كبر،
فتغيّر، وصار يتلقّن، وكان شيعيًا [٥].
رَأى أنسا، ورَوَى عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل، وإبراهيم النخعي،
وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن أبي نعم، وأبي صالح السمان،
وعبد الله بن معقل بن مقرن، وجماعة. وعنه إسماعيل بن أبي خالد، وهو من أقرانه،
وزائدة، وشعبة، وزهير بن معاوية، وعبد العزيز بن مسلم، وهشيم، وأبو عوانة،
وآخرون.
قال النضر بن شميل، عن شعبة: كان رَفّاعا. وقال علي بن المنذر، عن ابن
فضيل: كان من أئمة الشيعة الكبار. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس حديثه
بذاك، وقال مرة: ليس بالحافظ. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ليس
بالقوي. وقال أبو يعلى الموصلي، عن ابن معين: ضعيف، قيل له: أيما أحب
إليك، هو أو عطاء بن السائب؟ فقال: ما أقربهما. وقال عثمان بن أبي شيبة، عن
جرير: كان أحسن حفظا من عطاء. وقال العجلي: جائز الحديث، وكان بآخره
يُلَقَّن، وأخوه بُرد بن أبي زياد ثقة، وهو أرفع من أخيه يزيد. وقال أحمد بن سنان
القطان، عن ابن مهدي: ليث بن أبي سليم، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد،
ليث أحسنهم حالا عندي. وقال أبو زرعة: لين يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال
أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال الجوزجاني: سمعتهم يضعفون حديثه. وقال
الآجري، عن أبي داود: لا أعلم أحدا ترك حديثه، وغيره أحب إلي منه. وقال ابن
عدي: هو من شيعة الكوفة، ومع ضعفه يكتب حديثه. وقال ابن المبارك: ازمٍ به.

٣٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْع السَّارِقِ
قال الحافظ: كذا هو في ((تاريخه))، ووقع في أصل المزي: أَكْرِم به، وهو تحريف،
وقد نقله على الصواب أبو محمد بن حزم في ((المحلي))، وأبو الفرج بن الجوزي في
((الضعفاء)) له. وقال وكيع: يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم بن علقمة، عن عبد اللَّه،
حديث الرايات ليس بشيء. وقال أبو أسامة: لو حلف لي خمسين يمينا قسامة، ما
صدقته يعني في هذا الحديث -. وقال الحاكم، أبو أحمد: أبو عبد الله يزيد ابن أبي
زياد ليس بالقوي عندهم. وقال يعقوب بن سفيان: ويزيد وإن كانوا يتكلمون فيه
لتغيره، فهو على العدالة والثقة، وإن لم يكن مثل الحكم، ومنصور. وقال ابن
شاهين في ((الثقات)): قال أحمد بن صالح المصري: يزيد بن أبي زياد ثقة، ولا
يعجبني قول من تكلم فيه. وقال ابن سعد: كان ثقة في نفسه، إلا أنه اختلط في آخر
عمره، فجاء بالعجائب. وقال البرديجي: رَوَى عن مجاهد، وفي سماعه منه نظر،
وليس هو بالقوي. وقال ابن خزيمة: في القلب منه شيء. وقال النسائي: ليس
بالقوي. وقال الدارقطني: لا يخرج عنه في الصحيح، ضعيف، يخطئ كثيرا، ويُلَقَّن
إذا لُقِّن.
وقال ابن حبان: كان صدوقا، إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير. وكان يُلَقِّن ما لُقِّن،
فوقعت المناكير في حديثه، فسماع من سمع منه قبل التغير صحيح، وُلد سنة سبع
وأربعين، وتُوفي سنة ست وثلاثين ومائة، وفيها أرخه خليفة، وابن سعد، وابن قانع،
وقال: وهو ضعيف.
وقال جرير عن يزيد: قُتل الحسين بن علي وأنا ابن أربع عشرة، أو خمس عشرة
سنة. وقال مطين: مات سنة سبع وثلاثين ومائة. روى له البخاري في التعاليق،
ومسلم، والأربعة، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث هذا، وفي ((كتاب الزينة)) ٨٧٪
٥٣٠٣- حديث حُذيفة رَّ، مرفوعًا: ((لا تشربوا في إناء الذهب والفضّة ... ))
الحديث، وفي ((كتاب الأشربة)) ٥٦٧١/٤٤ حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى
عنهما، مرفوعًا: ((من شرب الخمر، فجعلها في بطنه ... )) الحديث.
وقوله: ((وذكر رابعة، فنسيتها)): يحتمل كونه قوله: ((ولا ينتهب نهبة الخ)).
وقوله: ((خلع رِبقة الإسلام)): هو بكسر الراء، وسكون الموحّدة، قال ابن الأثير
رحمه الله تعالى: الرّبقة في الأصل عُروة في حبل، تُجعل في عُنق البهيمة، أو
يدها تُمسكها، فاستعارها للإسلام، يعني ما يشُدّ به المسلم نفسه، من عُرَى
الإسلام: أي حدوده، وأحكامه، وأوامره، ونواهيه، وتُجمع الرِّبْقة على رِبَقٍ، مثلُ

٤٥- (كِتَبُ قَطْعِ السَّارِقِ) - حديث رقم ٤٨٧٥
٣٥٣ ===
كِسْرة وكِسَر، ويقال للحبل الذي تكون فيه الربقة: رِبْق، ويُجمع على أرباق،
ورِبَاقٍ. انتهى ((النهاية)) ٢ /١٩٠.
وقال السنديّ: والمراد هاهنا تشبيه الإسلام بها، كأنه طَوْقٌّ في عنق المسلم، لازم له
لزوم الربقة لعنق الدابّة، فإذا باشر هذه الأفعال، فكأنه خلع هذا الطوق من عنقه.
انتھی .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد عرفت في تحقيق ما سبق أن الأرجح كونُ المراد
خَلْعَ نورِ الإسلام، وكماله، لا أصله، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
والحديث موقوف ضعيفٌ؛ لضعف زياد بن أبي زياد. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٧٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرَّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَّةَ،
قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ح وَأَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَّةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي
صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((لَعَنَّ اللَّهُ السَّارِقَ،
يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ»).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (محمد بن عبد الله بن المبارك الْمُخَرِّميّ)(١) أبو جعفر البغداديّ الثقة الحافظ
[١١] ٥٠/٤٣ .
٢- (أحمد بن حرب) الطائيّ الموصليّ، صدوقٌ [١٠] ١٣٥/١٠٢ من أفراد
المصنّف .
٣- (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ الثقة، من أثبت الناس في الأعمش
[٩] ٣٠/٢٦ .
٤- (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت
ورع، لكنه يدلّس [٥]١٨/١٧.
٥- (أبو صالح) ذكوان السمان المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٤٠/٣٦.
٦- (أبو هريرة) رضي اللَّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
(١) بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، وتشديد الراء المكسورة: نسبة إلى المخرِّم محلّة ببغداد، نزلها
والد يزيد بن الْمُخَرِّم. انتهى ((لب اللباب)) ٢٤٤/٢.

٣٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
رجال الصحيح، غير شيخه الثاني، فمن أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌َظّه أحفظ من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَّه) وفي رواية البخاريّ من طريق حفص بن غياث، عن
الأعمش، قال: سمعت أبا صالح، فصرّح الأعمش بالسماع، قال في ((الفتح)): في
رواية محمد بن الحسين، عن أبي الحنين، عن عمر بن حفص، شيخ البخاري فيه:
((سمعت أبا هريرة))، وكذا في رواية عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي
صالح: سمعت أبا هريرة، وقال ابن حزم: وقد سلم من تدليس الأعمش، قال
الحافظ: ولم ينفرد به الأعمش، أخرجه أبو عوانة في ((صحيحه))، من رواية أبي بكر بن
عياش، عن أبي حَصِين، عن أبي صالح.
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ) أي طرده، اللَّه تعالى، وأبعده من
رحمته. قال الداودي رحمه الله تعالى: هذا يحتمل أن يكون خبرا؛ ليرتدع من سمعه
عن السرقة، ويحتمل أن يكون دعاء. قال الحافظ: ويحتمل أن لا يراد به حقيقة اللعن،
بل للتنفير فقط. وقال الطيبي: لعل هنا المراد باللعن الإهانة، والخذلان، كأنه قيل لَمّا
استعمل أعز شيء، في أحقر شيء -: خذله اللَّه حتى قطع. وقال عياض: جوز بعضهم
لعن المعين، ما لم يُحَدَّ؛ لأن الحد كفارة، قال: وليس هذا بسديد؛ لثبوت النهي عن
اللعن في الجملة، فحمله على المعين أولى، وقد قيل: إن لعن النبي وَّ لأهل
المعاصي، كان تحذيرا لهم عنها، قبل وقوعها، فإذا فعلوها استغفر لهم، ودعا لهم
بالتوبة، وأما من أغلظ له، ولعنه تأديبا على فعلٍ فَعَله، فقد دخل في عموم شرطه،
حيث قال: ((سألت ربي أن يجعل لعني له كفارة ورحمة)).
قال الحافظ: هو مقيد بما إذا صدر في حق من ليس له بأهل، كما قيد له بذلك في
((صحيح مسلم)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ هو الحقّ؛ لما في ((صحيح
مسلم)) من طريق إسحق بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك تَّه قال: كانت عند أم
سليم يتيمة، -وهي أم أنس- فرأى رسول اللَّه وَال اليتيمة، فقال: ((آنت هيه؟ لقد
كبرتٍ، لا كبر سنك))، فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت أم سليم: ما لك يا
بنية؟ قالت الجارية: دعا علي نبي اللَّه وَلغيره، أن لا يكبر سني، فالآن لا يكبر سني أبدا،

٣٥٥
٤٥- (کِتابُ قطع السَّارِقِ) - حدیث رقم ٤٨٧٥
أو قالت: قرني(١)، فخرجت أم سليم، مستعجلة، تلوث خمارها (٢) حتى لقيت رسول
اللَّهِ وَّل، فقال لها رسول اللّه بَّهُ: ((ما لك يا أم سليم؟))، فقالت: يا نبي الله، أدعوت
على يتيمتي؟ قال: ((وما ذاك يا أم سليم؟))، قالت: زعمت أنك دعوت أن لا يكبر
سنها، ولا يكبر قرنها، قال: فضحك رسول اللّه وَ له، ثم قال: ((يا أم سليم، أما تعلمين
أن شرطي على ربي، أني اشترطت على ربي، فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى
البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه، من أمتي بدعوة، ليس لها
بأهل، أن يجعلها له طَهُورًا، وزكاةً، وقربة يقربه بها منه يوم القيامة)).
فقد تبيّن بهذا أن لعنه وَل ﴿ إنما يكون كفارة ورحمة، إذا كان الملعون لا يستحقّه، وإلا
فلا. والله تعالى أعلم.
(يَسْرِقُ) بكسر الراء، من باب ضرب (الْبَيْضَةَ) بفتح الموحّدة، وسكون التحتانيّة:
أي بيضة الدجاجة (فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ) بفتح، فسكون (فَتُقْطَعُ يَدُهُ))). وهذا مثلٌ
تقليل لمسروقه بالنظر إلى يده المقطوعة، فكأنه كالبيضة، والحبل، مما لا قيمة له.
وقيل: المراد أنه يسرق البيضة، والحبل أوّلًا، ثم يجترىء إلى أن تُقطع يده. وقيل:
المراد بالبيضة بيضة الحديد، وبالحبل حبل السفينة، وكلّ واحد منهما له قيمة، ولا
يخفى أنه لا يناسب سياق الحديث، فإنه مسوقٌ لتحقير مسروقه، وتعظيم عقوبته.
قال البخاريّ في ((صحيحه))- بعد أن أخرج الحديث -: قال الأعمش: كانوا يرون أنه
بيض الحديد، والحبلُ كانوا يرون أنه منها ما يُساوي دراهم. انتهى.
قال في ((الفتح)): قوله: ((كانوا يَرون))- بفتح أوله، من الرأي، وبضمه من الظن.
قال الخطابي: تأويل الأعمش هذا، غير مطابق لمذهب الحديث، ومخرج الكلام
فيه، وذلك أنه ليس بالشائع في الكلام، أن يقال في مثل ما ورد فيه الحديث، من
اللوم، والتثريب: أخزى اللَّه فلانا، عَرَّض نفسه للتلف في مال له قدر ومزية، وفي
عرض له قيمة، إنما يُضرب المثل في مثله بالشيء الذي لا وزن له، ولا قيمة، هذا
حكم العرف الجاري في مثله، وإنما وجه الحديث، وتأويله ذم السرقة، وتهجين
أمرها، وتحذير سُوء مَغَبَّتها فيما قَلَّ، وكَثُر من المال، كأنه يقول: إن سرقة الشيء
اليسير، الذي لا قيمة له، كالبيضة الْمَذِرَة، والحبل الخَلَق، الذي لا قيمة له، إذا
تعاطاه، فاستمرت به العادة، لم ييأس أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقها، حتى يبلغ قدر
(١) المراد بالقرن: السنّ.
(٢) تلوث: أي تديره على رأسها.

٣٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
ما تقطع فيه اليد، فتقطع يده، كأنه يقول: فليحذر هذا الفعل، وليتوقه، قبل أن تملكه
العادة، ويمرن عليها؛ ليسلم من سوء مغبته، ووَخِيم عاقبته.
وسبق الخطابي إلى ذلك أبو محمد بن قتيبة، فيما حكاه ابن بطال، فقال: احتج
الخوارج بهذا الحديث، على أن القطع يجب في قليل الأشياء وكثيرها، ولا حجة لهم
فيه، وذلك أن الآية لَمّا نزلت قال عليه والسلام ذلك على ظاهر ما نزل، ثم أعلمه الله
أن القطع لا يكون إلا في ربع دينار، فكان بيانا لما أَجمل، فوجب المصير إليه، قال:
وأما قول الأعمش: إن البيضة في هذا الحديث بيضة الحديد، التي تجعل في الرأس في
الحرب، وأن الحبل من حبال السفن، فهذا تأويل بعيد، لا يجوز عند من يَعرف صحيح
كلام العرب؛ لأن كل واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة، وهذا ليس موضع تكثير لما
سرقه السارق، ولأن من عادة العرب والعجم، أن يقولوا: قَبَّح اللَّه فلانا، عَرَّض نفسه
للضرب في عقد جوهر، وتعرض للعقوبة بالغلول في جراب مسك، وإنما العادة في
مثل هذا، أن يقال: لعنه الله، تعرّض لقطع اليد في حبل رَثِّ، أو في كُبَّة شعر، أو رداء
خَلَقٍ، وكل ما كان نحو ذلك كان أبلغ. انتهى.
قال الحافظ: ورأيته في غريب الحديث لابن قتيبة، وفيه: حضرت يحيى بن أكثم
بمكة، قال: فرأيته يذهب إلى هذا التأويل، ويَعجَب به، ويبديء ويعيد، قال: وهذا لا
يجوز، فذكره.
وقد تعقبه أبو بكر بن الأنباري، فقال: ليس الذي طعن به ابن قتيبة على تأويل الخبر
بشيء؛ لأن البيضة من السلاح، ليست عَلَمًا في كثرة الثمن، ونهايةً في غلو القيمة،
فتجري مجرى العقد من الجوهر، والجراب من المسك، اللذين ربما يساويان الألوف
من الدنانير، بل البيضة من الحديد، ربما اشتريت بأقل مما يجب فيه القطع، وإنما مراد
الحديث، أن السارق يُعَرِّض قطع يده بما لا غنى له به؛ لأن البيضة من السلاح، لا
يستغني بها أحد، وحاصله أن المراد بالخبر، أن السارق يسرق الجليل، فتُقطع يده،
ويسرق الحقير، فتُقطع يده، فكأنه تعجيز له، وتضعيفٌ لاختياره؛ لكونه باع يده بقليل
الثمن، وكثيره.
وقال المازري: تأول بعض الناس البيضة في الحديث، ببيضة الحديد؛ لأنه يساوي
نصاب القطع. وحمله بعضهم على المبالغة في التنبيه على عظم ما خَسِرَ، وحقر ما
حَصّل، وأراد من جنس البيضة والحبل ما يبلغ النصاب.
قال القرطبي: ونظير حمله على المبالغة، ما حُمل عليه قوله وَله: ((من بنى لله
مسجدا، ولو كمَفْحَص قطاة))، فإن أحدَ ما قيل فيه: إنه أراد المبالغة في ذلك، وإلا

٤٥ - (كِتَابُ قَطْع السَّارِقِ) - حديث رقم ٤٨٧٥
=
٣٥٧
فمن المعلوم أن مَفحص القطاة، وهو قدر ما تَحَضُن فيه بيضها، لا يتصور أن يكون
مسجدًا، قال: ومنه: ((تصدقن ولو بظلف مُحرَق))، وهو مما لا يتصدق به، ومثله كثير
في كلامهم. وقال عياض: لا ينبغي أن يلتفت لما ورد أن البيضة بيضة الحديد، والحبل
حبل السفن؛ لأن مثل ذلك له قيمة وقدر، فإن سياق الكلام يقتضي ذَمّ من أخذ القليل،
لا الكثير، والخبر إنما ورد لتعظيم ما جَنَى على نفسه، بما تقل به قيمته، لا بأكثر،
والصواب تأويله على ما تقدم من تقليل أمره، وتهجين فعله، وأنه إن لم يُقطع في هذا
القدر، جرته عادته إلى ما هو أكثر منه.
وأجاب بعض من انتصر لتأويل الأعمش، أن النبي ◌َّ قاله عند نزول الآية مجملة،
قبل بيان نصاب القطع. انتهى.
وقد أخرج ابن أبي شيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه،
عن علي رَّه أنه قطع يد سارق في بيضة حديد، ثمنها ربع دينار، ورجاله ثقات، مع
انقطاعه، ولعل هذا مستند التأويل الذي أشار إليه الأعمش. وقال بعضهم: البيضة في
اللغة تستعمل في المبالغة في المدح، وفي المبالغة في الذم، فمن الأولى قولهم: فلان
بيضة البلد، إذا كان فردا في العظمة، وكذا في الاحتقار، ومنه قول أخت عمرو بن
عبد وَدٌ، لَمَا قَتَل علي أخاها، يوم الخندق، في مرثيتها له [من البسيط]:
لَكِنَّ قَاتِلَهُ مَنْ لَا يُعَابُ بِهِ مَنْ كَانَ يُدْعَى قَدِيمًا بَيْضَةَ الْبَلَدِ
ومن الثاني قول الآخر، يَهْجُو قومًا [من البيسط أيضًا]:
تَأْبَى قُضَاعَةُ أَنْ تُبْدِي لَكُمْ نَسَباً وَابْنَا نِزَارٍ فَأَنْتُمْ بَيْضَةُ الْبَلَدِ
ويقال في المدح أيضا: بيضة القوم: أي وسطهم، وبيضة السنام: أي شحمته،
فلما كانت البيضة تستعمل في كل من الأمرين، حسن التمثيل بها، كأنه قال: يسرق
الجليل، والحقير، فيقطع، فرب(١) أنه عذر بالجليل، فلا عذر له بالحقير، وأما
الحبل فأكثر ما يستعمل في التحقير، كقولهم: ما ترك فلان عِقالًا، ولا ذهب من
فلان عِقالٌ، فكأن المراد أنه إذا اعتاد السرقة، لم يتمالك مع غلبة العادة التمييز بين
الجليل والحقير، وأيضا فالعار الذي يلزمه بالقطع، لا يساوي ما حصل له، ولو
كان جليلا .
(١) هكذا نسخة ((الفتح)) وفيها ركاكة، فليحرر.

٣٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
قاله في ((الفتح)) ١٤/ ٣١-٣٤. وسيأتي مزيد بسط لهذا في ((باب القدر الذي إذا
سرقه السارق، قُطعت يده))، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١ /٤٨٧٥- وفي ((الكبرى)) ٧٣٥٨/٢. وأخرجه (خ) في ((الحدود))
٦٧٨٢ و٦٧٩٩ (م) في ((الحدود)) ١٦٨٧ (ق) في ((الحدود)) ٢٥٨٣ (أحمد) في ((مسند
المكثرين)) ٧٣٨٨ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تعظيم شأن السرقة،
ووجهه أنه لو لم يكن شأنها عظيمًا، لما استحقّ السارق اللعن. (ومنها): جواز
لعن غير المعين، من العصاة؛ لأنه لعن للجنس، لا لمعيّن، ولعن الجنس جائزٌ،
كما قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَهُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، وأما المعيّن، فلا
يجوز لعنه. قال القاض عياض: وأجاز بعضهم لعن المعيّن، ما لم يُحَدَّ، فإذا حُدّ
لم يجز لعنه، فإن الحدود كفّارات لأهلها. قال القاضي: وهذا التأويل باطلٌ؛
الأحاديث الصحيحة في النهي عن اللعن، فيجب حمل النهي على المعيّن؛ ليُجمع
بین الأحادیث. انتهى.
وقال الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)): ((باب لعن السارق إذا لم
يُسمّ))، قال في ((الفتح)): قوله: (لعن السارق إذا لم يُسَمَّ)): أي إذا لم يعين، إشارة
إلى الجمع بين النهي عن لعن الشارب المعين، كما مضى تقريره، وبين حديث
الباب، قال ابن بطال: معناه: لا ينبغي تعيين أهل المعاصي، ومواجهتهم باللعن،
وإنما ينبغي أن يُلعَن في الجملة من فعل ذلك؛ ليكون ردعا لهم، وزجرا عن انتهاك
شيء منها، ولا يكون لمعين؛ لئلا يَقنَط، قال: فإن كان هذا مراد البخاري، فهو غير
صحيح؛ لأنه إنما نَّى عن لعن الشارب، وقال: ((لا تعينوا عليه الشيطان))، بعد إقامة
الحد عليه.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث لعن الشارب هو ما أخرجه البخاريّ في
((صحیحه))

٣٥٩
٤٥- (کِتابُ قطع السَّارِقِ) - حدیث رقم ٤٨٧٥
من حديث عمر بن الخطاب وَظّمه أن رجلا على عهد النبيِ وَلَه، كان اسمه عبدالله،
وكان يُلَقّبِ حِمَارّ، وكان يُضحِكُ رسولَ اللَّهِ وَ الَّ، وكان النبي ◌َّه قد جلده في
الشراب، فأُتي به يوما، فأَمر به، فَجُلد، فقال رجل من القوم: اللَّهم العنه، ما أكثر ما
يُؤتَى به؟، فقال النبي ◌ََّ: ((لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ، إنه يحب الله ورسوله))(١).
وأخرج من حديث أبي هريرة تَنبيه، قال: أُتي النبيُّ وَّر بسكران، فَأَمر بضربه،
فمنا من يضربه بيده، ومنا من يضربه بنعله، ومنا من يضربه بثوبه، فلما انصرف قال
رجل: ما له أخزاه الله؟ فقال رسول اللَّه وَ لير: ((لا تكونوا عون الشيطان على
أخيكم))(٢) .
قال في ((الفتح)): قوله: ((باب ما يكره من لعن شارب الخمر، وأنه ليس بخارج من
الملة))، يشير إلى طريق الجمع بين ما تضمنه حديث الباب من النهي عن لعنه، وما
تضمنه حديث الباب الأول: ((لا يشرب الخمر، وهو مؤمن))، وأن المراد به نفي كمال
الإيمان، لا أنه يخرج عن الإيمان جملة، وعَبّر بالكراهه هنا إشارة، إلى أن النهي
للتنزيه، في حق من يستحق اللعن، إذا قصد به اللاعن محض السبّ، لا إذا قصد معناه
الأصلي، وهو الابعاد عن رحمة اللَّه، فأما إذا قصده، فيحرم، ولا سيما في حق من لا
يستحق اللعن، كهذا الذي يحب الله ورسوله، ولا سيما مع إقامة الحد عليه، بل يندب
الدعاء له بالتوبة والمعفرة، وبسبب هذا التفصيل عدل عن قوله، في الترجمة: كراهية
لعن شارب الخمر إلى قوله: ((ما يكره من))، فأشار بذلك إلى التفصيل، وعلى هذا
التقرير، فلا حجة فيه لمنع لعن الفاسق المعين مطلقا، وقيل: إن المنع خاص بما يقع
في حضرة النبي ◌َّير؛ لئلا يتوهم الشارب عند عدم الإنكار أنه مستحق لذلك، فربما
أوقع الشيطان في قلبه ما يتمكن به من فتنه، وإلى ذلك الإشارة بقوله، في حديث أبي
هريرة: ((لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم))، وقيل: المنع مطلقا في حق من أقيم
عليه الحد؛ لأن الحد قد كفر عنه الذنب المذكور، وقيل: المنع مطلقا في حق ذي
الزلة، والجواز مطلقا في حق المجاهرين، وصوب ابن المنير أن المنع مطلقا في حق
المعين، والجواز في حقٍ غير المعين؛ لأنه في حق غير المعين زجرٌ عن تعاطي ذلك
الفعل، وفي حق المعين أَذْى له، وسب وقد ثبت النهي عن أذى المسلم، واحتج من
أجاز لعن المعين، بأن النبي ◌َّر، إنما لعن من يستحق اللعن، فيستوي المعين وغيره.
وتعقب بأنه إنما يستحق اللعن بوصف الإبهام، ولو كان لعنه قبل الحد جائزا،
(١) حديث رقم ٦٧٨١ .
(٢) حديث رقم ٦٧٨١ .

1
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
٣٦٠
لاستمر بعد الحد، كما لا يسقط التغريب بالجلد، وأيضا فنصيب غير المعين من ذلك
يسير جدا. والله أعلم.
وقال النووي في ((الأذكار)): وأما الدعاء على إنسان بعينه، ممن اتصف بشيء من
المعاصي، فظاهر الحديث أنه لا يحرم، وأشار الغزالي إلى تحريمه، وقال في ((باب
الدعاء على الظلمة»، بعد أن أورد أحاديث صحيحة في الجواز، قال الغزالي: وفي
معنى اللعن الدعاء على الإنسان بالسوء، حتى على الظالم، مثل ((لا أصح اللَّه جسمه)»،
وكل ذلك مذموم. انتهى. قال الحافظ: والأولى حمل كلام الغزالي على الأول، وأما
الأحاديث، فتدل على الجواز كما ذكره النووي، في قوله ◌َّر للذي قال: ((كل
بيمينك))، فقال: لا أستطيع، فقال: ((لا استطعت))، فيه: دليل على جواز الدعاء على
من خالف الحكم الشرعي، ومال هنا إلى الجواز قبل إقامة الحد، والمنع بعد إقامته،
وصنيع البخاري يقتضي لعن المتصف بذلك، من غير أن يعين باسمه، فيجمع بين
المصلحتين؛ لأن لعن المعين، والدعاء عليه، قد يحمله على التمادي، أو يُقَنِّطه من
قبول التوبة، بخلاف ما إذا صرف ذلك إلى المتصف، فإن فيه زجرا وردعا عن ارتكاب
ذلك، وباعثا لفاعله على الإقلاع عنه، ويقويه النهي عن التثريب على الأمة، إذا جُلِدت
على الزنا.
واحتج الامام البلقيني على جواز لعن المعين بالحديث الوارد في المرأة، إذا دعاها
زوجها إلى فراشه، فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح، وهو في ((الصحيح))، وقد توقف
فيه بعضهم بأن اللاعن لها الملائكة، فيتوقف الاستدلال به على جواز التأسي بهم،
وعلى التسليم فليس في الخبر تسميتها، قال الحافظ: ما قاله البلقينيّ أقوى، فأن الملك
معصوم، والتأسي بالمعصوم مشروع، والبحث في جواز لعن المعين، وهو الموجود.
انتهى. ((فتح) ٢٤/١٤-٢٥.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن قول من أجاز لعن غير المعيّن،
ومنع لعن المعيّن هو الأقرب، وبه تجتمع الأدلّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).