Indexed OCR Text

Pages 321-340

٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثٍ عَمْرو حَزْم فِي ... - حديث رقم ٤٨٦١
٣٢١
التعليل القياسيّ، فهو حجة للجمهور على نفاة القياس. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن رمى إنسانًا يتجسس على بيته، فقتله:
ذهب الجمهور إلى أنه لا شيء عليه، وذهبت المالكية إلى وجوب القصاص، وأنه
لا يجوز قصد العين، ولا غيرها، واعتلوا بأن المعصية، لا تدفع بالمعصية.
وأجاب الجمهور بأن المأذون فيه، إذا ثبت الإذن، لا يسمى معصية، وإن كان
الفعل، لو تجرد عن هذا السبب يُعَدُّ معصية، وقد اتفقوا على جواز دفع الصائل، ولو
أتى على نفس المدفوع، وهو بغير السبب المذكور معصية، فهذا ملحق به، مع ثبوت
النص فيه .
وأجابوا عن الحديث بأنه ورد على سبيل التغليظ، والإرهاب، ووافق الجمهورَ منهم
ابنُ نافع، وقال يحيى بن عمر منهم: لعل مالكا لم يبلغه الخبر.
وقال القرطبي في ((المفهم)): ما كان عليه الصلاة والسلام بالذي يُهُمُّ أن يفعل ما لا
يجوز، أو يؤدي إلى ما لا يجوز، والحمل على رفع الإثم، لا يتم مع وجود النص،
برفع الحرّج، وليس مع النص قياس.
واعتل بعض المالكية أيضا بالإجماع، على أن من قصد النظر إلى عورة الآخر ظاهرًا
أن ذلك لا يبيح فقء عينه، ولا سقوط ضمانها عمن فقأها، فكذا إذا كان المنظور في
بيته، وتجسس الناظر إلى ذلك. ونازع القرطبي في ثبوت هذا الإجماع، وقال: إن الخبر
يتناول كل مُطَّلِعٍ، قال: وإذا تناول المطلعَ في البيت مع المظنة، فتناوله المحقق أولى.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن التطلع إلى ما في داخل البيت لم ينحصر في النظر إلى
شيء معين كعورة الرجل مثلا بل يشمل استكشاف الحريم وما يقصد صاحب البيت
ستره من الأمور التي لا يحبّ اطلاع كل أحد عليها، ومن ثم ثبت النهي عن التجسُّس،
والوعيدُ عليه؛ حسما لمواد ذلك، فلو ثبت الإجماع الْمُدَّعَى لم يستلزم رَدّ هذا الحكمَ
الخاصَّ، ومن المعلوم أن العاقل يشتد عليه أن الأجنبي يرى وجه زوجته، وابنته، ونحو
ذلك، وكذا في حالة ملاعبته أهله أشدّ مما لو رأى الأجنبي ذكره منكشفًا، والذي ألزمه
القرطبي صحيح في حق من يروم النظر، فيدفعه المنظور إليه، وفي وجه للشافعية لا
يُشرَع في هذه الصورة، وهل يشترط الإنذار قبل الرمي وجهان: قيل: يشترط كدفع
الصائل، وأصحهما لا؛ لقوله في الحديث: ((يَخْتِلُهُ بذلك))، وفي حكم المتطلع من
خلل بابِ الناظرُ من كوّة من الدار، وكذا من وقف في الشارع، فنظر إلى حريم غيره،
أو إلى شيء في دار غيره. وقيل: المنع مختص بمن كان في ملك المنظور إليه.

٣٢٢
===
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
وهل يلحق الاستماع بالنظر وجهان: الأصح لا؛ لأن النظر إلى العورة أشد من
استماع ذِكْرِها، وشرط القياس المساواة، أو أولوية المقيس، وهنا بالعكس. انتهى
((الفتح)) ٢٣٨/١٤-٢٣٩ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الذي ذهب إليه الجمهور من جواز رمي من
تجسس في بيت غيره، وأنه لو هلك من ذلك، أو بعض أعضائه يكون هدرًا؛ لظاهر
النصّ: ((من اطّلع في بيت قوم بغير إذنهم، ففقؤوا عينه، فلا دية له، ولا قصاص))، كما
سيأتي في الباب التالي، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٤٧- (بَابُ مَنِ اقْتَصَّ، وَأَخَذَ حَقَّهُ
دُونَ السُّلْطَانِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر ترجمة المصنف رحمه الله تعالى يدلّ على أنه
يرى جواز الاقتصاص، وأخذ الحقّ، دون إذن السلطان، ووجه استدلاله بحديثي
الباب، أن حديث أبي هريرة تَظّمه صريح في جواز فقأ العين، دون إذن الإمام،
وكذلك حديث أبي سعيد الخدريّ تَّه، فإنه ضرب ولد مروان، دون استئذان؛ عملًا
بأمر النبيّ ◌َليهربمقاتلته، فلَمّا جاز استيفاء الحقّ المباح، فإن فقأ عين المطّلع، ومقاتلة
المارّ مباحان، لا واجبان، فاستيفاء ما وجب من الحقّ، وهو القصاص أولى. والله
تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذه الترجمة نحو ترجمة الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في (صحيحه))،
حيث قال: ((باب من أخذ حقّه، أو اقتصّ دون السلطان)).
فقوله: ((من اقتصّ)): أي إذا وجب له قصاصٌ على أحد. وقوله: ((وأخذ حقّه)): أي
من جهة غريمه. وقوله: ((دون السلطان)): أي دون حكم الحاكم.
قال في ((الفتح)): أي إذا وجب له على أحد قصاصٌ في نفس، أو طرف، هل يشترط
أن يرفع أمره إلى الحاكم، أو يجوز أن يستوفيه دون الحاكم، وهو المراد بالسلطان في
الترجمة .

٤٧- (بابُ مَنَ اقْتَصَّ، وَأَخَذَ حَقَّهُ ... - حديث رقم ٤٨٦٢
٣٢٣
قال ابن بطال رحمه الله تعالى: اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من
حقه، دون السلطان، قال: وإنما اختلفوا فيمن أقام الحد على عبده، كما تقدم تفصيله.
قال: وأما أخذ الحق، فإنه يجوز عندهم أن يأخذ حقه من المال خاصة، إذا جحده
إياه، ولا بينة عليه.
ثم أجاب عن حديث الباب بأنه خرج على التغليظ، والزجر عن الاطلاع على
عورات الناس. انتهى.
قال الحافظ: فأما نقله الاتفاق فكأنه استند فيه إلى ما أخرجه إسماعيل القاضي، في
نسخة أبي الزناد، عن الفقهاء الذين يُنْتَهَى إلى قولهم: ومنه: لا ينبغي لأحد أن يقيم
شيئا من الحدود، دون السلطان، إلا أن للرجل أن يقيم حد الزنا على عبده. وهذا إنما
هو اتفاق أهل المدينة، في زمن أبي الزناد.
وأما الجواب، فإن أراد أنه لا يُعمل بظاهر الخبر، فهو محل النزاع. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم في مسائل الحديث الماضي أن الأرجح جواز فقا
عين من اطّلع في بيت إنسان بغير إذنه؛ لصحة الخبر بذلك، وأما جواز القصاص في
النفس، أو الطرف، دون إذن السلطان، فقد سبق آنفًا وجه استنباطه من أحاديث الباب.
وأما أخذ الحقّ من المال، فله أيضًا أدلة أخرى، كحديث قضيّة هند بن عتبة امرأة
أبي سفيان رضي اللّه تعالى عنهما، فقد أخرج الشيخان من حديث عائشة رضي الله
عنها، قالت: جاءت هند بنت عتبة بن ربيعة، فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل
مِسِّيك، فهل علي حَرَجْ، أن أطعم من الذي له عيالنا؟ فقال: ((لا حرج عليك، أن
تطعميهم بالمعروف)).
وفي رواية: قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شَحِيحٌ، وليس يعطيني ما
يكفيني، وولدي إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم؟ فقال: ((خذي ما يكفيك، وولدك
بالمعروف)».
وأخرج الشيخان أيضًا من حديث عقبة بن عامر رَمّه قال: قلنا للنبي وَّ: إنك
تبعثنا، فنزل بقوم، لا يَقرونا، فما ترى فيه؟ فقال لنا: ((إن نزلتم بقوم، فأمر لكم بما
ينبغي للضيف، فاقبلوا، فإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حَقَّ الضيف».
وقد استدلّ الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه))، بحديث عقبة رَّ هذا
على جواز الأخذ من مال ظالمه، فترجم بقوله: ((باب قصاص المظلوم إذا وَجد مال
ظالمه))، وقال ابن سيرين يُقاصّ، وقرأ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوِبْتُم بِهٌِ﴾
الآية [النحل : ١٢٦] .

٣٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
قال في ((الفتح)) في شرح هذه الترجمة: أي هل يأخذ منه بقدر الذي له، ولو بغير
حكم حاكم؟، وهي المسألة المعروفة بمسألة الظفر، وقد جنح البخاريّ إلى اختياره،
ولهذا أورد أثر ابن سيرين على عادته في الترجيح بالآثار. انتهى.
وقال أيضًا: واستدلّ به على مسألة الظفر، وبها قال الشافعيّ، فجزم بجواز الأخذ،
إذا لم يمكن تحصيل الحقّ بالقاضي، كأن يكون غريمه منكرًا، ولا بيّنة له عند وجود
الجنس، فيجوز عنده أخذه، إن ظفر به، وأخذ غيره بقدره، إن لم يجده، ويجتهد في
التقويم، ولا يَحيف، فإن أمكن تحصيل الحقّ بالقاضي، فالأصحّ عند أكثر الشافعيّة
الجواز أيضًا، وعند المالكيّة الخلاف، وجوّزه الحنفيّة في المثليّ، دون المتقوّم لِمَا
يُخشى فيه من الحيف. واتّفقوا على أن محلّ الجواز في الأموال، لا في العقوبات
البدنيّة؛ لكثرة الغوائل في ذلك. ومحلّ الجواز في الأموال أيضًا ما إذا أمن الغائلة،
كنسبته إلى السرقة، ونحو ذلك. انتهى ((فتح)) ٣٩٨/٥- ٤٠٠. ((كتاب المظالم)).
والحاصل أن الأرجح جواز استيفاء الحقّ الماليّ من ظالمه، دون رفعه إلى
السلطان، وأما استيفاء القصاص، سواء كان في النفس، أو الطرَف، فظاهر صنيع
البخاريّ، والمصنّف جوازه، مستدلّين بأحاديث الباب، وهو الظاهر. والله تعالى أعلم
بالصواب.
٤٨٦٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ فِيكِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّيِّ نَِّ، قَالَ:
((مَنِ اطْلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمَ، بِغَيْرِ إِذْنِمْ، فَفَقَّتُوا عَيْنَهُ، فَلَادِيَةَ لَهُ، وَلَا قِصَاصَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (محمد بن المثنّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٨٠/٦٤ .
٢- (معاذ بن هشام) الدستوائي البصري، صدوق ربما وهم [٩] ٣٤/٣٠.
٣- (أبوه) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، ورمي
بالقدر، من كبار [٧] ٣٤/٣٠.
٤- (قتادة) بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت يدلس [٤]
٣٤/٣٠ .
٥- (النضر بن أنس بن مالك الأنصاريّ، أبو مالك البصريّ، ثقة [٣] ٣٣٩٣/٢.
٦- (بَشير بن فَهِيك)- بفتح النون، وكسر الهاء -: هو السدوسيّ، ويقال: السلوليّ،
أبو الشعثاء البصريّ، ثقة [٣] ١١٠٧/١٤١.
٧- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١. والله تعالى أعلم.

٤٧- (بَابُ مَن اقْتَصَّ، وَأَخَذَ حَقَّهُ ... - حديث رقم ٤٨٦٢
٣٢٥ =
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل
بالبصريين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: قتادة، عن
النضر، عن بَشِير بن نَهيك، ورواية بشير عن النضر من رواية الأقران. (ومنها): أن فيه
أبا هريرة رَّه من المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) تَّهِ (عَنِ النَّبِيِّ نَِّ، قَالَ: ((مَنِ الطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْم، بِغَيْرِ إِذْنِمْ،
فَفَقَتُوا عَيْنَهُ، فَلَادِيَةَ لَهُ، وَلَا قِصَاصَ) ولفظ مسلم: ((من اطّلع في بيت قَوم بغير إذنهم،
فقد حلّ لهم أن يفقؤوا عينه)).
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا نصّ في الإباحة، والتحليل، وعلى هذا فلا ضمان،
ولا دية إذا وقع ذلك، ولا يُستبعد هذا من الشرع، فإنه عقوبة على جناية سابقة، غير أن هذا
خرج مخرج التعزيرات، لا مخرج الحدود، ألا ترى قوله: ((فقد حلّ))، ولم يقُل: فقد
وجب، وإنما مقصود هذا الحديث إسقاط الْقَوَد، والمؤاخذة بذلك، إن وقع ذلك.
وقال أيضًا: هذا ظاهر قويّ في الذي قرّرناه، ويفيد أيضًا أن هذا الحكم جار فيمن
اطلع على عورة الإنسان، وإن لم يكن من باب، فإن قوله: ((اطّلع عليك))- يعني في
الحديث التالي- يتناول كلَّ مُطّلع كيفما كان، ومن أي جهة كان، بل يتعيّن أن يقال: إن
الشرع إذا علّق هذا الحكم على الاطّلاع في البيت؛ لأنه مظنة الاطّلاع على العورة،
فلأَنْ يُعلّق على نفس الاطّلاع على العورة أحرى، وأولى، وهذا نظرٌ راجحٌ، غير أن
أصحابنا- يعني المالكيّة - حكوا الإجماع على أن من اطلع على عورة رجل بغير إذنه،
ففقأ عينه أنه لا يَسقط عنه الضمان، كما ذكرنا، فإن صحّ هذا الإجماع، فهو واجب
الاتّباع، وإن وُجد خلافٌ، فما ذكرناه هو الإنصاف. انتهى ((المفهم)) ٤٨١/٥-٤٨٢.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت فيما سبق قريبًا عدم صحة دعوى الإجماع،
وإنما هو اتفاق أهل المدينة فقط، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة تَّ هذا متّفقٌ عليه.

٣٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٨٦٢/٤٧ و ٤٨٦٣ - وفي ((الكبرى)) ٤٤ /٧٠٦٥ و٧٠٦٦. وأخرجه
(خ) في ((الديات)) ٦٨٨٨ وو٦٩٠٢ (م) في ((الآداب)) ٢١٥٨ (د) في ((الأدب)) ٥١٧٢
(أحمد) في باقي مسند المكثرين)) ٧٥١٦ و٨٧٧١ و٩٠٩٦ و٩٢٤١ و١٠٤٤٥ . وفوائد
الحديث تقدّمت في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٦٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ
الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ، قَالَ: ((لَوْ أَنَّ امْرَأَ الطَّلَعَ عَلَيْكَ، بِغَيْرِ إِذْنٍ،
فَخَذَفْتَّهُ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ حَرَجٌ))، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: ((جُنَاحٌ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن منصور)): هو الْجَوّاز المكيّ. و((سفيان)): هو
ابن عيينة. و((أبو الزناد)): هو عبد الله بن ذكوان. و((الأعرج)): هو عبد الرحمن بن هُرْمُز.
وقوله: ((بغير إذن)): احتراز ممن اطلع بإذن.
وقوله: ((فخذفته)): بالخاء، والذال المعجمتين، وفي رواية البخاريّ: ((فحذفته))-
بالحاء المهملة- قال في ((الفتح)): وقوله: ((فحذفته)) بالحاء المهملة، عند أبي ذرّ،
والقابسي، وعند غيرهما بالخاء المعجمة، وهو أوجه؛ لأن الرمي(١) بحصاة، أو نواة،
ونحوهما، إما بين الإبهام والسبابة، وإما بين السبابتين. وجزم النووي بأنه في مسلم
بالمعجمة. وقال القرطبي: الرواية بالمهملة خطأ؛ لأن في نفس الخبر أنه الرمي
بالحصى، وهو بالمعجمة جزما.
قال الحافظ: ولا مانع من استعمال المهملة في ذلك مجازا.
وقوله: ((ففقأت عينه)): بقاف، ثم همزة ساكنه: أي شققت عينه. قال ابن القطاع:
ففقأ عينه أطفأ ضوءها. انتهى ((فتح)) ١٤/ ٢٠٣ .
وقوله: ((ما كان عليك حرجٌ)) وقال مرّةً أخرى: ((جُناحٌ)). ولفظ البخاري: ((لم يكن
عليك جُناح))، ولفظ مسلم: ((ما كان عليك من جناح)).
والمراد بالجناح هنا الحرج. قال في ((الفتح)): وفيه رد على من حمل الجناح هنا
على الإثم، ورَتَّب على ذلك وجوب الدية؛ إذ لا يلزم من رفع الإثم رفعها؛ لأن
وجوب الدية من خطاب الوضع، ووجه الدلالة أن إثبات الحل، يمنع ثبوت القصاص
والدية. وورد من وجه آخر عن أبي هريرة أصرح من هذا، عند أحمد، وابن أبي
عاصم، والنسائي(٢)، وصححه ابن حبان، والبيهقي، كلهم من رواية بشير بن نَبِيك عنه
(١) هكذا عبارة ((الفتح)) ((لأن الرمي)) ولعل الصواب ((لأنه الرمي)) فليحرّر.
(٢) هو الحديث الذي قبل هذا.

٤٧- (بَأَبُ مَنِ اقْتَصَّ، وَأَخَذَ حَقَّهُ ... - حديث رقم ٤٨٦٤
٣٢٧
بلفظ: ((من اطلع من بيت قوم بغير إذنهم، ففقؤا عينه، فلا دية ولا قصاص))، وفي رواية
من هذا الوجه: ((فهو هدر)). انتهى.
وقال في ((الفتح)) أيضًا: واستُدلّ به على اعتبار قدر ما يُرْمُى به، بحصى الخذف
المقدم بيانها في كتاب الحج؛ لقوله في حديث الباب: ((فخذفته))، فلو رماه بحجر
يقتل، أو سهم تعلق به القصاص، وفي وجه لا ضمان مطلقا، ولولم يندفع إلا بذلك
جاز، ويستثنى من ذلك من له في تلك الدار زوج، أو محرم، أو متاع، فأراد الاطلاع
عليه، فيمتنع رميه للشبهة. وقيل: لا فرق. وقيل: يجوز إن لم يكن في الدار غير
حريمه، فإن كان فيها غيرهم أنذر، فان انتهى، وإلا جاز، ولو لم يكن في الدار إلا
رجل واحد، هو مالكها، أو ساكنهالم يجز الرمي قبل الإنذار، إلا إن كان مكشوف
العورة. وقيل: يجوز مطلقا؛ لأن من الأحوال ما يكره الاطلاع عليه كما تقدم، ولو
قَصَّر صاحب الدار بأن ترك الباب مفتوحا، وكان الناظر مجتازا، فنظر غير قاصد، لم
يجز، فإن تعمد النظر فوجهان: أصحهما لا، ويلتحق بهذا من نظر من سطح بيته، ففيه
الخلاف، وقد توسع أصحاب الفروع في نظائر ذلك، قال ابن دقيق العيد: وبعض
تصرفاتهم مأخوذة من إطلاق الخبر الوارد في ذلك، وبعضها من مقتضى فهم المقصود،
وبعضها بالقياس على ذلك. والله أعلم. انتهى ((فتح)) ٢٣٩/١٤.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٦٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُضْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ
الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ، أَنَّهُ
كَانَ يُصَلِّي، فَإِذَا بِابْنِ لِمَزْوَانَ يَمُرُّ بَيْنَّ يَدَيْهِ، فَدَرَأَهُ، فَلَمْ يَرْجِعْ، فَضَرَبَهُ، فَخَرَجَ الْغُلَامُ
يَبْكِي، حَتَّى أَتَى مَزْوَانَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ مَزْوَانُ لِأَبِي سَعِيدٍ : لِمَ ضَرَبْتَ ابْنَ أَخِيكَ؟ قَالَ: مَا
ضَرَبْتُهُ، إِنَّمَا ضَرَبْتُ الشَّيْطَانَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ،
فَأَرَادَ إِنْسَانٌ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَدْرَؤُهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّةٌ شَيْطَانٌ))).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (محمد بن مصعب) هو: محمد بن محمد بن مصعب، الشاميّ، أبو عبد الله
الصوريّ، نُسِب لجدّه، لقبه وَخشيّ- بمهملة ساكنة، ثم معجمة- صدوق [١١].
قال ابن أبي حاتم: سمعت منه بمكّة، وهو صدُوقٌ ثقة. وذكره ابن حبّان في
((الثقات)). تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث
فقط، وعند أبي داود له حدیثان.

٣٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
٢- (محمد بن المبارك) الصوريّ، نزيل دمشق القَلانسيّ القرشيّ، ثقة، من كبار
[١٠] ١٧ / ١٥٤١ .
٣- (عبد العزيز بن محمد) الدراورديّ، أبو محمد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ،
صدوقٌ، كان يحدّث من كتب غيره، فيخطىء [٨] ٨٤/ ١٠١.
٤- (صفوان بن سُليم) الزهريّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة مفتٍ، عابدٌ،
رُمي بالقدر [٤] ٥٩/٤٧ .
٥- (عطاء بن يسار) الهلاليّ مولى ميمونة، أبو محمد المدنيّ، ثقة فاضل، صاحب
مواعظ وعبادة، من صغار [٣] ٨٠/٦٤.
٦ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنه١٦٩/ ٢٦٢.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به المصنف، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل
بالمدنيين من عبد العزيز، والباقيان شاميان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ.
(ومنها): أن فيه أبا سعيد تَظّه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله
تعالى أعلم.
شرح الحدیث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي) وفي رواية الشيخين
من طريق حميد بن هلال، عن أبي صالح السمّان، قال: رأيت أبا سعيد الخدريّ رَّه
في يوم جمعة، يصليّ إلى شيء يستره من الناس)) (فَإِذَا بِابْنِ لِمَرْوَانَ) بن الحكم، وكان
مروان والي المدينة وقتئذ، وسيأتي تسميته عند عبد الرزاق: ((داود بن مروان)) (يَمُرُّ بَيْنَ
يَدَيْهِ) أي بين يدي أبي سعيد ◌َّه .
وفي رواية البخاريّ: ((فأراد شاب من بني أبي معيط))، قال في ((الفتح)): وقع في
(كتاب الصلاة)) لأبي نعيم أنه الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أخرجه عن عبد الله بن عامر
الأسلمي، عن زيد بن أسلم، قال: بينما أبو سعيد قائم يصلي في المسجد، فأقبل
الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فأراد أن يمر بين يديه، فدفعه، فأبى إلا أن يمر بین یدیه،
فدفعه))، هذا آخر ما أورده من هذه القصة.
وفي تفسير الذي وقع في ((الصحيح)) بأنه الوليد هذا نظر؛ لأن فيه أنه دخل على

٤٧- (بَأَبُ مَنَ اقْتَصَّ، وَأَخَذَ حَقَّهُ ... - حديث رقم ٤٨٦٤
٣٢٩ =
مروان، زاد الإسماعيلي: ((ومروان يومئذ على المدينة)). انتهى. ومروان إنما كان أميرا
على المدينة في خلافة معاوية، ولم يكن الوليد حينئذ بالمدينة؛ لأنه لما قُتِل عثمان
تحول إلى الجزيرة، فسكنها حتى مات في خلافة معاوية، ولم يحضر شيئا من الحروب
التي كانت بين علي ومن خالفه، وأيضا فلم يكن الوليد يومئذ شابا، بل كان في عشر
الخمسين، فلعله كان فيه: فأقبل ابن الوليد بن عقبة فيتجه، وروی عبد الرزاق حديث
الباب، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه،
فقال فيه: ((إذ جاء شاب))، ولم يسمه أيضا، وعن معمر، عن زيد بن أسلم، وقال فيه:
((فذهب ذو قرابة لمروان)»، ومن طريق أبي العلاء فيه عن أبي سعيد: ((فقال فيه مَرَّ رجل
بين يديه من بني مروان)»، وللنسائي من وجه آخر: ((فمر ابن لمروان)» وسماه عبد الرزاق
من طريق سليمان بن موسى: ((داود بن مروان))، ولفظه: ((أراد داود بن مروان، أن يمر
بين يدي أبي سعيد، ومروان يومئذ أمير المدينة»، فذكر الحديث، وبذلك جزم ابن
الجوزي، ومن تبعه في تسمية المبهم الذي في ((الصحيح)) بأنه داود بن مروان.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن فيه أنه من بني أبي معيط، وليس مروان من بنيه، بل أبو
معيط ابن عم والد مروان؛ لأنه أبو معيط بن أبي عمرو بن أمية، ووالد مروان هو الحكم
ابن أبي العاص بن أمية، وليست أم داود، ولا أم مروان، ولا أم الحكم من ولد أبي
معيط، فيحتمل أن يكون داود نُسب إلى أبي معيط من جهة الرضاعة، أو لكون جده
لأمه عثمان بن عفان، كان أخا للوليد بن عقبة بن أبي معيط لأمه، فتُسب داود إليه
مجازا، وفيه بُعْدٌ، والأقرب أن تكون الواقعه تعددت لأبي سعيد مع غير واحد، ففي
مصنف ابن أبي شيبة من وجه آخر، عن أبي سعيد، في هذه القصة: ((فأراد عبد الرحمن
ابن الحارث بن هشام أن يمر بين يديه))، الحديث، وعبد الرحمن مخزومي، ما له من
أبي معيط نسبة. والله أعلم. انتهى ((فتح)) ١٦٥/٢ - ١٦٦.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الأولى الحمل على تعدّد الواقعة. والله
تعالى أعلم.
(فَدَرَأَهُ) أي دفعه أبو سعيد (فَلَمْ يَرْجِعْ) أي من المرور، بل استمرّ عليه؛ لأنه لم يجد
ممرًا غير ذلك الموضع، وفي رواية البخاريّ: («فلم يجد مساغًا»، فنال من أبي
سعيد)) (فَضَرَبَهُ) أي ضرب أبو سعيد ذلك الولد (فَخَرَجَ الْغُلَامُ يَبْكِي، حَتَّى أَتَى مَزْوَانَ)
ابن الحكم (فَأَخْبَرَهُ) أي بما فعل به أبو سعيد، من الضرب، وفي رواية البخاريّ: ((ثم
دخل على مروان، فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان،
فقال: ما لك، ولابن أخيك يا أبا سعيد؟)) (فَقَالَ مَرْوَانُ لِأَبِي سَعِيدٍ) رَُّه (لِمَ ضَرَبْتَ

٣٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
ابْنَ أَخِيكَ؟) أطلق الأخوّة باعتبار الإيمان (قَالَ) أبو سعيد (مَا ضَرَبْتُهُ، إِنَّمَا ضَرَبْتُ
الشَّيْطَانَ) قال السنديّ: أي ما ضربته، وهو ابن أخي، ولكن ضربته، وهو شيطان، فلا
يَرِد أنه لا يصحّ نفي الحقيقة، فلا يصحّ أن يقول: ما ضربته إلا أن يكون كذبًا. انتهى
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ نَّهَ يَقُولُ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ) وفي رواية البخاريّ: ((إذا
صلّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس)) (فَأَرَادَ إِنْسَانٌ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ) فيه حذف ((أن)»
المصدريّة، والأصل: ((أن يمرّ))، وحذفها، مع رفع الفعل قياس، وليس شاذًا، كما
ادعاه بعض النحاة؛ لوروده في القرآن، قال الله عز وجل: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ
الْبَقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، وإنما الشاذّ النصب مع الحذف، كما أشار إلى ذلك ابن
مالك رحمه الله تعالى في ((الخلاصة))، حيث قال:
وَشَذَّ حَذْفُ (أَنْ)) وَنَصْبٌ فِي سِوَى مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَذْلٌ رَوَى
(فَيَذْرَؤُهُ) أي يدفعه (مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ) المراد حقيقة القتال، وقد تقدم في
(كتاب الصلاة)) ٧٥٧/٨-من فسّره بالإشارة، ولطيف المنع، والردُّ عليه، فراجعه
تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وهذا هو محلّ استدلال المصنّف لما ترجم له؛ ووجه ذلك أنه و لتر أمر المصلّي أن
يقاتل الماز، ولم يشترط عليه استئذان السلطان، وهو الذي فهمه أبو سعيد رَّه
راويه، ووافقه عليه مروان، وهو أمير المدينة يومئذ، حيث لم ينكر عليه ضرب ابنه،
وإنما سأله عن سبب الضرب، فلما ذكر له الحديث، سكت، فلم يطالبه، لا بقصاص،
ولا بغيره. والله تعالى أعلم.
(فَإِنَةٌ شَيْطَانٌ))) أي فعله فعل الشيطان؛ لأنه أبى إلا التشويش على المصلي، وإطلاق
الشيطان على الماردٍ من الإنس سائغ شائع، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿شياطين
الإنس والجن﴾ [الأنعام: ١١٢]، وقال ابن بطال: في هذا الحديث جواز إطلاق لفظ
الشيطان على من يفتن في الدين، وأن الحكم للمعاني، دون الأسماء لاستحالة أن يصير
المار شيطانا بمجرد مروره. انتهى.
قال الحافظ: وهو مبني على أن لفظ الشيطان، يطلق حقيقة على الجن، ومجازا
على الإنس، وفيه بحث. ويحتمل أن يكون المعنى: فإنما الحامل له على ذلك
الشيطان، وقد وقع في رواية الإسماعيلي: ((فإن معه الشيطان))، ونحوه لمسلم من
حديث ابن عمر بلفظ: ((فإن معه القرين)). وقد تقدّم تمام البحث في هذا الحديث في
(كتاب الصلاة)) بالرقم المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.

٤٨- (مَا جَاءَ فِي كِتَب القِصَاصِ مِنَ ... - حديث رقم ٤٨٦٥
=
٣٣١
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث أبي سعيد الخدريّ رَّه هذا متفقٌ عليه،
وقد تقدّم تخريجه في ((كتاب الصلاة))، بالرقم المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)) .
٤٨- (مَا جَاءَ فِي كِتَابِ الْقِصَاص
مِنَ الْمُجْتَبَى، مِمَّا لَيْسَ فِي السُّنَنِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لم يتبيّن لي إيراد وجه هذه الأحاديث هنا مع أنه
أوردها في ((كتاب تحريم الدم))- باب ((تعظيم الدم))، وأيضًا، فمناسبتها لكتاب القصاص
غير واضحة، وأيضًا قوله: ((مما ليس في ((السنن))، إن أراد أنها لم تذكر في ((السنن)) هنا
فمسلّم، وإن أراد أنها لم تذكر فيها أصلًا، ففيه نظر، فقد ذُكرت في الباب المذكور،
فليُتأمّلِ، فالله تعالى أعلم.
(تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ عز وجل: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلًِّا
فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣])
٤٨٦٥- (حَذَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَفْظًا، قَالَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: أَمَرَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ
ابْنُ أَبْزَى، أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسِ عَنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا
فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ، وَعَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا
يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]،
قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أبو عبد الرحمن)): هو النسائيّ صاحب الكتاب،
وقائل: ((حدثنا)) تلميذه، والظاهر أنه ابن السني؛ لأنه المشهور برواية السنن الصغرى
عن المؤلّف.
وقوله: ((لفظا)) منصوب على التمييز، يعني أنه أخذه عنه بالسماع من لفظه، لا
بالقراءة عليه .

٣٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
و((محمد)): هو ابن جعفر، غندر. و((منصور)): هو ابن المعتمر.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم سندا ومتنا في ٢/ ٤٠٠٣ وتقدّم البحث عنه هناك
مُستَوفَّى، فليُراجع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل .
٤٨٦٦- (أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الثَّعْمَانِ، عَنْ سَعِيَدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ :
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَجِّدًا﴾، فَرَحَلْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: نَزَّلَتْ فِي
آخِرِ مَا أُنْزِلَتْ، وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ).
((المغيرة بن النعمان)): هو النخعيّ الكوفيّ الثقة [٦].
والحديث صحيح وقد تقدّم سندًا ومتنا في ٢/ ٤٠٠١ . والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٦٧- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَ:
أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسِ: هَلْ لِمَنْ قَتَلَ
مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةِ؟ قَالَ: لَا، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ
مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ﴾، قَالَ: هَذِهِ آيَةٌ مَكْيَةٌ،
نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ﴾).
((القاسم بن أبي بزّة)): هو المكيّ القارىء، ثقة [٥].
والحديث تقدّم سندًا ومتنا في ٢/ ٤٠٠٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٦٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمَّارِ الدُّهْنِيّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ،
أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَمَّنْ قَتَلَ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا، ثُمَّ تَابَ، وَآمَنَ، وَعَمِلَ صَالِحًا، ثُمَّ اهْتَدَى؟ فَقَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَّى لَهُ الثَّوْبَةُ، سَمِعْتُ نَبِئِكُمْ وَّهِ، يَقُولُ: يَجِيءُ مُتَعَلِّقًا بِالْقَاتِلِ، تَشْخَبُ
أَوْدَاجُهُ دَمًّا، يَقُولُ: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَنْزَلَهَا، وَمَا نَسَخَهَا).
((سفيان)): هو ابن عُيينة. و((عمّارٌ الدهنيّ)): هو ابن معاوية البجليّ الكوفيّ،
صدوقٌ، يتشيّع [٥]. و((سالم بن أبي الجعد/ رافع: هو الغطفانيّ الأشجعيّ الكوفيّ،
ثقة يُرسل [٣] .
وقوله: ((يجيء)): أي القاتل، كما بُين في رواية أخرى. وقوله: ((تشخب أوداجه)):
من بابي قتل، ونفع: أي تجري عروقه.
والحديث صحيح وقد سبق سندًا ومتنا في ٢/ ٤٠٠٠ وسبق تمام البحث فيه هناك.

٠
٤٨- (مَا جَاءَ فِي كِتَب القِصَاص مِنَ ... - حديث رقم ٤٨٧١
٣٣٣ =
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٦٩- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسّا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ح
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ
أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ، قَالَ: ((الْكَبَائِرُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ
النَّفْسِ، وَقَوْلُ الزُّورِ))).
((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجيميّ. و((عبيد الله بن أبي بكر)): هو ابن أنس بن مالك
الأنصاريّ البصريّ، ثقة [٤].
والحديث متفق عليه، وتقدم في ٢/ ٤٠١٠ وسبق تمام البحث فيه هناك، وبالله تعالى
التوفيق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٧٠- (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
قَالَ: أَنْبَنَا فِرَاسٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيََّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍوَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، قَالَ:
((الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ))).
((عبدة بن عبد الرحيم)): هو المروزيّ، نزيل دمشق، صدوقٌ، من صغار [١٠] من
أفراد المصنّف. و((ابن شُميل)): هو النضر المتقدّم فيما قبله. و((فِراس)): هو ابن يحيى
الخارفيّ الهمدانيّ الكوفيّ، صدوقٌ ربما وهِم [٦].
وقوله: ((واليمين الغَمُوس))- بفتح الغين المعجمة، فَعولٌ للمبالغة: ومعناها: اليمين
الكاذبة الفاجرة، كالتي يقتطع بها الحالف مال غيره ظلمًا، سُمّيت غَموسًا؛ لأنها تغمس
صاحبها في الإثم، ثم في النار.
والحديث أخرجه البخاريّ، وقد تقدّم في ٢/ ٤٠١١ وسبق شرحه، وبيان مسائله
هناك، وبالله تعالى التوفيق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٧١- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَام، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنِ
الْفُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((لَا يَزْنِي
الْعَبْدُ حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبَهَا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ،
وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّام) البغداديّ، ثم الطَّرَسوسيّ، لا بأس به [١١]
١٧٢ /١١٤١.

٣٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
٢- (إسحاق الأزرق) إسحاق بن يوسف الواسطيّ، ثقة [٩] ٤٨٩/٢٢.
٣- (الفضيل بن غَزْوان) أبو الفضل الضبيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة، من كبار [٧] ٤٤/
٤٥٦١. ٤- (عكرمة) أبو عبد الله البربريّ، مولى ابن عباس، ثقة ثبت [٣] ٣٢٥/٢.
٥- (ابن عباس) عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما ٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن فيه ابن عباس
أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((لَا يَزْنِي
الْعَبْدُ حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ) أي متّصفٌ بصفة الإيمان (وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبَهَا،
وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ) أي المال قليلًا كان، أو كثيرًا (وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَقْتُلُ) أي النفس
التي حرّم الله تعالى قتلها (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) هذا وأمثاله مما حمله العلماء على التغليظ،
والزجر، وعلى كمال الإيمان. وقيل: المراد بالإيمان الحياء؛ لكونه شعبة من الإيمان،
فالمعنى لا يزني الزاني، وهو يستحيي من الله تعالى. وقيل: المراد بالمؤمن ذو الأمن
من العذاب. وقيل: النفي بمعنى النهي: أي لا ينبغي للزاني أن يزني، والحال أنه
مؤمن، فإن مُقتضى إيمانه أن لا يقع في مثل هذه الفاحشة.
وقال النووي رحمه الله تعالى: في ((شرح صحيح مسلم)) ٢/ ٤١: هذا الحديث مما
اختلف العلماء فى معناه، فالقول الصحيح الذى قاله المحققون، أن معناه لا يفعل هذه
المعاصى، وهو كامل الايمان، وهذا من الالفاظ التى تُطلق على نفى الشىء، ويراد نَفْيُ
كماله، ومختارِهِ، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الابل، ولا عيش إلا عيش
الآخرة، وإنما تأولناه على ما ذكرناه؛ لحديث أبى ذر تَظّه وغيره: ((من قال: لا اله الا
اللَّه، دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق))، وحديث عبادة بن الصامت وَظَّه الصحيح
المشهور: أنهم بايعوه يل ر على أن لا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يعصوا ... إلى آخره،
ثم قال لهم رَّ: ((فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن فعل شيئا من ذلك، فعوقب فى
الدنيا فهو كفارته، ومن فعل، ولم يعاقب، فهو إلى اللَّه تعالى، إن شاء عفا عنه، وإن
شاء عذبه))، فهذان الحديثان مع نظائرهما فى الصحيح، مع قوله الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ
لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٌ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، مع إجماع أهل

٣٣٥
٤٨- (مَا جَاءَ فِي كِتَب القِصَاص مِنَ ... - حديث رقم ٤٨٧١
الحق، على أن الزانى، والسارق، والقاتل، وغيرهم من أصحاب الكبائر، غير الشرك،
لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون، ناقصو الإيمان إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا
مصرين على الكبائر كانوا فى المشيئة، فإن شاء اللَّه تعالى عفا عنهم، وأدخلهم الجنة
أوّلًا، وان شاء عذبهم، ثم أدخلهم الجنة، وكل هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل هذا
الحديث وشبهه، ثم إن هذا التأويل ظاهر، سائغ فى اللغة، مستعمل فيها، كثير، وإذا
ورد حديثان مختلفان ظاهرا، وجب الجمع بينهما، وقد وردا هنا، فيجب الجمع، وقد
جمعنا.
وتأول بعض العلماء هذا الحديث، على من فعل ذلك مستحلا له، مع علمه بورود
الشرع بتحريمه. وقال الحسن، وأبو جعفر، محمد بن جرير الطبرى: معناه يُنزع منه
اسم المدح الذى يسمى به أولياء اللَّه المؤمنون، ويستحق اسم الذم، فيقال سارق،
وزان، وفاجر، وفاسق. وحكى عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن معناه يُنزع منه نور
الإيمان، وفيه حديث مرفوع. وقال المهلب: ينزع منه بصيرته فى طاعة الله تعالى.
وذهب الزهرى إلى أن هذه الأحاديث، وما أشبهها يؤمن بها، وتُمرّ على ما جاءت، ولا
يخاض فى معناها، وأنا لا نعلم معناها، وقال أَمِرّوها كما أمرها مَن قبلكم. وقيل فى
معنى الحديث: غير ما ذكرته مما ليس بظاهر، بل بعضها غلط، فتركتها، وهذه الأقوال
التى ذكرتها فى تأويله كلها محتملة، والصحيح فى معنى الحديث ما قدمناه أوّلا. والله
أعلم. انتهى كلام النوويّ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: بل أصحّ التأويلات هو تأويل ابن عبّاس رضي الله
تعالى عنهما؛ لثبوته مرفوعًا، وسيأتي تمام البحث في ذلك في شرح حديث أبي هريرة
رَوّيه في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٨٧١/٤٥- وأخرجه (خ) في ((الحدود)) ٦٧٨٢ و٦٨٠٩. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): تحريم الزنى، وأنه مما يُنافي حقيقة الإيمان، إذ هو من الفواحش، كما قال

٣٣٦
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
اللَّه سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنٌ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].
(ومنها): تحريم شُرب الخمر؛ لأنها أم الخبائث، تجرّ إلى كلّ رَذِيلة. (ومنها): تحريم
السرقة. (ومنها): تحريم قتل النفس التي حرّمها اللَّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٤٥- (كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: مناسبة هذا الكتاب للكتاب الماضي واضحة .
و((إضافة (كتاب)) إلى ((قطع)) بمعنى اللام، وإضافة ((قطع)) إلى ((السارق)) من إضافة
المصدر إلى مفعوله بعد حذف فاعله: أي هذا كتاب لبيان الأحاديث التي تبيّن حكم
قطع الحاكم السارقَ.
و((السارقَ)): اسم فاعل، من سرَق مالًا يسرِقه، من باب ضرب، وسرق منه مالًا،
يتعدّى إلى الأول بنفسه، وبالحرف على الزيادة، والمصدرُ سَرَقٌ- بفتحتين-، والاسم
السَّرِقُ بكسر الراء، والسَّرِقة مثله، وتخفّف، مثل كلمة، ويُسمّى المسروق سَرِقَةً، تسميةً
بالمصدر. قاله الفيوميّ.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: السرِقةُ، والسّرِق - بكسر الراء فيهما -:
هو اسم الشيء المسروق، والمصدرُ، من سَرَقَ يَسْرِقُ سَرَقًا- بفتح الراء- كذا قاله
الجوهريّ. وأصل هذا اللفظ إنما هو أخذ الشيء في خفية، ومنه استرق السمع،
وسَارَقَهُ النظرَ. قال ابن عَرَفة: السارق عند العرب هو من جاء مستترًا إلى حرز، فأخذ
منه ما ليس له، فإن أخذ من ظاهر، فهو مختلسٌ، ومُستلبٌ، ومُنتهبٌ، ومُحترسٌ، فإن
منع مما في يده، فهو غاصبٌ له.
قال القرطبيّ: وهذا الذي قاله ابنُ عرفة هو السارق في عُرف الشرع.
ويستدعي النظر في هذا الباب النظرَ في السارق، والمسروق منه، والشيء
المسروق، وحكم السارق، ولا خلاف في أن السارق إذا كملت شروطه، يُقطع، دون
الغاصب، والمختلس، والخائن، وفيمن يستعير المتاع، فيجحده خلافٌ شاذٌّ، حُكي
عن أحمد، وإسحاق، فقالا: يُقطع، والسلف، والخلف على خلافهما، وسيأتي القول
فيه في حديث المخزوميّة.

٤٥ - (كِتَابُ قَطْع السَّارِقِ) - حديث رقم ٤٨٧٢
٣٣٧ ==
وإنما خصّ الشرع القطع بالسارق؛ لأن أخذ الشيء مُجاهرةٌ يُمكن أن يُسترجع منه
غالبًا، والخائن مكّنه ربّ الشيء منه، وكان ممكنًا من الاستيثاق بالبيّنة، وكذلك
المعير، ولا يُمكن شيء من ذلك في السرقة، فبالغ الشرع في الزجر عنها.
وقد أجمع المسلمون على أن اليمنى تُقطع إذا وُجدت؛ لأنها الأصل في محاولة كلّ
الأعمال. انتهى ((المفهم)) ٧٠/٥ -٧١.
وقال في ((الفتح)): عند قول البخاريّ: ((باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَالشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ
فَقْطَهُوَأْ أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية [المائدة: ٣٨]: ما نصّه: كذا أطلق في الآية اليد، وأجمعوا على
أن المراد اليمنى إن كانت موجودة، واختلفوا فيما لو قُطعت الشمال عمدا أو خطأ، هل
يجزئ، وقدم السارق على السارقة، وقدمت الزانية على الزاني؛ لوجود السرقة غالبا في
الذكورية، ولأن داعية الزنا في الإناث أكثر؛ ولأن الأنثى سبب في وقوع الزنا، إذ لا
يتأتى غالبا إلا بطواعيتها.
وقوله بصيغة الجمع، ثم التثنية إشارة إلى أن المراد جنس السارق، فلوحظ فيه
المعنى، فجمع، والتثنية بالنظر إلى الجنسين المتلفظ بهما.
والسرقة -بفتح السين، وكسر الراء، ويجوز إسكانها، ويجوز كسر أوله، وسكون
ثانيه -: الأخذ خفية، وعُرّفت في الشرع بأخذ شيء خفية، ليس للآخذ أخذه، ومَن
اشترط الحرز وهم الجمهور، زاد فيه: ((من حرز مثله))، قال ابن بطال: الحرز مستفاد
من معنى السرقة، يعني في اللغة .
ويقال السارق الإبل: الخارب - بخاء معجمة- وللسارق بالمكيال: مطفف،
وللسارق في الميزان: مخسر في أشياء أخرى ذكرها ابن خالويه في ((كتاب ليس)).
قال المازري، ومن تبعه: صان اللَّه الأموال بإيجاب قطع سارقها، وخص السرقة
لقلة ما عداها بالنسبة إليها، من الانتهاب، والغصب، ولسهولة إقامة البينة على ما عدا
السرقة بخلافها، وشدد العقوبة فيها؛ ليكون أبلغ في الزجر، ولم يجعل دية الجناية على
العضو المقطوع منها، بقدر ما يقطع فيه؛ حماية لليد، ثم لما خانت هانت، وفي ذلك
إشارة إلى الشبهه التي نُسبت إلى أبي العلاء المُعَرَيِّ في قوله [من البسيط]:
يَدْ بِخَمْسٍ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارِ
فأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله [ من البسيط أيضًا]:
صِيَانَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي(١)
صِيَانَةُ الْعُضْوِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصَهَا
(١) وأنشده بعضهم:
عِزُّ الأَمَانَةِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصَهَا ذُلُّ الْخِيَانَةَ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي

٣٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
وشرح ذلك أن الدية لو كانت ربع دينار، لكثرت الجنايات على الأيدي، ولو كان
نصاب القطع خمسمائة دينار، لكثرت الجنايات على الأموال، فظهرت الحكمة في
الجانبين، وكان في ذلك صيانة من الطرفين.
وقد عسر فهم المعنى المقدم ذكره في الفرق بين السرقة، وبين النهب ونحوه، على
بعض منكري القياس، فقال: القطع في السرقة دون الغصب وغيره، غير معقول
المعنى، فإن الغصب أكثر هتكا للحرمة من السرقة، فدل على عدم اعتبار القياس؛ لأنه
إذا لم يعمل به في الأعلى، فلا يعمل به في المساوي.
وجوابه أن الأدلة على العمل بالقياس أشهر من أن يُتكلّف لإيرادها. انتهى ((فتح))
١٤/ ٥١-٠٥٢
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قال القاضي عياض رحمه اللَّه تعالى: صان الله
تعالى الأموال بإيجاب القطع على السارق، ولم يجعل ذلك في غير السرقة،
كلاختلاس، والانتهاب، والغصب؛ لأن ذلك قليلٌ بالنسبة إلى السرقة، ولأنه يمكن
استرجاع هذا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الأمور، وتسهُل إقامة البيّنة عليه، بخلاف
السرقة، فإنه تندر إقامة البيّنة عليها، فعظم أمرها، واشتدّت عقوبتها؛ ليكون أبلغ في
الزجر عنها. وقد أجمع المسلمون على قطع السارق في الجملة، وإن اختلفوا في فروع
منه. انتهى ((شرح مسلم)) ١٢/ ١٨١.
وقال الموّفقٌ رحمه الله تعالى: الأصل في القطع في السرقة: الكتاب، والسنة،
والإجماع، أما الكتاب: فقول اللَّه تعالى: ﴿وَالشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾
[المائدة: ٣٨]، وأما السنة: فرَوت عائشة أن رسول اللّه وَ لهر، قال: ((تقطع اليد في ربع
دينار فصاعدا))، وقال النبي وَّالر: ((إنما هلك من كان قبلكم بأنهم كانوا إذا سرق فيهم
الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه))، متفق عليهما، في أخبار سوى
هذين، نذكرها إن شاء الله في مواضعها. وأجمع المسلمون على وجوب قطع السارق
في الجملة. انتهى ((المغني)) ٤١٥/١٢ .
(اعلم): أنه لا يجب القطع- كما قال الموفّق- إلا بشروط سبعة: [أحدها]:
السرقة، ومعنى السرقة أخذ المال، على وجه الخفية والاستتار، ومنه استراق السمع،
ومسارقة النظر، إذا كان يستخفي بذلك، فإن اختطف، أو اختلس، لم يكن سارقا، ولا
قطع عليه، عند أحد علمناه، غير إياس بن معاوية، قال: أقطع المختلس؛ لأنه يستخفي
بأخذه، فيكون سارقا، وأهل الفقه والفتوى من علماء الأمصار على خلافه، وقد رُوي
عن النبي ◌َّر، أنه قال: ((ليس على الخائن، ولا المختلس قطع))، وعن جابر نظراليه
-

٤٥- (كِتَابُ قَطْع السَّارِقِ) - حديث رقم ٤٨٧٢
٣٣٩ ===
قال: قال رسول اللّه وَ له: ((ليس على المنتهب قطع))، رواهما أبو داود، وقال: لم
يسمعهما ابن جريج من أبي الزبير، ولأن الواجب قطع السارق، وهذا غير سارق، ولأن
الاختلاس نوع من الخطف والنهب، وإنما يستخفي في ابتداء اختلاسه، بخلاف
السارق .
[الثاني]: أن يكون المسروق نصابًا.
[الثالث]: أن يكون المسروق مالًا، فإن سرق ما ليس مالًا كالحرّ، فلا قطع فيه،
وفيه اختلاف بين العلماء، سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى.
[الرابع]: أن يسرق من حرز، ويُخرجه منه. [الخامس]، و [السادس]، و [السابع]:
كون السارق مكلّفًا، وتثبت السرقة، ويُطالب المالك المسروق، وتنتفي الشبهات.
وهذه الشروط فيها اختلاف بين أهل العلم سيأتي تحقيقه في المواضع المناسبة لها، إن
شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٨٧٢- (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
وَّ، قَالَ: ((لَا يَزْنِي الزَّانِ حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ،
وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةٌ ذَاتَ شَرَفٍ،
يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهَا أَبْصَارَهُمْ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ))).
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١- (الربيع بن سليمان) بن عبد الجبّار الْمُراديّ، أبو محمد المصريّ المؤذّن،
صاحب الشافعيّ، ثقة [١١] ١٩٥/ ٣١١.
٢- (شُعيب بن الليث) الْفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقة، فقيه، نبيلٌ،
من كبار [١٠] ١٦٦/١٢٠ .
٣- (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، والد شعيب الراوي عنه، المصريّ،
ثقة ثبتٌ فقيه، إمام، مشهورٌ [٧] ٣٥/٣١.
٤- (ابن عَجلان) هو محمد القرشيّ، مولى فاطمة بنت الوليد، أبو عبد الله المدنيّ،
صدُوقٌ، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ◌َويه [٥] ٤٠/٣٦.
٥- (القعقاع) ابن حكيم الكنانيّ المدنيّ، ثقة [٤] ٤٠/٣٦.
٦- (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبتٌ [٣] ٤٠/٣٦.
٧- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.

٣٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين إلى
الليث، وبالمدنيين بعده، وفيه رواية الابن عن أبيه، شعيب، عن الليث، وفيه ثلاثة من
التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، وفيه
أبو هريرة ◌َّه رأس المكثرين من الرواية، من الصحابة ****. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وََّ) أنه (قَالَ: ((لَا يَزْنِي الزَّانِي
حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ) قَيَّدَ نفيَ الإيمان بحالة ارتكابه لها، ومقتضاه أنه لا يستمر بعد
فراغه، وهذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون المعنى: أن زوال ذلك إنما هو إذا أقلع
الإقلاع الكلي، وأما لو فرغ، وهو مُصِرّ تلك المعصية، فهو كالمرتكب، فَيَتَّجِهُ أن نفي
الإيمان عنه يستمرّ، ويؤيده قول ابن عباس: ((فإن تاب عاد إليه))، ولكن أخرج الطبري
من طريق نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس: قال: ((لا يزني حين يزني، وهو
مؤمن، فإذا زال رجع إليه الإيمان، ليس إذا تاب منه، ولكن إذا تأخر عن العمل به))،
ويؤيده أن الْمُصِرَّ، وإن كان إثمه مستمرًا، لكن ليس إثمة كمن باشر الفعل، كالسرقة
مثلًا. قاله في ((الفتح)).
(وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ) أي والحال أنه متّصفٌ بصفة الإيمان
(وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبَهَا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ) قال ابن مالك رحمه الله تعالى: فيه
جواز حذف الفاعل، بدلالة الكلام عليه، والتقدير: ولا يشرب الشارب الخمر الخ
ولا يرجع الضمير إلى السارق؛ لئلا يختص به، بل هو عامّ في حق كل من شرب،
وكذا القول في ((لا يسرق))، و((لا يقتل))، وفي ((لا يغل)) يعني في الروايات التي ثبت
فيها ذلك- ونظير حذف الفاعل بعد النفي، قراءة هشام: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩] - بفتح الياء التحتانية أوَّلَهُ -: أي لا يَخْسَبَنَّ
حاسب. انتهى.
(وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً) ((النَّهب)): الأخذ على وجه العلانية، والقهر، والغلبة، و((النّهْبة))
بالفتح مصدرٌ، وبالضمّ: المال المنهوب، والتوصيف بالشرف باعتبار مُتَعَلَّقِهَا الذي،
هو المال، والتوصيف برفع أبصار الناس لبيان قسوة قلب فاعلها، وقلّة رحمته،
وحيائه. قاله السنديّ.
وقال في ((الفتح)): ((النهبة))- بضم النون، هو المال المنهوب، والمراد به المأخوذ