Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١ =
. - حديث رقم ٤٨٥٥
٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثٍ عَمْرِو حَزْم فِي
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم في دية الرّجلين:
قال الموفّق رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم على أن في الرجلين الديةَ، وفي
إحداهما نصفَها، رُوي ذلك عن عمر، وعليّ رضي اللّه تعالى عنهما، وبه قال قتادة،
ومالك، وأهل المدينة، والثوريّ، وأهل العراق، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق،
وأصحاب الرأي؛ لهذا الحديث. قال: وفي قدم الأعرج، ويد الأعسم الديةُ؛ لأن
الْعَرَج لمعنّى في غير القدم، والعَسَم: الاعوجاج في الرسغ، وليس ذلك عيبًا في قدم،
ولا كفّ، فلم يمنع ذلك كمال الدية فيهما. وقال بعضهم في كل منهما ثلث الدية،
كاليد الشلاء، وهذا غير صحيح؛ لأن هذين لم تبطل منفعتهما، فلم تنقص ديتهما،
بخلاف اليد الشلاء. انتهى)) المغني)) ببعض تصرّف، وهو تحقيق نفيس. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية عشرة): في اختلاف أهل العلم في دية المأمومة:
وهي كما تقدّم: الشجّة التي تصل إلى جلدة الدماغ، وأرشها ثلث الدية، في قول
عامة أهل العلم، إلا مكحولا، فإنه قال: إن كانت عمدا ففيها ثلثا الدية، وإن كانت
خطأ ففيها ثلثها. وحجة الجمهور قولُ النبي ◌َّرَ، في كتاب عمرو بن حزم: ((وفي
المأمومة ثلث الدية))، وعن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، عن النبي ◌ّ مثل ذلك.
ورُوي نحوه عن علي رَّه. قاله في ((المغني)) ١٦٤/١٢ -١٦٥.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أنّ ما ذهب إليه الجمهور هو الحقّ؛ لحديث
الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة عشرة): في اختلاف أهل العلم في حكم الجائفة :
ذهب عامة أهل العلم، منهم أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل الحديث،
وأصحاب الرأي: إلى أنه يجب فيها ثلت الدية، وخالف في ذلك مكحولٌ، فقال: إن
كانت عمدًا، ففيها ثلثا الدية.
واحتجّ الجمهور بقول النبي ◌َّ، في كتاب عمرو بن حزم: ((وفي الجائفة ثلث
الدية))، وعن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، عن النبي وَ لّر مثل ذلك، ولأنها جراحة
فيها مُقدّر، فلم يختلف أرشها بالعمد والخطإ، كالموضحة، ولا نعلم في جراح البدن
الخالية عن قطع الأعضاء، وكسر العظام مُقدّرا غير الجائفة.
والجائفة: ما وصل إلى الجوف، من بطن، أو ظهر، أو صدر، أو ثغرة نحر، أو
وَرِك، أو غيره، وذكر ابن عبد البر: أن مالكا، وأبا حنيفة، والشافعي، وعثمان الْبَتِّيّ،

٣٠٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
وأصحابهم، اتفقوا على أن الجائفة لا تكون إلا في الجوف. قاله في ((المغني)) ١٢/
١٦٦ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح بما ذُكر أن الحقّ ما قاله الجمهور من
وجوب ثلث الدية في الجائفة مطلقًا؛ لصحّة حديث الباب. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة عشرة): في اختلاف أهل العلم في دية الهاشمة :
وهي التي تتجاوز الموضحة، فتَهشِم العظم: أي تكسره، سُمِيت هاشمة؛ لهشمها
العظم، وهي في الرأس، والوجه خاصّة:
قال الموفّق رحمه الله تعالى: ولم يبلغنا عن النبي ◌َّ فيها تقدير، وأكثر من بلغنا
قوله من أهل العلم، على أن أرشها مُقَدَّر بعَشْر من الإبل، رَوَى ذلك قبيصة بن ذؤيب،
عن زيد بن ثابت، وبه قال قتادة، والشافعي، والعنبري، ونحوَه قال الثوري، وأصحاب
الرأي، إلا أنهم قدّرُوها بعشر الدية من الدراهم، وذلك على قولهم: ألف درهم، وكان
الحسن لا يوقت فيها شيئا. وحُكِي عن مالك أنه قال: لا أعرف الهاشمة، لكن في
الإيضاح خمس، وفي الْهَشْم حكومة، قال ابن المنذر: النظر يدل على قول الحسن، إذ
لا سنة فيها، ولا إجماع، ولأنه لم يُنقل فيها عن النبي ◌َّل تقدير، فوجبت فيها الحكومة،
كما دون الموضحة. قال: ولنا قول زيد، ومثل ذلك الظاهر أنه توقيف، ولأنه لم نَعرِف
له مخالفا في عصره، فكان إجماعا، ولأنها شجة فوق الموضحة، تختص باسم، فكان
فيها مقدر كالمأمومة. انتهى. ((المغني)) ١٢/ ١٦٢ - ١٦٣ .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما قاله الحسن رحمه الله تعالى أقرب؛ لما
قاله ابن المنذر رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة عشرة): في أقوال أهل العلم في دية المنقّلة:
وهي التي تكسر العظام، وتزيلها عن مواضعها، فيحتاج إلى نقل العظم ليلتئم، وفيها
خمس عشرة من الإبل، بإجماع من أهل العلم، حكاه ابن المنذر، وفي كتاب النبي وَّة
لعمرو بن حزم: ((وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل)). قاله في ((المغني)) ١٢/ ١٦٤.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (خَالَفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ) يعني أن محمد بن بكّار بن بلال خالف
الحكم بن موسى، فرواه عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهريّ به،
كما بين روايته بقوله :
٤٨٥٦- (أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عِمْرَانَ الْعَنْسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ

٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثٍ عَمْرِو حَزْم فِي ... - حديث رقم ٤٨٥٧
٣٠٣
بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ،
عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِ، كَبَ
إِلَى أَهْلِ الْتَمِّنِ، بِكِتَابٍ فِيهِ الْفَرَائِضُ، وَالسُّنَنُ، وَالدِّيَاتُ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ،
فَقُرِئَ عَلَى أَهْلَِ الْيَمَنِ،َ هَذِهِ نُسْخَتُهُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: ((وَفِيَ الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ
الدِّيَةِ، وَفِي الْيَدِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَّةِ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَّةِ)).
قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: وَهَذَا أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ مَتْرُوكُ
الْحَدِيثِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الهيثم بن مروان بن الهيثم بن عمران الْعَنْسيّ)): هو أبو
الحكم الدمشقيّ، مقبول [١١]٣٧٢٢/٣. و((محمد بن بكّار بن بلال)): هو أبو عبد الله
الدمشقيّ القاضي، صدوقٌ [٩]٣٧٢٢/٣. و((يحيى)): هو ابن حمزة المذكور في السند
الماضي. و((سليمان بن أرقم)): هو أبو معاذ البصريّ، ضعيف [٧] ٣٨٦٦/٤١.
وقوله: ((وهذا أشبه بالصواب)): يعني أن كونه من رواية سليمان بن أرقم، عن
الزهريّ أشبه بالصواب من كونه من رواية سليمان بن داود، عن الزهريّ، وقد تقدّم أن
أبا داود قال أيضًا نحو هذا الكلام؛ لكن الذي يظهر لي أنه لا يبعد كون العكس صوابًا،
فإن الحكم بن موسى ثقة، فيبعد توهيمه، بل الأولى إثبات الطريقين، فإن كلّا من
السليمانين يروي عن الزهريّ، ويروي عنهما يحيى بن حمزة، فلا مانع أن يروياه معًا،
فسليمان بن داود ثقة، يثبت بروايته الحديث، وسليمان بن أرقم ضعيف، لا اعتبار
بروايته، ويؤيّد هذا المرسل، وتلقيّ الأئمة للحديث بالقبول، فإنه ما من إمام إلا
واستدلّ بكتاب عمرو بن حزم ◌َّ هذا، كما سبق شرحه، وتفصيله في المسألة
الأولى من مسائل الحديث الماضي، فتأمله بإنصاف، ولا تتحيّر باعتساف. والله تعالى
أعلم بالصواب.
وقوله: ((وسليمان بن أرقم متروك)): وهكذا قال غيره، من الأئمة: إنه متروك، فقال
أبو حاتم، والترمذيّ، وأبو داود، وابن خراش، وأبو أحمد الحاكم، والدارقطنيّ،
وغير واحد: متروك، وقال البخاريّ: تروكوه، راجع ترجمته في (تهذيب التهذيب)) ٢٪
٨٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا) يعني أن يونس بن يزيد
الأيليّ روى هذا الحديث عن الزهريّ، مرسلًا، ثم بيّن روايته بقوله:
٤٨٥٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَرَأْتُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ الَّذِي كَتَبَ لِعَمْرِو

٣٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
ابْنِ حَزْم، حِينَ بَعَثَهُ عَلَى نَجْرَانَ، وَكَانَ الْكِتَابُ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ
وَلَه: «هُذَا بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ، وَرَسُولِهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوَفُواْ بِالْعُقُودِ﴾، وَكَتَبَ الْآيَاتِ
مِنْهَا، حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ١-٤]، ثُمَّ كَتَبَ: ((هَذَا كِتَابُ
الْجِرَاحِ، فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، نَحْوَهُ).
وقوله: ((حين بعثه على نجران)): أي أرسله واليًا عليها.
وقوله: ((هذا بيان الخ)): يعني أن الآتي إيضاح من اللَّه سبحانه وتعالى، ومن رسوله
وَّلو الأحكام كثيرة، تحتاج إليها الأمة في مجتمعاتها، وأفرادها.
[تكميل]: لَمّا أشار في هذه الرواية إلى أنه تمَّليل كتب الآيات من وقوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، أحببت أن أذكر
شرح الآيات شرحًا مختصرًا، تتميمًا للفائدة، وتكميلًا للعائدة، فأقول:
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾: قال علقمة رحمه اللّه تعالى: كل
ما في القرآن ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فهو مدني، و﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾، فهو مكي، وهذا
خرج على الأغلب، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذه الآية مما تلوح فصاحتها،
وكثرة معانيها، على قلة ألفاظها، لكل ذي بصيرة بالكلام، فإنها تضمنت خمسة أحكام:
[الأول]: الأمر بالوفاء بالعقود. [الثاني]: تحليل بهيمة الأنعام. [الثالث]: استثناء ما يلي
بعد ذلك. [الرابع]: استثناء حال الإحرام فيما يصاد. [الخامس]: ما تقتضيه الآية من
إباحة الصيد لمن ليس بمحرم.
وحكى النقاش: أن أصحاب الكندي قالوا له: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن،
فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أياما كثيرة، ثم خرج، فقال: والله ما أقدر، ولا
يُطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف، فخرجت سورة المائدة، فنظرت فإذا هو قد
نطق بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلا عاما، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم
أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد.
وقوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ﴾: يقال وَفَي، وأوفى لغتانٍ، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْنَى
بِعَهْدِهِ، مِنَ اَللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَلَّ﴾، وقال الشاعر [من البسيط]:
أَمَّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ كَمَا وَفَى بِقِلَاصِ النَّجْمِ حَادِيَهَا.
فجمع بين اللغتين. وقوله: ﴿يَاَلْعُقُودِ﴾: العقود الرُّبوط، واحدها عَقْد، يقال:
عقدت العهد، والحبل، وعقدت الغُلّ، فهو يستعمل في المعاني والأجسام.
فقد أمر الله سبحانه بالوفاء بالعقود، قال الحسن: يعني بذلك عقود الدَّين، وهي ما
عقده المرء على نفسه، من بيع، وشراء، وإجارة، وكراء، ومناكحة، وطلاق،

٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثِ عَمْرِو حَزْم فِي ... - حديث رقم ٤٨٥٧
٣٠٥ =
ومزارعة، ومصالحة، وتمليك، وتخيير، وعتق، وتدبير، وغير ذلك من الأمور، ما كان
ذلك غير خارج عن الشريعة، وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات، كالحج،
والصيام، والاعتكاف، والقيام، والنذر، وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام. وأما
نذر المباح، فلا يلزم بإجماع من الأمة، قاله ابن العربي.
وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾: الخطاب لكل من التزم الإيمان على
وجهه، وكماله، وكانت للعرب سنن في الأنعام، من البحيرة، والسائبة، والوصيلة،
والحام، فنزلت هذه الآية، رافعة لتلك الأوهام الخيالية، والآراء الفاسدة الباطلة.
واختلف في معنى بهيمة الأنعام، والبهيمة: اسم لكل ذي أربع، سُمّيت بذلك
الإبهامها، من جهة نقص نطقها، وفهمها، وعدم تمييزها وعقلها، ومنه بابٌ مُبهمٌ: أي
مغلق، وليل بهيم، وبهمة للشجاع الذي لا يُدرَى من أين يُؤتی له.
والأنعام: الإبل، والبقر، والغنم، سُميت بذلك؛ للين مشيها، وقيل: غير ذلك في
معنى الأنعام، انظر ((تفسير القرطبيّ)) ٣٤/٦-٣٥ .
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: أي يقرأ عليكم في القرآن، والسنة، من قوله
تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((وكل ذي ناب من السباع
حرام))، رواه مسلم، والنسائيّ.
[فإن قيل]: الذي يتلى علينا الكتاب، ليس السنة.
[قلنا]: كل سنة لرسول اللّه وَّر، فهي من كتاب اللّه، والدليل عليه أمران:
[أحدهما]: حديث العسيف: (لأقضين بينكما بكتاب الله))، والرجم ليس منصوصا
في كتاب الله.
[الثاني]: حديث ابن مسعود رَمّ: ((ومالي لا ألعن من لعن رسول اللّهِ وَالله وهو
في كتاب اللَّه ... )) الحديث.
ويحتمل ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ الآن، أو ﴿يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ فيما بعدُ من مستقبل الزمان،
على لسان رسول اللَّه ◌َّر، فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان، عن وقت لا يُفتقر
فيه، إلى تعجيل الحاجة.
وقوله تعالى: ﴿غَيّرَ مُحِلّى الصَّيْدِ﴾: أي ما كان صيدا فهو حلال في الإحلال، دون
الإحرام، وما لم يكن صيدا فهو حلال في الحالين.
واختلف النحاة في: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى﴾: هل هو استثناء، أولا؟، فقال البصريون: هو
استثناء من ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾، و﴿غَيَرَ يُحِلِىِ الصَّيْدِ﴾ استثناء آخر أيضا منه، فالاستثناءان
جميعا من قوله: ﴿يَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾، وهي المستثنى منها، التقدير: إلا ما يتلى عليكم،

٣٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
إلا الصيد، وأنتم محرمون. وقيل: هو مستثنى مما يليه من الاستثناء، فيصير بمنزلة
قوله عز وجل: ﴿إِنَّا أُرْسِنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ إِلََّ ءَالَ لُوطٍ﴾ الآية [الحجر: ٥٨، ٥٩]،
وفيه: أنه لو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الإحرام؛ لأنه مستثنى من المحظور، إذ
كان قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ مستثنى من الإباحة، وهذا وجه ساقط، فإذا معناه:
أحلت لكم بهيمة الأنعام، غير محلي الصيد وأنتم حرم، إلا ما يتلى عليكم، سوى
الصيد. ويجوز أن يكون معناه أيضا: أوفوا بالعقود غير محلي الصيد، وأحلت لكم
بهيمة الأنعام، إلا ما يتلى عليكم.
وأجاز الفراء أن يكون ﴿إِلَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ في موضع رفع على البدل، على أن يعطف
بـ((إلا)) كما يعطف بـ((لا))، ولا يجيزه البصريون إلا في النكرة، أو ما قاربها من أسماء
الأجناس، نحو جاء القوم إلا زيدٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾: يعني الإحرام بالحج والعمرة، يقال رجل حرام، وقوم
حُرُم: إذا أحرموا بالحج، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
فَقُلْتُ لَهَا فِيئِي إِلَيْكِ فَإِنَّنِي حَرَامٌ وَإِنِّي بَعْدَ ذَاكِ لَبِيبُ
أي مُلَبِّ، وسُمي ذلك إحراما؛ لما يُحَرِّمه مَن دخل فيه على نفسه، من النساء،
والطيب، وغيرهما، ويقال: أحرم: دخل في الحرم، فيحرم صيد الحرم أيضا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾: تقوية لهذه الأحكام الشرعية، المخالفة لمعهود
أحكام العرب، أي فأنت يا محمد، السامع لنسخ تلك التي عُهِدت من أحكامهم تنبه،
فإن الذي هو مالك الكل، يحكم ما يريد، ﴿لا معقب لحكمه﴾، يُشرِّع ما يشاء كما
يشاء .
وقوله تعالى: ﴿لَا تُحِلُواْ شَعَّبِرَ اللَّهِ﴾: خطاب للمؤمنين حقا: أي لا تتعدوا حدود
اللَّه في أمر من الأمور، والشعائر جمع شعيرة، على وزن فعيلة، وقال ابن فارس: ويقال
للواحدة: شِعَارة، وهو أحسن، والشعيرة: البدنة تُهُدَى، وإشعارها أن يحز سنامها حتى
يسيل منه الدم، فيعلم أنها هدى، والإشعار: الإعلام عن طريق الإحساس، يقال: أشعر
هديه: أي جعل له علامة ليعرف أنه هدى، ومنه المشاعر: المعالم واحدها مَشعَر،
وهي المواضع التي قد أُشعرت بالعلامات.
فالشعائر على قولٍ: ما أَشعر من الحيوانات؛ لتهدى إلى بيت اللَّه، وعلى قولٍ: جميعُ
مناسك الحج، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: الصفا والمروة، والهدي، والبدن، كل
ذلك من الشعائر. وكان المشركون يحجون، ويعتمرون، ويُهُدون، فأراد المسلمون أن
يُغِيروا عليهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا تُحِلُواْ شَعَّبِرَ الَّهِ﴾. وقال عطاء بن أبي رباح:

٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثٍ عَمْرِو حَزْم فِي ... - حديث رقم ٤٨٥٧
٣٠٧
شعائر الله جميع ما أمر الله به، ونهى عنه. وقال الحسن: دين اللَّه كله، كقوله: ﴿ذَلِكَ
وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]: أي دين الله
قال القرطبيّ: وهذا القول هو الراجح، الذي يقدم على غيره؛ لعمومه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا الشَّهَرَ الْحَرَامَ﴾: اسم مفرد يدل على الجنس، في جميع الأشهر
الحرم، وهي أربعة، واحد فرد، وثلاثة سرد: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم،
ورجب الذي بین جمادى وشعبان.
والمعنى: لا تستحلوها للقتال، ولا للغارة، ولا تبدّلوها، فإن استبدالها استحلال،
وذلك ما كانوا يفعلونه من النسيء، وكذلك قوله: ﴿وَلَا اُلْهَدّىَ وَلَا الْقَلَبِدَ﴾: أي لا
تستحلوه، وهو على حذف مضاف: أي ولا ذوات القلائد، جمع قلادة، فنهى سبحانه
عن استحلال الهدي جملة، ثم ذكر المقلد منه تأكيدا، ومبالغة في التنبيه على الحرمة في
التقليد .
وقوله تعالى: ﴿وَلَا اُلْهَدِّىَ وَلَا الْقَلَِدَ﴾: الهدي ما أُهدي إلى بيت اللَّه تعالى، من
ناقة، أو بقرة، أو شاة: الواحدة هَذْيَة، وهَدِيَّة، وهَذي، فمن قال: أراد بالشعائر
المناسك، قال: ذكر الهدي تنبيها على تخصيصها، ومن قال: الشعائر الهدي، قال: إن
الشعائر ما كان مُشعَرًا: أي مُعلَمًا بإسالة الدم من سنامه، والهدي ما لم يُشعَر اكتفى فيه
بالتقليد .
وقيل: الفرق أن الشعائر: هي البدن، من الأنعام، والهدي: البقر، والغنم،
والثياب، وكُلُّ ما يُهُدَى. وقال الجمهور: الهدي عام في جميع ما يتقرب به، من الذبائح
والصدقات.
قوله تعالى: ﴿وَلَآ ءَآمِينَ الْبَيْتَ الْخَرَامَ﴾: يعني القاصدين له، من قولهم: أممت كذا:
أي قصدته، وقرأ الأعمش: ((ولا آمي البيت الحرام)) بالإضافة، كقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّ
الصَّيْدِ﴾. والمعنى: لا تمنعوا الكفار القاصدين البيت الحرام، على جهة التعبد والقربة،
وعليه فقيل: ما في هذه الآيات من نهي عن مشرك، أو مراعاة حرمة له، بقلادة، أو أم
البيت، فهو كله منسوخ بآية السيف، في قوله: ﴿فَاقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾،
وقوله: ﴿فَلاَ يَقْرَبُوْ اَلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، فلا يمكن المشرك من الحج،
ولا يُؤَمَّن في الأشهر الحرم، وإن أهدى، وقَلَّد، وحج.
وقيل: الآية محكمة، لم تُنسخ، وهي في المسلمين، وقد نهى اللَّه عن إخافة من
يقصد بيته من المسلمين، والنهي عام في الشهر الحرام وغيره، ولكنه خَصَّ الشهر
الحرام بالذكر؛ تعظيما وتفضيلًا.

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
٣٠٨
وقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِهِمْ وَرِضْوَنًا﴾: قال فيه جمهور المفسرين: معناه:
ج
يبتغون الفضل والأرباح في التجارة، ويبتغون مع ذلك رضوانه. قال ابن عطية رحمه الله
تعالى: هذه الآية استئلاف من الله تعالى للعرب، ولُطف بهم؛ لتنبسط النفوس،
ويتداخل الناس، ويردون الموسم، فيستمعون القرآن، ويدخل الإيمان في قلوبهم،
وتقوم عندهم الحجة، كالذي كان، وهذه الآية نزلت عام الفتح، فنسخ اللَّه ذلك كله
بعدَ عام سنةً تسع، إذ حج أبو بكر ◌َّه ، ونودي الناس بسورة براءة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلْتُ فَأَصْطَادُواْ﴾: أمر إباحة بإجماع الناس، رفع ما كان محظورا
بالإحرام، حكاه كثير من العلماء، قال القرطبيّ: وليس بصحيح، بل صيغة افْعَلْ الواردة
بعد الحظر على أصلها، من الوجوب، وهو مذهب القاضي أبي الطيب وغيره؛ لأن
المقتضى للوجوب قائم، وتقدم الحظر لا يصلح ما نعا، دليله قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ
اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾، فهذه (افعل)) على الوجوب؛ لأن المراد بها الجهاد،
وإنما فهمت الإباحة هناك، وما كان مثله، من قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَانْقَشِرُوا﴾،
﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾، من النظر إلى المعنى، والإجماع، لا من صيغة الأمر. والله
أعلم. انتهى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَتَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: أي لا
يَحمِلَتَّكم، وهو يتعدى إلى مفعولين، يقال: جَرَمني كذا على بغضك: أي حملني عليه.
وقيل: معنى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: أي لا يَكسِبَتَّكم بغضُ قوم أن تعتدوا الحق إلى
الباطل، والعدل إلى الظلم.
قيل: لما صُدَّ المسلمون عن البيت عام الحديبية، مَرَّ بهم ناس من المشركين،
يريدون العمرة، فقال المسلمون: نصدهم كما صدنا أصحابهم، فنزلت هذه الآية: أي
لا تعتدوا على هؤلاء، ولا تصدوهم ﴿أَن صَدُّوكُمْ﴾: أي صدّكم أصحابهم، ف((أن))
بفتح الهمزة مفعول من أجله: أي لأن صدوكم.
وقوله: ﴿أَنْ تَعْتَدُواْ﴾: في موضع نصب، لأنه مفعول به: أي لا يجرمنكم شنآن
قوم الاعتداء .
وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىّ﴾: قال الأخفش: هو مقطوع من أول
الكلام، وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى: أي ليُعِنْ بعضكم بعضا،
وتَحَاتُوا على ما أمر الله تعالى، واعملوا به، وانتهوا عما نهى اللّه عنه، وامتنعوا منه،
وهذا موافق لما روي عن النبي وَلهر، أنه قال: ((الدال على الخير كفاعله))، وقد قيل:
(١) حديث صحيح أخرجه أحمد في ((مسنده)) وغيره.
١

٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثٍ عَمْرو خَزْم فِي
... - حديث رقم ٤٨٥٧
٣٠٩ =
الدال على الشر كصانعه .
ثم قيل: البر والتقوى، لفظان بمعنى واحد، وكرر باختلاف اللفظ تأكيدا، ومبالغة،
إذ كل بر تقوى، وكل تقوى بر. قال ابن عطية: وفي هذا تسامح مّا، والعرف في دلالة
هذين اللفظين: أن البر يتناول الواجب والمندوب إليه، والتقوى رعاية الواجب، فإن
جُعِل أحدهما بدل الآخر فبتجوز. وقال الماوردي: ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبر،
وقرنه بالتقوى له؛ لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس، ومن جمع بين
رضا الله تعالى، ورضا الناس، فقد تمت سعادته، وعَمَّت نعمته .
وقال ابن خويزمنداد في ((أحكامه)): والتعاون على البر والتقوى، يكون بوجوه:
فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه، فيعلمهم، ويعينهم الغني بماله، والشجاع
بشجاعته في سبيل اللّه، وأن يكون المسلمون متظاهرين، كاليد الواحدة، ((المؤمنون
تتكافؤ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم)) (١)، ويجب
الإعراض عن المتعدي، وترك النصرة له، ورَدُّه عما هو عليه.
ثم نهى اللَّه تعالى، فقال: ﴿وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْرِ وَالْعُدْوَنِ﴾: وهو الحكم اللاحق عن
الجرائم، وعن العدوان، وهو ظلم الناس، ثم أمر بالتقوى، وتوعد توعدا مجملاء
فقال: ﴿واتقوا اللَّه، إن الله شديد العقاب﴾.
وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَّمُ وَتَمُ اَلِخِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ،﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَيِقَةُ﴾: هي التي تموت خنقا، وهو حبس النَّفَسِ، سواء فعل
بها ذلك آدمي، أو اتّفق لها ذلك في حبل، أو بين عودين، أو نحوه. وذكر قتادة أن أهل
الجاهلية كانوا يخنقون الشاة وغيرها، فإذا ماتت أكلوها. وذكر نحوه ابن عباس.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: هي التي تُرمَى، أو تضرب بحجر، أو عصى حتى
تموت، من غير تذكية.
وقوله تعالى: ﴿وَاُلْمُتَرَدِّيَةُ﴾: هي التي تتردى من العلو إلى السفل فتموت، كان ذلك
من جبل، أو في بئر، ونحوه، وهي مُتفعِلة من الرَّدَى، وهو الهلاك، وسواء تردت
بنفسها، أو رَدّاها غيرها.
وقوله تعالى: ﴿ وَالنَّطِيحَةُ﴾: فَعِيلة بمعنى مفعولة، وهي الشاة تنطحها أخرى، أو غير
ذلك فتموت، قبل أن تُذكَّى، وتأول قوم النطيحة بمعنى الناطحة؛ لأن الشاتين قد
تتناطحان فتموتان، وقيل: نطيحة، ولم يقل: نَطيح، وحقُّ فعيل أن لا يذكر فيه الهاء،
كما يقال: كَفُّ خضيب، ولحية دهين، لكن ذكر الهاء ههنا؛ لأن الهاء إنما تحذف من
(١) حديث صحيح أخرجه أبو داود وغيره.

=
٣١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
الفعيلة، إذ كانت صفة لموصوف منطوق به، فيقال شاة نطيح، وامرأة قتيل، فإن لم
تذكر الموصوف أثبت الهاء، فتقول: رأيت قتيلة بني فلان، وهذه نطيحة الغنم؛ لأنك
لو لم تذكر الهاء، فقلت: رأيت قتيل بني فلان، لم يعرف أرجل هو أم امرأة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ﴾: يريد كل ما افترسه ذو ناب وأظفار، من الحيوان،
كالأسد، والنمر، والثعلب، والذئب، والضبع، ونحوها، هذه كلها سباع، يقال: سَبَعَ
فلان فلانا: أي عَضّه بسِنٌهِ وسبعه: أي عابه، ووقع فيه، وفي الكلام إضمار: أي وما
أكل منه السبع؛ لأن ما أكله السبع فقد فني، ومن العرب من يوقف اسم السبع على
الأسد. وكانت العرب إذ أخذ السبع شاة، ثم خلصت منه أكلوها، وكذلك إن أكل
بعضها .
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمُ﴾: نصب على الإستثناء المتصل عند الجمهور، من
العلماء، والفقهاء، وهو راجع على كل ما أدرك ذكاته من المذكورات، وفيه حياة، فإن
الذكاة عاملة فيه؛ لأن حق الإستثناء أن يكون مصروفا إلى ما تقدم من الكلام، ولا
يجعل منقطعا إلا بدليل، يجب التسليم له. رَوَى ابن عيينة، وشريك، وجرير، عن
الرُّكَين بن الرَّبِيع، عن أبي طلحة الأسدي، قال: سألت ابن عباس، عن ذئب عدا على
شاة، فشق بطنها حتى انتثر قصبها، فأدركت ذكاتها، فذكيتها؟ فقال: كُلْ، وما انتثر من
قصبها فلا تأكل. قال إسحق بن راهويه: السنة في الشاة على ما وَصَفَ ابنُ عباس، فإنها
وإن خرجت مصارينها، فإنها حية بعدُ، وموضوع الذكاة منها سالم، وإنما ينظر عند
الذبح، أحية هي، أم ميتة؟ ولا ينظر إلى فعل هل يعيش مثلها فكذلك المريضة، قال
إسحق: ومن خالف هذا، فقد خالف السنة من جمهور الصحابة، وعامة العلماء.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾: قال ابن فارس: النصب حجر كان ينصب،
فيعبد، وتصب عليه دماء الذبائح، وهو النَّصْبُ أيضا. وقيل: النصب جمع، واحده
نصاب كحمار وحمر. وقيل: هو اسم مفرد، والجمع أنصاب، وكانت ثلاثمائة وستين
حجرا. قال مجاهد: هي حجارة كانت حوالى مكة، يذبحون عليها.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِ﴾: معطوف على ما قبله، أي وحرم عليكم
الاستقسام، والأزلام قِداح الميسر، واحدها زَلَمْ - بفتحتين-، وزُلَم - بضم، ففتح -.
قالوا: والأزلام للعرب ثلاثة أنواع: منها الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه
على، أحدها افعل، وعلى الثاني لا تفعل، والثالث مهمل، لا شيء عليه، فيجعلها في
خريطة معه، فإذا أراد فِعْل شيء أدخل يده، وهي متشابهة، فإذا خرج أحدها ائتمر،
وانتهى بحسب ما يخرج له، وإن خرج القِذْح الذي لا شيء عليه، أعاد الضرب، وهذه

٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثِ عَمْرو خَزْم فِي
... - حديث رقم ٤٨٥٧
٣١١ =
هي التي ضرب بها سراقة بن مالك بن جعشم، حين اتّبع النبي بَّ وأبا بكر، وقت
الهجرة، وإنما قيل لهذا الفعل استقسام؛ لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق، وما يريدون،
كما يقال: الاستسقاء في الاستدعاء للسقي، ونظير هذا الذي حرمه الله تعالى، قول
المنجم لاتخرج من أجل نجم كذا، واخرج من أجل نجم كذا.
[والنوع الثاني]: سبعة قداح، كانت عند هُبَل، في جوف الكعبة، مكتوب عليها ما
يدور بين الناس من النوازل، كل قِدْح منها فيه كتاب، قدحٌ فيه العقل من أمر الديات،
وفي آخر (منكم))، وفي آخر ((من غيركم))، وفي آخر ((مُلصَق))، وفي سائرها أحكام
المياه وغير ذلك.
وهي التي ضرب بها عبدالمطلب على بنيه، إذ كان نذر نحر أحدهم، إذا كملوا
عشرة، الخبر المشهور، ذكره ابن اسحق.
وهذه السبعة أيضا كانت عند كل كاهن من كهان العرب، وحُكّامهم على نحو ما
كانت في الكعبة عند هُبَل .
[والنوع الثالث]: هو قِداح الميسرٍ، وهي عشرة: سبعة منها فيها حظوظ، وثلاثة
أغفال، وكانوا يضربون بها مُقامرةً، لهوا ولعبًا، وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام
المساكين، والمعدم في زمن الشتاء، وكَلَبِ البرد وتعذر التَّحَرُّف.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾: إشارة إلى الاستقسام بالأزلام، والفسق الخروج،
وقيل: يرجع إلى جميع ما ذكر من الاستحلال لجميع هذه المحرمات، وكل شيء منها
فسق، وخروج من الحلال إلى الحرام، والانكفاف عن هذه المحرمات من الوفاء
بالعقود، إذ قال أوفوا بالعقود.
وقوله تعالى: ﴿اَلْيَّوْمَ بَيِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾: يعني أن ترجعوا إلى دينهم كفارا،
قال الضحاك: نزلت هذه الآية حين فتح مكة، وذلك أن رسول اللَّه ◌َلل فتح مكة لثمان بقين
من رمضان سنة تسع، ويقال سنة ثمان، ودخلها، ونادى منادي رسول اللّه وَلهو: ((ألا من
قال: لا إله إلا الله فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن)».
وقوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: وذلك أن النبي ◌َّ حين كان بمكة، لم
تكن إلا فريضة الصلاة وحدها، فلما قدم المدينة أنزل اللَّه الحلال والحرام، إلى أن
حج، فلما حج، وكمل الدين نزلت هذه الآية: ﴿اَلْيَوْمَ أَكَمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾: أي بإكمال الشرائع والأحكام، وإظهار دين
الإسلام، كما وعدتكم، إذ قلت: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] وهي دخول مكة
آمنين مطمئنين، وغير ذلك مما انتظمته هذه الملة الحنيفية، إلى دخول الجنة في رحمة

٣١٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾: أي أعلمتكم برضاي به لكم دينا، فإنه
تعالى لم يزل راضيا بالإسلام لنا دينا، فلا يكون لاختصاص الرضا بذلك اليوم فائدة،
إن حملناه على ظاهره، و((دينا)) نصب على التمييز، وإن شئت على مفعول ثان. وقيل:
المعنى: ورضيت عنكم إذا انقدتم لي بالدين الذي شرعته لكم، ويحتمل أن يريد
رضيت لكم الإسلام دينا: أي رضيت إسلامكم الذي أنتم عليه دينا باقيا بكماله إلى آخر
الأبد، لا أنسخ منه شيئا، والله أعلم.
والإسلام في هذه الآية: هو الذي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الّذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمْ﴾:
وهو الذي يفسر في سؤال جبريل للنبي عليهما الصلاة والسلام، وهو الإيمان،
والأعمال، والشعب.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ أُضْطُرَّ فِي مَخْبَصَةٍ﴾: يعني من دعته ضرورة إلى أكل الميتة،
وسائر المحرمات في هذه الآية، والمخمصة الجوع، وخلاء البطن من الطعام،
والْخَمَصُ: ضمور البطن.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِِّثْمٍ﴾: أي غير مائل لحرام، وهو بمعنى ﴿غير باغ ولا
عاد﴾ والجنف: الميل، والإثم الحرام.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ : أي فإن الله له غفور رحيم.
وقوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ﴾ الآية: نزلت بسبب عدي بن حاتم، وزيد بن مهلهل، وهو
زيد الخيل، الذي سماه رسول اللّه وَ ل زيد الخير، قالا: يا رسول اللَّه إنا قوم نصيد
بالكلاب، والبزاة، وإن الكلاب تأخذ البقر، والحمر، والظباء، فمنه ما ندرك ذکاته،
ومنه ما تقتله فلا ندرك ذكاته، وقد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا؟، فنزلت الآية.
وقوله تعالى: ﴿مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلْ أُحِلَ لَكُمُ الَّيِّبَتُ﴾: ((ما)) في موضع رفع بالابتداء،
والخبر: ﴿أُحِلَّ لَهُمْ﴾، و((ذا)) زائدة، وإن شئت بمعنى الذي، ويكون الخبر: ﴿قُلْ أُحِلَّ
لَكُمُ الطَّيِّبَتُ﴾، وهو الحلال، وكل حرام فليس بطيب، وقيل: ما التذه آكله وشاربه،
ولم يكن عليه فيه ضرر في الدنيا، ولا في الآخرة. وقيل: الطيبات الذبائح؛ لأنها طابت
بالتذكية. وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم﴾ أي وصيد ما علمتم، ففي الكلام إضمار لابد
منه، ولولاه لكان المعنى يقتضي أن يكون الحل المسئول عنه متناولا للمعلم من
الجوارح المكلبين، وذلك ليس مذهبًا لأحد.
وقوله تعالى: ﴿مُكَلِينَ﴾: معنى مكلبين أصحاب الكلاب، وهو كالمؤدب، صاحب
التأديب. وقيل: معناه مُضَرِّين على الصيد كما تُضَرَّى الكلاب.

٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثٍ عَمْرو حَزْم فِي
- حديث رقم ٤٨٥٧
٣١٣
وقوله تعالى: ﴿تُعَلُِّونَهُنَّ مِمَّا عَلََّكُمُ اللَّهُ﴾: أنث الضمير مراعاة للفظ الجوارح، إذ هو
جمع جارحة، ولا خلاف بين العلماء في شرطين في التعليم، وهما: أن يأتمر إذا أُمر،
وينزجر إذا زُجر، لا خلاف في هذين الشرطين في الكلاب، وما في معناها، من سباع
الوحوش، واختلف فيما يصاد به الطير، فالمشهور أن ذلك مشترط فيها عند الجمهور،
وذكر ابن حبيب من المالكيّة أنه لا يشترط فيها أن تنزجر إذا زجرت، فإنه لا يتأتى ذلك
فيها غالبا، فيكفي أنها إذا أُمرت أطاعت. وقال ربيعة: ما أجاب منها إذا دعي فهو
المعلم الضاري؛ لأن أكثر الحيوان بطبعه ينشلي- أي يغرى- وقد شرط الشافعي،
وجمهور من العلماء في التعليم، أن يمسك على صاحبه، ولم يشترطه مالك في المشهور
عنه، والأول أصحّ.
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾: أي حبسن لكم، واختلف العلماء في
تأويله، فقال ابن عباس، وأبو هريرة، والنخعي، وقتادة، وابن جبير، وعطاء بن أبي
رباح، وعكرمة والشافعي، وأحمد، وإسحق، وأبو ثور، والنعمان وأصحابه: المعنى
ولم يأكل، فإن أكل لم يؤكل ما بقي؛ لأنه أمسك على نفسه، ولم يمسك على ربه.
وقال سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وسلمان الفارسي، وأبو هريرة في
رواية عنه: المعنى وإن أكل، فإذا أكل الجارح كلبا كان، أو فهدا، أو طيرا، أُكل ما بقي
من الصيد وإن لم يبق إلا بضعة، وهذا قول مالك، وجميع أصحابه، وهو القول الثاني
للشافعي .
وقول الأولين هو الصواب؛ لما روى مسلم في (صحيحه)) من عديّ بن حاتم
رَظّيه، مرفوعًا: ((وإذا أكل فلا تأكل، فإنما أمسك علی نفسه»، وهذا نصّ صریح یرد
على القول الثاني، فتبصّر.
وقوله تعالى: ﴿وَأَذَكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيَّةٍ﴾: أمر بالتسمية قيل: عند الإرسال على الصيد،
وقيل المراد: بالتسمية هنا التسمية عند الأكل، والحقّ أنه يشمل الأمرين.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّقُواْ اللَّهَ ﴾ أمر بالتقوى على الجملة، والإشارة القريبة هي ما تضمنته
هذه الآيات من الأوامر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لأنه تعالى قد أحاط بكل شيء علما، وأحصى
كل شيء عددا، فلا يحتاج إلى محاولة عَدُ، ولا عقد، كما يفعله الْحُسّاب، ولهذا قال:
﴿وكفى بنا حاسبين﴾، فهو سبحانه يحاسب الخلائق دفعة واحدة. ويحتمل أن يكون
المراد به الوعيد بيوم القيامة، كأنه قال: إن حساب الله لكم سريع إتيانه، إذ يوم القيامة
قريب. ويحتمل أن يريد بالحساب المجازاة، فكأنه توعد في الدنيا بمجازاة سريعة

٣١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
قريبة، إن لم يتقوا الله. انتهى ملخّصًا من ((تفسير القرطبيّ)) رحمه اللّه تعالى.
والحديث مرسلٌ صحيحٌ، كما سبق بيانه في حديث أول الباب. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٥٨- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
سَعِيدٌ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: جَاءَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَزْم، بِكِتَابٍ فِي
رُقْعَةٍ مِنْ أَدَم، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بَهِ: ((هَذَا بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَ امَنُواْ
أَوَفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾))، فَتَلَا مِنْهَا آيَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: ((فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْعَيْنِ
خَمْسُونَ، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُّ الدِّيَّةِ، وَفِي
الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقْلَةِ خَمْسَ عَشَرَةَ فَرِيضَةً، وَفِي الْأَصَابِعِ عَشْرٌ عَشْرٌ، وَفِي
الْأَسْنَانِ خَمْسٌ خَمْسٌ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((أحمد بن عبد الواحد)): هو التميميّ المعروف بابن
عبود الدمشقيّ، صدوقٌ [١١] ٣٥٨٨/١. و((مروان بن محمد)): هو الأسديّ الدمشقيّ
الطاطَرِيّ، ثقة [٩] ١٢٨/ ١٠٩١. و((سعيد بن عبد العزيز)): هو التَّنُوخيّ الدمشقيّ،
ثقة إمام، سوّاه أحمد بالأوزاعيّ، وقدّمه أبو مُسهر، لكنه اختلط في آخر عمره [٧] ٥٪
٤٦٠ .
وقوله: ((في رُقعة))- بضم، فسكون -: هي التي يُكتب فيها، وما يُرقع به الثوب،
جمعها رقاع بالكسر، مثل بُزمة وبِرَام.
وقوله: ((من أدَم))- بفتحتين -: جمع أَدِيم، وهو الجلد المدبوغ، ويُجمع أيضًا على
أُدُم - بضمّتين- وهو القياس، مثلُ بَرِيد وبُرُد. أفاده الفيّوميّ.
وقوله: ((فريضة)): قال ابن الأثير رحمه اللّه تعالى: الفريضة: هو البعير المأخوذ في
الزكاة، سُمي فريضةً؛ لأنه فرضٌ واجبٌ على ربّ المال، ثم اتُّسِعَ فيه، حتى سُمِّي
البعير فريضةً في غير الزكاة. انتهى ((النهاية)) ٤٣٢/٣. والمراد به هنا الناقة التي تؤخذ
في الدية .
والحديث مرسلٌ صحيحٌ، كما سبق بيانه في حديث أول الباب. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٥٩- (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ:
حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
الْكِتَابُ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمِ، فِي الْعُقُولِ: ((إِنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنَ
الْإِبِلِ، وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِيَ جَدْعًا، مِائَةً مِنَ الْأَبِلِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ النَّفْسِ، وَفِي

٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثٍ عَمْرو حَزْم فِي ... - حديث رقم ٤٨٦٠
٣١٥
الْجَائِفَةِ مِثْلُهَا، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ، وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ، وَفِي كُلِّ
إِصْبَعِ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه
وهو مصريّ ثقة حافظ. و((ابن القاسم)): هو عبد الرحمن)) الْعُتقيّ الفقيه الثقة المصريّ.
و((مالك)): هو ابن أنس إمام دار الهجرة. و((عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم)): هو الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة [٥] ١١٨/ ١٦٣.
وقوله: ((الكتاب الخ)): مبتدأ خبره جملة: ((إن في النفس الخ)).
وقوله: ((في ((العُقُول)) متعلّق بـ(كتب))، وهو - بالضمّ - جمع عقل بفتح، فسكون:
وهو الدية. وقوله: ((إذا أوعي)) بضم أوله، مضارع أوعى المتاع بالألف: إذا جمعه في
الوعاء، قال الشاعر [من البسيط]:
الْخَيْرُ يَبْقَى وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ بِهِ وَالشَّرُّ أَخْبَثُ مَا أَوْعَيْتُ مِنْ زَادِ
والمراد به هنا قطع جميعه، فهو بمعنى ما تقدّم: ((وفي الأنف إذا أُوعِب جدعُهُ
الدية)): أي إذا قُطع جميعه.
والحديث مرسلٌ صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٦٠- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ،
قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ
أَعْرَابِيًّا أَتَى بَابَ رَسُولِ اللَّهِ وَّرَ، فَأَلْقَمَ عَيْنَهُ خَصَاصَةَ الْبَابِ، فَبَصُرَ بِهِ النَِّيُّ ◌ََّ، فَتَوَخَّاهُ
بِحَدِيدَةٍ، أَوْ عُودٍ؛ لِيَفْقَأَ عَيْنَهُ، فَلَمَّا أَنْ بَصُرَ انْقَمَعَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ نَّهِ: ((أَمَا إِنَّكَ لَوْ
ثَبَتَّ، لَفَقَأْتُ عَيْنَكَ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث، والحديث الذي بعده من أحاديث
الباب التالي، فكان الأولى إيرادهما فيه، لكن المصنّف كثيرًا ما يفعل هذا، فيقدّم بعض
أحاديث باب في باب قبله، وقد نبّهت على هذا قبل هذا مرارًا، فَلْيُتَبَّه. والله تعالى
أعلم.
ورجال هذا الإسناد: ستة :
١- (عمرو بن منصور) النسائيّ المذكور في أول حديث الباب.
٢- (مسلم بن إبراهيم) الأزديّ الفراهيديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة مأمون، مكثرٌ،
عَمِي بآخره [٩] ٢٣١٥/٦٢ .
٣- (أبان) بن يزيد العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقة، له أفراد [٧] ٩/ ٧٨٧.

٣١٦
F
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
٤- (يحيى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبتٌ، يدلّس،
ويرسل [٥] ٢٤/٢٣.
٥- (إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقة حجة [٤]
٠٦٨/٥٤
٦- (أنس بن مالك) رضي اللّه تعالى عنه ٦/٦ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ:
يحيى، عن إسحاق. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمه. (ومنها): أن فيه أنسًا
رَيّ خادم رسول اللّه وَله، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر
من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣)، وقد جاوز مائة. والله تعالى
أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبِّه (أَنَّ أَغْرَابِيًّا أَتَى بَابَ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ، فَأَلْقَمَ عَيْنَهُ خَصَاصَةَ
الْبَابِ) بفتح الخاء المعجمة: أي فرجته، قال المجد: ((الْخَصَاصُ، والْخَصَاصَة))،
و ((الْخَصَاصاء)) بفتحهنّ: الفقرُ، والْخَلَلُ، أو كلُّ خلَل، وخَرْق في باب، ومُنْخُلٍ،
وبُرْقُع، ونحوه، أو الثُّقْبُ الصغير، والْفُرَجُ بين الأَثَافي. انتهى.
والمعنى هنا: أنه جعل فرجة الباب مُحاذية لعينه، كأنها لقمة لها (فَبَصُرَ بِهِ) بضم
الصاد المهملة، وكسرها، قال المجد: بصُر به، ككرُم، وفرِح بَصَرًا، وبَصَارةً بالفتح،
ويُكسر: صار مُبصِرًا. انتهى: أي أبصر (النَّبِيُّ ◌ََّ) ذلك الأعرابيّ، وهو في تلك الحال
(فَتَوَخَّاهُ) بتشديد الخاء: أي قصده، وطلبه ليطعنه (بِحَدِيدَةٍ، أَوْ) للشكّ من الراوي
(عُودٍ) بالضمّ: أي خشب. وفي رواية البخاريّ من طريق عبيد الله بن أبي بكر بن أنس،
عن أنس ◌َظاني: ((أن رجلاً اطلع من بعض حُجر النبيّ وََّ، فقام إليه بمِشقص، أو
بمشاقص، وجعل يختِله ليطعنه.
والمشقص بالكسر: النصل العريض، وقوله: ((يَختله)) بفتح أوله، وسكون ثانيه، من
الختل، وهو الإصابة على غفلة.
(لِيَفْقَأَ عَيْنَهُ) بفتح، أوله، وثالثه، من باب منع: أي ليشُقّها (فَلَمَّا أَنْ) زائدة؛ لوقوعها
بعد «لَمّا)» الحينيّة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّآ أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىَّ بِهِمْ﴾ الآية

٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثٍ عَمْرو حَزْم فِی
.. - حديث رقم ٤٨٦١
٣١٧ ===
[العنكبوت: ٣٣] (بَصُرَ انْقَمَعَ) أي ردّ بصره، ورجع (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ بَيرِ (أَمَا) بفتح
الهمزة، وتخفيف الميم: أداة تنبيه، ((ألا)) (إِنَّكَ لَوْ ثَبَتَّ) أي على ما أنت عليه من النظر
في داخل البيت (لَفَقَأْتُ عَيْنَكَ) زاد في رواية سهل رَمّه الآتية: ((إنما جُعل الإذن من
أجل البصر)). وفيه تحريم النظر إلى داخل بيت غيره بغير إذنه، وأن لصاحب البيت أن
يفقأ عينه، وأنه لو فعل ذلك لا شيء عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث أنس بن مالك رَّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٦ / ٤٨٦٠- وفي ((الكبرى)) ٤٤ /٧٠٦٣. وأخرجه (خ) في
((الاستئذان)) ٦٢٤٢ و((الديات)) ٦٨٨٩ و٦٩٠٠ (م) في ((الآداب)) ٢١٥٧ (د) في
(الأدب)) ٥١٧١ (ت) في ((الاستئذان)) ٢٧٠٨ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين))
١١٦٤٤ و١٣٠٩٥ و١٣١٣١. وفوائد الحديث، واختلاف العلماء تأتي في الحديث
التالي، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٦١- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ
السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ جُحْرٍ، فِي بَابٍ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ
وَهُ ، مِذْرَى يَحُكُ بِهَا رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَآهَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَنْظُرُنِي،
لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الْإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١- (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (الليث) بن سعد الإمام المصريّ المشهور الحجة الثبت [٧] ٣٥/٣١ .
٣- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الحجة الثبت الفقيه [٤] ١/١ .
٤- (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ أبا العبّاس الصحابيّ ابن
الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما، مات سنة (٨٨هـ) وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة،
تقدّمت ترجمته في ٧٣٤/٤٠. والله تعالى أعلم.

٣١٨
:
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (٢٣٦) من رباعيات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم (أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما
(السَّاعِدِيَّ) نسبة إلى ساعدة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج بن حارثة بن
ثعلبة الأنصاريّ. قاله في ((اللباب)) ٢/ ٩٢ . (أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ جُخْرٍ) بتقديم
الجيم المضمومة، على الحاء المهملة الساكنة، واحد الْجِحَرَة، وهي مكامن الوحش،
ولَمّا كانت نَقْبًا في الأرض، سُمّي بذلك الثَّقبُ في الباب، وفي الحائط، وغير ذلك.
انتهى ((المفهم)) ٤٧٩/٥ أي من ثُقْب (فِي بَابٍ) وفي رواية عند البخاريّ: ((من باب))
(رَسُولِ اللهِ وَلِه، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَه مِذْرَى) بكسر الميم، وسكون الدال المهملة،
مِقصورًا: هي حديدة يُسَوَّى بها شعر الرأس. وقيل: هو شبه الْمُشط. وقيل: هي أعواد
تُحدّد، وتُجعل شبه المشط. وقيل: هو عُود تسوِّي به المرأة شعرها، وجمعه مَدَارَى،
ويقال في الواحد أيضًا: مِذْراة، ودرايةٌ أيضًا، ويقال: تدَرّيتُ بالمدرى. قاله النوويّ.
((شرح مسلم)) ١٤ / ١٣٧.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ: الْمِذْرَى بالدال المهملة: واحد الْمَدَاري، قال ثابتٌ: هي
الأمشاط، وفي هذا التفسير تسامحٌ، وأوضح منه، وأصحّ قول النضر بن شُميل، وابن
كيسان: إنه عُودٌ، أو عاجٌ تَنشُر به المرأة شعرها، وتَجعّده، قال امرؤ القيس [من
الطويل]:
غَدَئِرُهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إِلَى الْعُلَا تَظَلُّ الْمَدَارِي (١) فِي مُثَنَّى وَمُرْسَلٍ
وموؤنّئه مِذْراةٌ، وقد عبّر عنه في الرواية الأخرى: ((بمشقص، أو بمشاقص))، وقد
قلنا: إن المِشقص: نَصْلٌ عَريضٌ. وقيل: هو السّكّين، فيحتمل أن يكون هذا المدرى
من حديد، وكما يُعمل من عاج، وعُود يجوز أن يُعمل من حديد، أو يكون شبّهه
بالسكين. انتهى «المفهم)) ٤٧٩/٥.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((مِدرّى)) قد يخالفه قوله: ((مشقص))، فيحمل على تعدد
القصّة، ويحتمل أن رأس المدرى كان محدّدًا، فأشبه النصل. انتهى.
(يَحُكُ بِهَا رَأْسَهُ) أي يقشُره، يقال: حكَكتُ الشيءَ حَكًا، من باب قتل: قشرته،
(١) في الديوان: ((تَضِلُّ الْعِقَاصُ.

٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثِ عَمْرو حَزْم فِي ... - حديث رقم ٤٨٦١
٣١٩ =
والمراد تسريح شعره رَّه، فهو بمعنى رواية مسلم بلفظ: ((ومع رسول اللّه وَّلِ مِذْرَى
يُرَجّل به رأسه)). وترجيل الشعر: تسريحه، ومَشطه. (فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، قَالَ:
(لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَنْظُرُنِي) وفي رواية البخاريّ: (لو أعلم أنك تنتظرني))، ولمسلم: ((لو
علمت أنك تنتظرني))، قال النوويّ: هكذا هو في أكثر النسخ، أو كثير منها، وفي
بعضها: ((تنظرني))، بحذف التاء الثانية، قال القاضي: الأول رواية الجمهور، قال:
والصواب الثانى. انتهى.
(لَطَعَنْتُ بِهِ) أي بهذا المدرى (فِي عَيْنِكَ) بالإفراد، وفي رواية عند البخاريّ: ((في
عينيك)) بالتثنية. قال في ((الفتح)): وهذا مما يقوّي تعدد القصّة؛ لأنه في حديث أنس ◌َ ◌ّه
جزم بأنه اطّلع، وأراد أن يطعنه، وفي حديث سهل رَمّه علّق طعنه على نظره. انتهى.
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: يمكن أن يُحمل حديث سهل، وأنس
رضي اللَّه تعالى عنهما على أن الذي همّ به النبيّ وَّ من طعن الْمُطّلع على الخصوص
ببيت النبيّ بَّر؛ لعِظَم حرمته، وحرمة أهل بيته، غير أن حديث أبي هريرة تَطَّه
يقتضي إباحة ذلك عامّة في بيته، وبيت غيره، فإنه قال فيه: ((من اطّلَعَ في بيت قوم بغير
إذنهم، فقد حلّ لهم أن يفقؤوا عينه))(١)، فإذا هذا الحكم ليس مخصوصًا به. انتهى
((المفهم)) ٤٨١/٥.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قرره القرطبيّ رحمه الله تعالى أخيرًا من
عدم كونه مخصوصًا بالنبيّ وَّ هو الحقّ؛ للنصوص الواضحة فيه. والله تعالى أعلم.
(إِنَّمَا جُعِلَ الْإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ) وفي رواية للبخاريّ: ((من قِبَل البصر))، وفي رواية
(النظر)) بدل ((البصر)). قال النوويّ: قوله وَالر: ((إنما جُعل الإذن من أجل البصر)): معناه
أن الاستئذان مشروعٌ، ومأمور به، وإنما جُعل؛ لئلا يقع البصر على الحرام، فلا يحلّ
لأحد أن ينظر في جُخر باب، ولا غيره، مما هو متعرّض فيه لوقوع بصره على امرأة
أجنبيّة. انتهى ((شرح مسلم)) ١٣٧/١٤-١٣٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث :
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث سهل بن سعد الساعديّ تَظّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
(١) متفق عليه .

٣٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
أخرجه هنا-٤٦ /٤٨٦١ - وفي ((الكبرى)) ٧٠٦٤/٤٥. وأخرجه (خ) في ((اللباس))
٥٩٢٤ و((الاستئذان)) ٦٢٤١ و((الديات)) ٦٩٠١ (م) في ((الآداب)) ٢١٥٦ (ت) في
(الاستئذان)) ٢٧٠٩ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٢٢٩٦ و٢٢٣٢٦ (الدارمي) في
((الديات)) ٢٢٧٨ و٢٢٧٩ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (١):
(منها): جواز أخذ الإنسان حقّه ممن ظلمه، دون أن يسألَ الإمام، وهو الذي ترجم
له المصنّف في الباب الآتي؛ وذلك لأن الشارع أذن في فقأ عين من اطّلع في بيت قوم
بغير إذنهم، ولم يشرط في ذلك أن يأذن له الإمام. (ومنها): إبقاء شعر الرأس،
وتربيته، واتخاذ آلة يزيل بها عنه الهواءّ، ويَحُكُّ بها؛ لدفع الوسخ، أو القمل. (ومنها):
ما قاله القرطبيّ: فيه دليلٌ على استحباب إصلاح الشعر، وإكرامه، كما قال ◌َله: ((من
كانت له جُمٌ، فليُكرمها))(٢)، ولكن لا ينتهي بذلك إلى أن يخرُج إلى الترفّه، والسرَف
المنهيّ عنه بقوله ◌َّ فيما رواه عنه فَضَالة بن عُبيد رَّه، حيث قال: ((نهانا رسول الله
وَّر عن كثير من الإرفاه، وأمرنا أن نحتفي أحيانًا))(٣) انتهى ((المفهم)) ٤٨٠/٥.
(ومنها): أن فيه مشروعيةً الاستئذان على من يكون في بيتٍ مُغلَق الباب. (ومنها):
تحريم التطلع على من كان داخل بيت مغلَق من خلل الباب. (ومنها): استحباب
الامتشاط، وجواز استعمال المدرى، قال النوويّ: قال العلماء: الترجيل مستحبّ
للنساء مطلقًا، وللرجل بشرط أن لا يفعله كلّ يوم، أو كلّ يومين، ونحو ذلك، بل
بحيث يخفّ الأول. انتهى ((شرح مسلم)) ١٣٧/١١٤. (ومنها): أن الاستئذان لا
يختص بغير المحارم، بل يُشرع على من كان منكشفًا، ولو كان أما، أو أختا. (ومنها):
أنه استُدِلّ به على جواز رمي من يتجسس، ولو لم يندفع بالشيء الخفيف جاز بالثقيل،
وأنه إن أصيبت نفسه، أو بعضه فهو هدر، وبهذا قال الجمهور، وخالف المالكيّة،
فقالوا: لا يجوز ذلك، وما قاله الجمهور هو الحقّ؛ لصحّة الأحاديث بذلك، وسيأتي
تمام البحث فيه في الباب التالي، إن شاء اللّه تعالى. (ومنها): ما قاله القرطبيّ في
((المفهم)) ٥/ ٤٨٠ -: قوله: ((إنما جُعل الاستئذان من أجل البصر)): فيه دليل على صحة
(١) ليس المراد فوائد هذا الحديث فحسب، بل المراد فوئد الحديث الماضي، والأحاديث الآتية،
فتنبه .
(٢) حديث صحيحٌ، أخرجه أبو داود وغيره، من حديث أبي هريرة تَمّ، بلفظ: ((من كان له شعرٌ،
فليُكرمه)). انظر ((السلسلة الصحيحة)) رقم ٥٠٠ .
(٣) حديث صحيح سيأتي للمصنّف رحمه الله تعالى في ((كتاب الزينة)) برقم ٧/ ٥٠٦٠ إن شاء الله
تعالی.